المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1999046
يتصفح الموقع حاليا : 1029

البحث

البحث

عرض المادة

تلقين النبي كيف يحاج قومه بعد أن كذبوه

تلقين النبي كيف يحاج قومه بعد أن كذبوه

قال تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (21)

قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(11) « ثم » تعني (طول المسافة الزمنية الفاصلة بين "المعطوف" و"المعطوف عليه" ) ، فالسير في الأرض المقصود به السعي على طلب الرزق والاجتهاد في المعاش وبصفة عامة حركة الحياة ، فمصير المكذبين يحتاج لفترة زمنية لكي يتحقق ضمن مجريات الحياة ، فلا يستعجل صناع الحياة أن يزيل الله الباطل عنهم ، بل عليهم أن يمضوا في سعيهم وإصلاحهم ، ولا ينتظروا إزاحة الباطل .

ومن جهة أخرى فإن السائر في ضروب الحياة يرى ألوانا شتى من العبر والدروس ،فقريش تسير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن ما يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم ، ليأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم ، فهذه الآية تحض على قراءة التاريخ واستقراء العبر من بين السطور ، أي قراءة تحليلية ، وليس مجرد سرد حكايات الغابرين .

قال صاحب الظلال (السير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث والوقائع أمور كلها كانت جديدة على العرب ، لقد كانوا يسيرون في الأرض ، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش ، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديداً عليهم ، كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار ، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث ، كما يحدد الترابط بين النتائج والمقدمات ، وبين المراحل والأطوار ... فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق؛ ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني ، والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية ، وهي فترة لا تكفي إطلاقاً لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية ، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب ، لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية؛ ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد ، الذي جاءهم به محمد  من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة) .

قال تعالى (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ..) (12) حضت الآيات النبي  أن يُذَكِّر قومه بصنع الله ولكن بصيغة السؤال والاستفهام حتى يحرك عقولهم إزاء هذه الآية فيتفكروا في ظروف المكان التي تحيط بالإنسان .

والغرض من السؤال معرفة هل عندهم شبهة تمنعهم من أن ينسبوا ما يرونه مما يحيط بهم من ظروف المكان لله تعالى خالق كل شيء ، فالسماء فوقهم والأرض تحتهم ، فمن الذي فعل ذلك ؟ فإن كان عندهم علم غير الله فليأتوا به ، وإن لم يجيبوا ، فأجبهم أنت بقولك الله هو الذي خلقهما ، فمن غيره يقدر على ذلك ؟

قال تعالى (..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) (12) أي (قضى بها وأوجبها على نفسه) - فضلا منه ومنة على خلقه -، وذكر رحمة الله في معرض السؤال عمن ما في السماوات والأرض ، تضمن سؤالا ضمنيا ، هل تعرفون ربكم باسم الرحمن ، قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)(الفرقان60) ، قال تعالى (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)(الرعد30) .

(ومظاهر رحمة الله متجلية في الناس أنه يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم لكنهم يكفرونه ويعصونه ، وما حمدوه ولا شكروه حق شكره) ، فهي رحمة أوجبها على نفسه ، وهي من السعة بأن تسع الخلائق كلها ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ  أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) .
ومع سعة رحمة الله بعباده في الدنيا فإن النصيب الأكبر من رحمته مدخر للآخرة ، فعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .

ومن الملاحظ أن عبارة (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: 12] جاءت في سياق التهديد الشديد للمستهزئين ، لطمأنة القلوب، وفتح باب الأمل والتوبة ، فرغم شناعة فعل المستهزئين والتهديد المخيف بعذابهم، بيّن الله تعالى أنه أوجب الرحمة على ذاته لئلا ييأس عاصٍ، ولكي يدرك العباد أن عقوبته تأتي بعد إقامة الحجة، وليس تعجيلاً للانتقام
وقد تكررت الآية في السورة في قوله (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام54)

قوله (..لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ..) (12)يقول الشيخ أبو بكر الجزائري (ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها ، أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله : (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه " أى الكائن الآتى بلا ريب ولا شك) .

ولذلك فإن أهل التوحيد وإن عصوا فإنهم يعلمون أن الله يجمعهم يوم القيامة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ) ، ولعله أمر بفعل هذا ليرحمه الله عندما يرى خشيته منه ، وقيل أنه فعل ذلك (تَحقيرًا لنَفسِه، وعُقوبةً لها بعِصيانِها، وإسرافِها، وتَذلُّلًا ورَجاءً أن يَكونَ هذا سَببًا إلى رَحمَتِه، ولَعلَّه كان مَشروعًا في مِلَّتِه) .
قال ابن عبد البر (وذلك دليل على إيمانه إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن بل لعالم قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر28) ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به وقد روى الحديث قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه والأصول تعضدها (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (النساء48) ، وقد (قال فغفر له) ، ولأبي عوانة من حديث حذيفة عن الصديق أنه آخر أهل الجنة دخولا) .
وقال ابن تيمية تعليقا على هذا الحديث (هذا جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة ، ومع هذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده خائفا من عذابه ، وكان جهله بذلك جهلا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله غفر الله له)
قوله (..الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (12) قال ابن عاشور (معنى "خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ" عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير، وذلك أنهم لما أعرضوا عن التدبر .. فقد أضاعوا علي أنفسهم أنفع سبب للفوز في العاجل والآجل، .. ، فعدم الإيمان مسبب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع) .
فإهمالهم التدبر من جهة ، وتعطيل أجهزتهم التي أنعم الله عليهم بها من جهة أخرى حال بينهم وبين فهم مراد الله ، وما عنده من الثواب والعقاب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) .

يقول الشيخ ابن العثيمين (فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب الخوف أو الرجاء إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استنادا إلى مغفرة الله ورحمته ، فليعدل عن هذه الطريق وإن رأى أن عنده وسواسا، وأن الله لا يقبل منه فإنه يعدل عن هذا الطريق إلى ما يصلحه في حال الصحة وفي حال المرض)

ويقول صاحب الظلال (إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين ..لابد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة أو محجوبة مغلفة ، فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها ، بفقدانهم أجهزة الاستقبال .. ، ومن ثم فهم لا يؤمنون .... وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم . . وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم . وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم!) .

قال تعالى (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (13) أراد الله أن ينشط أجهزة الاستقبال والاستشعار والإحساس بالكون لدي هؤلاء المعرضين ، وذلك بأسلوب تقرير خبري عن ظرف الزمان الذي يعيش فيه الإنسان ، فلا حاجة لتكرار السؤال لمن عجز عن أن يقر بملكية الله للسماوات والأرض ، ولذلك جاء التقرير - هنا - مباشرا بأن الله هو الذي خلق الزمان ، وأية ذلك تعاقب الليل والنهار ، يقول الشعراوي (ما دام الحدث قد وُجد فلابد له من زمان ولابد له من مكان ، أما مكان الحدث فهو السماء والأرض ، وما بينهما ، وأما زمان الحدث فهو الليل والنهار ، إذن فالحق قد تكلم عن خلق الزمان من بعد أن أعلن لنا أنه خالق المكان) .

 

قال البغوي في قوله (مَا سَكَنَ) أي: (استقر)، قيل: (أراد ما سكن وما تحرك)، كقوله:(سرابيل تقيكم بأسكم) أي: (الحر والبرد) (هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر) ، وقيل: (إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر) ، والسكون في الليل كناية عن الخفاء والاختباء ، وعطف النهار عليه من باب الشمول والعموم ، كما في قوله (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد 10)

والمقصود عموم ملكه سبحانه وإحاطته بالمكان والزمان ، قال ابن عاشور (وتخصيص الليل بالذكر لأن الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاء،فهو كقوله: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) [الأنعام:59] ، وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول،لأن الليل لما كان مظنة الاختفاء فيه قد يظن أنه لا يقصد إلى الاطلاع على الساكنات في النهار، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة بالمعلومات) .


فنعمة السكن من أظهر نعم الله على عباده ، يقول النبي  (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) .

وذكر هذه النعمة التي أنعمها الله على عباده بأسلوب الاختصاص بتقديم (المسند) خبر شبه الجملة "الجار والمجرور" في قوله (وله) على المسند إليه (ما سكن) ، تأكيد على أن الله وحده هو المنعم على الجميع بتلك النعم ، فلا يشاركه في هذا الفضل أحد ، أفلا يختص -كذلك - بحقه في الألوهية والتشريع والحكم؟ ، فلا يشاركه فيه أحد .
قوله (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) أي (معبودًا أُوَالِيه بالعبادة والمحبة) غير الله ، وهو أسلوب استنكار كما في قوله (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) [الزمر:64]، قال الرازي (هذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى) .

يقول الشعراوي (تطرأ علي الإنسان أحداث تؤكد له أنه ضعيف ، وساعة ضعف الإنسان لا بد وأن يأوي إلى من هو أشد منه قوة ، قال تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) [الشورى: 9] ، إن الولي - وهو الله - قوته لا يمكن أن تصير ضعفاً ، وغناه لا يمكن أن ينقلب فقراً ، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل ، إنه مُغيِّر ولا يتغير ، ولذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليّاً لهم) .

قال ابن القيم (كثير من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصرا بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء .
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه
وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ولا إلها ولا غيره حكما ) .

وقال ابن القيم (وحقيقة التوحيد وحقيقته إخلاص الدين كله لله ، بمعنى أن يفنى العبد في هذا التوحيد ، وهو فناء مقرون بالبقاء ، بإثبات ألوهية الحق في القلب ، وتنفي الإلهية عما سواه ، بذلك يجمع العبد بين النفي والإثبات ، فالنفي هو الفناء ، والإثبات هو البقاء ، وذلك تفصيل قوله (لا إله إلا الله) ، وحقيقته أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه ، وبخشيته عن خشية ما سواه ، وبطاعته عن طاعة ما سواه ، وكذلك بموالاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض إليه والتحاكم إليه واللجوء إليه والرغبة فيما عنده) .

قوله (..فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) أي أن الاستدلال بالله خالق السماوات والأرض كاف بتوحيده وقطع الموالاة عما سواه ، ونظير ذلك قوله تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (إبراهيم 10) .
وقد كان النبي  يدعو ربه بهذه الصفة ، فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ  يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

قوله (..وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ..) (14) أي : (يَرْزُق ولا يُرْزَق) ، أي (المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع) ، قال تعالى (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) (الشعراء 79) ، وخص الطعام من مجمل النعم لأنه رزق مباشر من الله للإنسان ، وهو المقوم الأساسي للحياة ، فنعمة الطعام من أظهر النعم ، قال تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس 24-32)
قال ابن عثيمين في الشرح ( لولا أن الله تعالى يسر لك هذا الطعام ما حصل لك كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) فالإنسان ، لولا أن الله ييسر له الطعام من حين أن يبذر ثم ينبت ثم يحصد ثم يحضر إليه ثم يطحن ثم يعجن ثم يطبخ ثم ييسر الله له الأكل ما تيسر له ذلك) .

 

وشكر الله على هذه النعمة عظيم الثواب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)

كما يقتضي إقرار العبد بنعمة ربه عليه أن يتحرر من عبادة أسباب الرزق ، ولكن يعبد الله المسبب المباشر وحده ، وهو الله سبحانه ، فلا يسأل أحدا غيره ، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ, إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فإذا استيقن المسلم ذلك لم يذل لنفسه لغير الله تعالى ، فعن النبي  فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي) ، قال المناوي (فاستطعموني) اطلبوا مني الطعام (أطعمكم ) أيسر لكم أسباب تحصيله) .

يقول ابن تيمية (الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعْتَمِدًا عَلَى اللَّهِ لَا عَلَى سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَاَللَّهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا يُصْلِحُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ،فَإِنْ كَانَتْ الْأَسْبَابُ مَقْدُورَةً لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهَا فَعَلَهَا مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ،كَمَا يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَكَمَا يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ وَيَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيَلْبَسُ جُنَّةَ الْحَرْبِ وَلَا يَكْتَفِي فِي دَفْعِ الْعَدُوِّ عَلَى مُجَرَّدِ تَوَكُّلِهِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ ، وَمِنْ تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَهُوَ عَاجِزٌ مُفَرِّطٌ مَذْمُومٌ) .

قوله (..وَلَا يُطْعَمُ..) (14) فكما كشفت الآيات عن مدى حاجة العبد إلى الطعام ، ومن ثم افتقاره لخالقه ورازقه ، فإذا كان ذلك هو شأن العباد ، فإن هذه الصفة ممتنعة على الله ، فحاشا لله تعالى أن يفتقر إلى مطعم ومشرب وما يحتاجه الإنسان من تنفس وتناسل ...الخ ، فهذا كله ممتنع عن الله ، وحاشا لله أن يكون به مثل هذا النقص ، قَالَ النَّبِيُّ  (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) .

لكنها تضاف إلى الله سبحانه على سبيل المجاز كما جاء في الحديث القدسي (يقول الله استطعمتك فلم تطعمنى قال فيقول يا رب وكيف استطعمتنى ولم أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي ، ابن آدم استسقيتك فلم تسقنى فقال يا رب وكيف اسقيك وأنت رب العالمين فيقول ان عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو كنت سقيته لوجدت ذلك عندي) .

قوله (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ..) (14) وهذا يدل على أنه انقاد لأمر الله دون انتظار لأن ينضموا هم لهذا الأمر ، فأمر إسلامه متأصل في قلبه ، لا علي سبيل التبع ، فهو أول المسلمين في زمانه ، وذلك دليل على عظم المسئولية لأن أول الشيء دليله ، فكون أن النبي  أول من أسلم من أمته ، فإنه بذلك يكون دليل لها ومرشدها وناصحها الأمين ، وكل نبي أرسل إلى قومه كان يقول (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) ، أي أمين لإرشادكم وهدايتكم ، فبدلالة هذه الآية تأكد أن النبي  قدوة لأمته ، فبسيرته وحياته نقتدي ، وعلى سنته نقتفي أثره ، متبعين غير مبدلين .

وتضمنت الآية مبادرة إلى تكوين النواة الصلبة من المسلمين الذين يكونوا قدوة لمن بعدهم ، وهو ما فعل النبي  مع أصحابه الذين جاهدوا معه ونصروه كل غزواته ، حتى قال النبي  فيهم (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) ، فأضحوا هم كذلك قدوة بعد النبي  ودليلا ومرشدين لنا على الطريق .

قوله (...وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (14) هو خطاب مباشر من الله لنبيه محمد  ناهيا له عن الشرك بكل صوره ، فتضمن إثبات عصمة النبي  من الشرك الأكبر والأصغر ، فضلا عن الرياء وحب السمعة ، ومن اتبع النبي  كان من عباده المخلصين والموحدين ، وهذا من باب المسارعة في سد أكبر أبواب المنكر وهو الشرك بالله تعالى ، وقد كان النبي  يستعيذ من الشرك ، فعن معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي  فقال يا أبا بكر "للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل" فقال أبو بكر :وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر؟ قال النبي  "والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل : "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم") .

قال الغزالي : (ولذلك عجز عن الوقوف على غوائله سماسرة العلماء فضلا عن عامة العباد ، وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها وإنما يبتلى به العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة فإنهم مهما نهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم فوجدت مَخْلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم ، فنازعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى إطلاع الخلق ولم تقنع بإطلاع الخالق ،وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه للشهوات وتوقيه للشبهات وتحمله مشقات العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء –الاعتزاز- ونظروا إليه بعين الاحترام وتبركوا بلقائه ورغبوا في بركته ودعائه وفاتحوه بالسلام والخدمة وقدموه في المجالس وأكرموه في المحافل غاية الإكرام ، وسامحوه في البيع والمعاملات وقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس ، وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقرين ، فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات ، وشهوة هي أغلب الشهوات ، فهو يظن أن حياته بالله وبعبادته المرضية وإنما حياته بهذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة القوية ، ويرى أنه مخلص في طاعة الله ومجتنب لمحارم الله والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا بما نالت من المنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال وقد أثبتت اسمه في جريدة المنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ومهواة لا يرقى منها إلا المقربون ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة) .

فمن عصمه الله من الشرك الخفي فقد فاز ونجى ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ، قال العلماء أي (من الشرك الجلي)، (أما الخفي وهو نحو الرياء فغير مانع من دخول الجنة) ، أي (وإن ارتكب كل كبيرة فلا بد من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار) ، قال النووي (أما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة ، فإن عفى عنه دخل أولا وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد فى الجنة) .

ومن جهة أخرى فإن من نجا من فتنة "الشرك الأكبر" فإنه لا يأمن من فتنة "الدنيا" التي هي نوع آخر من الشرك ، حين تكون محبتها معادلة ومساوية لمحبة الآخرة ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ  عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ "أَيْلَةَ" إِلَى "الْجُحْفَةِ" إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) ، أي (أن رسول  في تلك الساعة كان لا يخشى على أمته الشرك) ، والمعنى أنه كان يتحدث مع أصحابه الذين جاهدوا معه في غزوة "أحد" ، وقد ثبتوا بعدما انخزل المنافقون وتركوا الجيش ، فلم يثبت معه غير الصادقون ، وهؤلاء لا يُخشى عليهم من الشرك"-أي الأكبر- ، لأنهم ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ولم يهابوا الموت ، وإنما خشي عليهم النبي  من أن تأتيهم الفتنة من جانب آخر ، وذلك حين يُمكنهم الله تعالى فتُفتح عليهم الدنيا ، فيصيرون للشرك من جهة أخرى ، أي من جهة تفضيل الدنيا على الآخرة .

قوله (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (15) جمع مخاوفه كلها في كلمة واحدة (معصية ربه) فالخوف من المعصية دليل علي الحرص على الطاعة والتوبة ، وعاصم من الوقوع في المعصية ، فالمؤمن يشمئز من المعصية لأنه يجد لذة القرب من الله ، والعكس كذلك صحيح ، قال ابن القيم (يجد المذنب نفسَه مستوحشًا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه ، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ، وأمَرُُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين ، وأطيب العيش عيش المستأنسين) .

والنجاة من المعصية يكون بالخوف من شؤمها الذي يؤدي إلى الحرمان من الطاعات والاستزادة منها ، قال ابن القيم (المعاصي تزرع أمثالَها وتُولِّد بعضها بعضا حتى يعِز على العبد مفارقتها والخروج منها ، .. فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها أعملني أيضا ،فإذا عملها قالت الثانية كذلك وهلم جرا ،فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات ، وكذلك كانت السيئات أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة) .
(فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الارض بما رحبت ، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتي يعاودها ، فتسكن نفسه وتقر عينه ، ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتي يعاودها حتي أن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية اليها إلا لما يجد من الالم بمفارقتها ) .
يقول الأعشى :- وَكَأسٍ شَرِبتُ عَلى لَذَّةٍ ..... وَأُخرى تَداوَيتُ مِنها بِها
وقال آخر : - وكانت دوائى وهي دائي بعينه ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

وخير علاج لمن اقتراف المعاصي هو الانشغال بالطاعات لتكون دليله ومرشده ، ذلك أن التزود بالصالحات ينهى عن الآثام ، قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت 45) ، فمن استيقظ لصلاة الفجر وقرأ قرآن الفجر وجد همة لأن يستكمل اليوم على ما بدأه من خير ، قال رسول الله  (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)

والنصيحة لمن يخاف المعصية أن يدلج في السير ، فيجتهد في الطاعات قدر استطاعته ، قال  (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) ، قال ابن عثيمين ("أدلج" يعني مشي في "الدلجة" وهي أول الليل ، ومن أدلج بلغ المنزل لأنه إذا سار في أول الليل فهو يدل على اهتمامه في المسير وأنه جاد فيه ، ومن كان كذلك بلغ المنزلة) ، قال المناوي (المراد التشمير في الطاعة، فمن خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالعمل الصالح خوف القواطع والعوائق ، وقيل هو حث على قيام الليل ، جعل قيامه من علامات الخوف لأن الخائف يدلج أي منعه الخوف من نوم كل الليل) .

قوله (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)(16) ، من ذلك نفهم أن الذي يستوجب الدخول في رحمة الله اجتناب نواهيه وأخصها الشرك بالله ، فإن زل العبد فليبادر بالتوبة كي يقي نفسه مس النار ويظل في رحمة ربه ، قال المولى سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) ]طه:82[ ، فإن حظي بذلك فقد فاز ، قال تعالى (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران 185) .

قوله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (17) ذلك من باب التسليم بالقضاء والقدر والرضى والإيمان به ، قَالَ تَعَالَى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) ،قال رسول الله  (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) ، وقد جاء لفظ "الضر" في مقابلة "الخير" ، عدولا عن لفظ "الشر" لأنه ليس من شر يأتي من الله ولا ينسب إليه ، بل إن الضر قد يأتي بالخير كذلك ، ذلك أن مع العسر يسرا ، وأن النصر مع الصبر .

والإتيان بلفظ (يمسسك) في الضر والخير دليل على سرعة تبدل الحال ، ولابد أن يحصل ذلك ، فلا يغرق أحد في الخير مطلقا ، ولا في الضر أبدا ، بل لابد وأن تعتريه المتغيرات كلها ، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء 35) ، وقال (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف 168)، يقول النبي  (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .

قوله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.. ) (17) قال الشوكاني : والمعنى : (أن الله سبحانه هو الضار النافع . فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان ، بل هو المختص بكشفه كما اختصّ بإنزاله)

والحكمة من الابتلاء بالضر عظيمة ، فأيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض ثم شفاه ، فكانت حكمته أن يبتليه ثم يشفيه ليعطى من الثواب العظيم ، والخير الكبير ، قال رسول الله  (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ)

ولا أحد يكشف الضر إلا الله ، كما في قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء 80) ، ولا ينبغي للعبد أن يستعجل كشف الضر عنه ، لأن الله تعالى يكشفه عندما يحين أجله ، وكل شيء عنده بمقدار ، ولذلك قال نبي الله أيوب على استحياء (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)(الأنبياء).

فإذا كان هذا الضر في الدنيا فأمره هين ، وإن كان في الدين فمصيبته عظيمة ، قال ابن القيم (ومن أعظم الضر حجاب القلب عن الرب وهو أعظم عذابا من الجحيم) ، واستشهد بقوله (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم) ، وهذا الضر لا يكشفه كذلك إلا الله ، قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد17) ، وقال (..وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص 56)

قوله (..وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (17) ذلك المساس أن يتلقي العبد نفحة من رحمات ربه ، فعن أنس بن مالك : أن رسول الله  قال : (اطلبوا الخير –وفي رواية افعلوا الخير - دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن الله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم و يؤمن روعاتكم ) ، فعلى العبد أن يتلمس المواطن التي أخبرها عنها النبي  التي تنزل فيها رحمات الله ، كيوم عرفة ..، والمقصود هو استغلال الفرص كالتي تغلغل فيها الشياطين في شهر رمضان ، وأوقات السجود حيث يكون العبد أقرب من ربه وهو ساجد ، وأوقات الصلاة ، وتحين مجالس العلماء حيث تحفها الملائكة ..الخ .
قال المناوي (والمعنى اطلبوا الخير متعرضين لنفحات رحمة ربكم بطلبكم منه) ، فقيل (التعرض للنفحات الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة حتى إذا مرت نزلت بفناء القلوب) ، قال الغزالي (والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة)

والأمثلة على ذلك كثيرة ، منها الثلث الأخير من الليل ووقت السحر ، قال رسول الله  (قَالَ يَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ) ، ويقول النبي  (إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ) .

ومن صور المساس بالخير أن يسمع العبد وهو سائر آية من آيات الله تتلى عليه فتناله بركتها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (مَنْ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وخير خير يمس المؤمن أن يفقه مسألة في الدين ، فإذا أراد الله بعبده خيرا يفقه في الدين ، لقول رسول الله (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) ، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  يَا أَبَا ذَرٍّ لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ) ، ويعضده قول النبي  (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)

قوله (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (18) القَهَّارُ من صفات الله عز وجل ، قال أهل اللغة (القَهْرُ الغَلَبة ، والأَخذ من فوق) ، قال الفراهيدي (يُقالُ أخذهم قَهْراً أي من غير رضاهم) ، قال الأَزهري (والله القاهرُ القَهّار قَهَرَ خَلْقَه بسلطانه وقدرته وصَرَّفهم على ما أَراد طوعاً وكرهاً والقَهَّار للمبالغة) .

فصفة القهار تليق به سبحانه ، فما من ملك من ملوك الدنيا إلا قهره الله بمرض وبسلب ملكه ثم قهره بالموت ، (ولم يأت اسم الله القاهر في السنة إلا في حديث حصر الأسماء الحسنى عند ابن ماجة)

والفوقية صفته وتقتضي علو الشأن وتنفي المماثلة مع خلقه ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى 11) ، أي (وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء ، وعلا بذاته على عرشه فوق كل شيء وعلو الشأن ، فتعالى عن جميع النقائص والعيوب المنافية لإلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى) .
قال العلماء (اجتماع "علو القهر" مع "علو الفوقية" يعني أنه الملك من فوق عرشه الذي علا بذاته فوق كل شيء والذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء)

قال السهيلي (ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه) ، معنى كلامه إثبات صفة "الفوقية" لله جائزة ومعقولة إذا كانت تدل على فوقية القهر والقدر والعلو المطلق الذي يليق بجلاله، بينما تُمنع وتُستحيل إذا كان يُقصد بها الفوقية المكانية المادية (التحديد والتحيز) التي تؤدي إلى التشبيه بالمخلوقات ، قال أبو حيان (وأبعد من قال أن "فوق" تدل على أنه تعالى حال في الجهة التي فوق العالم ، إذ يقتضي هذا القول التجسيم ، والجمهور ذكروا أن الفوقية هنا مجاز) .
قال الشيخ البراك: قول السهيلي: "ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق ..... ": هذا يتضمن أن الفوقية منها ما يستحيل على الرب سبحانه فيجب نفيه، ومنها ما لا يستحيل عليه فلا مانع من إثباته، وعليه يحمل ما جاء من وصف الله تعالى بالفوقية. وهذا التفصيل مبني على نفي علو الله تعالى بذاته على خلقه واستوائه على عرشه؛ فالفوقية ثلاثة أنواع-:
1- فوقية الذات
2- فوقية القدر
3- فوقية القهر
ونفاة العلو من الجهمية ومن تبعهم يثبتون فوقية القدر والقهر دون فوقية الذات
وأهل السنة والجماعة يثبتون له سبحانه الفوقية بكل معانيها؛ كما قال تعالى: "وهو القاهر فوق عباده"، كما يقولون مثل ذلك في العلو؛ فعندهم أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه.

قوله (..وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (18) ذكر صفتي (الحكيم الخبير) يدل على أن الله تعالى يقهر عباده بحكمة ، لا من باب العبث ، بل هو خبير بأحوال عباده ، فيقهرهم بالكيفية وفي الوقت المناسب لأحوالهم .

قال ابن كثير " هو الذى خضعت له الرقاب ، وذلت له الجباه، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شىء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه الأشياء ، وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه " ، فقوله (وَهُوَ الْحَكِيمُ) أي: (في جميع ما يفعله) ، وقوله (الْخَبِيرُ) أي : (بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق)
قوله (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (19) بعدما انتهت الآيات من تعريف الذين كفروا بالإله الحق وبينت صفاته وعظمته شرعت بعد ذلك في الإتيان بدلائل النبوة ، ذلك أنه لما كان كل نبي مؤيد بمعجزة من الله تشهد له بصدق نبوته ، كان السؤال أين معجزة النبي  ؟ فأحالت الآيات إلى القرآن المنزل عليه الذي هو كلام الله فهو أكبر شهادة لنبوته .

فقوله (..اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ..) (19) أي كلامه المنزل على عبده وهو "القرآن الكريم"، فالقرآن هو معجزة هذا الدين ، قال المفسرون (سألت قريش شاهداً على صحة نبوة محمد  فقالوا : أي دليل يشهد بأن الله يشهد لك؟ فقال : هذا القرآن تحديتكم به فعجزتم عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه) ، وعليه كان لزاما أن يتضمن الخطاب الدعوي شيئا من القرآن الكريم حتى يكون للخطاب شاهد عليه ودليل علي صدقه .

قوله (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(19) أي (لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به أيضاً جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم) ، قال الشنقيطي (صرح في هذه الآية الكريمة بأنه  منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً من كان) ، قال ابن تيمية (فكل من بلغه القرآن فهو مخاطب به يتناوله خطاب القرآن) ،وقال (فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه دون ما لم يبلغه) .

فإذا كان الأمر كذلك فإن بلاغ هذا القرآن للكافة فرض على الكفاية لقول رسول الله  (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) ، أي على مجموع الأمة ، وقال ابن تيمية (فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ فَقَدْ أَنْذَرَهُ الرَّسُولُ بِهِ) .

فقوله (..وَمَنْ بَلَغَ..) يقصد بهم على وجه الخصوص أهل الكتاب الذين يعرفون صفة النبي  في كتبهم ، بل ويستفتحون على مشركي مكة قرب قدومه .

لكن المعنى العام للآية أي "ومن بلغه القرآن" : (فكل من بلغه القرآن وتمكن من فهمه فهو منذر به) ، قال ابن تيمية (والأحاديث التي رويت في امتحان الأطفال والمعتوهين والهالك في الفترة إنما تدل على امتحان من لم يعقل الإسلام فهؤلاء يدلون بحجتهم أنهم لم تبلغهم الدعوة ولم يعقلوا الاسلام ..، وعدم ترتيب الأحكام عليهم في الدنيا قبل البلوغ لا يدل على عدم ترتيبها عليهم في الآخرة)

أما من لم يبلغه القرآن دون تقصير منه فهو معذور ، ولم تقام عليه الحجة حتى يبتلى بالعلم فيعمل بما علم ، فعن النبي  قال (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة فأما الأصم فيقول : يا رب جاء والصبيان يقذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ) قال : (فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) .

قوله (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)وهذا هو بيت القصيد ، إذ يبين إشكالية كل نبي مع قومه ، وهي أنهم يشركون بالله ، ويشهدون بذلك زورا وبهتانا ، وهو يؤمن بالله ويكفر بما يشركون به ، ويدعوهم إلى توحيد الله تعالى ، ويتبرأ من شركهم .
فحال النبي  معهم كحال مؤمن آل فرعون من قومه قال تعالى (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (42) .
وحال قريش مع نبيها محمد  مثل حال بني إسرائيل مع موسى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف 138) .

وأكثر صور الشرك شيوعا في العبادة هي الالتفات إلى الأسباب ، واعتقاد أن السبب بذاته ينفع أو يضر ، والله سبحانه قادر على أن يعدم هذه الأسباب فاعليتها فلا تنفع ولا تضر ، مثال ذلك الأجير لدي صاحب العمل قد يطيعه في معصية الله حتى لا يفصله عن العمل فيظن أنه مضطر لذلك حتى لا ينقطع رزقه ، فإن اعتقد ذلك فهو مشرك بالله ، لأنه اعتقد أن العمل هو الذي يرزقه ، فصار عبدا للعمل وما هو إلا سبب للرزق ، والله هو الرزاق بلا سبب ، قال ابن تيمية (الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ .. . وَبَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى السَّبَبِ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ لَمْ يُسَخَّرْ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ) .

قوله (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (20) التفات إلى من بلغهم علم الكتاب المشار إليهم بقوله سبحانه (وَمَنْ بَلَغَ) ، فهم أهل الكتاب – على وجه الخصوص - الذين يعرفون النبي  كما يعرفون أبناءهم لشدة معرفتهم بعلاماته ، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف 157) ، فهم يشهدون لنبيهم بالصدق لأنهم أُخبروا بعلاماته في كتبهم .

لكن بعضهم ولأنهم عبدوا الأسباب أي (الدنيا) باعوا دينهم بثمن بخس ، فخسروا أنفسهم ، وحال ذلك بينهم وبين شرف تصديق النبي  ونصرته ، ولأجل ذلك حرفوا التوراة والأنجيل لتوافق أحكامهما المزيفة أهواءهم ، بذلك حذفوا منهما ما يصدق النبي  افتراء على الله وتكذيبا لنبيهم  .

قال الشيخ الشعراوي (خسروا أنفسهم؛ لأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً . وخسارة النفس تفوق خسارة المال؛ لأن خسارة المال مردودة ، ولكن خسارة النفس أمرها كبير ...لكنَّ بعضاً من أهل الكتاب أحبوا الدنيا على الآخرة وفصلوا بين الاثنتين فأخذوا حظاً قليلاً من الحياة الدنيا وخسروا الآخرة) ، قال ابن عاشور في قوله تعالى (خسروا أنفسهم)أي عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير) ، قال السيوطي في قوله تعالى (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (لأنهم كفروا به بعد المعرفة) .

قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (21) الظلم المنسوب لأهل الكتاب الذين ذمهم القرآن الكريم كان بسبب تحريفهم التوراة والإنجيل وافترائهم الكذب على الله ، ومثلهم من كذب بالقرآن ولم يصدق به ، فكلاهما سواء في الذم ، ويشبههم في ذلك من يحرف أحكام الله تعالى عن مواضعها ، ويؤولها على غير تأويلها .
وهؤلاء يخبرنا الله تعالى بخسرانهم ، وفشلهم في خططه (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) قال صاحب الظلال (والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية؛ ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر ، في الأمد القريب ، فلاحاً ونجاحاً . . فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار) .

 

  • الاربعاء PM 03:30
    2026-09-16
  • 54
Powered by: GateGold