ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تأصيل عبادة الشكر في سورة إبراهيم وبلاغ لمن استحب الدنيا وبدل النعمة وظلم وأساء
د / احمد نصير
تأصيل عبادة الشكر في سورة إبراهيم
وبلاغ لمن استحب الدنيا وبدل النعمة وظلم وأساء
تمهيد :-
عالجت سورة إبراهيم موضوع شكر الله على نعمه ، باعتبار أن الشكر هو أحد مظاهر العبادة التي هي حق لله تعالى وحده ،كما ذكر الله ذلك في سورة الفاتحة في قوله (إياك نعبد) ، فنعم الله الكثيرة تستوجب الشكر .
وقد تكرر ذكر الصلاة في السورة في أكثر من موضع للدلالة على أن أداء الصلاة يقوم مقام أداء واجب الشكر لله ، كما في يلي :-
- قوله (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
- قوله (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
- قوله (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)
بذلك يمكن القول بأن جو السورة مشحون ببيان حقيقة نعمة الله على البشر وأن زيادتها يتحقق بالشكر ، وفي المقابل نجد أن أكثر الناس يقابلون هذه النعم بالجحود والكفران ، فكان التذكير بتعدد نعم الله عز وجل على البشر مؤمنهم وكافرهم ، صالحهم وطالحهم ، طائعهم وعاصيهم ، قد يحملهم علي الشكر [1].
وقد ورد في السورة تشبيهان متضادان ، الأول : تشبيه الكلمة الطيبة في الإسلام بالشجرة الطيبة التي تبدو آثارها الطيبة ، حيث ظلالها الممتدة ، وجذورها الراسخة ، وثمارها الوفيرة التي لا تنقطع ، وهكذا الإسلام في أصل عقيدته الراسخة وأثره الطيب على الناس بحمايتهم مما يؤذيهم وإمدادهم بما يعينهم ويقويهم كالظلال تحميهم من الشمس والثمار تقويهم وتغذيهم ، ما يدل على البركة والخير الوفير .
والثاني : تشبيه الكلمة الخبيثة ، أي كلمة الكفر وما دونها ، الكفر بالنعمة ، والأذى القولي ، بالشجرة الخبيثة لا أصل لها ، تجتث من فوق الأرض ، أو تقتلع من أول ابتلاء ، فلا يكون لها مكان بين الأشجار ، ما يدل على المحق والبوار .
وقد دلت مقدمة سورة إبراهيم على عبادة الشكر بأن لفتت الأنظار إلى وظيفة كتاب الله الذي أنزله باعتباره هاديا للناس ومخرجهم من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإسلام ،وعرفت الكافر تعريفا عمليا – بما يتماشى مع سياق السورة – بأن الكافرين هم الذين يستحبون متاع الدنيا على أداء واجب الشكر ، وبينت موقفهم من دعوة الإسلام ، بأنهم يقفون موقف الصاد عن سبيل الله لتظل الأمور معوجة لا تستقيم على منهج الله الذي أنزله ، ولأجل ذلك أرسل الله الرسل ليعتدل الناس على حق الذي لا اعوجاج فيه ، ولأجل ذلك –كذلك- جاءتهم رسلهم بالبينات واللغة التي يتحدثون بها ، ليسهل البلاغ عن الله تعالى ، فيكون حجة عليهم ، ودليل على أن البلاغ كان كافيا وشافيا ، وإن ظلوا يجادلون فيه.
ومن أظهر مظاهر الشكر الحديث عن نعم الله تعالى ، من هنا جاءت المناسبة بالتذكير بموقف نبي الله موسى وهو يُذَّكِر قومه بنعمة الله أن جعلهم أعزاء بعد أن كانوا أذلاء ، وأوضح لهم قاعدة الشكر بأن الشكر يجلب الزيادة في النعم والبركة فيها ، وقد حذرهم من محق البركة إن كفروا ، كما ضرب لهم الأمثال بمن كان قبلهم وكيف أن قومهم كفروا بأنبيائهم ولم يلينوا الخطاب معهم ، ورغم ذلك ظل أنبياؤهم يذكرنهم بالله فاطر السماوات والأرض ، فما كان منهم إلا أنهم حاجوهم وسألوهم أن يأتونهم بسلطان مبين ، وما ذلك منهم إلا من أجل المماطلة ، فكان رد الرسل عليهم أنهم قد توكلوا على الله ولن يبالوا لأذيتهم ، ولا لإخراجهم من أرضهم ، وقد هلك هؤلاء القوم وبقت آثارهم ومساكنهم شاهدة عليهم ، وسكنها بعدهم قوم آخرون يخافون الله ، فخاب الذين هلكوا وخسروا أن ضلوا عن دعوة أنبيائهم ولسوف يلقون العذاب الغليظ في الآخرة ، ولن ينفعهم ما قدموا من خير في الدنيا متعهم الله به فيها ، ولم يبق لهم منه بعد ذلك حظ في الآخرة .
لكن الله لطيف بعباده ، فمن لطفه أنه لم يذهبهم ويهلكهم لمعاصيهم ، فلم يفعل ذلك بقريش قوم النبي محمد r ، فالمعصية واردة لا محالة وذلك هو الضعف البشري ، لكنهم إذا استغفروا ربهم غفر لهم ، أما الذي يورد المهالك في الأخرة فهو اتباع المستكبرين ، الذين لا يغنوهم من عذاب الله شيئا .
والشيطان بصفته كبير المستكبرين والمضلين ، يتبرأ ممن أشركوا به يوم القيامة – أي بعدما قضي الأمر - ، مخبرا إياهم أنه لم يكن مسلطا عليهم ، وإنما دعاهم دعوة وافقت أهواءهم فاستجابوا لها ، في حين أن الله تعالى دعاهم فلم يستجيبوا له ، فمن استجاب لدعوة الله طاب كلمه وحسن عمله وثبته الله على الحق قبل الممات ، ومن استجاب لدعوة الشيطان خبث كلمه وساء عمله وبدل نعمة ربه كفرا وأنزل بقومه المهالك ، فتساوى مع إبليس في الشيطنة والوسوسة ، ولكن الله يمتعه في الدنيا إلى حين .
ثم انتقل الخطاب للذين آمنوا في قوله (قل لعبادي الذين آمنوا) آمرا لهم أن ينشغلوا بطاعة ربهم وداء وجب الشكر عن الانشغال بمتاع الدنيا الزائل ، وفي ذات الوقت أوصاهم بأن يتخذوا من التفكر في خلق الله تسليتهم ،وليتمتعوا بنعمه ، وليتذكروا نعمة الله عليهم ليزدادوا شكرا ، ولا يكونوا كالذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، فالتفكر في خلق الله ونعمه هو بوابة الاجتهاد في أداء واجب الشكر لله .
ثم ضربت السورة المثال بنبي الله إبراهيم عليه السلام واستظهرت تضرعه لربه وشكره نعمته ، فكشفت عن حاله وهو يدعو الله أن يحفظ عليه النعمة ويزيده وذريته ووالديه من فضله ، ولنا فيه أسوة حسنة ، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(النحل121) واستبان من دعائه أن أصل هذا البلد – أي مكة- الإيمان والإسلام ، وليس الكفر والعصيان ، ولكن قريش بدلت الكفر بالدين ، فكان من اللازم تذكيرها بأصلها ، وأن نبي الله إبراهيم كان على ملة الإسلام حنيفا ، وبينت حاله وهو يستشعر فضل ربه عليه وعلى بنيه ، ويدعوه وهو يحتاط لنفسه ولبنيه بسؤاله ربه أن يجنبه عبادة الأصنام بمفهومها الواسع والعام ، وقد استبان بذلك طريق الخلاص من هذه الفتنة باتباع سنن الأنبياء ، مصححا ما اعوج من دين قومه ، سائلا ربه الرزق ليتيسر لذريته أسباب الطاعة ، ويزدادوا شكرا ، والله تعالى يقدر المسألة ويعطي الإجابة بحسب ما هو يعلمه ، فلا يخفى عليه شيء ، واختتم نبي الله إبراهيم الدعاء بالحمد لله على نعمة الولد ، وقد سأل ربه لنفسه وذريته الثبات على العبادة وأهله أجمعين .
ثم انتقلت الآيات في مقطعها الأخير لتتحدث عن إمهال الله للقوم الظالمين وسوء عاقبتهم يوم القيامة ، وأن الله يملهم ولا يهملهم ، وقد توعدتهم بأن الله وإن كان يزرقهم فلا يشكرون ، ويمهلهم فلا يتوبون ، فإنه قادر على أن يهلكهم في الدنيا فلا يرجعون ، لكن هلاكهم في الآخرة أقرب من هلاكهم في الدنيا ، فإذا حصل ذلك فلا رجوع لهم ، وقد فات أوان رد مظالم لأهلها ، واتباع الأنبياء .
وتبكتهم الآيات بأنهم كانوا استكبروا وظنوا أن لا أحد قادر عليهم ، رغم أن الله ضرب لهم الأمثال ، وذكرهم بما حصل بمن قبلهم ، وقد ورثوا ديارهم ، وذكرتهم بأنهم مكروا بأنبيائهم مكرا من شدته أن تزول منه الجبال ، فإنهم اليوم يلقون جزاء مكرهم ، في أهون صورة وهم مقرنين في الأصفاد وسرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار .
وقد اختتمت السورة بأن هذا البلاغ هو مجرد إنذار إلهي ليعلم الناس أن الله واحد لا شريك له ، وليزداد أصحاب العقول شكرا .
بذلك يمكن القول بأن السورة استظهرت بعض مظاهر نعم الله ، وواجب الشكر عليها ، وكفر بعض الناس بها ، وعاقبة ذلك ، بما يمكن إجماله بالإشارة إلى المعاني التالية :-
- نعمة إخراج الناس من الظلمات إلى النور (1)
- نعمة ملك الله للسماوات والأرض (3)
- نعمة إرسال الرسول بلسان قومه (4)
- نعمة إخراج موسى قومه من الظلمات إلى النور (5)
- نعمة نجاة بني إسرائيل من آل فرعون (6)
- تقرير جزاء الزيادة في النعم نتيجة أداء واجب الشكر (7)
- تقرير غنى الله عن شكر من في الأرض (8)
- نعمة إمهال الذين يجادلون الرسل في الله (9-11)
- نعمة التوكل على الله الهادي للسبيل (12)
- نعمة إهلاك الظالمين الصادين عن سبيل الله (13)
- نعمة توريث الأرض لمن خاف مقام الله (14)
- نعمة تعذيب الجبارين (15-16)
- نعمة إحباط أعمال الكافرين (18)
- نعمة الإتيان بخلق جديد (19-20)
- نعمة الاتباع للأنبياء لا المستكبرين (21)
- نعمة تصديق وعد الله لا تغرير الشيطان (22)
- نعمة دخول المؤمنين الجنة (23)
- نعمة الكلمة الطيبة (24-25)
- نعمة استئصال الخبيث وعدم تثبيت قراره (26)
- نعمة تثبيت الذين آمنوا على الحق في الدنيا والآخرة وإضلال الظالمين (27)
- عاقبة تبديل النعمة كفرا واتخاذ الأنداد (28-30)
- نعمة المسارعة في الطاعات (31)
- نعمة تسخير الكون للإنسان (32-33)
- تقرير أن نعم الله لا تحصى (34)
- دعوة إبراهيم بأن ينعم الله عليه وبنيه بالأمن وإخلاص العبادة له بالأفئدة والجوارح والثمرات (37)
- نعمة علم الله الواسع لما يخفى (38)
- شكر إبراهيم الله نعمة الولد (39)
- دعاء إبراهيم ربه أن يحفظ له ولذريته ولوالديه وللمؤمنين نعمة الشكر (40-41)
- نعمة تأخير حساب الظالمين ليوم القيامة ليكون الجزاء وافيا وسريعا (42 - 51)
- نعمة بلاغ الدين والإنذار والعلم بالتوحيد وتذكير أصحاب العقول (52)
[1] ) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم : مجموعة علماء من جامعة الشارقة : تحت إشراف الدكتور مصطفى مسلم المجلد الرابع ص7
-
الاحد AM 11:36
2026-03-01 - 157



