ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
واجب الشكر لنعم الله التي لا تحصى
د / احمد نصير
واجب الشكر لنعم الله التي لا تحصى
تحدثت سورة ابراهيم عن واجب الشكر في مقطعين منها :-
الأول وهو قوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (8)
والثاني في قوله تعالى (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (34) ، وسوف نتحدث هنا عن ذلك .
قوله (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ..) (7) (هذا إعلان إلهي بأن الشكر يؤدّي إلى دوام النعمة، وزيادتها)[1]، فيتعلم العبد أن يزداد شكرا على كل زيادة في النعمة ، فإذا صار أهلا للشكر أضحى أهلا للنعمة ، فعن عبد الله بن مسعود قال (ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله عز وجل يقول (لئن شكرتم لأزيدنكم)[2] ، وقال ابن القيم (فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر)[3] أي انتبه فلا تقصر في واجب الشكر حتى تحصل لك الزيادة .
والشكر محل سؤال للعبد يوم القيامة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - أي يَوْمَ الْقِيَامَةِ[4]- يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَرْأَسُ فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ)[5] قال النووي " ترأس" ، ومعناه: رئيس القوم وكبيرهم، وأما "تربع" ، ومعناه: تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة، وهو رُبعها، يقال: ربعتهم، أي: أخذت أموالهم ، ومعناه: ألم أجعلك رئيسا مطاعا)[6].
وقال ابن القيم (والشكر مبني على خمس قواعد : -
- خضوع الشاكر للمشكور
- وحبه له
- واعترافه بنعمته
- وثناؤه عليه بها
- وأن لا يستعملها فيما يكره
فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها ، فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة ، وكل من تكلم في الشكر وحده ، فكلامه إليها يرجع وعليها يدور ، فقيل : حده الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وقيل : الثناء على المحسن بذكر إحسانه ، وقيل : هو عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه ، وقيل : هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة )[7] .
وأما عن مظاهر الشكر وأركانه فقد قال ابن القيم (ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده : ثناء واعترافا ، وعلى قلبه : شهودا ومحبة ، وعلى جوارحه : انقيادا وطاعة ).
وقال المناوي (الشكر ثلاثة أقسام شكر اللسان بالتحدث بالنعمة، وشكر الأركان –الجوارح- بالقيام بالخدمة ، وشكر الجنان –أي القلب - بالاعتراف بأن كل نعمة منه تعالى)[8] ،وهذا يدل على أن للشكر ثلاثة أركان نفصلها كما يلي :-
الأول : الاعتراف بالنعمة : فعن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَقَالَ النَّبِيُّ r أَصْبَحَ مِنْ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ"[9] ، قال المهلب (كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله ، فيظنون أن النجوم تمطرهم وترزقهم ، فهذا تكذيبهم ، فنهاهم الله عن نسبة الغيوث التى جعلها الله حياةً لعباده وبلاده إلى الأنواء ، وأمرهم أن ينسبوا ذلك إليه ؛ لأنه من نعمته وتفضله عليهم ، وأن يفردوه بالشكر على ذلك والحمد على تفضله)[10].
وقَالَ r (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)[11] ، قال السيوطي (كانت العرب تنسب المطر إلى النجم الساقط الغارب ، وأما من قال معتقدا أن الفاعل هو الله تعالى وأن النوء ميقات له وعلامة باعتبار العادة فلا يكفر ولكن يكره له هذا القول، لأنه شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم ، ولأنه كلام متردد بين الكفر وغيره)[12] .
قال الشيخ عبد المحسن العباد أي (نسب الفضل إلى الله، وأقر أن النعمة من الله، كما في قوله (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ) [النحل:53]، فمن قال ذلك فقد أتى بالكلام الصحيح الصواب الحسن؛ لأنه نسب الفضل إلى المتفضل، ونسب النعمة إلى المنعم سبحانه وتعالى) .
وأما من قال (مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب) ، فإن أريد بالنوء -وهو النجم- أنه مؤثر، وأن ما يحصل من مطر فهو من تأثير النجوم؛ فهذا كفر بالله عز وجل، وأما إذا أريد بذلك أن الله تعالى قدر وقضى وجرت العادة بأن الأمطار تكون في أوقات معينة، وأنها تكثر في وقت كذا، وتقل في وقت كذا، أو أنها إذا جاءت في الشتاء والربيع فلها نفع في الزراعة، وأما إذا جاءت في الصيف فبسبب شدة الحرارة لا يكون لها الفائدة الكبيرة في نبت النبات وكثرة المراعي، فهذا سائغ لا بأس به، ولكن كون الإنسان ينسب ذلك إلى تلك الأوقات، دون أن يضيف ذلك إلى الله عز وجل يعتبر نقصاً، ولكن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته في الوقت المحدد ، أو في الزمن المعروف، أو أن الله تعالى تفضل علينا وأنعم وجاد بالأمطار في هذا الموسم، أو في تلك المواسم، فهذا لا بأس به) [13].
ثانيا : التحدث بالنعم ، والثناء على المنعم : قال تعالى: )وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ( (الضحى: 11) ، وفي الحديث قال رسول الله r (التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر)[14]، وذلك من باب الدعوة في سبيل الله ،وإظهار نعمة الله على العبد ليحث الناس على الشكر لله تعالى ، والفرح بفضله ، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس58)
وقد كان دأب النبي r الشكر في كل حال ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r (كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)[15]، كما حث على الشكر مباشرة في أحوال ظهور النعمة ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)[16] .
وكان النبي r يشكر ربه حتى الطاقة ، فعن الْمُغِيرَةَ يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ r حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ [17]فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)[18]، كل ذلك وهو يعلم أنه لن يدرك نعمة أنعمها الله عليه بذلك الشكر ، كما قَالَ: دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (رَبِّ أَخْبِرْنِي مَا أَدْنَى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ : تَنَفَّسْ " فَتَنَفَّسَ فَقَالَ: « (هَذَا أَدْنَى نِعْمَتِي عَلَيْكَ)[19] .
وكان رسول الله r يستعين بالله على الشكر ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ)[20].
وكان يفعل ذلك كل صلاة ، فعن معاذ بن جبل قال أخذ بيدي النبي r فقال : يا معاذ قلت لبيك قال إني أحبك قلت وأنا والله أحبك قال ألا أعلمك كلمات تقولها في دبر كل صلاتك قلت نعم قال قل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)[21].
ثالثا : تسخير النعمة في طاعة مسديها والمنعم بها : كما قال تعالى: (اعملوا آل داود شكر) (سبأ: 13) ومعنى الآية: يا آل داود: اعملوا شكرًا لله على ما أعطاكم، وذلك بطاعته وامتثال أمره ، ويستفاد من هذه الآية أن الله تعالى يريد منا الشكر العملي لا باللسان فقط.
(والشكر العملي هو أن تجعل لأصحاب الحاجات والمعوزين نصيبًا مفروضًا من النعم التي حباك الله تعالى بها)[22]، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)[23]
ومن جهة أخرى فإن العبادة وإن كانت وسيلة للشكر ، فإن حسن معاملة الناس ورد الجميل لهم وشكرهم على صنيعهم الحسن هو ضرب كذلك من شكر الله تعالى ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس )[24] ، أي (من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم ، فعادته كفران نعم الله تعالى وترك الشكر له)[25] ، (وقيل معناه أنَّ من لا يشكُر الناس كان كمن لا يشكُر اللّه ، وإنْ شَكَرَه لاتِّصاَلِ أحَدِ الأمْرَين بالآخر ، ومعناهُ أنَّ اللّه لا يقبَلُ شُكرَ العَبْد على إحسانِه إليه ، إذا كَان العبدُ لا يشكُرُ إحسانَ الناسِ ويَكْفُر مَعْرُوفَهم)[26]
ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ –أي وجد مالا- فَلْيَجْزِ بِهِ – أي يرد العطية- ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ –أي يمدح معطيه بحق - فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ)[27] قال المناوي (من أُعطى شيئأ فوجد) أي من أُعطى حقا - يعني نال شيئا من أحد وجب عليه أن يجازيه بشيء وجده عنده - فإن وجد مالا -فليعطه جزاء له ( فليجز به ) مكافأة على الصنيعة ( ومن لم يجد ) مالا ( فليثن به ) على المعطى ولا يجوز له كتمان نعمته ( فان أثنى ) عليه ( به فقد شكره ) على ما أعطاه ( وان كتمه فقد كفره ) أي كفر نعمته)[28].
قال الشيخ عبد المحسن عباد في قوله (من أعطي عطاء فوجد فليجز به) ، يعني: وجد مالاً أو وجد قدرة على أن يكافئ ويجزي به، فإنه يجزي به، بمعنى: أن من صنع إليه معروفاً فيكافئه الإنسان مقابل ما حصل منه من الإحسان، فيقابل الإحسان بالإحسان، فإذا كان واجداً، ذا قدرة مالية؛ فإنه يكافئه ويجزي به ذلك الذي أحسن إليه وأعطاه.
قوله: (فإن لم يجد فليثن به)، يعني: يثني على ذلك الذي أحسن إليه بعطائه ويشكره، وهذا هو المقصود من الترجمة، أن الإنسان يشكر، ومعلوم أن الثناء والدعاء يمكن أن يكون مع المكفاءة والعطاء، فالإنسان حتى إذا قدر على المبادلة والإحسان فإنه أيضاً يدعو مع ذلك ويشكر عليه ويثني عليه بذلك، لكن إذا لم يكن عند الإنسان شيء يقابل به، فلا أقل من الثناء والدعاء لمن حصل منه الإحسان إليه
قوله: (فمن أثنى به فقد شكره) ، أي: (من أثنى على من أحسن إليه بهذه النعمة, فقد شكره
قوله : (ومن كتمه فقد كفره) ، أي: (كفر هذه النعمة، ومعلوم أن كون الإنسان يشكو من أعطاه، هذا أمر واضح وليس فيه إشكال، وأما أن يخبر الناس أنه حصل له كذا وكذا، وأنه أعطي من فلان، فهذا إذا كان فيه مصلحة فيمكن له ذلك، وإن لم يكن هناك مصلحة، أو كان ذلك الذي أعطاه لا يريد منه أن يذكر ذلك لأحد، أو أن يعلن ذلك، فإنه يخفيه، ولكنه يشكر ويثني على ذلك الذي أحسن إليه)[29].
قوله (..لَأَزِيدَنَّكُمْ..) (7) قال ابن جزي (ويحتمل أن تكون الزيادة من خير الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما)[30] ، أي يزيدكم من نعمه لتزدادوا شكرا ، قال ابن عطاء الله (من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها)[31]، روي البيهقي مرفوعا (ما أعطى أحد الشكر فمنع الزيادة لأن الله تعالى يقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم) ، فالزيادة من قبيل شدة الابتلاء ، لأن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فتكون الزيادة بقدر قدرة العبد على الشكر ، كما قال سليمان (فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل40).
فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ وَمَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)[32]
قال سيد قطب (صلاح الحياة يتحقق بالشكر) وبالكفر يحصل فسادها ، والنفوس تزكو بالالتجاء إلى الله ، وتطمئن بالاتصال بالمنعم ، فلا تخشى نفاد النعمة أو ذهابها ، ولا تذهب حسرات علي ما ينفق أو يضيع منها ، لأن المنعم موجود ، والنعمة بشكر الله تزيد)[33] .
وعن الحسن قال بلغني : (أن الله إذا أنعم على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدنهم فإذا كفروا كان قادرا على أن يقلب نعمته عليهم عذابا)[34]
قوله (..وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (7) والمقصود به كفر النعمة على وجه الخصوص ، وعدم شكرها ، ويعد من الذنوب التي تستوجب العقاب والعذاب ، قال رسول الله r (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)[35]، (فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ارْتِكَابَ الذَّنْبِ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ بعض الرِّزْقِ)[36]، قال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، قال الإمام الشافعي رحمه الله :-
إذا كنت في نعمة فارعها **** فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله **** فإن الإله شديد النقم.
وكفر النعمة يعني ازدرائها ، وذلك بعدم الاكتراث بها والانشغال بغيرها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[37]، قال المناوي (انظروا إلى من هو أسفل منكم) في أمور الدنيا (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) فيها (فهو أجدر) أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق ، حقيق (أن لا تزدروا) أي بأن لا تحتقروا (نعمة الله عليكم) فإن المرء إذا نظر إلى من فُضِّل عليه في الدنيا استصغر ما عنده من نعم الله فكان سبباً لمقته وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد ، فينبغي للعبد أن لا ينظر إلى تجمل أهل الدنيا فإنه يحرك داعية الرغبة فيها ومصداقه (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا) ولهذا قيل (لا تنظروا إلى أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم)[38] .
قوله (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (8) انزعج موسى من قومه لما بدلوا نعمة الله كفرا ، فظهر منه هذا التعبير تنفسيا عن غيظه منهم ، فأبان لهم أن استمرارهم في الكفر بالله لن ينقص الله شيئا ، فالله عنده من يسبحونه ويسجدون له ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (الأعراف 206) وهو غني عن ذلك كذلك .
قال رسول الله r (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[39].
قال الرازي (وسواء حُمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر ، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة ، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله)[40] ، وذكر ابن كثير عن ابن عباس: (الْغَنِيُّ ) الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار ، (الْحَمِيدُ) المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيره، ولا رب سواه)[41].
قوله (وآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ...)(34) قال البخاري (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) ، ونظير ذلك قوله (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُل يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن 29] .
وفي المقابل نجد أن النبي r وهو أعبد خلق الله لم يجبه الله في كل طلبه كما في الحديث قَالَ r (سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)[42] ، ما يعني أن الله تعالى أتى خلقه سؤالهم بقدر حاجتهم ، ولم يؤتهم سؤالهم بقدر أمانيهم .
وقد أجابت العالمة الاقتصادية الدكتورة نعيمة شومان على التساؤل عن مقدار الأرزاق في الكون ، فاستشهدت بهذه الآية وقالت (الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات على وجه الأرض، وخلق لهم فيها ما يكفيهم جميعاً ، وأن ما على سطح الأرض، ومافي جوفها، وسمائها هو ملك لله وحده، ومخصص لجميع عباده ، وما الإنسان العامل إلا مستخلف من قبل الله لاستثمار خيراته ، فالامتناع عن استغلالها أو المنع من ذلك، يعتبر ظلماً وكفراً، ويحول دون وصول البشر إلى مرتبة خليفة الله في الأرض)[43]..
وقوله (..وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا..) (34) قال طنطاوي (والمراد بالنعمة هنا جنسها ، الذى يشمل كل نعمه) [44]، كما في قوله (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان20] ، والمراد استظهار عظم نعمة الله تعالى بحيث لا يقدر العبد على أن يعد فضل الله عليه في نعمة واحدة من نعمه الكثيرة ، فكيف به يحصي نعمه التي لا تحصى ، وكيف به أن يشكر ربه على نعمة لا يقدر على أن يحصي فضله عليه فيها .
قال الإمام البقاعي "لا تحصوها" أي (لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب ، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها ، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد!)[45].
وقد ضرب الرازي لذلك أمثلة كنعمة العصب ، والعين ..الخ [46]، فكل نعمة تدل على عجز الإنسان عن أن يشكر ربه بحق إزاء هذه النعمة ، ورغم ذلك يقبل الله منه الشكر القليل الذي إذا أداه على وجهه ، في حدود التكليف المأمور به أجزأه ذلك ، يَقُولُ النبي r (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ قَدْ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) [47].
قال الشيخ صالح الفوزان (وهذا يعني أنهم لن يقوموا بشكر نعم الله تعالى على الوجه المطلوب ، لأن من لا يحصي نعمة الله عليه كيف يقوم بشكرها ، ولعل العبد لا يكون مقصراً إذا بذل قصارى جهده بتحقيق العبودية لله رب العالمين على حد قوله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[ التغابن: 16]،إنما التقصير الذي نعنيه ، أن يتقلب الإنسان في نعم الله تعالى ليلاً ونهاراً ، ظاعناً ومقيماً نائماً ويقظانَ ، ثم يصدر من أقواله وأفعاله أو اعتقاداته مالا يجامع الشكر بحال من الأحوال ، فهذا التقصير الاختياري هو الذي نريد أن نعرف شيئاً عن أسبابه) [48].
وقوله (..إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)(34) قال أبو حيان أي (لظلوم بترك الشكر كفار للنعمة)[49] لأنه ورغم أنه عاجز عن شكر ربه –كونا- لأن نعمة الله لا تحصى ، كما أن (أعمالنا تضعف عن أن نستحق هذا الفضل وهذه النعمة)[50] ، إلا أن الله قد كفى الإنسان حق شكره بأن جعل أداء ما ذكره في قوله (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) كافيا بأداء واجب الشكر شرعا ومجزئا ، ورغم ذلك فإنه لا يزال مقصرا في حق ربه غير واف بأداء واجب الشكر الشرعي ،ولذلك قال النبي r (مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ) [51].
أي أنه حين يشكر ربه شكرا شرعيا –مجزئا على سبيل المجازي- ، وقد تعذر عليه أن يشكره شكرا حقيقا كونيا ، يكون قد أسقط واجب الشكر شرعا لا كونا ، وفي ذلك دليل على عفو الله وفضله ، إلا أنه ورغم كل ذلك فإنه مقصر في أداء الواجب الشرعي المفروض عليه –كذلك - ، ليسقط عن نفسه الواجب الشرعي في الشكر .
ومن أسباب التقصير في واجب الشكر التي جمعها بعض العلماء ما يلي [52]: -
السبب الأول : الغفلة عن النعمة وإلفها : قال بعض السلف (النعمة من الله على عبده مجهولة ، فإذا فُقدت عُرفت) ، ..إن من الناس من إذا رأى النعمة مبذولة له ولغيره لم ير أنه مختص بها ، فلا يشكر الله ، لأنه لا يرى أنه في نعمة ما دام غيره في هذه النعمة ، فألف النعمة داء عضال ينسي المصاب به واجب الشكر ، فيغفل عن نعم الله ، فلا تراها عيناه ، ولا تشعر بها جوارحه ، فمن لم يعرف النعمة ، وكان جاهلاً بها لم يشكر ، ولذلك أوصى النبي r بتذكر النعم والتحديث بها ، فقال r (التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ )[53] ، فالتحديث بنعم الله يذكر المؤمن دوما بنعمه فيزداد شكرا .
السبب الثاني : ازدراء النعمة : كأن يرى بعض إنعام الله عليه قليلاً لا يستحق أن يطلق عليه نعمة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[54]، فإذا نظر الإنسان إلى من فوقه ممن فُضِّل عليه احتقر ما أعطاه الله تعالى من فضله ، فقصر في وظيفة الشكر ، فعن النبي r قال : (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) [55].
لكن إذا نظر لمن تحته ورأي أهل البلايا استشعر اختصاص الله له بالعافية ، يقول النبي r (مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ)[56].
وفي رواية يعقوب (إذا رأى أحدكم مبتلي فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني عليك وعلى كثير من عباده تفضيلا كان شكر تلك النعمة)[57].
ولذلك كان النبي r إن لم يستسغ طعاما تركه ولم يعبه حتى لا يذم نعمة الله ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا عَابَ النَّبِيُّ r طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ)[58].
وعن ابْن عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدْ قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ فَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ ، قَالَ خَالِدٌ فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَنْظُرُ إِلَيَّ)[59]
السبب الثالث : تناسي الماضي بعد تغير الحال : فمن الناس مرت به حياة البؤس والعوز ، وعاش في خوف وقلق ، فلما أنعم الله عليه وآتاه من فضله وسد حاجته نسي حاله من قبل ولم يشكر الله على نعمه ، كما في قوله (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت65)
كذلك قوله (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر49) ، ومثال هذه الحالة –كذلك- الثلاثة من بني إسرائيل الذين ابتلاهم الله بالمرض أحدهم أبرص وأقرع وأعمى ، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في عملهم من قبل أن يخلقهم ، فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه وأنه كان أعمى فقيراً فأعطاه الله البصر والغنى ، وبَذلَ للسائل ما طلبه شكراً لله ، وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كانا عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر، وقالا في حال الغنى (إنما وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كابراً عن كابر)[60] ، متناسين حالهما عند الابتلاء.
[1] ) علي بن نايف الشحود : الحضارة الإسلامية ج3 ص 41
[2] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج4 ص 125 رقم 4528
[3] ) مدارك السالكين ج2 ص 246
[4] ) قَالَه عَفَّانُ
[5] ) رواه أحمد 21/27/9983 وهناك رواية مطولة في مسلم ج14 ص 219 رقم 5270 شبيهة برواية أحمد
[6] ) "شرح مسلم" ١٨/١٠٣
[7] ) مدارج السالكين (2/ 244)
[8] ) فيض القدير ج3 ص 368
[9] ) رواه مسلم ج1 ص 216 رقم 107
[10] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج3 ص 28
[11] ) رواه البخاري ج3 ص 351 رقم 801
[12] ) الديباج على مسلم ج1 ص 89
[13] ) شرح سنن أبي داود ج20 ص 250
[14] ) رواه أحمد ج30 ص 390 رقم 18449 ، حقيقة الإيمان عند الشيخ الألباني : ج1 ص 28 ، الأحاديث الصحيحة، رقم667.
[15] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 308 رقم 1384 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 233 رقم 1143
[16] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 7 رقم 3276 وصححه الألباني ج2 ص 228 رقم 2656
[17] ) يعني انتفخت قليلا من ضغط الدم حال الوقوف طويلا ، وليس المعنى بالتورم حصول المرض ، فليس هذا مقصود العبادة .
[18] ) رواه البخاري ج15 ص 65 رقم 4459
[19] ) كتاب الشكر لأبن أبي الدنيا
[20] ) رواه النسائي ج5 ص 88 رقم 1287 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج3 ص 448 رقم 1304
[21] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 239 رقم 690 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد 1/254
[22] ) عبد الرحمن فلاح : أخبار الخليج : العدد 16355 البحرين
[23] ) رواه مسلم ج12 ص 440 رقم 4661
[24] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص85 رقم 218
[25] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 933
[26] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1200
[27] ) رواه أبو داود ج12 ص 438 رقم 4179 السلسلة الصحيحة ج2 ص 181 رقم 617
[28] ) التيسيربشرح الجامع الصغير ج2 ص 778
[29] ) شرح سنن أبي داود ج27 ص 462
[30] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 780
[31] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج29 ص 284
[32] ) رواه أحمد ج3 ص 410 رقم 1400 قال الألباني صحيح : انظر كتاب الإيمان لابن تيمية تعليق الألباني ص 62
[33] ) في ظلال القرآن ج4 ص 391
[34] ) ابن أبي الدنيا : الشكر ص 24 رقم 60
[35] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 28 رقم 4012 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 371 رقم 3248
[36] )شهاب الدين الهيتمي : تحفة المحتاج في شرح المنهاج ج3 ص 36
[37] ) رواه مسلم ج14 ص213 رقم 5264
[38] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 773
[39] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[40] ) تفسير الرازي ج9 ص 214
[41] ) تفسير ابن كثير ج8 ص 88
[42] ) رواه مسلم ج14 ص 69 رقم 5145
[43] ) د نعيمة شومان الكتاب : الإسلام بين كينز وماركس وحقوق الإنسان في الإسلام ص 84
واستكمالا للفائدة نذكر باقي إجابتها قالت (أما العاجزون عن العمل والمحرومون فيه، والبؤساء والمساكين.. الخ. فهم أيضاً من عباد الله، ولهم نصيبهم مما آتى العاملين والمورثين، فهو خالقهم وكافلهم أيضاً من ثروات الله (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) في الحقيقة، إن الله الذي خلق هذا الكون بكل مافيه من إنسان وحيوان ونبات، خلق له معه في هذه الطبيعة كل مايكفل له حياته إلى أجل لا يعلمه إلا هو. فالإنسان، يجد في هذه الأرض، كل مايؤمن له، طعامه وشرابه، وكساءه، ودواءه، ومتعته ومأواه.. الخ.. وحضه على العمل لاستثمار هذه الثروات واستغلالها، وجهزه بكل مايلزم لذلك من عقل وطاقة وقوة... الخ. وفرض عليه أن يؤدي من هذا المال الذي آتاه الله به حصة الفقراء والمساكين والمحرومين من العمل.. الخ، أصحاب الحق في الحياة من هذه الثروات مثله والحيوان، هداه الله عن طريق الغريزة إلى اكتشاف مايؤمن له غذاءه الذي يتفق مع تكوينه، واختيار مأواه، وحماية نفسه.. الخ( وما تدخل الإنسان في حياة الحيوانات، وتعليمها دروسها، وتكثيرها بطرق اصطناعية تجارية محضة، إلا وراء اندثار القسم الأكبر من هذه الحيوانات، وفسادها)، فالعصفور -على سبيل المثال- يميز من ذاته بين الحبة النافعة التي تلائمه وغير النافعة، أو الحجرة؛ والنحلة، وحتى النملة، أدق مخلوقات الله، تقوم بنفسها بأمهر ما يقوم به أفضل العلماء من بني الإنسان فبيوت النمل الرائعة الصنع استوحيت منها ناطحات السحاب في أمريكا، والنحل -كما نعلم- يقوم بأدهش عملية إنتاجية في الكون، تنظم فيها مراحل الإنتاج، وتوزع الأدوار على العاملات وتقوم كل منها بدورها في أوقات محددة دقيقة، حسب المستلزمات والمعطيات من الطبيعة، دون أن يكون فيها أي دور أوجهد للإنسان، اللهم إلا ليمد يده ويتناول أقراص الشهد، ويأكله هنيئاً مريئاً فيه شفاء للناس.
[44] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2508
[45] ) نظم الدرر ج4 ص 384
[46] ) الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ: مِنها دِماغِيَّةٌ، ومِنها نُخاعِيَّةٌ. أمّا الدِّماغِيَّةُ فَإنَّها سَبْعَةٌ ثُمَّ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحكم النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ أيْضًا إلى شُعَبٍ دَقِيقَةٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَمَرٌّ إلى الأعْضاءِ، ولَوْ أنَّ شُعْبَةً واحِدَةً اخْتَلَّتْ إمّا بِسَبَبِ الكَمِّيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الكَيْفِيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الوَضْعِ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ الدَّقِيقَةَ تَكُونُ كَثِيرَةَ العَدَدِ جِدًّا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها حِكْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَإذا نَظَرَ الإنْسانُ في هَذا المَعْنى عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ شَظِيَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّظايا العَصَبِيَّةِ عَلى العَبْدِ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ فاتَتْ لَعَظُمَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ قَطْعًا أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها والِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِها وعِنْدَ هَذا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ. وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ فاعْرِفْ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في نَفْسِهِ ورُوحِهِ، فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسادِ، ثُمَّ لَمّا اعْتَبَرْتَ حالَةَ الحَيَوانِ الواحِدِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَبِرْ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبِ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وعِنْدَ هَذا تَعْرِفُ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا ثُمَّ بِذَلِكَ العَقْلِ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ في عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ، فَسُبْحانَهُ تَقَدَّسَ عَنْ أوْهامِ المُتَوَهِّمِينَ.
[47] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 317 رقم 1391 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1ص235 رقم 1150
[48] ) عبد الله بن صالح الفوزان : كيف نكون من الشاكرين ج1 ص 85
[49] ) البحر المحيط ج7 ص 235
[50] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن جبرين ج3 ص 369
[51] ) رواه أحمد ج37 ص 402 رقم 17721 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص533
[52] ) عبد الله بن صالح الفوزان : كيف نكون من الشاكرين ج1 ص 85 مع بعض التعديل والإضافة
[53] ) رواه أحمد ج37 ص 402 رقم 17721 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص533
[54] ) رواه مسلم ج14 ص 213 رقم 5264
[55] ) رواه البخاري ج20 ص 138 رقم 6009
[56] ) رواه الترمذي ج11ص317 رقم 3354 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 153 رقم 2729
[57] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج4 ص 107 رقم 4443 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1ص56
[58] ) رواه البخاري ج11 ص 398 رقم 3299
[59] ) رواه البخاري ج16 ص 493 رقم 4972
[60] ) رواه مسلم ج14 ص 214 رقم 5265
-
الاثنين AM 11:52
2026-02-23 - 37



