المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1880686
يتصفح الموقع حاليا : 509

البحث

البحث

عرض المادة

التصوير البياني للكلمة الطيبة وأثرها في حياة المسلم

د / احمد نصير

التصوير البياني للكلمة الطيبة وأثرها في حياة المسلم

 

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)

 

 

قوله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ..)(24) الكلمة الطيبة هي الكلمة التي تخرج من أهل التقوى ، الذين هم أهل للشكر وعمل الخير والصدقات ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان "الكلمة الطيبة صدقة" ، وأورد بعده حديث عدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ r النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ قَالَ شُعْبَةُ أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)[1]، فالحديث يدل على الأثر الطيب للكلمة الطيبة ، وأنها وإن كانت بسيطة فإن مردودها كبير في الآخرة ، فثواب الكلمة الطيبة عظيم ، قال رسول الله r (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)[2] ، والصدقة تفتح جميع أبواب الخير ، يقول النبي r (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ) [3]، أي ينمي الله بها خيرا .

 

ولا شك أن (الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح ، كما أن الشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع)[4] ، فللكلمة الطيبة أثر طيب في النفوس ولا شك ، فجذورها تضرب بعمق في صدور الناس لتنشرح كما تضرب الشجرة بجذورها في أعماق الأرض لتكون سببا في إمداد الفروع بالماء والغذاء.

 

وأهل الشكر هم أهل التوحيد ، فجمهور المفسرين على أن المقصود بالكلمة الطيبة شهادة أن "لا إله إلا الله" فهي تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة ، ويظهر أثرها كذلك يوم القيامة ، فللكلمة الطيبة ثمارها في الآخرة ، وبأوراقها يستظل صاحبها تحتها فتحميه حر يوم العرض الذي مقداره خمسين ألف سنة ، فقد ذكر النبي r الذين يستظلون يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)[5]، فذكر الله يثمر حياة القلب، وطمأنينة النفس، ومحبة الله ورسوله، ويزيل الهموم والمخاوف، كما يثمر مغفرةً وأجراً عظيماً، فذكر الله عادة أهل اللإنابة (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28) ، فالإكثار من الذكر يورث النور في الدنيا والآخرة، ويجعل العبد في معية الله وحفظه، ويُعد من أفضل الأعمال وأيسرها.

 

 والكلمة الطيبة وجبر الخاطر كلاهما سواء في إلقاء السرور على الناس ، لأنهما يدعوان  إلى البشرى والتفاؤل ، ويبعدان الناس عن التشاؤم والتطير ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالُوا ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)[6] (الفأل ضد الطيرة وهو مختص بالخير )[7]، ولذلك قَالَ r (بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)[8]، فالواجب تذكير الناس برحمة الله تعالى وبأن أقدار الله تعالى كله خير ، وأن الحياة مجرد اختبار وابتلاء ، وما يصيب الإنسان فيها إنما هو نتيجة عمله ، فعن النبي r فيما يروي عن ربه (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) [9]، قوله (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) لأنها ، كما قال المناوي (آثرت شهواتها على رضا رازقها ، فكفرت بأنعمه ولم تذعن لأحكامه وحكمه ، فاستحقت أن يقابلها بمظهر عدله ، وأن يحرمها مزايا جوده وفضله)[10].

 

وخير الكلم الطيب ما ينمي به العبد خيرا ، أي يصلح من شأن وحال العباد سواء في مجال الدعوة في سبيل الله  أو بمعنى إصلاح ذات البين بين الناس ، فعن النبي r قال (ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين)[11] ،وذلك بذكر مدائحهم ومحاسن كل طرف من المتخاصمين للآخر ، فالكذب إذا كان الغرض منه الإصلاح بين الناس فإنه محمود ، فعن أم كلثوم قالت سمعت رسول الله r يقول (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا)[12] ، قال النووي (واذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا ، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك)[13].

 

ومن القول الطيب الذي يؤلف بين القلوب ويزيد الود والمحبة بين الناس إفشاء السلام ، قال رسول الله r (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا ، ولا تسلموا حتى تحابوا ، وأفشوا السلام تحابوا)[14] ،وقد عد النبي r (إفشاء السلام من  الكفارات والدرجات التي يختصم فيها الملأ الأعلى)[15].

وفي مجال الدعوة إلى الله بالحسنى تعد من الكلم الطيب وسيلة أهل الدعوة لشرح قلوب الناس كما في قوله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت 33) أي صدق عمله قوله بعمل الصالحات ، وبالدعوة والكلمة الطيبة تنال الأمة الخيرية ، قال جل وعلا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾(آل عمران 110) ، وقال r (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)[16].

 

وأخيرا وليس بآخر فإن الصدع بكلمة الحق هو من الكلم الطيب ، الذي به لا يزال الناس بخير ، يقول الله تعالى (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر 94) ، رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبد الوهاب الوراق ينكر كذا وكذا، فقال: (لا نزال بخير ما دام فينا من يُنكر) ، ومن هذا الباب قول عمر لمن قال له: "اتق الله يا أمير المؤمنين"، فقال: (لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم)[17] .

 

وسميت "كلمة الحق" في وجه الظالم صدعا به ، لأنها تغيظه كما قال فرعون في شأن موسى وأتباعه (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)(الشعراء 56) فإذا كانت هذه القلة التي على الحق قد صدعت بكلمة الحق أمام فرعون فاغتاظ وأخذ حذره ، وجمع أعوانه من السحرة وجنوده من العسكر ليتبعهم ، فإن هذه الكلمة لها شأن عظيم في صدع الباطل ولو صدرت من تلك الشرذمة القليلة التي على الحق ، فتلك الكلمة التي النطق بالشهادتين إذا نطق بها المسلم أمام الذين يؤلهون غير الله تكون بمثابة حجر قذف في وجوههم فأدمغتهم وشجت رؤوسهم ، كما قال تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء 18) ، يقول النبي r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [18]

 

قوله (..أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(24) أصلها ثابت لأن الكلمة الطيبة نابعة من قلب مخلص لله تعالى سليم من الشرك والرياء ، وفرعها في السماء كناية عن كثرة خيراتها وورقها وطول أغصانها ما يدل على ضخامتها وقوتها وكثرة نفعها الناس ، قال ابن القيم (أصلها ثابت قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن ، وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء)[19].

وقوله (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (25) كناية عن أنها تنتج خيرا كثيرا لا يتوقف ، فكلما قطفت ثمارها خرجت منها واحدة أخرى ، وهكذا الكلمة الطيبة يتولد عنها كلمة طيبة أخرى ، فلا يتوقف الخير النازل منها أبدا .

 

وعبادة الشكر كالماء والغذاء الذي يسقي وينمي شجرة التوحيد ، فتؤتي ثمارها من الخير ، قال ابن القيم (الشجرة المثمرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس ، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس)[20]، قال رسول الله r (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)[21].

 

وفي ذلك تشبيه لحال المؤمن ، فعن ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ r مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُّ ، فَقَالَ الْقَوْمُ هِيَ شَجَرَةُ كَذَا هِيَ شَجَرَةُ كَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ)[22] ، قال النووي (قال العلماء وشبه النخلة بالمسلم فى كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام ، فإنه من حين يطلع ثمرها لايزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى ، وغير ذلك ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها فهي منافع كلها وخير وجمال كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك) [23] .

 

قوله (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (25) قال الرازي (ضرب الأمثال زيادة إفهام وتصوير للمعاني العقلية ، التي قد لا يقبلها الحس والخيال ، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات.. انطبق المعقول على المحسوس وحصل الفهم التام)[24].

 

 قال العلماء (فجذور شجرة الإيمان هي أركانه الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول r ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى)[25].

 

 

[1] ) رواه البخاري ج18 ص 445 رقم 5564

[2] ) رواه البخاري ج18 ص 444

[3] ) رواه البخاري ج20ص 119 رقم 5997

[4] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 498

[5] ) رواه البخاري ج3 ص 51 رقم 620

[6] ) رواه البخاري ج18 ص 70 رقم 5331

[7] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج13 ص 320

[8] ) رواه مسلم ج9 ص 152 رقم 3262

[9] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674

[10] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 360

[11] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 491 وصححه الألباني :

[12] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 139 رقم 385 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 160 رقم 385/297

[13] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 158

[14] ) الأدب المفرد ج1 ص 100 رقم 260 وصححه الألباني

[15] ) والحديث عند الترمذي ج11 ص 27 رقم 3157 وصححه الألباني صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 59

[16] ) رواه مسلم ج1 ص 182 رقم 82

[17] ) الحافظ أبي فرج ابن رجب الحنبلي : الحِكَم الجديرة بالإذاعة: ص18

[18] ) رواه الحاكم ج3 ص 215 رقم 4884 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 89

[19] ) إعلام الموقعين ج1 ص 172 ، الأمثال في القرآن ج1 ص 35 ، نقلا عن ابن عباس ومرجعه تفسير علي بن أبي طلحة

[20] ) المرجع السابق

[21] رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 45 رقم 5 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 113

[22] ) رواه البخاري ج19 ص 83 رقم 5657

[23] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 154

[24] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2639 مع تصرف مني بالاختصار

[25] ) فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود : الإيمان عند أهل السنة والجماعة ج1 ص 3

  • السبت PM 02:00
    2026-02-21
  • 63
Powered by: GateGold