ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أثر التربية العسكرية للمسلمين على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
د/ احمد نصير
أثر التربية العسكرية للمسلمين على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
قال تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة 11)
يهتم الإسلام بتربية المجتمع المسلم على الحياة العسكرية المرتبطة بالاستنفار في أي وقت ، ولا يجعل المجتمع يعيش حياة الترف والاستهتار بمعزل عن الخطر المحدق من حوله كل وقت ، فهو يعيش بين الحذر والثقة ، وبين الجهد والراحة ، وبين اليقظة والغفلة ، فأفراده يتبادلون الأدوار ليظل المجتمع بمجمله حذرا يقظا نشيطا لا يهدأ أبدا ، وإن كان فيه المرتاحين الواثقين في إنابة غيرهم لأدوارهم ، هكذا يريد الإسلام من المسلمين ، فهو لا يقصر هذه الوظيفة الأمنية على الدولة بمؤسساتها وحسب ، بل ينقل هذا الحس للمجتمع المسلم كله ، وذلك من خلال عبادة السمع والطاعة للقيادة المسلمة ، ومن خلال تشريعه لعبادة الصلاة واستنفار المسلمين لها خمس أوقات في اليوم والليلة ، ومن خلال تذكيره بالميثاق الاجتماعي والسياسي والذي نسميه في الوقت الراهن بالدستور ، أي الوثيقة السياسية التي تحدد نظام الحكم وكيفية إدارته ، والحقوق المتبادلة بين الراعي والرعية ، فاستنهض الإسلام همم المسلمين للقيام لله شاهدين بالقسط ، أي القيام بفروض الكفاية فضلا عن الفروض العينية ، وحضهم على العدل الذي هو الترجمة الحقيقية لكلمة "التقوى" ، فلا تمنع الخصومات بينهم وبين أهلهم وجيرانهم وأصحاب الملل الأخرى ألا يقسطوا معهم في المعاملة ، لاسيما عند صياغة الوثيقة الدستورية ، بل إن حقوق الأقليات مضمونة كما أن حقوق الأكثرية مرعية ، وذلك كله في إطار تحقيق السلم والأمن الداخلي ، وكذا المحافظة على استقرار الدولة من الخارج وكف أيدي أعدائها عنها ، ولا يتحقق ذلك إلا بتقوية الصف الداخلي أولا ، وذلك كله في إطار الإيمان بالله والتوكل عليه سبحانه .
وفيه عدة مطالب :-
- البيعة لإمام الشرعي ضامن لعهود ومواثيق المسلمين
- دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
- أثر العهود السياسية في حفظ السلام والأمن الدوليين
المطلب الأول
البيعة لإمام الشرعي ضامن لعهود ومواثيق المسلمين
ففي قوله (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (7) التذكير بالميثاق هنا يعني بيعة المسلمين للنبي r على السمع والطاعة ، ذلك أن العرب إذا عاهدوا أحدًا على النصرة لم يخذلوه ، فلما كان أصحاب النبي r أعراب ، بايعوه ولم يخذلوه ، كان من تدبير الله أن تكون رسالة الإسلام عربية ، قال ابن عاشور (والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرسول r عدة عهود ، أولها عهد الإسلام)[1] ، قال ابن كثير (وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله r عليها عند إسلامهم)[2] .
فهي بيعة مع الله ، والله يختار من عباده من يستعمله لذلك ، قال الألوسي (وقد أضاف الميثاق إليه سبحانه تعالى لأن المرجع إليه كما نطق به قوله تعالى (إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله) [ الفتح : 10 ][3]، أي أن هذه البيعة مع الله مباشرة.
فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ r فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [4] ، وفي رواية (وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)[5]، وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)[6]، يستبين بذلك أن الجماعة المؤسسة للدولة المسلمة لابد وأن يكونوا صادقين ،فهم رجال في عهودهم ومواثيقهم ، وهم اللبنة الصلبة للأجيال القادمة ، ولابد للمجتمع المسلم أن يلتف حولهم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) ، وبغير ذلك لا يمكن أن ترى لدولتهم التي ينشدون النور.
وأثر هذه البيعة يتعدى نشأة الدولة المسلمة إلى إقامة علاقات قوية مع غيرهم ، فهذه البيعة التي يؤسسها الصادقون تضمن حفظ المسلمين لعهودهم مع الغير مهما تغيرت قياداتهم ، فإذا بايع الجنود إمامهم وجددوا البيعة لخلفه نصرة نبيهم ، فإنه يجوز القول بأن انتظام المسلمين في تلك البيعة لإمامهم "الشرعي" وتوارثهم لها ، يجعل التعامل معهم كوحدة واحدة - وإن تعاقبت أجيالهم - أيسر ، ومن ثم تنضبط عهودهم واتفاقياتهم على مر التاريخ ، فالمسلمون هم هم ذات المسلمون في كل زمان وعصر يحفظون بيعتهم ويراعون حقوق جيرانهم .
ولولا ذلك لما كان للمسلمين كلمة يحتج بها عليهم ، ولو لم يكن ذلك كذلك ، لما كان لاتفاقياتهم وعهودهم تقدير عند الناس ، لظنهم أن ما يعقدونه اليوم يحله الآخرون منهم ، أما وقد أضحى للمسلمين قيادة عسكرية واحدة ، ولها بيعة شرعية ، هنا وهنا وحسب يمكن أن يحتج المعاهدون باتفاقياتهم وعهودهم مع تلك القيادة بتلك المواثيق ، ولذلك فعندما يسعى أعداء الإسلام إلى تجريد المسلمين من قيادتهم ، فإنهم بذلك يجردون أنفسهم من الأمن والأمان الذي من الممكن أن يعقدوه مع قادة المسلمين ، فكان الأولى بهم ألا يتدخلوا في شئون المسلمين ، وأن يحافظوا على شعائرهم وقيادتهم حتى ينعموا بحسن الجوار معهم في إطار اتفاقيات سلام ينعمون بها قبلنا .
واستثناءً مما تقدم ، أجاز العلماء أن يعهد بعض المسلمين ، أو فصيل من المسلمين لأعداء الله بعهود سلام مؤقتة ، أي هدنة من الحرب ، في الوقت الذي لا تزال الحروب والخصومات بين القيادة العامة للمسلمين وهؤلاء الحربيين قائمة ، فيكون لهؤلاء المعاهدين عهودهم المؤقتة التي أمضوها مع الحربيين ، ولأولئك الحربيين والمسلمين حلهم ، أي ينقسم المسلمون إلى فئتين ، فئة تحارب أعداء الله ، وأخرى تهادنهم وتعقد معهم اتفاقيات سلام مؤقت استثناء من الأصل العام والوضع الراهن الذي عليه قيادتهم ، وذلك لظروف خاصة تتعلق بإقليمهم
فعن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ قَالَ فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ)[7] .
قال ابن الجوزي (في هذا الحديث من الفقه حفظ الوفاء بالعهد ولو للمشرك فيما يمكن الوفاء به)[8] قال النووي (قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي r في غزاة بدر فأمرهما النبي r بالوفاء وهذا ليس للإيجاب فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه ولكن أراد النبي r أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد ، وإن كان لا يلزمهم ذلك لأن المشيع عليهم لا يذكر تأويلا)[9].
أما في الفرض العكسي فلا يجوز أن يخرج عن عهد الأمان الذي يبرمه الإمام أحد بحجة أنه لم يوافق عليه ، بمعنى أنه إذا أبرمت قيادة المسلمين عهدًا مع أعداء الله تعالى ، فلا يجوز أن يخرج على هذا العهد أيا من المسلمين طالما كانوا في كنف هذه القيادة ورعايتها ودون أن يحتجوا ببعد القطر عنهم ، فعهد إمام المسلمين حجة على الكافة ما علموا به وإن تباعدت أقطارهم
يقول النبي r (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[10]، (بِمَعْنَى وَلاَ يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ)[11]، (والْمُرَادَ بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ في عَهْدِهِ إنَّمَا هو بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ غَيْرُ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ ، فَصَارَ الْمُرَادُ بِأَنْ لاَ يُقْتَلَ ، أَيْ بِمَا لاَ يُقْتَلُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمَذْكُورُ قَتْلُهُ في هذا الحديث) [12]، فالعلماء (لاَ يَخْتَلِفُونَ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ جَائِزٌ قَتْلُهُ بِمَنْ يَقْتُلُهُ قَوَدًا بِهِ) [13].
المطلب الثاني
دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) تجدد النداء للجماعة المؤمنة ليكون وفاؤهم بالعقود والعهود وأداء الحقوق والشهادة عليها دين في رقابهم يقومون عليه ابتغاء مرضاة الله ، أي النهوض بفروض الكفاية على وجه الإجمال كالشهادة في الحق (يعني أن تكون الشهادة بالعدل دون محاباة لأهل الود ولا للقرابة ، كما لا تمنع نفسك من أن تشهد لأعداءك بحقهم ، وإنما الواجب أن تقم شهادتك لهم وعليهم بالصدق والعدل)[14].
والمقصود بـ "القيام" كما قال السعدي (بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة ، وأن يكون ذلك القيام لله وحده، لا لغرض من الأغراض الدنيوية)[15]، ، قال الرازي في قوله تعالى (كُونُوا قَواَّمِينَ لِلَّهِ) إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، فهي حقوق لله كالأمر بالمعروف ، والجهاد في سبيل الله ، وجمع الزكاة وصرفها في مصارفها ، وإصلاح الطرق والأسواق ..الخ ، وبدون بيعة تتعطل هذه الفروض عن التنفيذ ، فغاية البيعة القيام بحقوق الله تعالى وحقوق العباد ، ولولا البيعة لما أمكن للأمة القيام بحقوق الكفاية التي يتعين أن يكون الإمام القيام بها من خلال نوابه وأعوانه وموظفيه .
وفي قوله (شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ) إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، فالتكاليف - وإن كثرت - محصورة في نوعين "التعظيم لأمر الله تعالى" و"الشفقة على خلق الله")[16] ، ذلك أنه (مَتَى وَقعَ الجُورُ فِي أُمًّةٍ ، زَالَتِ الثِّقَةُ مِنْ نُفُوسِ النَّاسِ ، وَانْتَشَرَتِ المُفَاسِدُ ، وَتَقَطَّعَتْ رَوَابِطُ المُجْتَمَعِ )[17] .
قال الخطيب الشربيني (وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(135) فقدم لفظ "القسط" والنساء ، وأخره في المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) ، والغرض من ذلك أن آية سورة النساء جاءت في معرض "الإقرار على النفس ووالدين والأقربين" ، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة لأحد ، وفي آية المائدة جيء بها في معرض "ترك العداوة" ، فبدأ بالأمر بالقيام ؛ لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالقسط ، فجيء في كل معرض بما يناسبه)[18] .
والشهادة الواجبة لا تكون إلا بالقسط ، فلا يجوز الشهادة على ظلم محاباة لأحد ، فعن النعمان بن بشير أن أباه انطلق به إلى رسول الله r يحمله فقال يا رسول الله إني أشهدك أنى قد نحلت النعمان كذا وكذا فقال (أكل ولدك نحلت) قال "لا" قال (فأشهد غيرى) ثم قال (أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء) قال بلى قال (فلا إذا)[19].
والاستجابة لنداء الله والقيام للشهادة بالقسط ينير للعبد الطريق يوم القيامة إلى الجنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)[20] .
وفي قوله (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) (أمر إلهي بأن تُعامل من عَصى الله فيك بأن تُطيعه فيه)[21]، والمعنى (وَلاَ تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمُ الشَّدِيدَةُ لِقَوْمٍ ، وَبُغْضُكُمْ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ العَدْلِ فِي أَمْرِ الشَّهَادَةِ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ إذَا كَانُوا أَصْحَابَ حَقٍّ أَوْ عَلَى عَدَمِ الحُكْمِ لَهُمْ بِذَلِكَ ، فَالمُؤْمِنُ يُؤْثِرُ العَدْلَ علَى الجُورِ وَالمُحَابَاةِ ) [22] ، ولذلك قيل أن العدالة عمياء ، بمعنى أن القائم بالقسط يزن بميزان الحق " العدل" بغير أن يعرف ماذا في الكفتين ، مثل الأعمي يتحسس الكمية والوزن ولا يرى محتوى الأشياء ، وهكذا المقسط ، لا يضره أن يكون في أحد الكفتين قريب له أو غريب ، صديق له أو عدو .
ولعل خير مثال على ذلك ما ذكره رسول الله r قَالَ (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)[23].
فقد أشارت الآية إلى أن تعاليم الإسلام حينما ألزمت المسلم بمعاملة الأعداء بالقسط ، فإنها تعني بذلك أن يكون في أعلى درجات ضبط النفس بل في القمة ، فمحل النهي هنا أن ينساق وراء غضبه وكرهه لعدوه فلا يقسط في معاملته ، ويضيع عليه حقوقه ، بل لابد وأن يتجرد مما يكنه في صدره من عداوة أو بغض سابق للتعامل مع عدوه الذي ظلمه في الماضي ، فكان صحابة رسول الله r بهذا الدرس التربوي متجردين من أي عداوة لمن ظلموهم في العهد المكي وهم يتعاملون مع غير ملتهم في العهد المدني ، وتلك هي أعلى مرتقى وصلت إليه البشرية في الأخلاق السامية ، فالإسلام لا يقف بهم عند مرحلة الكف عن الاعتداء والعدوان ، فهو إجراء سلبي يبدو يسيرا لو انتهى الأمر إليه ، ولكنه يتجاوز بالرعيل الأول هذه المرحلة ليرتقي بهم إلى مسئولية إقامة العدل بين الناس بصورة موضوعية بحتة ، ليؤهلهم لإدارة دولتهم بتلك الأحكام الربانية العادلة ، وهو ما فعله النبي r حين قال لهم (ما تظنون أني فاعل بكم ؟) فظنوا فيه خيرا وقالوا (أخ كريم بن أخ كريم) فقال (لا تثريب عليهم اليوم اذهبوا أنتم الطلقاء)[24] ، من هنا ذابت النزاعات الماضية والمشاحنات ، لتبدأ دولة النبي r في إطار من المواطنة بقيادته الرشيدة التي تستوعب الآخر ، وتجعله عضوا نافعا في المجتمع ، ولا تبخسه أدنى حقوقه .
وفي قوله تعالى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (8) تكرار للأمر بالعدل ، فنهاهم أولاً أن تحملهم الضغائن على ترك العدل ثم أمرهم ثانياً بالعدل تأكيداً للنهي عن الظلم ، (وفي ذلك تأكيد لأَمْرَ اللهُ تَعَالَى السَّابِقَ بِضَرُورَةِ إِقَامَةِ العَدْلِ ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالقِسْطِ فَيَقُولُ : اعْدِلُوا لأنَّ العَدْلَ أَقْرَبُ لِتَقْوَى اللهِ وَأبْعَدُ عَنْ سَخْطِهِ ، وَاحْذَرُوا أنْ يُجَازِيَكُمْ بِالعَدْلِ عَلَى تَرْكِكُمُ القِيَامَ بِالعَدْلِ) [25] .
ثم استأنف الحديث ، فذكر لهم غاية الأمر بالعدل وهو قوله : (هو أقرب للتقوى) ، أي : (أدخل في مناسبتها ، أو أقرب لكونه لطفاً فيها)[26]، قال السعدي أي: (كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى)[27] .
يقول الشعراوي (حين يراك خصمك قد آثرت الحق على بغضك له ، فذلك يجعله يلتفت إلى الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره ، ويصير أقرب للتقوى)[28]
قال الرازي (وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه)[29] .
وفي قوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(9) بيان لجزاء المقسطين القائمين بالعدل بين الناس ، وهم الذين وصفهم الله بأنهم أهل الإيمان والعمل الصالح ، قال ابن عجيبة والخطاب للذين آمنوا (عَامٌّ أريد به خاص ، وهم "أولوا الأمر منهم" ، الذين يلُون الحكم بين الناس)[30]، ذلك أن الله ذكر المقسطين ثم ذكرهم بوصفهم مؤمنين ، وقد أشار الحديث إلى أن المقسطين على منابر من نور هم (الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) [31].
وهكذا يرتقي أهل القيام على حاجات الناس بالقسط الذي يتولون أمورهم على منابر من نور يوم القيامة ، فيعوضهم الله بها ما يفوتهم من الدنيا لانشغالهم بتلبية حاجات الناس بالقسط ، فبهذا وحسب تتعلق قلوب المؤمنين ، متجردة من كل معوقات الدنيا ، يكفيها الشعور برضا الله سبحانه ، ومغفرته وأجره العظيم .
والله تعالى يبشر أهل القسط والعدل بالمغفرة والأجر العظيم ، ما يعني أنه يعفو عنهم ولا يحاسبهم ، كما في حديث السبعة التي يظلهم الله بظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله ، فذكر منهم (إمام عادل) ، فمن استقصى في الحساب عذب ، عدل قال رسول الله r (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ)[32]، (أي من استقصي أمره فيه ، هلك: بالعذاب في النار)[33]، (فالمناقشة : الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء)[34]، والمقصود (الاستقصاء والتفتيش في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة فيه)[35] ، قال المناوي (المراد هنا المبالغة في الاستيفاء والمعنى ، وتحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب لأن حسنات العبد موقوفة على القبول ، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النجاة)[36].
وفي قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (10) ذكر "الكفر" في مقابلة "الإيمان" ، وذكر "التكذيب" في مقابلة "العمل الصالح" ، ولما كان المراد من ذكر المؤمنين "أولوا الأمر" وخص منهم "المقسطين" ، ناسب كذلك أن يكني عن الظالمين بالكفر والتكذيب ، أي أن :"القاسطين" ، "الظالمين" في مقابلة "المقسطين" ، فالظالمون هم الكافرون المكذبون ، ولكنه كنى عنهم بالكفر التكذيب ، والخطاب للكافرين عَامٌّ أريد به خاص ، وهم الظالمون منهم ، من هنا يستبين فائدة عطف التكذيب على الكفر ، قال الألوسي (عطف التكذيب بآيات الله تعالى على الكفر مع أنه ضرب منه ، لأن القصد بيان حال المكذبين ، وذكرهم بمقابلة المصدقين بها ليقترن الوعيد بالوعد ، فبضدها تتبين الأشياء)[37] .
فالظلم ظلمات يوم القيامة ، وهكذا يقترن الكفر بأعمال السيئات التي تجره إلى التكذيب والإفتراء وظلم الناس ، فالذي لا يقسط ظالم ، فقد نفي الله عنهم الإيمان ، ووصفهم بالكفر لأن أعمالهم السيئة تضمنت تكذيب بآيات الله ، فالذي ينساق لعواطفه في معرض القضاء بين الناس أو القيام على حاجاتهم ، هو مكذب بما نهاه الله عنه من عدم الانجرار وراء بغضه ، وقد تبوأ مكانة الولاية والقضاء بينهم ، فيهدده الله بالجحيم ، فهو مصاحبه لا ينفك عنه ، وليس جحيم أشد ممن يحتجب الله عنه ، قال رسول الله r (من ولي من أمر المسلمين شيئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم احتجب الله عز وجل يوم القيامة دون خلته وفاقته وحاجته وفقره)[38].
المطلب الثالث
أثر العهود السياسية في حفظ السلام والأمن الدوليين
تدل سيرة النبي r على أنه كان يسعى للسلم لا للحرب ، يسعى لنشر الدعوة بالبلاغ والخطاب لا بالسيف ، وإنما حاجته للجهاد كحاجة المضطر إلى الأكل من الميتة حال المخمصة ، فهو يأكل منها بقدر الضرورة ، وفي غير ذلك كان يكف يده عن الناس ، كما في صلح الحديبية قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)[39] يقصد الدم ، أي اتفاق يحقنون به الدماء بينهما لأجابهم إليها دون تردد ، رغم ما كان بينهما من حروب كغزوة بدر وأحد وحصارهم له ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، ورغم ذلك تمنى أن يتفقوا معه ويعاهدوه ويسالموه ، دون رغبة منه في الانتقام أو الثأر ، مع ملاحظة أنه لم يتبوأ هذه المكانة من القوة ليجبر قريش على التفاوض السلمي إلا بعدما أظهر لهم قوته العسكرية ، كما في قوله (ترهبون به عدو الله وعدوكم)
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المائدة/11) قال الرازي (كان المشركين في أول الأمر غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبداً يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين)[40] ، وقال ابن عاشور (وهي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشم مشاق الحرب ومتالفها) [41]، ولذلك قال r (نصرت بالرعب) ، ولطالما حاول الكفار ذلك ، ولاتزال رعاية الله تحوط المؤمنين من كل جانب متى تحلوا بالعدل مع الناس وقاموا على حدود الله ، فيرعب أعداءهم منهم متى نصر الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد/7) ، فإن قصر المسلمون في ذلك فلا حصن لهم من الله وقد تخاذلوا عن نصرته بإقامة شرعه ، وليجعلوا من هذه الذكرى فرصة لأن تظل تحوطهم رعاية الله ، فطالما كانوا متذكرين لتلك النعمة ، ظل أعداؤهم في منأى عنهم ، وأضحى النصر حليفهم.
وغاية التذكير بتلك النعمة حض المسلمين على فهم وظيفتهم الدعوية ، التي هي لصيقة بهم على الدوام ، ذلك أنهم ليسوا مثل أعدائهم معتدين ولا منتقمين ، فيذكرهم بحالة السلم التي منَّ الله عليهم بها حال الاستضعاف بلا قتال ، فحفظهم وكف أيدي الكفار عنهم ، وفي ذلك وعد منه سبحانه بطريق التضمن أنه سوف يكف أيدي الكفار عنهم كذلك في حال القوة متى ظلوا على على أخلاق الدعاة ، طالبين للسلم غير مستعلين بالقوة ، ولكن مستعينين بالله ومتوكلين عليه ، فــ"مرحلة كف" اليد ليست مرحلة من مراحل الجهاد في سبيل الله حال الاستضعاف وحسب ، بل إن مجال إعمالها حال القوة أدعى وأظهر ، فهي الغاية من جهاد الأمم ، فإن كان بالإمكان حقن الدماء بلا قتال ، فذلك أولى من السعي إلى الجهاد ، حيث يتفرغ المسلمون لنشر دينهم في الأرجاء ، طالما ليس ثمة من يصدهم عن سبيل الله ، ليكون سبيل الجهاد طريق احتياطي لا يلجأون إليه متى خلوا بينهم وبين الناس .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الخطاب تضمن كذلك تذكير بموقف اليهود من النبي r أول ما قدم المدينة ، وكانوا قد أرادوا أن ينقلبوا عليه ،ولكن الله كف أيديهم عن المؤمنين ،وجعل وثيقة المدينة حاصنة لدماء أهل المدينة حتى بدت بعد ذلك خيانتهم وأجلاهم النبي r منها ، فعن مجاهد في قوله "إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم" قال هم "يهود" وذلك أن رسول الله r دخل عليهم حائطا لهم وأصحاب رسول الله r وراء الجدار فاستعانهم في مغرم في دية غرمها ثم قام من عندهم فأتمروا بينهم بقتله ، فأطلع الله عز وجل على ذلك نبيه r فخرج يمشي القهقرى معترضا - وهو ينظر إليهم خيفتهم - ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى انتهوا إليه ، فذلك نعمة الله عليهم وذلك آلاء الله عز وجل)[42] .
وليس ثمة دليل على تعيين قوم معينين بهذه الآية ، فالآية عامة ، والمعني المتبادر للذهن رعاية الله للذين آمنوا وحفظه لهم وذلك بمجرد امتثالهم لأمره ، فهو يحفظهم ويرعاهم من أعدائهم على كثرتهم دون أن يشعروا بذلك ، ولعل أقرب تذكير لهم بذلك هو يوم صلح الحديبية التي حصل 6 هـ بعد غزوة الأحزاب سنة 5هـ ، قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً)
وقد سبق ذلك كله وثيقة المدينة مع أهل الكتاب ،يقول المستشرق الروماني جيورجيو "حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله ، خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان، وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء ، وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م ، ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده"[43] .
وكان ضمن بنود هذه الاتفاقية (وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار ِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ r وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا ؛ وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ ، وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ r وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا ، وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ "[44].
قال د / علي الصلابي (وبهذا ترى أن الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ماداموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس بمقتضى أحكام الصحيفة سبباً للحرمات من مبدأ (المواطنة)[45].
[1] ) التحرير والتنوير ج5 ص 54
[2] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 62
[3] ) تفسير الألوسي ج4 ص 406
[4] ) رواه البخاري ج21 ص 444 رقم 6532
[5] ) رواه البخاري ج22 ص 140 رقم 6660
[6] ) رواه البخاري ج1 ص 98 رقم55
[7] ) رواه مسلم ج9 ص 264 رقم 3342
[8] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 256
[9] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 144
[10] ) رواه النسائي ج14 ص 359 رقم 4653 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج10 ص 306 رقم 4734
[11] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[12] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[13] ) الإمام الطحاوي : شرح مشكل الآثار ج3 ص 278
[14] ) تفسير الخازن ج2 ص 245 مع تصرف
[15] ) تفسير السعدي ج 1 ص 224 فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن ج2 ص 127
[16] ) تفسير الرازي ج6 ص 6
[17] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[18]) الخطيب الشربيني : تفسير السراج المنير ج1 ص 783 مع تصرف
[19] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 47 رقم 93 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 43 رقم 93/69
[20] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406
[21] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج3 ص 50
[22] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[23] ) رواه البخاري ج10 ص 423 رقم 2930
[24] ) زاد المعاد ج3 ص 356
الشمائل الشريفة : الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ص 217
[25] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 678
[26] ) أبو حيان البحر المحيط ج4 ص 385
[27] ) تفسير السعدي ج1 ص 224
[28] ) تفسير الشعراوي ص 2061
[29] ) تفسير الرازي ج6 ص6
[30] ) تفسير ابن عجيبة ج2 ص 40
[31] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406
[32] ) رواه البخاري ج20 ص 202 رقم 6055
[33] ) محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج6 ص 146
[34] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 132
[35] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 401 ، بدر الدين العيني الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج33 ص 345
[36] ) فيض القدير ج6 ص 159
[37] ) روح المعاني ج7 ص 6
[38] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 105 رقم 7027 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1155
[39] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529
[40] ) تفسير الرازي ج6 ص 9
[41] ) التحرير والتنوير ج5 ص 57
[42] ) تفسير مجاهد ج1 ص 188
[43] ) «وثيقة المدينة».. تأسيس لمفهوم التسامح" في 20 نوفمبر 2018. اطلع عليه بتاريخ 20 نوفمبر 2018.
محمود الشيخ : مدخل لقبول ثقافة الآخر: رؤية إسلامية (الطبعة الثالثة 2018)
https://web.archive.org/web/20181120095509/http://www.alkhaleej.ae/home/getpage/http:/
[44] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 502 السيرة النبوية لابن كثير ج2 ص 323
[45] ) السيرة النبوية – دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة ج5 ص 63
-
السبت PM 04:47
2025-12-20 - 560



