ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
مقدمة سورة المائدة
د/ احمد نصير
مقدمة سورة المائدة وتوطئة لموضوعها الرئيسي
(مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم الأنبياء)
توطئة :-
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
محاور سورة المائدة
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
مقدمة سورة المائدة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
مقدمة سورة المائدة وتوطئة لموضوعها الرئيسي
(مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم الأنبياء)
توطئة :-
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
محاور سورة المائدة
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
مقدمة سورة المائدة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
مقدمة سورة المائدة وتوطئة لموضوعها الرئيسي
(مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم الأنبياء)
توطئة :-
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
محاور سورة المائدة
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
مقدمة سورة المائدة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
مقدمة سورة المائدة وتوطئة لموضوعها الرئيسي
(مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم الأنبياء)
توطئة :-
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
محاور سورة المائدة
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
مقدمة سورة المائدة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
مقدمة سورة المائدة وتوطئة لموضوعها الرئيسي
(مكانة أهل الكتاب من الميثاق السياسي والاجتماعي لدولة خاتم الأنبياء)
توطئة :-
رسمت سورة المائدة الحدود الفاصلة بين المؤمنين وأهل الكتاب ، وفي ذات الوقت طريقة التعامل معهم وكيفية اندماجهم مع المجتمع المسلم ، مع احتفاظ كل منهما بحياته الخاصة وحقه في ممارسة شعائره الدينية ، غير أنه لوحظ بسبب هذه كثرة مجادلة أهل الكتاب أهل الإيمان في دينهم حتى يصرفوهم عن دينهم بكثير من الحيل ، وكثيرا ما لجأوا إلى مساومتهم على أن يؤمنوا بالله -شكلا- مقابل أن يتخلى المسلمون عن تشريعات دينهم وأحكامه التي لا تتفق مع أهواءهم ، ليفرغوا الدين الإسلامي من مضمونه ، ويضحى مجرد معتقدات لا أثر ظاهر لها على سلكويات الفرد المسلم ومسئولياته تجاه ربه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، هذا ما أرادت سورة المائدة أن تحذر المؤمنين منه وتنبههم عليه من خلال بيان مقاصد الإسلام في تشريع الحل والتحريم ، فلفظ "أحل" ، "حرم" تكرر في هذه السورة كثيرا .
قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة –أو تشريعا - لم يبينها في غيرها)[1]، ويمكن سرد بعض هذه التشريعات التي تشكل ملامح السورة كما يلي :-
- الوفاء بالعقود
- نسك الحج
- المحرمات من الأطعمة وما أحل من الطيبات :-
- المحرمات من الأطعمة لذاتها
- الأطعمة التي حرمت للذبح لغير الله
- تشريع الصيد
- أطعمة أهل الكتاب
- نكاح المحصنات من أهل الكتاب
- العدل مع الأعداء
- الشهادة بالقسط
- الوضوء ومناسك الصلاة
- نظام التمثيل النيابي في الإسلام
- نظام القيام على فروض الكفاية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- عقوبة التيه للتخلف عن الجهاد
- عقوبة القتل العمد العدوان
- عقوبة حد الحرابة
- عقوبة السرقة
- التحكيم الدولي بين أهل الكتاب
- عقوبة القصاص
- خضوع أهل الذمة والمستأمنين لحكم الله
- تفريد وتقسيم لأحوال أهل الكتاب مع المسلمين
- لا رهبانية في الإسلام
- حكم الأيمان وكفارتها
- أنواع المحرمات بذواتها أو بوصفها بقيود الزمان والمكان والحال
- تحذير من موالاة أعداء الله وأسباب البراءة منهم
- الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في الإشهاد على الوصية عند السفر
- تأييد نبي الله عيسى بالمعجزات لإبطال عادة بني إسرائيل بقتل الأنبياء
- التنطع في الدين مذموم
- بطلان عقيدة النصارى في عيسى بن مريم وأمه
ولبيان مقاصد الإسلام ، والتأكيد على أن التشريع هو حق إلهي ، لا ينازعه فيه أحد ، ألمحت السورة إلى أن تشريعات الإسلام ليس لأجل بيان الصالح المادي للأمة المسلمة وحسب ، فهذا وإن كان غرضا متضمنا ضمن أغراض التشريع الإسلامي ، لكن الغرض الأساسي للتشريع الإسلامي إثبات وحدانية الله تعالى في ملك ، ولذلك اختتمت السورة بآية تدل على هذا المعنى ، فمن خصائص التشريع الإسلامي أن يعلم العبد أن الله تعالى الذي خلقه ورزقه هو الذي يحكم أمره ومدبره ، وأن عليه أن يطيعه فلا يعصاه ، ومن جملة طاعته له أن يلتزم بحلاله وينتهي عن حرامه ، دون سبر عن أسباب أو تقصي لحكم أو علل، ذلك أن نفس المؤمن التي أمنت بالله تعالى لابد وأن تخضع لحكمه بلا مناقشة أو جدال.
لكن الانصياع لتشريعات الإسلام في الحل والتحريم صادف جدلا واسعا عند أهل الكتاب الذين ربطوا هذه المسألة بتحقق مصالح مادية ، حتى أنهم ربطوا عقيدة الإيمان بالله بتحقق معجزة مادية تخضع لها قلوبهم وأبصارهم ، فعاتبهم الله على ذلك ، وهددهم بعاقبة عدم الإسراع لقبول الإيمان جملة وتفصيلا بعد تحقق المعجزة التي طلبوها تفصيلا .
ولذلك تجد أن سورة المائدة قد استقطعت صورا من ضلالات أهل الكتاب والمشركين خصوصا في مسألة التشريع ، وبخاصة في الأطعمة والأشربة باعتبارها ذات صلة وثيقة بحياة الناس ، فتناولت مسألة تحريم (لحم الخنزير) ، (الدم) ، (الميتة) ، (الخمر) ، (البحيرة والسائبة) ، كما تطرقت لصور من ضلالاتهم في الاعتقاد (تأليه المسيح) ، (تأليه أمه مريم بنت عمران) .
ومن قبل ذلك تحدثت عن تخاذلهم عن نصرة أنبيائهم واعتدائهم عليهم وعدوانهم ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يتجدد هذا الدين بنبي يمحو تلك الضلالات ، ويبلغ شريعة الله كما أنزلها بلا زيادة أو نقصان ، وتكون رسالته خاتم الرسالات ، قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .
محاور سورة المائدة
مقدمة : الإيصاء بالوفاء بالعقود
المحور الأول (1- 11)
إقامة شعائر الإسلام واحترام مفهوم "الجندية" عند المسلمين ضمان لتنفيذ اتفاق السلام الدولي
المبحث الأول : شعائر الإسلام تحض على أمان أهل الكتاب
المطلب الأول : شعائر العادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
الأولى : الحق في "الحل والتحريم" خالص لله وحده
الثانية : دائرة التحريم في الإسلام محددة
الثالثة : دائرة الحل في الإسلام واسعة
المطلب الثاني : شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب
المبحث الثاني : أثر التربية العسكرية في الإسلام على ضمان العهود والسلام مع الآخرين
المطلب الأول : البيعة لإمام شرعي ضامن للمواثيق والعهود
المطلب الثاني : دور ولاة الأمور في القيام بفروض الكفاية والشهادة عليها بالقسط
المطلب الثالث : أثر العهود السياسية على السلم والأمن الدوليين
المحور الثاني (13-50)
موقف أهل الكتاب من الميثاق الاجتماعي والسياسي
المبحث الأول : الوثيقة الدستورية ميثاق أمان لأهل الكتاب والمسلمين
المطلب الأول : أهمية تشكيل مجالس نيابية لإقامة الدين قبل الدنيا بالمدينة المنورة
المطلب الثاني : موقف السلطة السياسية من خيانة الأقليات المعارضة
المطلب الثالث : انشغال المعارضة بنزاعاتهم الخاصة أوهن أدائهم السياسي
المطلب الرابع : المبادئ فوق الدستورية لا تقر بالاتفاق ولا بالمغالبة
المطلب الخامس : الأمور العقائدية ليست محلا للاتفاقيات السياسية
المطلب السادس : واجب الدعوة وإنكار المنكر مضمون دستوريا
المبحث الثاني : بنود الوثيقة الدستورية مع أهل الكتاب
المطلب الأول : حكم الخدمة العسكرية و"حكم التهرب منها"
المطلب الثاني : حرمة الدم "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"
المطلب الثالث : الأمن الاجتماعي "حد الحرابة"
المطلب الرابع : حماية الأموال "حد السرقة"
المبحث الثالث : سلطان التشريع الإسلامي على أهل الكتاب 41 – 50
المطلب الأول : تملص أهل الكتاب من تطبيق حكم الله من شريعتهم
المطلب الثاني : إستناد القاضي المسلم في التحكيم الدولي إلى أحكام الشريعة
المطلب الثالث :جواز احتكام أهل الكتاب غير الذميين إلى حكامهم في نزاعاتهم
المطلب الرابع : حفظ الدين بحفظ الدولة وحفظهما بحفظ العلماء
المطلب الخامس : مقاصد الشرع الضرورية ثابتة في كل ملة
المطلب السادس : لا يخلو زمان من بيان حكم الله
المطلب السابع : مدى ولاية القاضي المسلم على أهل الذمة وأهل الكتاب
المحور الثالث (51 - 86 )
علاقة المسلمين باليهود والنصارى بعد اكتمال التشريع
المبحث الأول : الحفاظ على الإسلام من النقض من خلال (عقيدة الولاء والبراء)
المطلب الأول : منع الولاية لليهود والنصارى أيا كانت الأسباب
المطلب الثاني : الردة عن الإسلام نتيجة حتمية لولاية الكافرين تستوجب الاستبدال
المطلب الثالث : وجوب الولاية للمؤمنين
المطلب الرابع : العلة من حظر الولاية للكفار عموما
المبحث الثاني : أسباب البراءة من اليهود والنصارى رغم أنهم أهل كتاب
المطلب الأول : الاستهزاء بالعبادات
المطلب الثاني : حسد المؤمنين
المطلب الثالث : عبادة الطاغوت
المطلب الرابع : نفاقهم للمؤمنين
المطلب الخامس : المسارعة في الإثم والعدوان
المطلب السادس : تجرئهم على الله
المطلب السابع : سعيهم للإفساد في الأرض
المبحث الثالث : طرق دعوة أهل الكتاب
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المحور الرابع (87-105)
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
المبحث الأول : التشريع حق إلهي لا عمل للبشر فيه
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام) 87-88
المطلب الثاني : إبطال أيمان الجاهلية كمستند لتحريم ما لم يحرمه الله 89
المبحث الثاني : تعريف أهل الكتاب بأنواع المحرمات في الإسلام
المطلب الأول : المحرمات المقترنة بعلة التحريم 90-93
المطلب الثاني : المحرمات لحكمة الامتثال لأمر الله 94-99
المبحث الثالث : التعريف بمنهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهجية الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع تقرير المسئولية الفردية والمجتمعية في آن واحد
المحور الخامس
استمالة النصارى للإسلام بالإنصاف ودحض الشبهة ثم العتاب
وفيه مبحثان :-
المبحث الأول : الجدارة الائتمانية لأهل الكتاب في إطار السياسة الشرعية
المبحث الثاني : غلو أهل الكتاب في طلب المعجزات وتنطع الحواريين
ثم خاتمة السورة
مقدمة سورة المائدة
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تصدرت سورة المائدة بخطاب للذين آمنوا تضمن أمر وإلزام حتمي أن يوفوا بالعقود ، والعقد –لغة- (الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه ، وأصله الشد) [2] ، والمقصود ما تعاقدت عليه إرادة المتعاقدين من شروط هي موضوع العقد ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).
والأمر بالوفاء أي (إتمام العهد)[3] فلم ترد صيغته مخصصة بعقد معين ، بل إن سياق السورة يحض على الوفاء بما تم الاتفاق عليه بوجه عام ، أيا كانت صورته ، سواء أكان اتفاق شارع أم خاص بالعاقدين ، فيشمل "العقد"و"الاتفاق" و"العهد" و"الميثاق" بإطلاق ، دون تقييد ، كما أن إطلاق الصيغة شمل كل عقد قبل الإسلام أو بعده ، ما لم يرد دليل صريح بإبطاله ، قال رسول الله r (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[4] ، وهو ما يجعلنا نفقه أن الاتفاقيات الأممية الشارعة لها حجيتها عند المسلمين متى كانت تضمن للإنسان حقوقه ، وتعلي من القيم الإنسانية وفقا لمعايير العدالة والقسط التي تتماشى مع الفطر الإنسانية السليمة .
والعقود المعروفة والمسماة في الإسلام خمسة (عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد – أي الوعد بالإرادة المنفردة-، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف- أي النصرة-)[5]، وأيا كان موضوع العقد فإنه طالما كان مضمونه خير ، يجب الوفاء به ، فالإطلاق في الصياغة مقصود به أن يشمل الالتزام بالوفاء كل عقد سواء أكان في مجال التجارة والبيع والشراء أو النكاح وما تضمنه من شروط أو السياسة ، وما يشمل ذلك من اتفاقات سلام أو حلف عسكري ...الخ ، ولذلك حملها مقاتل على ذلك فقال (يعنى بالعهود التى بينكم وبين المشركين) [6] .
والمقصود ببنود العقد شروطه المتفق عليها من أطرافه ، لقول النبي r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ)[7] ، ولم يستثن من ذلك إلا إذا كان الشرط مخالفا لشرع الله تعالى ، فعن النبي r قال (وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[8] ، وقال r (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)[9] ، يعني شرطا يخالف مقاصد الشرع والحكمة من النصوص الشرعية .
ولا ينعقد العقد إلا بعد أن يصادف الإيجاب قبولا ، والإيجاب هو طلب التعاقد وفقا للشروط التي يعلن به الطالب ، والقبول هو تسليم الطرف القابل بهذه الشروط وإعلان الرضاء بها ، فإذا حصل هذا التصادف بتمامه انعقد العقد ، لكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات ، وهو ما يسميه الفقهاء بالخيارات ، فهذه الخيارات تؤجل هذا الأثر أو يتعلق إنفاذ العقد بها ، وهي خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرؤية .
أولا : خيار المجلس : -
فالعلماء أعطوا للمتعاقدين مهلة للتروي والتفكير قبل الإقرار والإثبات ، أثناء انعقاد مجلس العقد وقبل أن ينفض ، فأقروا بخيار المجلس ، ومعناه أنه طالما مجلس العقد منعقدا فإن كلا الطرفين يحق له المناقشة والتعديل لأحد بنود العقد حتى يتم الاتفاق نهائيا على كل البنود ، فإذا تفرقا فقد انعقد العقد ، ولا يجوز إعادة مناقشة الشروط مرة أخرى ، ودليلهم في ذلك قول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)[10]
وهذا يحمل في الغالب على العقود الشفهية ، فهذا حالها قال r (إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ)[11] .
أما إذا كانت محررة كتابيا فإن تمام العقد يكون بالفراغ من الكتابة ثم التوقيع عليها ، إذ تعني الكتابة إسقاط خيار المجلس المذكور سلفا ، وهو جائز لقول النبي r (الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)[12] ، فقد اختلف العلماء في المراد بقوله "إلا بيع الخيار" ، (قال الجمهور وبه جزم الشافعي هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير)[13]، قال ابن الأثير (أي إلا بَيْعاً شُرِطَ فيه الخِيَارُ فلا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّق ، وقيل معناه : إلاَّ بيعاً شُرِطَ فيه نَفْيُ خِيَار المجلِس فيلزم بنفسه عند قوم) ، قال النووي (المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بهذا التخاير ولا يدوم إلى المفارقة)[14]. .
ثانيا : خيار الشرط : -
قال رسول الله r (الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) من حق أحد المتعاقدين أن يحتفظ لنفسه بالخيار مدة معينة ، شريطة أن يقبل الطرف الثاني هذا الشرط ، ما يعني أن يحتفظ أحد المتعاقدين لنفسه بمهلة زمنية محددة له أن يرجع في العقد خلالها ، فإذا مضت تلك المدة دون أن يتستعمل هذا الخيار فقد أضحى العقد نافذا في حقه
قال النووي ففيه ثلاثة أقوال :-
(القول الأول : أن المراد التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس ، وتقديره يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع ، فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة) يقصد بذلك خيار المجلس والاستثناء منه كما في العقود المكتوبة التي تنتهي بالإمضاء وليس بالتفرق[15] .
(والقول الثانى : أن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة)[16].
قال ابن الأثير : (وأمّا خِيَارُ الشَّرطِ فلا تَزِيدُ مُدّته على ثلاثة أيام عند الشَّافعي أوّلها من حال العقد أو من حال التَّفرُّق)[17]،والفقهاء وضعوا مدة الثلاثة أيام لإنهاء الخيار إذا لم يرد نص في العقد بتحديدها ، لكن هذا الأمر يجوز الاتفاق على خلافه فيما بين المتعاقدين .
قال النووي (والثالث معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بذات البيع ، ولا يكون فيه خيار) [18] ، وهو كالأول كما ذكرنا.
هذا وقد اهتم العلماء المسلمون بالعقد أيما عناية ووضعوا له نظرية تسمى بنظرية العقد ، وتتضمن النظرية تعريف بالإرادة العقدية ،وبيان أقسامها ودورها في إنشاء العقود وأهلية المتعاقدين ، وسلطان الإرادة ، والآثار العامة للعقود ، وعيوب الإرادة من إكراه وخلابة وغلط ، وأنواع العقود من حيث نفاذها والإلزام بها ولزومها ، وانتهاء العقود وبطلانها وانقضاء الالتزام وانحلال العقد ، والتفريق بين الفسخ والبطلان ، والعقود الباطلة وتلك القابلة للإبطال ، والبطلان الجزئي والبطلان التام [19]
وعدم الوفاء بالعقود خيانة ، وهو من صفات المنافقين ، قَالَ رسول الله r (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[20]، قال المناوي قوله (من كن فيه كان منافقا خالصا) (نفاق عمل لا نفاق إيمان) [21]
قال النووي (هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد فى المسلم المصدق الذى ليس فيه شك ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار فإن أخوة يوسف r جمعوا هذه الخصال ، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله ، فالذى قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافقين فى هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم ، وقوله r كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال)[22].
ثالثا : خيار الرؤية [23]:-
هو حق للمشتري في فسخ عقد البيع بعد رؤية السلعة فعليًا، إذا لم يرها وقت التعاقد، استنادًا لقول النبي r "من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه"[24]، ويثبت هذا الخيار عند الرؤية الفعلية وليس قبلها ، فلا يعتد برضاه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد ، حيث لم تتحقق مطابقة المبيع لأوصافه الواردة في بنود العقد ، فإذا رآه أو عاينة المعاينة النافية للجهالة الفاحشة به هنا له الخيار إما إمضاء البيع أو فسخه
وهو من الخيارات المعتبرة في الفقه الإسلامي ، ويختلف عن العقد على غير موجود المنهي عنه بقول النبي r (لا تبع ما ليس عندك) ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبِيعُهُ قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)[25]، بل هو موجود وفي حوزة البائع ، يعزى ذلك إلى أن الجهالة لا تفضي إلى منازعة ، فهو بالخيار بعد الرؤية ، فلو لم يوافقه رده ، ومبررات التعاقد قبل الرؤية هي الحاجة للتعاقد بسعر معين في زمن معين على سلعة معينة موجودة وفي حوزة البائع ، لكن غير مقدور على تسليمها في الحال ، فيتم التعاقد وفقا لأوصاف محددة في المبيع ، ثم عند الاستلام يجلب البائع الشيء المبيع .
مثال ذلك التعاقد على شراء سيارة ، فبعد أن يتم تحويل ثمن البيع ويتحدد وقت التسليم يحق للمشتري أن يرفض الاستلام إذا ما لم يجد تطابقا بين السيارة المبيعة ومواصفاتها الواردة في العقد ، أما إذا لم تكن السلعة موصوفة وصفا نافيا للجهالة الفاحشة فالعقد لا ينعقد أصلا إلا بالتسليم المبيع بعد الاتفاق على الثمن وكيفية سداده .
[1] ) البحر المحيط ج4 ص 351
[2] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[3] ) الجياني : التبيان تفسير غريب القرآن ج1ص176
[4] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595
[5] ) البحر المحيط ج4 ص 352 الدر المنثور ج3 ص 312
[6] ) تفسير مقاتل ج1 ص 376
[7] ) رواه أبو داود ج9 ص 491 رقم 3120 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1166 رقم 11660
[8] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 3 ص 352 رقم 1352
[9] ) رواه البخاري ج7 ص 367 رقم 2010
[10] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937
[11] ) رواه البخاري ج7 ص 305 رقم 1970
[12] ) رواه البخاري ج7 ص 303 رقم 1969
[13] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج4 ص 377
[14] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[15] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[16] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[17] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 189
[18] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 174
[19] ) انظر نظرية العقد للشيخ مصطفى الزرقا ، والأبحاث التي قامت بدراستها منها بحث بعنوان (نظرية العقد لدي الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة – إعداد / سامي عدنان العجوري – رسالة ماجستير في الفقه المقارن – كلية التربية – قسم الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر بغزة . 2003 تحت إشراف الدكتور مازن مصباح صباح
[20] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم 33
[21] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 274
[22] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 47
[23] ) يَثبُتُ حقُّ خِيارِ الرُّؤيةِ للمُشتري إذا اشْتَرى ما لم يَرَه، وهو مَذهَبُ الحنَفيَّةِ والمالكيَّةِ ، وقولٌ في مَذهَبِ الشَّافعيَّةِ ، ورِوايةٌ عن أحمَدَ اختارَها ابنُ تَيميَّةَ ، انظر : الموسوعة الفقهية https://dorar.net/feqhia/7432/
[24] ) رواه الدارقطني ج3 ص 4 رقم 8
[25] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 423 رقم 2178 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1780
-
الاربعاء PM 01:11
2025-12-17 - 853



