ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
المحرمات بذوات الأشياء (تطبيق على الخمر والميسر)
د/احمد نصير
المحرمات بذوات الأشياء
(تطبيق على الخمر والميسر)
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93)
لما كان الإسلام لايعترف بالرهبانية إلا في إطار الجهاد في سبيل الله تعالى ، وقد اتخذت الشريعة الإسلامية منهج التيسير على الناس لا التشديد والغلو ، وكانت في تشريعاتها تستهدف دوما تحقيق مصالح العباد ، ودرأ المفاسد والشرور ، ولذلك جاء تشريع الإسلام قاطعا في تحريم أمور بعينها وبذواتها لما فيها من مفاسد ، وفي مقدمة المحرمات لذواتها "الخمر" ، تلك التي اعتاد أهل الجاهلية شربها رغم ما فيها من المفاسد والشرور ، والعلة من تحريمها ظاهرة بادية للعيان ، ومثلها – كذلك - الميسر لما فيه من تضييع المال والأنصاب والأزلام .
وهذين الأمرين من شعائر الإسلام ، فالمسلمون معروفون في كل العصور بأنهم لا يشربون الخمر ولا يلعبون الميسر أي القمار ، وبالتزام المسلمين هذين النهيين حافظ الإسلام على العقول والأموال اللذين هما مدار حركة الحياة ، وبدونهما تعث البشرية في السكر والتبذير ثم الفساد والقتل والعدوان .
في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(90) نداء خوطب به المؤمنون لاجتناب "الرجس" بمفهوم عام ، وإفراد "الخمرط و"الميسر" و"الأنصاب" و"الأزلام" بالتخصيص باعتبارها عادات ألفها المجتمع الجاهلي ، فساءت بها أخلاقه ، وفسد أبناؤه ، وتأخرت منزلتهم عن سيادة أنفسهم فضلا عن سيادة الأمم ، فكان لابد وأن يتخلص منها المؤمنون الذين ألفوا هذه العادة قبل الإسلام ، لأنهم بإلف تلك العادات الذميمة والأخلاق الرذيلة لن يقيموا دنيا ولا دين .
وقد تدرج الإسلام مع الصحابة في تحريم الخمر ، لأن التخلص من هذه العادة يحتاج إلى صبر ومجاهدة وتربية لا يمكن أن تتحقق في يوم وليلة ، فلم ينه الإسلام الناس عنها أول الأمر لاسيما وقد كان الخمر في عرف الناس طيبا قبل أن ينزل قرآن بتحريمه ، فلما خالف القرآن أعراف الناس في ببيان حقيقة الخمر ، عرض الأمر على أنه ليس رزقا حسنا ، وذلك في قوله تعالى (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) [النحل:67] فعطف الخمر والرزق الحسن أفاد المغايرة بين بينهما في الحكم والطبيعة ، لينتبه لهذا المعنى أصحاب العقول الرشيدة ، فيسبقوا غيرهم بالانتهاء عن شربها بعد أن اقتنعوا بأنها ليست رزقا حسنا ، فيقتدي الناس بهم ، وقد صار في المجتمع فئة تمتنع عن شرب الخمر تمهيدا لأن ينهي الله عنها لاحقا.
ولكن تأخر النهي عنها في أول الإسلام حتى طال الأمر ، وفي كل مرة تنزل آية تؤكد كراهية الخمر ، وشق ذلك على بعض الصحابة ، حتى نزل التأكيد على تحريمها بقوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، فعَنْ عَمْرٍو عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الْآيَةَ قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ انْتَهَيْنَا)
وكذلك الحكم بالنسبة للميسر فقد كان وسيلة الفقراء لأن يطعموا أهلهم اللحم لأن ما كانوا يتحصلون عليه من الكسب بالعمل لا يكفي لشراء اللحم ، فكان الميسر وسيلتهم لذلك ، فلما ترسخت العقيدة في قلوب الصحابة ارتاب الناس في أمر "الخمر" الذي يفسد العقل ، و"الميسر" الذي يفسد المال ، وقد رأوا ما فيهما من مفاسد ، وقد وازن القرآن الكريم بين المصلحة المرجوحة والمفاسدة الراجحة فيهما ، فرجح درأ مفستدهما على جلب المصلحة منهما في قوله (ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)(البقرة/219) ، ففي الخمر والميسر من المنافع المادية التي تتحقق برواج التجارة فيهما ما لا يخفى ، إلا أن فيهما من الشرور والمفاسد ما هو معلوم للكافة ، فلما نزل قرآن بترجيح مفاسدهما على منفعتهما ، لم يكن في التجارة فيهما مقتض ، وقد تبين مجافتهما لوجه الصالح العام ، وهكذا تنتهي الدولة كسلطة عن الترويج لهذه السلعة وتلك الخدمة تمهيدا لأن ينتهي الأفراد كذلك عنهما .
وهكذا ظل التدرج في تحريم الخمر حتى جاء تحريمه قاطعا بعد بيان حل الطيبات في قوله تعالى (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:87] ، لكي لا يلتبس على الناس الظن أن الخمر من الطيبات فيحلونها ولا يحرمونها ، قال ابن عاشور "فكانت هذه الآية كالاحتراس عما قد يساء تأويله من قوله (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) "، فكما أن الله تعالى نهى المسلمين على أن يحرموا ما أباح الله لهم ، فإنه كذلك نهاهم عن استحلال الحرام ، وبيَّن أن الخمر والميسر من المحرمات وفي مقابلة الطيبات ، أي أنهما من الخبائث المفضية إلى مفاسد جمة".
و"الخمر" كل ما خامر العقل ، أي ستره ، قيل سُمِّيَتْ خَمْراً لأَنَّها تَخْمُرُ العَقْلَ وتَسْتُرُهُ ، ومنه اخْتَمَرتِ المرأة ، أي لبست الخِمَارَ ، والمقصود الشرعي من الخمر المنهي عنه " كل مسكر" ، لقول رَسُولُ اللَّهِ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ) ، من هنا كانت علة تحريم الخمر ليست القدر المسكر منها ، وإنما يكفي أن ينطبق علي المشروف وصف "الخمر" ليحرم شربه أيا كان اسمه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) ، بذلك يدخل في التحريم "القدر القليل" من الخمر ولو لم يكف للسكر ، وقال (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ) ، قال المناوي (عبارة عن التكثير والتقليل لا التحديد) ، وتأييدا لهذا المفهوم روي عن النبي أنه (نهى عن قليل ما أسكر كثيره).
وأما "الميسر" فهو يعني (تحصيل ربح مادي بدون عمل) ، فكل مال اكتسبه المرء بيسر دون عمل أو مشقة ، نتيجة القمار والرهان فهو ميسر ، لأن (القمار ضرب من الخداع) ، قال مجاهد (كل شيء فيه قمارٌ فهو من الميسر) ، قال الطيبي (اشتقاق الميسر من اليسر لأنه أخذ مال لرجل بيسر وسهولة من غير كد وتعب) .
والميسر أسوأ طرق كسب المال وتضييعه ، والخمر أسوأ مطعم وأبذر مصرف للمال ، واقتران الخمر والميسر في موطن الذم يدل على شدة السفاهة بسوء الكسب والصرف في آن واحد ، لاسيما وقد قيل أن (من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر) أي (مهالك وأمور مبددة) ، (والمراد أن من أخذ شيئا من غير حله –كنهب والقمار والميسر- أذهبه الله في غير حله) ، كالخمر والسكر لا نفع فيهما من تعذية أو كسوة أو مسكن .
وأما "الأنصاب" : فهي جمع واحدها "نصب" ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (النُّصُبُ أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا)، وهي كل ما يعبد من دون الله من حجر أو شجر أو وثن أو قبر ، قال ابن القيم (من الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين : من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره) ، قال الكلبي : "اسْتَهْتَرَتِ الْعَرَبُ فِي عِبَادَةِ الأَصْنَامِ فَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتًا وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَ صَنَمًا وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى بِنَاءِ بيتٍ نَصَبَ حَجَرًا أَمَامَ الْحَرَمِ وَأَمَامَ غَيْرِهِ مِمَّا اسْتَحْسَنَ ثُمَّ طَافَ بِهِ كطوافه بِالْبَيْتِ " وسموها الأنصاب .... فَكَانُوا يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ عِنْدَ كُلِّهَا وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهَا وَهُمْ على ذَلِك عَارِفُونَ بِفَضْلِ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا يَحُجُّونَهَا وَيَعْتَمِرُونَ إِلَيْهَا ) ، فالنهي الوارد في الآية المقصود به الذبح عندها لقوله تعالى " وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ "(3) .
وأما "الأزلام" فهي "كل ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات" ، والله تعالى هو الضار والنافع ، قال ابن كثير (وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيَرَة في الأمر الذي يريدونه) ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) .
وكلا من "الأنصاب والأزلام" من الأعمال الشركية ، والتي تؤدي بصاحبها إلى الكفر ، وقد جمعت معهما الخمر والميسر لبيان شدة حرمتهما ، وأن شرب الخمر ولعب الميسير قد يؤديان إلى ما يؤدي إليه الذبح على النصب والاستقسام بالأزلام من الكفر بالله ، قال الشعراوي " ذلك ليبشع لنا الأمر ، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ، ولنفهم أن الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام ، وما داموا مؤمنين فلا بد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام" ، قال فخر الرازي " فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية ، قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال (تَشْكُرُونَ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) (المائدة : 90) ، والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر ، ولا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر" .
وفي قوله تعالى "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " (91) إفراد لعلة تحريم الخمر والميسر ، وتأكيد على أن ذكر الأنصاب والأزلام إنما جاء تبعا لإفراد الخمر والميسر بالتحريم ، لتأكيد المساواة بينهما في الحكم ، فكما أن الأنصاب والأزلام مما يناقض الإسلام فإن الخمر والميسر كذلك ليسا بأقل الحرمة منهما.
فأما الخمر فهي أم الخبائث ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" ، وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي "لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ " ، وليس أفظع من خبثها ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت إنا ندعوك لشهادة فدخل معها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت أني والله ما دعوتك لشهادة ولكني دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسا فقال زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه) .
يقول ابن عربي : (أكثر ما يجب على المتطلع إلى السمو تجنب السكر، لأن السكر من الشراب يثير النفس الشهوانية ويقويها ويحملها على التهتك ، وارتكاب الفواحش والمجاهرة بها ، وذلك أن الإنسان إنما يرتدع عن القبائح بالعقل والتمييز، فإذا سكر عدم ذلك الذي كان يردعه عن الفعل القبيح، فلا يبالي أن يرتكب كل ما كان يتجنب في صحوه، فأولى الأشياء لمن طلب العفة هجر الشراب بالجملة، ويتجنب مجالس المجاهرين بالشراب والسكر والخلاعة، ولا يظنن أنه إذا حضر تلك المجالس واقتصر على اليسير من الشراب لم يستضر به، فإن هذا غلط وذلك أن من يحضر مجالس الشراب ليس تنقاد له نفسه إلى القناعة بيسير الشراب، بل إن حضر مجالس الشرب وكان في غاية العفة تاركاً للشرب متمتعاً بالورع حملته شهوته على التشبه بأهل المجلس وتاقت نفسه إلى التهتك).
وأما الميسر فإنه يؤدي إلى البطالة وترك العمل ، لأن في العمل مشقة وجهد كبير ، بينما الميسر يأت المال بيسر بلا مشقة وبغير جهد ، فإذا ما تعود المقامر على الكسب دون تعب شرع بعد ذلك في السعي وراء الكسب الحرام ، فإذا ابتلي بخسارة ماله بسبب القمار ، فإنه يلجأ للحرام ليعوض خسارته التي مني بها ، ويؤمل نفسه أنه سوف يكسب هذه المرة ، ولكنه لا يجني إلا مزيد من الخسارة ، فيضطر إلى ارتكاب الجرائم ليسدد ديونه المستحقة والعاجلة ، والعمل لا يأتيه بالكسب السريع ، فيسلك أبواب الحرام جميعا كالسرقة والقتل والنهب ليتمكن من سداد ديون المقامرة ، ولا يخفى ما في الميسر من تهييج أسوأ الصفات الذميمة كالحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل.
وقد استنبط الصحابة عقوبة شارب الخمر من خلال التأمل في مفاسدها ، عن علي رضي الله عنه قال: (نرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر عمر رضي الله عنه فجلد ثمانين)
وفي وقوله تعالى " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" (92) إذعان من الله تعالى بأن المجتمع النبوي قد ارتقى إلى مرحلة استقبال تشريع النهي عن الخمر بصدر رحب ، ذلك المجتمع الذي قد ألف في الجاهلية عادة الخمر وتربى عليها قبل الإسلام ، أضحى الآن مؤهلا لأن يستقبل حكم الله بتحريم الخمر والميسر ، ويرضى بذلك رضاء دون تردد أو تلكؤ .
وليس الأمر بذلك اليسر الذي قد يتصوره البعض ، فشرابو الخمر ظلوا علي إلف هذه العادة أعواما مديدة حتى أصبح من العسير عليهم التخلص منها وترك وإدمانها ، كما ألفوا لعب الميسر حتى تعودوا على كسب الباطل وترك العمل، لكن عقلاء الصحابة الذين يقودون الأمم كانوا ينتظرون نزول تشريع قرآني ينهي عن الخمر والميسر لما فيهما من مفاسد ، فلما نزل الأمر بذلك صادف ما في قلوبهم من حب للإيمان وكره للفسق والفجور والعصيان.
فعن أبي ميسرة عن عمر رضي الله عنه قال : لما نزل تحريم الخمر .. فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر رضي الله عنه انتهينا انتهينا ) ، أي أنه لما انتهت مراحل التدرج التشريعي لتحريم الخمر كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اكتمل تأهيلهم لطاعة الله ورسوله ، فلما نزل الأمر بتحريمها سكبوها في الطرقات فجرت في سكك المدينة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَهُوَ تَمْرٌ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ) ، فلم ينتفعوا بها ولم يسألوا عن حكم تحويلها لخل أو استخدامها لأغراض أخرى كتنظيف الجروح أو ما شابه ذلك ، وكأنهم ينتظرون أن يحررهم الإسلام من رق الخمر ، فلما نزل التشريع بتحريمها طلقوها ثلاثا دون رجعة.
لأن العبادة تقوم على عقيدة سليمة صحيحة ، ولذلك تأخر تحريم الخمر حتى تأسست عقيدة الصحابة على الرضا والتسليم لحكم الله ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ (بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ " ، إذن عندما تتربى القلوب على السمع والطاعة لله ورسوله فإنها تنتهي عما حرمه الله بمجرد ما تتلقى الأمر بالنهي ، بل إنها لتنتهي قبل ذلك ، ودون حاجة لأن يبْلُغُها حكم النهي ، لأن المنكر أضحى عندها مكروها وإن لم يسمه الشرع منكرا ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات/7) .
قوله (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93) لما كان الصحابة قد امتثلوا لأمر الله تعالى على نحو ما سلف في تحريم الخمر ، وقد سهل عليهم الامتثال لأمر الله تعالى لما وقر في قلوبهم من إيمان ، وليس أبلغ من امتثالهم لأمره سبحانه سؤالهم عن حكم من شرب الخمر بعد أن نزل الأمر بالتحريم ثم مات قبل أن يبلغه النهي
فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مُنَادِيًا يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قَالَ فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) ، أي نفى عنهم الجناح لعدم التكليف ، فالعقل إذا كان أهلا لترجيح المفاسد من المصالح ، فالشرع سبب التكليف ، والله هو الحاكم .
قوله (..إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (93) قَالَ الْبَرَاءُ مَاتَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا فَنَزَلَتْ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا).
وعن ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فنزلت (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا).
وعن ابن عباس قال: (إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على الباقين لأن الله عز و جل يقول (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى ومن الذين آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) فإن الله عز وجل قد نهى أن يشرب الخمر).
وهو ما يعني أن القاعدة الجنائية لا يرتد أثرها للماضي ، بل يظل أثرها في الحال والمستقبل ، فلا يحاسب الجاني على جرم ارتكبه في الماضي في ظل نصوص لم تجرمه ، حتى وإن أضحى مجرما في الحال والمستقبل ، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة أنه " لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص"، ويقررون مبدأ آخر كذلك " الأصل في الأشياء الإباحة " ويقولون " الاستطاعة مناط التكليف " ، وينبني علي هذه القواعد أنه لا يجوز أن يرتد أثر القاعدة الجنائية إلي الماضي لتحكم العلائق و الوقائع السابقة علي صدورها ، فالأصل المقرر في الشريعة الإسلامية هي نفاذ الأحكام الجنائية وقت صدورها ، بحيث لا تسري علي الوقائع السابقة عليها ، ولم يرد على هذا الأصل غير استثناءنان اثنان .
وأساس هذه القاعدة قول الله تعالى " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء 15) وقوله تعالي " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " (الأنعام) ، وقوله (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) (الأنفال 38) ، وهذا الأصل مشاهد في كثير من الآيات القرآنية الدالة علي ذلك .
قال الحافظ الطبري في تكرار الإتقاء في الآية ثلاث مرات :-
الِاتِّقَاءُ الْأَوَّلُ: هُوَ الِاتِّقَاءُ بِتَلَقِّي أَمْرِ اللَّهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالدَّيْنُونَةِ بِهِ وَالْعَمَلِ
وَالِاتِّقَاءُ الثَّانِي: الِاتِّقَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَتَرْكِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ
وَالِاتِّقَاءُ الثَّالِثُ: هُوَ الِاتِّقَاءُ بِالْإِحْسَانِ وَالتَّقَرُّبِ بِنَوَافِلِ الْأَعْمَالِ" .
وذكر ابن عثيمين أن ثمة تشديد في رفع الجناح بتكرار الشروط والقيود وتعدادها سبعة ، أي في قوله ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ فإنه يعمُّ كل ما له طعم في الفم من مأكول ومشروب، لكن بشروط (حيث ذُكرت التقوى في الآية ثلاث مرات، والإيمانُ مرَّتين، والإحسانُ مرَّة) ، وهي :الشرط الأول: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ ، الثاني: ﴿وَآمَنُوا﴾ ، الثالث: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، الرابع: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ، الخامس: ﴿وَآمَنُوا﴾ ، السادس: ﴿اتَّقَوْا﴾ ، السابع: ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾، هذه قيودٌ سبعة، وليست متكررة ، كل واحد له معنى، أو محمولة على معنى .
فقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ يعني: إذا ما اتقوا ما حُرِّم عليهم من المأكول، وليست التقوى العامّة
وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله؛ لأن الإيمان لا شك أنه أصلٌ في قبول الأعمال .
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا شرط: أي: عملوا الصالحات فيما يأكلون من المباحات، فلم يستعينوا بها على محرَّم، فإن استعانوا بها على محرَّم وهي مباحة؛ صارت حرامًا؛ لأن اللهَ اشترط أن يَعملوا بها الصالحات .
وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ كلمة ﴿ثم﴾ تدل على أن هذا نوعٌ آخَر غير الأول؛ لأن العطف ولاسيما بـ(ثم) الدالة على الْمُهْلة والترتيب يدل على أن الثاني غير الأول، فيكون معنى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي: ثم استمرُّوا على تقواهم ما حُرِّم عليهم مِن هذا الطعام .
وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾ أي: استمرُّوا على إيمانهم، والأمرُ بالإيمانِ يصحُّ مُرادًا به الثبوتُ عليه والاستمرارُ فيه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء : 136] .
وقوله: ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ هذه التقوى العامَّة، أي: اتقَوا جميعَ المحرَّمات، وأحْسَنوا بِفعل جميعِ الطاعات
-
السبت PM 05:21
2025-12-13 - 871



