المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1897089
يتصفح الموقع حاليا : 303

البحث

البحث

عرض المادة

الأخلاق الإسلامية في التعامل مع الغير حتى إقرار قاعدة التفاضل بينهم

د / احمد نصير

الأخلاق الإسلامية في التعامل مع الغير حتى إقرار قاعدة التفاضل بينهم

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا [1]بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13)

 

وسعت السورة من دائرة الأخلاق الأساسية والأداب العامة فبعد أن بدأت بالحديث عن أدب تقديم قول الله ورسوله على كل شيء ، وألمحت لأدب التعامل مع الأنبياء والعلماء انتقلت لآداب تعامل المؤمنين مع بعضهم عند التهمة والنزاع ثم عند نشوب اقتتال بينهم ، وحضت على الصف الواحد والالتفاف حول الإمام ، ثم هي انتقلت هنا إلى دائرة أوسع وأشمل وهي دائرة المؤمنين بوجه عام فذكرتهم بالأخوة ، ووسعت من دائرة الأخلاق أكثر وأكثر لتشمل الناس أجمعين ، لتضع ميثاق شرف لحقوق الإنسان تضمن به حقوقه الإنسانية وتحفظها من أي اعتداء .

 

 ولذلك تجد الآيات الثلاث اللاتي نحن بصددها قد تحدثت أولها عن أدب احترام المشاعر الإنسانية ، فنهت عن الإيذاء النفسي سواء بالقول أو اللمز أو التنابز بالألقاب ، ثم تحدثت عن الثقة الواجب توافرها بين الناس وعدم اتباع الظن ونهت عن التجسس على الغير ، وآداب حرمة غيبة الناس ، وعدم ذكرهم في غيبتهم بما يكرهون ، وبشعت من جسامة هذا الفعل

 

 ثم وسعت من دائرة التعامل بالأخلاق الإسلامية لتخاطب الناس جميعا على اختلافهم ، بضرورة التعارف فيما بينهم والتخفيف من آثار الاختلاف بين الشعوب والأعراق بتذكيرهم بأنهم من أصل واحد وذات قرابات متفاوتة في الدرجة والجهة لتؤكد مبدأ المساواة بين الناس أصحاب المراكز المتماثلة ، مؤكدة أن معيار التفاضل بينهم عند الله على أساس التقوى ، أما في أحكام الدنيا فإن إقرار مبدأ المساواة لأصحاب الحقوق الواحدة هو إقرار لمبدأ أساسي للتعامل في أحكام الدنيا ، أما في الآخرة فالتفاضل بينهم  على أساس التقوى يكون لله تعالى ، والله هو العليم به والخبير دون أحد من خلقه ، في ذلك جملة آداب نوهت عليها السورة ، كما يلي :-

 

أولا : النهي عن السخرية

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) فأحيانا يجلس المؤمنون مع بعضهم البعض ، ويختلطون بالناس من أمم شتى ، فيجدون أناس من بقاع متباعدة وأجناس وألوان مختلفة وثقافات متنوعة بل ومن طبقات متفاوتة ، لاسيما في موسم الحج ، فذاك غني وهذا فقير ، وذاك أمي وهذا عالم ، وهذا سريع الغضب وذاك كثير الحلم .... وهكذا تتباين الثقافات والأعراف والأفهام والسلوكيات ، والأصل أن يسكت المؤمن على ما يراه من نقص في أخيه الإنسان أو اختلاف معه في اللغة أو اللهجة أو اللون .... الخ ، فالأخوة الإنسانية  تنبذ كل ما يشوبها من اختلافات عرقية أو عنصرية ...الخ ، هذا هو مبدأ الإسلام في احترام الإنسان ، فعن المعرور قال لقيت أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حله فسألته عن ذلك فقال إني ساببت رجلا فعيرته بأمه فقال لي النبي r  يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرو فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) [2].

 

وقد تدارك النبي r ما عسى أن يقع فيه الصحابة رضوان الله عليهم من السخرية بقصد أو بغير قصد قبل أن يعتادوا على السخرية وتكون سجية عندهم ، فعن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله r مم تضحكون قالوا : من دقة ساقيه فقال (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد)[3]، فقد أدب النبي r أصحابه وأذاب ما بينهم من خلافات قبل أن تبدأ.

 

فإذا ما سادت روح الأخوة بين المؤمنين ، فإن المسلم سوف يشعر بأن أخيه المسلم - الذي يشترك معه في العقيدة والعبادة - هو حظه من هذه الدنيا ، وعندئذ سوف يتغاضى عن أي اختلاف بينه وبين أخيه في أي أمر من أمور الدنيا ، كما في الحديث (وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[4] ، وهكذا كان المسلمون الأوائل حين آخى النبي r بينهم ، فلم يعيروا انتباههم لما بينهم من التفاوت في الغنى والفقر أو العلم والجهل أو القوة والضعف ، فأضحى بلال الحبشي كصهيب الرومي وسلمان الفارسي كخالد بن الوليد القريشي ، وصهيب بن سنان وخباب ابن الأرت وعمار بن ياسر كعمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق ، لا أحد يسخر من أحد أو يعيبه .

 

قوله (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) فالسخرية شعور بعلو النفس ودنو غيره عنه في المنزلة والكرامة ، وهو ما شعر به الكافرون حينما أرادوا أن يدخلوا الإسلام ، لكن منعهم وجود أراذل الناس – في ظنهم - مع النبي r وحوله ، فعن ابن جريج، قال: أخبرت أن عيينة بن حصن قال للنبيّ r قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسا منك لا يجامعوننا فيه، واجعل لهم مجلسا لا نجامعهم فيه، فنزلت الآية (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (28)[5]

 

فالإسلام ليس حزب سياسي أو جمعية ذات غرض معين ، وليس هو ميدان للتنافس بين البشر ، ولا سوق يتنافسون فيه على السلع ، ويتباهى كل واحد بسلعته ، مما يوغر الصدور ويشحن النفوس بالبغضاء والعداوة، بل هو دين الله للناس أجمعين ، قال رسول الله r (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا)[6] ، فالإسلام يجمع المسلمين في إطار من الأخوة في الدين بما يحقق المساواة بينهم جميعا ، ولذلك يتجنب المتكبرون الدخول فيه ، يقول ابن رجب (فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال ، وإلي غيره بعين النقص فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم ولا أن يقبل من أحدهم الحق إذا أورده عليه)[7].

 

قوله (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) خص مجتمع النساء بالذكر ، لاشتهار وقوع ذلك كثير منهن بتعودهن في مجالسهن بتلك العادة الذميمة ، قال القرطبي (أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر)[8] ، فالمجتمع النسائي غالباً لا تكون عندهن اهتمامات ينصرفن إليها ، بل يجدن فراغا كثيرا عن العمل عن الانشغال بالعمل النافع ، فتغري إحداهن الأخريات بمثل هذه التفاهات مع نظرائهن ، وقد وقعت في تلك العادة كثير من النساء ومن أفضلهم ، فعن عائشة قالت : قلت يارسول الله (إن صفية امرأة وقالت بيدها هكذا)كأنها تعني قصيرة فقال (لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج)[9] .

 

ولم ينهانا القرآن عن السخرية دون أن يبين لنا طرفا من علة الحكم ، ذلك أن الذي يسخر من غيره مريض -بداءة- بداء الآنفة وتعظيم النفس ، ولو علم حقيقة نفسه لما سخر من غيره ، فلفظ (عسى) يفيد (الترجي في المحبوب ، والإشفاق في المكروه)[10] ، ودلالته في الآية تفيد أن الساخر أقل من المسخور منه حتى يثبت العكس ، وهو ما يعني أيضا أن المسخور منه خير من الساخر حتى يظهر خلاف ذلك ، وإن كان البعض يرى أن (الجملة اعتراضية مستأنفة ، وليست صفة لقوم)[11] ، بهذا اللفظ يطيب الله خاطر المسخور منه مما قاله الساخر منه ، فلا يأبه لسخريته وقد جعل الله له الخيرية عنه .

 

فالنبي r قتل حيي بن أخطب والد صفية وهو يهوي ، وتزوجها ، فلما صارت من زوجات النبي r أثار ذلك حفيظة نسائه لاسيما عائشة بين أبي بكر الصديق ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، فظنتا أنهما أكرم منها ، لأنهما بنتي صحابي رسول الله r ، أما صفية فأبوها يهودي قتله رسول الله r ، فخطأ النبي r مقالتهما ، وطيب خاطر صفية ، فعن صفية بنت حيي قالت : بلغني عن حفصة وعائشة كلام - قالوا نحن أكرم على رسول الله r منها - فذكرت ذلك للنبي r  فقال ألا قلت فكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمدا وأبي هرون وعمي موسى ؟ [12]، وذلك تطييبا لخاطرها بعد الكلام الذي سمعته منهما .

 

ثانيا : النهي عن كل صور الإيذاء المعنوي للمشاعر  

 

قوله (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي (لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد)[13] ،، يقول النبي r (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) [14]، ومعنى لا يسلمه أي (لا يتركه على ظلمه)، وقيل (لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه) [15]، إذ لو كان في أخيه ما قال من عيب حقا ، فعليه بدلا من أن يعيره بذلك أو يلمزه بالقول أن يسدي له النصح لا أن يفضحه ، ولذلك قال النبي r (كونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[16].

 

 قال أبو حيان "أنفسكم" يعني " أي "إخوانكم" [17]، فالآية ذكرت لفظ (أَنْفُسَكُمْ) للتأكيد على معنى الأخوة ، وأن فتح هذا الباب يصيب الجميع ، ولا يستثني منه أحد حتى لا يكاد ينجو من اللامز نفسه ، وهو من بدأ باللمز ، ولذلك أغلق الإسلام هذا الباب حتى يكون الاحترام المتبادل بين الناس هو ديدين أخلاقهم تحت مظلة الإسلام.

 

قال أبو حيان (واللمز يكون بالقول والإشارة ، ونحوه مما يفهمه آخر) [18]، فاللمز ذكر في القرآن في موضع تهكم المنافقين من أفعال الصالحين ، وطعنهم في نية قصدهم بتلك الأعمال وجه الله ، فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل –أي نكسب قوتنا بحمل البضائع - فجاء رجل فتصدق بشيء كثير ، فقالوا مرائي وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم .. الآية) [19] ، فاللمز نوع من السخرية يقصد منه إحباط أعمال الصالحين وتشويهها لغرض ألا يقتدى بهم في فعل الخير .

 

ثالثا : النهي عن التنابز بالألقاب والتفاخر بالأنساب

 

في قوله (..وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ..) واللقب ليس هو الاسم، ولكنه لفظ أو اسم يضاف إلى الشخص غير اسمه، وقد يكون محموداً وقد يكون مذموماً لا يرضاه ولا يعجبه ولا يحبه[20].

روي أبو جبيرة بن الضحاك أن هذه الآية نزلت في بني سلمة ، قال قدم علينا رسول الله r وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل رسول الله r يقول " يا فلان " فيقولون مه يارسول الله إنه .. يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية (ولا تنابزوا بالألقاب) [21] ، والمعنى أن الرسول r قدم المدينة وللواحد منهم اسمان أو ثلاثة، معه الاسم الأول الذي سمي به، وأسماء أخرى هي ألقاب، فكان يشتهر فيما بينهم باللقب ، وكان النبي r عندما يدعو واحداً منهم باللقب يقولون: مه يا رسول الله! إنه يكره ذلك اللقب ؛ لأنه لا يعجبه، فنزلت هذه الآية)[22].

فهنا يلفت القرآن انتباهنا إلى أنه قد يكف المسلم عن السخرية من غيره ولا يجرؤ أن يلمزهم بعد أن علم النهي عن ذلك ، لكنه ينابز غيره بألقاب قد تسوءه ، فيناديه باللقب الذي اشتهر به رغم أنه يكرهه ، مثل قولهم  لمن أسلم يا يهودي يا نصراني [23]... الخ ، يذكره بلقبه القديم الذي كرهه بعدما دخل الإسلام ...وهكذا .

 

وهذا أيضا نوع من الانتقاص من الغير ، ويعكس الحالة النفسية السيئة التي يكون عليها النابز لغيره بالألقاب ، إذ لو كان سليم الصدر طيب النفس لما نابز غيره بالألقاب ، أي لما استغل صفة في أخيه كانت فيه من قبل أو لقبا كان ينادي به فيعير به ، أو يناديه به ، فيؤدي ذلك إلى وقوع التدابر والتباغض بينهم ، يقول النبي r (ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) [24] ، قال السيوطي (ولا تدابروا من التدابر وهو المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يولي صاحبه دبره)[25]

 

وقد بلغ حرص الإسلام على احترام حقوق الغير حتى لو كان عبدا مملوكا عند سيده ، أنه لم يجز لسيده أن يعيره بعبوديته أو أصله أو عرقه أو لونه ، واعتبر ذلك من أخلاق الجاهلية ، فعن المعرور بن سويد  قال رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ وعلى غلامه مثله قال ، فقال القوم يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبا غيره ، قال فقال أبو ذر إني كنت ساببت رجلا وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه ، فشكاني إلى رسول الله r فقال "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية" قال " إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله) [26].

 

ومن جهة أخرى فإن ألقاب المسلمين جميعها محمودة ولا يوجد في القاموس الإسلامي لقب يكرهه صاحبه ، ولذلك غير النبي r أسماء كثير من الصحابة وألقاب لأصحاب كانوا ينادون بها في الجاهلية فحولها حتى لا يُتداول اللقب بين المسلمين فيؤذي به صاحبه أو يقلل من كرامته وعزته بين إخوانه ، وقد بوب الإمام مسلم على ذلك بابين ، باب بعنوان (باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن) ، وباب آخر بعنوان (كراهة التسمية بالأسماء القبيحة)

روي أنه (أسلم من قريش رجل كان اسمه في الجاهلية (عاصيا) فسماه النبي r (مطيعا) [27]

 وعن ابن عمر: أن ابنة لعمر كانت يقال لها عاصية فسماها رسول الله r جميلة) [28] .

 وعن أسامة بن أخدري: أن رجلا يقال له "أصرم" كان في النفر الذين أتوا رسول الله r فقال رسول الله r  " ما اسمك ؟  قال أنا "أصرم" قال  بل أنت "زرعة") [29]

فذلك كله من حرصه r أن يستحسن الناس أسماءهم وألقابهم وأن ينادون بما يحبون لا بما يكرهون ، فيتحقق التحاب بين المسلمين بعضهم البعض ويغلق أي مدخل للبغضاء والمشاحنة بينهم .

 

رابعا : عدم جواز تفسيق الغير واستظهار ذلك بين الناس :

 

قوله تعالى (..بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)(11) تلويح باتهام الناس بعضهم بعضا بالنفاق دون دليل أو بينة ، مثل قولهم (يا فاسق ..يا منافق..يا كافر) دون دليل قاطع ، فالآية تذم تنابز الناس بالألقاب وتفسيق بعضهم بعضا ، وبالجملة تخوين الآخر بعد التحاقهم بالإيمان ، قال الجزائري أي (أشدَّ القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق ، فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه يا فاسق ..)[30]

قال ابن عاشور المعنى: (بئس الذكر أن يذكر أحد بالفسوق بعد أن وصف بالإيمان)[31]، فأقبح شيء أن يتراشق الناس بوسم بعضهم بعضا بالفسق والفجور ، بعدما كان الإيمان هيئتهم والظاهر من حالهم ، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (67)

 

 قال رسول الله r (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) [32]، قال النمري (يريد أن المقول له يا كافر إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه في قوله فإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم واحتمله بقوله ذلك وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة يا كافر)[33].

وقال رسول الله r (وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)[34]

وقال رسول الله r (أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)[35].

 

فالأصل أن المسلمين كلهم عدول ما لم يثبت عكس ذلك ، يقول النبي r (المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم) [36] ، أي أن المسلمون يُكفلون من كفله أدناهم في ذمته ، لأنهم كلهم عدول ، فلا ترد كفالة أدناهم ، ولا ضمانه ، قال ابن الأثير (أي إذا أعْطَى أحدُ الجَيْشِ العَدُوَّ أمَاناً جاز ذلك على جميع المسلمين وليس لهم أن يُخْفِرُوه ولا لأن يَنْقُضوا عليه عَهْده . وقد أجازَ عُمَر أمَانَ عبدٍ على جَميعِ الجيش)[37].

 

أما من كان ديدنه تخوين الناس وتفسيقهم فهذا هو ذاك ، يقول النبي r (إذا سمعت الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم)[38]، قال الخطابي معناه (لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساوئهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم ، أي أسوء حالا منهم مما يلحقه من الإثم في غيبتهم والوقيعة فيهم ، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤية أنه خير منهم)[39] .

قال السيوطي (واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم ، فإن قال ذلك حزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس) [40]  ، يقصد بذلك لو قاله بغير دليل لحقه الذم ، أما إذا اشتهر في مكان ما وزمان ما فسق أغلب الناس فليس عليه لوم إن قال ذلك من باب إنكار المنكر ، لا بقصد الازدراء ، فلعلهم يهتدون به .

 

قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (11) عد المولى سبحانه مجرد اتهام الغير بالفسق أو الفجور أو التشهير بالغير معصية وذنب يجب أن يُستتاب منه ،والذي لا يقر بذنبه ولا يتوب عنه ،بل ويصر عليه ما فهو ظالم ، ومن ثم يسوغ معاقبته جنائيا لما يفعل من الظلم لغيره ، يستوي في الجرم من فسَّق الناس بدليل أو بغير دليل ، ذلك أن ستر الناس مطلب شرعي طالما أنه لا يجهر بفسقه ، يقول النبي r (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [41]، فعن أبي الهيثم قال : جاء قوم إلى عقبة بن عامر فقالوا إن لنا جيرانا يشربون ويفعلون أفنرفعهم إلى الإمام قال لا سمعت رسول الله r يقول (من رأى من مسلم عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها)[42] ، إذن الواجب الستر مع إسداء النصيحة ، فالأصل في أحكام الدنيا هو أن يحفظ الأخ كرامة الناس ما لم تُطلب شهادته لتوثيقه أو تفسيقه ، أو أن يشهد هو عليه في جرم أو ظلم يكدر السلم العام  .

 

ذلك أن مسألة الفسق والإيمان من الأمور التي يُرد فيها العلم لله ، فهو وحده الذي يحاسبه عباده بما يعلمه من أفعالهم ظاهرها وباطنها يوم القيامة ، بل إنه وبفرض ثبوت أفعال المنكرات في حق مرتكبها ، فليس بشرط أن يدل على فسقه أو فجوره ، فمن الصحابة من تطهر من الزنا بالرجم .

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ r وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ r وَلِيَّهَا فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ r فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى)[43]

وعن النَّبِيُّ r قَالَ (بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ)[44] .

 

خامسا : النهي عن اتباع الظن

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ..) (12) ، يقول النبي r (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) [45] ، فالظن هو الذي يدفع الناس إلى تفسيق بعضهم بعضا أو اتهامهم بالرياء أو النفاق ، وقد أخبر النبي r بأنه أكذب الحديث ، بل علي العكس لابد وأن يُدفع الظن باليقين ، فلا يزال اليقين بالشك

فعن جعفر بن محمد : (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره ، فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا فإن أصبته وإلا قل لعل له عذرا لا أعرفه)[46] 

 ويقول حمدون القصار : إذا زل أخ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذرا ، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أن المعيب أنفسكم حيث ظهر لمسلم سبعين عذرا فلم يقبله)[47] ، وقد سبق أن ذكرنا أن الظن وإن جاز لاتهام مجهول الحال أو من عرف بالفسق ، فإنه لا يجوز أن يكون دليل اتهام في مرحلة المحاكمة بأي حال من الأحوال .

 

 فقد يبدو في الظاهر الفسق من المرء ، وقرائن الاتهام تشير إليه ، ولكنه عند الله تعالى من أتقى الناس، فها هو ذا جريج العابد يتهم بالفسق والفجور مع امرأة ، حيث تتهمه بأنه أبو ولدها من الزنا ، فلم يُكذِّب الناس اتهام المرأة وعمدوا إليه ليهدموا صومعته ، فظاهر الحال أن المرأة لا تكذب في اتهامها له وقد ثبت زناها بالفعل ؟ لكن الله تعالى برَّأه بتقواه وأنطق الغلام في المهد  .

 

 كما روى ابن كثير قصة اتهام سعد بالباطل وكيف أن عمر بن الخطاب لم يأخذ بالظن ولم يعزله إلا لمنع الفتنة ، واتهام الناس بالظن والريبة ، قال : (ثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال فشكوه في كل شيء حتى قالوا لايحسن يصلى كان الذي نهض بهذه الشكوى رجل يقال له الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه ، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه وهو مستعد لقتال أعداء الله وقد جمعوا لكم ومع هذا لايمنعني أن أنظر في أمركم ثم بعث محمد بن مسلمة وكان رسول العمال فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة فكل يثني على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فانهم سكتوا فلم يذموا ولم يشكروا حتى انتهى إلى بني عبس فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال أما إذ ناشدتنا فإن سعدا لا يقسم بالسوية ولا يعدل في الرعية ولايغزو في السرية .. ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجراح وأصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر كيف يصلي فأخبره أنه يطوِّل في الأوليين ويخفف في الأخريين وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله r فقال له عمر ذاك الظن بك يا أبا إسحق وقال سعد في هذه القصة لقد أسلمت خامس خمسة ولقد كنا ومالنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله ولقد جمع لي رسول الله r أبويه وما جمعهما لأحد قبلي ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلي .. واستمر سعد معزولا من غير عجز ولا خيانة) [48] .

 

فإذا كان سوء الظن في الولاة منهي عنه ، فكذلك سوء ظن الولاة في الرعية يؤدي إلى مفاسد كبيرة ، فعن النبي r قال (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) [49] ، والمعني أنه إذا اتهمهم وجاهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا ، قال المناوي (ومقصود الحديث حث الإمام على التغافل وعدم تتبع العورات) [50].

 

سادسا : النهي عن التجسس

 

قوله (..وَلَا تَجَسَّسُوا..) (12) ، قال النبي r ( ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا إخوانا)[51] ، وعن النبي r قال : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) [52] ، أي : (ولو كان في بيته مخفيا من الناس) [53] ، فالتجسس ليس من شيم المسلمين ، ولا يبرره شيء أيا كان حتى ولو كان للتحري عن انضباط أحوال الرعية ما لم يأذن القاضي بذلك لجريمة اتهم فيها متهم ، ويجب التحقق من نسبة التهمة إليه قبل توجيه الاتهام ، وفي ذلك تفصيل على النحو التالي.

 

 فأما كون التجسس منهي عنه مطلقا ، وبخاصة في أحوال الضبط الإداري – وليس القضائي - فقد روي في ذلك عن عبد الرحمن بن عوف : أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه حتى إذا دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة فقال عمر رضي الله عنه وأخذ بيد عبد الرحمن : أتدري بيت من هذا ؟ قال : لا قال : هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف و هم الآن شرب فما ترى ؟ فقال عبد الرحمن : أرى قد أتينا ما نهى الله عنه نهانا الله عز وجل فقال (ولا تجسسوا) فقد تجسسنا فانصرف عمر عنهم و تركهم)[54]، وقد سكت عن حكاية عمر وابن محجن في شرب الخمر لانقطاع سندها.

 

وحسنا فعلت القوانين الجنائية حينما أبطلت اجراءات القبض على المتهمين متى بنيت على التجسس أو التفتيش دون إذن قضائي حتى لو ثبتت بها الجريمة المرتكبة باعتبار أن ذلك انتهاك للحقوق الإنسانية وهي أولى بالاعتبار من الضبط الإداري .

والتشريعات القانونية المعاصرة تتفق-في كثير منها- مع الشريعة الإسلامية في تقرير حق الإنسان في الخصوصية ، ففى التشريع الانجلوسكسونيه والللاتينيه حظى هذا المبدأ باهتمام وخاصة بعد قيام الثورة الفرنسية وظهور الإعلانات العالمية ، يقول المثل الانجليزى الشهير (MAN HOME IS HIS CASTEL ) أى أن بيت الرجل هو قلعته ، وقد قال المستر CHATHAM أحد وزراء بريطانيا (يصح لأفقر شخص داخل كوخه أن يرفع راية التحدى لجميع قوى التاج وقد تكون تلك الراية ضعيفة ورخوة وقد يهتز سقفها وقد تخترقها الرياح تلجها الزوابع وتدخلها مياه الأمطار إلا أن ملك انجلترا لا يمكن أن يدخلها وأن جميع قواته لا تجروء أن تتعدى أعتاب كوخه المتهالك).

 

فاستئذان ولي الأمر قبل دخول البيوت واجب ، باعتبار أن للبيوت حرمة ، يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النور/27) ، ذلك أن للحياة الشخصية خصوصيتها التي لا يجوز لأحد اقتحامها دون استئذان ، فالله سبحانه وهب للإنسان الحرية ، فلا يجوز تقويضه ، أو منعه من ممارستها ، حتى وإن ارتكب محرما ما لم يؤذ غيره ، يقول النبي r (لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن فإن فعل فقد دخل) [55] .

 

بل إن الشرع اعتبر التجسس عملا غير مشروع ، ويتضمن نوع من التعدي يستوجب دفاعا شرعيا ، فلا يضمن صاحب حق الدفاع الشرعي ما قد يصيب المتطفل من أذى عند دفاعه عن نفسه ، يقول النبي r (لو أن امرئ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) [56] .

 

ويستثنى من النهي عن التجسس أن يحتاج المسلمون إليه لسد ثغرات أمنية لاعتبارات الأمن القومي أو الأمن الجنائية أو حالة الضرورة العاجلة ، وذلك في ثلاث حالات كما يلي :-

الأولى : التجسس لأغراض عسكرية : لقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين لم تعلموهم) فمن يملك المعلومة يملك المبادرة ، ومن يبدأ بالمبادرة يكسب المعركة ، من هنا ساغ التجسس على أعداء الله تعالى المحاربين وغير المسالمين والمعاهدين متى كانت الحرب بينهما سجالا .

 

 فقد روي عن النبي r أنه كان يخبر عن بدر فلما بلغ المسلمين  أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله r إلي بدر فسبقهم المشركون إليها ، فوجدوا فيها رجلين منهم رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط ، فأما القرشي فانفلت ، وأما مولى عقبة فأخذوه فجعلوا يقولون له كم القوم ؟ فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم ، فجعل المسلمون إذ قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي r فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم ، فجهد النبي r أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي r سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم فقال رسول الله r القوم ألف كل جزور لمائة [57] .

 

 كذلك وفي غزوة الأحزاب قال النبي r ( من يأتني بخبر القوم ) يوم الأحزاب قال الزبير أنا ثم قال ( من يأتيني بخبر القوم ) . قال الزبير أنا [58] ، كما روي أن النبي r قد انتدب حذيفة ليأتيه بخبر القوم في يوم الأحزاب ، قال حذيفة (فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يَصْلِى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله ( ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله r من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال ( قم يا نومان) [59] ، قال النووي (وفي هذا الحديث أنه ينبغي للإمام وأمير الجيش بعث الجواسيس والطلائع لكشف خبر العدو) .

ثانيا : التجسس لأغراض الضبط القضائي : إذ يمكن أن يقاس على الاستثناء السابق حالة التجسس على المتهمين ، أي الذين توجد دلائل جدية على ارتكابهم جريمة ، وتحتاج سلطات التحقيق لمعرفة مزيد من التفاصيل للاشتباه في ارتكاب جريمة أخرى أو تعزيز الأدلة بأدلة أخرى لبيان جميع ملابسات الواقعة ، فهؤلاء يجوز لسلطات التحقيق أن تصدر ضدهم أمر بالقبض والتفتيش ، فمن باب أولى  كذلك يجوز مراقبتهم والتجسس عليهم ، فإذا ساغ المساس بحريته في الحركة والانتقال والتحكم في جسده بالحبس ، فيجوز كذلك التجسس عليه دون مساس ، ذلك أن من جاز القبض عليه وتفتيشه لتهمة يجوز من باب أولى اتخاذ كافة إجراءات الضبط القضائي ضده ومنها التجسس عليه بإذن قضائي ، فالضرورات تبيح المحظورات ، وذلك بهدف التحري والتحقيق عن مرتكبي الجرائم والمتهمين فيها والتحقق من ملابسات الجريمة تمهيدا لإحالتهم إلى ساحة المحكمة ، فلسلطة التحقيق أن تأذن للسلطة التنفيذية باتخاذ اجراءات المراقبة والتجسس لإثبات التهمة ، ومن ثم اتخاذ اجراءات القبض والتفتيش فعليا ، إذا أكدت التحريات ذلك تسويغا للإحالته للمحاكمة بعد ذلك  .

 

فقد أجازت  السنة النبوية المطهرة التجسس على أعداء الله تعالى لكشف خططهم وجرمهم متى كانوا من محاربين للمسلمين ، فكذلك الحال بالنسبة لمرتكبي الجرائم التي تتسم بتهديد الأمن العام كالسرقات والسطو والقتل والإرهاب والبلطجة والاتجار في المخدرات والدعارة … الخ ، فمثل هذه الجرائم تشترك مع الجرائم التي يزمع المحاربين فعلها في الأمة ، ومن ثم ساغ رد عدوانهم وكشف خططهم ومخططاتهم وتآمرهم بالتخابر عليهم والتجسس لدرء مفسدة أعظم ، وقد فقه الصحابة والتابعون هذه المسألة فأجازوا الأخذ بالقرائن لاتخاذ اجراءات الكشف والتمحيص عن الجريمة ، ومنها التتبع والتجسس ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ)[60] ،أي أنه : (إذا ظهر شيء وتبين وثبت فإنه يؤخذ به)[61].

 

وليس هناك ضمان للحيلولة دون أن يكون التجسس – في هذه الأحوال الاستثنائية - ذريعة للعدوان على الحرية الإنسانية إلا أن يصدر الأمر من القضاء بعد أن يثبت له بالأدلة المبدئية جدية الاتهام بارتكاب الجريمة التي يجري التحقيق بصددها أو الاشتراك أو التورط فيها ، وذلك وفقا لتقدير هذه الجهة المسئولة متى اتسمت بالحيدة والنزاهة والعدالة .

 

ثالثا : حالة الضرورة العاجلة : كسماع أصوات استغاثة سواء أكان مصدر الاستغاثة من كان بداخل البيت أو من الناس الذين شهدوا على وقوع جريمة بداخل البيت أو على وشك أن تقع مما تعد حدا من حدود الله لا يجوز عنها التغافل ، أو أمارات حدوث حريق أو سماع صوت طلق ناري ..الخ .

ومثال ذلك كذلك مراقبة النبي موسى للمرأتين اللتان لاحظ أنهما تذودان أي تمنعان أغنامهم من شرب الماء ، فتدخل في شأنهما الخاص وقال لهما (ماخطبكما؟) قالتا (لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) ، فما كان من موسى عليه السلام إلا أن سقا لهما ، فتدخله في شأنهما ليس من قبيل التجسس ولكن من قبيل كشف عن حالة عاجلة وهي عجزهما عن مزاحمة الرجال لسقي أغنامهم.

ومثاله كذلك من أتى لنبي الله موسى بخبر القوم الذين تمالؤا عليه ليقتلوه ، (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص20) ، فهم يأتمرون يعني يدبرون الخطة عن طريق المؤامرة ليوقعوه في الاتهام الباطل الذي به يستحلون دمه ، وهذا أمر يدبرونه فيما بينهم ، ولكنه كشف سرهم وتجسس عليهم ، وأخبر موسى في الوقت المناسب ليخرج ويفر بنفسه .

 

من هنا يسوغ لجهات الاستدلال (الشرطة) أو (المحتسب) وكذلك آحاد الناس التدخل لاتخاذ الاجراءات العاجلة لمنع الجريمة قبل وقوعها أو القبض على المتهمين قبل هروبهم ، قال النووي (ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات ، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت فذلك ضربان :-

 أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزنى بها ، فيجوز له فى مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا يستدرك ، وكذا لوعرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الاقدام على الكشف والانكار .

 

الضرب الثانى ما قصر عن هذه الرتبة ، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الاستار عنه ، فإن سمع أصوات الملاهى المنكرة من دار أنكرها خارج الدار لم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن الباطن)[62].

 

والآية لم تتحدث الآية عن هذه الاستثناءات الثلاثة لأن هذه الأمور تخرج عن مفهوم التجسس لغة ، لأن الحالتين الأولين تتعلقان بجريمة ارتكبت فعلا ، ففي الحالة الأولى لا تعصم دماء المحاربين وأموالهم بوجه عام ، ومن ثم جاز التجسس عليهم بل هو واجب ، وهذا الإجراء له الأولوية لحماية المجتمع من المحاربين ، وفي الحالة الثانية فوقوع الجريمة الجنائية وثبوت الاتهام – الأولى – يستوجب اتخاذ اجراءات التحقيق ومنها القبض والتفتيش ، وهما اجراءات شديدان ، فيسوغ الأخف وهو التجسس ، كما سلف بيانه ، وفي الحالة الثالثة فإن الضرورة تقدر بقدرها ، والاستغاثة تتطلب تدخلا عاجلا قد لا يتوفر الوقت الكافي لإبلاغ سلطات التحقيق والجهات القضائية بأن تتخذ اجراءات السماح بالكشف والتحري والتجسس على الواقعة ، وبالرغم من خطورة الحالة الأخيرة وانتهاكها الصريح لحقوق الإنسان في ظل عدم وجود ضمانات كافية ، فإن مبرر الضرورة يستوجب ذلك ، فإن ثبت خلاف ذلك جاز التعويض ، لانتفاء مبرر المشروعية .

 

سابعا: النهي عن الغيبة

 

قوله (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا..) (12)  قال رسول الله r (أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال (ذكرك أخاك بما يكره) قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ،وإن لم يكن فيه فقد بهته)[63]، فمجرد ذكر الأشخاص بعيوبهم تعتبر غيبة سواء أكان ذلك في حضوره أو غيبته ،قال ابن حجر (تمسك من قال أنها لا يشترط فيها غيبة الشخص بهذا الحديث ، فلم يقيد ذلك بغيبة الشخص، فدل على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غيبته أو في حضوره، ومال أهل اللغة –كالزمخشري -لتقييدها بحصول ذلك في غيبته مراعاة للاشتقاق)[64]، ولا شك أن ذكره بما يكره في حضوره أشد من ذكره في غيبته ، فتلك غيبة مستترة ، وتلك غيبة ظاهرة تدل على جراءة المغتاب ووقاحته .

 

وقد استثنى العلماء من مبدأ تحريم الغيبة بالمفهوم المتقدم عدة أمور جمعها الإمام الحافظ بن حجر في الفتح فقال : تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك في ستة أوجه :-

أحدها : التظلم والشكوى : قال تعالى (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلي السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية وقدرة علي انصافه من ظالمه ، فيقول ظلمني فلان أو فعل بي كذا ، كما في قوله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة 1) .

 

الثاني : الاستغاثة على تغيير المنكر ، ورد العاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك ، كما في حديث المعرور لما لقى أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حله ، فسألته عن ذلك فقال (إني ساببت رجلا فعيرته بأمه) فقال لي النبي r (يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرو فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) [65]، فالظاهر من الحديث أن الغلام قد اشتكاه للنبي r ليغير المنكر الذي وقع عليه منه .

 

الثالث : الاستفتاء : أي طلب الفتوى ، بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا فهل له ذلك وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة ..

 

 فعن عائشة: أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) [66].

 

الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، بقصد اتقاء شرهم ، والمستند ذلك قوله تعالى (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة/283) ، وقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة/140) ، وقوله تعالى (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران/42) ، وقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(النساء/135).

 

وقد ورد تطبيق ذلك في سنة النبي r ، فقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرِّيَبِ) ، وأورد بعده حديثا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ r رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)[67]

 

وتطبيقات ذلك كثيرة ، قال العلماء وذلك من وجوه :-

  • منها جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين ، وذلك جائز بالاجماع بل واجب صونا للشريعة
  • ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته
  • ومنها اذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو عبدا سارقا أو زانيا أو شاربا أو نحو ذلك تذكره للمشتري إذا لم يعلمه نصيحة لا بقصد الإيذاء والإفساد
  • ومنها اذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علما وخفت عليه ضرره فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدا النصيحة
  • ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة

 

الخامس : أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته : كالجماهرة بشرب الخمر ومصادرة الناس وجباية المكوس وتولي الأمور الباطلة ، فيجوز ذكره بما يجاهر به ، ولا يجوز في غيره إلا بسبب آخر ، يقول النبي r (كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) [68] ، قال ابن حجر في الشرح (يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن) إذ لا عصمة له فيما يجهر به من معصية أن يستره المسلمون ، وقد فضح نفسه وكشف ستر ربه عنه.

 

 ونظرا لأنه لم يوجد في المنافقين في عهد النبي r ولا أبي بكر ولا عمر بن الخطاب من يجرؤ على المجاهرة بفسقهم مع تمسكه بالإسلام ، فإنه يتعذر إيراد دليل عملي من سيرتهم في ذلك الزمان .

 

السادس : التعريف : فاذا كان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصا ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى ، فقد أمر النبي r أم شريك أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال لها (إنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنينى قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله r أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى أسامة بن زيد فكرهته ثم قال انكحى أسامة فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت [69]

 فتعريف معاوية بالصعلوك من باب الشهادة ، وكذلك أبا جهم بأنه لا يضع عصاه ،من باب التحذير ، وتعريف ابن أم مكتوم بأنه أعمى ، وكل ذلك يدخل في باب الاستئناءات الواردة على النهي عن الغيبة .

 

قوله (.. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) (12) قال ابن عاشور (مُثِّلت الغيبة بأكل لحم الأخ الميت ، وهو يستلزم تمثيل المولوع بها بمحبة أكل لحم الأخ الميت، والتمثيل مقصود منه استفظاع الممثل وتشويهه ، لإفادة الإغلاظ على المغتابين ،  لأن الغيبة متفشية في الناس وخاصة في أيام الجاهلية ، فشبهت حالة اغتياب المسلم من هو أخوه في الإسلام ، وهو غائب بحالة أكل لحم أخيه وهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا التمثيل للهيئة قابل للتفريق بأن يشبه الذي اغتاب بآكل لحم، ويشبه الذي اغتيب بأخ، وتشبه غيبته بالموت)[70].

  

فإذا كان القرآن قد صور جريمة الغيبة بهذه الصورة البشعة لأهل الدنيا ، فكيف يكون الجزاء يوم القيامة ؟ إنه من جنس العمل ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ)[71].

 

قوله (..وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (12) قال القطان (بابُه دائماً مفتوح للتوبة ، وهو مع كل ما يأتيه الناس من مخالفات ومعاصي رحيم يقبل التوبة فلا تقنطوا من رحمة الله)[72]

 

وعلى كل حال يجب على المسلم الذي يتقي الله أن يتحلل من كل مظلمة صدرت منه أو خال أنها صدرت عنه سواء في أحواله العادية أو في الغضب ومثل ذلك ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قال (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلَاةً)[73]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[74] ، ومعنى (اجعلها له صلاة) أي رحمة ،كما في الرواية الاخرى والصلاة من الله تعالى الرحمة.

 

قال النووي (فإن قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ،ونحو ذلك ، فالجواب ما أجاب به العلماء ومختصره وجهان :-

 أحدهما أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ، ولكنه في الظاهر مستوجب له ، فيظهر له r استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك ، وهو r مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) [75] .

وفي ذلك أوجه كثيرة منها ما يلي : -

  • ما حكم به النبي r بناء على ظاهر الأدلة ، وهو عند الله برئ ،كما في قوله (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[76] .
  • أو ما تردد في حكمه ، مثلما حصل مع عبد الله بن سرح ، فعَنْ سَعْدٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ اخْتَبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ فَقَالُوا مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ)[77].
  • أو عرض بالدعاء علي قومه لما آذوه ، وتألم من ذلك ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ r وَشُجَّ فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ)[78].
  • أو ما كان بدافع من الغضب بمقتضى بشريته r فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ قَالَ وَمَا ذَاكِ قَالَتْ قُلْتُ لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا قَالَ أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا)[79]

قال النووي في قوله r (أغضب كما يغضب البشر) فقد يقال ظاهره أن السب ونحوه كان بسبب الغضب وجوابه ماذكره المازري قال يحتمل أنه r أراد آي دعاءه وسبه وجلده كان مما يخير فيه بين أمرين أحدهما هذا الذي فعله والثاني زجره بأمر آخر ، فحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المتخير فيهما ، وهو سبه أو لعنه وجلده ونحو ذلك ، وليس ذلك خارجا عن حكم الشرع .

 

والثاني أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كما بوب البخاري بابا بعنوان قوله r "تربت يمينك وعقرى حلقي" ، وفي ذلك عدة أمثلة نذكر منها ما يلي :-

 

  • كقوله وفي حديث معاوية "لا أشبع الله بطنه" فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ قَالَ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً وَقَالَ اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَجِئْتُ فَقُلْتُ هُوَ يَأْكُلُ قَالَ ثُمَّ قَالَ لِيَ اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَجِئْتُ فَقُلْتُ هُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ)[80].
  • وكقوله للجارية اليتيمة "لا كبرت سنك" فعن أنس قال : كانت عند أم سليم يتيمة فرأي رسول الله r اليتيمة فقال : قد كبرت لا كبرت سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي فقالت أم سليم : مالك يا بنية ؟ قالت : دعا عليّ رسول الله r ألا يكبر سني فخرجت أم سليم حتي لقيت رسول الله r فقال لها رسول الله r : مالك يا أم سليم قالت : يا رسول الله دعوت علي يتيمتي ألا يكبر سنها قال : فضحك رسول الله r ثم قال : يا أم سليم أما تعلمين شرطي علي ربي عز وجل إني اشترطت علي ربي فقلت : إنما أنا بشر أرضي كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة يقربه بها يوم القيامة)[81].

ونحو ذلك لا يقصدون بشئ من ذلك حقيقة الدعاء ، فخاف r أن يصادف شئ من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا ، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان .

 

ولم يكن r فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه ، بل على العكس كان يدعو للعصاه ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ قَالَ اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ)[82] ، فسنة الأنبياء جميعا هي الصبر على قومهم ، فعن عبْدُ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ r يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[83].

 

ثامنا: المساواة بين الناس اجتماعيا متى تماثلت مراكزهم

 

قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى..) (13)  ، يقول النبي r (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)[84] ، فالإسلام يرجع الناس لأصلهم الأول وهو آدم وحواء ، ذكر وأنثى ، فمهما علت درجاتهم الاجتماعية وتفاوتت طبقاتهم فإنهم من أصل واحد ، ما يعني أنهم في الأصل متساوون اجتماعيا ، وبناء على نشأتهم من أصل واحد فهم متساوون في الحقوق والواجبات كذلك ، هذا كأصل عام .

عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[85]

وقيل " النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ "[86] ، أي يتفاضلون به مما يستترون به من العافية ، ولو علم الناس ما خفي عنهم لما حصل هذا التفاضل .

 

فمن حيث التأصيل النظري فإنه لا فرق بين أعربي وأعجمي في الحقوق والواجبات مطلقا ، أما من حيث التطبيق العملي فلا شك أن الأعربي يفوق الأعجمي في القدرة على الإطلاع على الكتاب والسنة وكتب التفاسير وشروح الحديث والفقه والمعاجم ...الخ ما يعجز الأعجمي عن فعله ، ومن ثم كان من الطبيعي أن تكون الإمامة في الدين للأعرابي متى استفاد من كونه أعربيا في التفوق على الأعجام من حيث العلم الشرعي والثقافة الدينية .

لكن ذلك لا يمنع الأعاجم من التفوق على الأعراب في كثير من العلوم الشرعية ، مثل النيسابوري ، القرطبي ، وسيبويه عمرو بن عثمان، عالم اللغة  وإمام النحاة، فارسي الأصل ، وفي العصر الحديث المحدث محمد ناصر الدين الألباني من ألبانيا في قارة أوروبا ، ويمكن ذكر أشهرهم بحسب المجالات التي برعوا فيها كما يلي : -

أولا : علم الفقه

أبو حنيفة النعمان بن ثابت: إمام المذهب الحنفي، وهو من أصول فارسية.

الإمام الغزالي: أبو حامد الغزالي، الملقب بحجة الإسلام، من طوس.

الإمام النووي: محي الدين النووي، من أصول غير عربية.

السرخسي: شمس الأئمة صاحب "المبسوط".

المرغيناني: صاحب كتاب "الهداية" في الفقه الحنفي.

ثانيا : علماء الحديث:

محمد بن إسماعيل البخاري: صاحب الصحيح، ولد في بخارى.

الإمام مسلم بن الحجاج: صاحب الصحيح، ولد في نيسابور.

الترمذي: أبو عيسى الترمذي، صاحب السنن.

ثالثا : علماء التفسير

الزمخشري: جار الله الزمخشري، صاحب تفسير "الكشاف".

البيضاوي: صاحب تفسير "أنوار التنزيل".

 

ولذلك نجد أنه من الطبيعي أن يؤم الناس في الصلاة في المساجد الأعراب ، بل إن الأعاجم أنفسهم وفي بلادهم يقدمون الأعرابي على أنفسهم لعلمهم أنه أقدر على قراءة القرآن بلهجة صحيحة عنهم ، وليس ذلك بشرط ولا بإطلاق ، فقد يكون الأعجمي أمهر من العربي في القرآن وحينئذ يفضل الأعجمي على العربي في إمامة الصلاة وتعلم القرآن .

 

أما من حيث التخصص في شئون الدنيا وعلوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والعسكرية ... الخ ، فلا شك في أن الأعربي والأعجمي يستوون في ذلك في مبتدأ الأمر ما لم يتفوق أحدهما على الأخر بحكم التعلم والدراية والخبرة ، فمن العلماء المحققون:

ابن سينا: رغم شهرته بالطب، فله إسهامات في الفلسفة وعلم الكلام.

البيروني: عالم موسوعي، ولد في خوارزم. 

ابن رشد الحفيد القرطبي عالم الفلسفة والفلك والطب

 

 

وهكذا لا يعني الإسلام بالأعراق ولا الأجناس ويهدم كل صور التمييز بين الناس على هذا الأساس في شأن معاملات الدنيا ، وبذلك سبق الإسلام اتفاقية الأمم المتحدة الصادرة بشأن إلغاء كافة صور التمييز العنصري بين البشر والصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2106 ألف (د-20) المؤرخ في 21 كانون الأول/ديسمبر 1965 بشأن الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري والتي تؤكد أن البشر يولدون جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المقررة فيه دون أي تمييز لا سيما بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي .

 

مسألة فرعية : هل القريشية معيار للإمامة والولاية الكبرى

 

ويتفرع عن الأصل المنوه عنه الذي هو مبدأ المساواة ، وأن الجدارة بالتقوى التي لا تُعرف في أحكام الناس ، أنه فلا يسوغ قصر الولاية الكبرى على من هم من نسل قريش دون غيرهم ، وإنما يُختَار لهذه المسئولية من هو أكفأ ، وليس من هو من قبيلة معينة أو عرق معين ، وهذا هو الأصل كذلك .

 

ولا إشكال في تقرير هذا المعنى وتأكيد هذا المبدأ الذي أصله القرآن ودلل عليه بالتذكير بأصل نشأة البشر من ذكر وأنثى ، ولا يعارضه إخبار النبي r فيما قاله r ( الأئمة من قريش) [87] ، وقوله r (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) [88] ، قال النووي : أي أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ، وقوله r ( الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم ) [89] .

 

 ولا إشكال كذلك فيما فهمه النووي من هذه الأحاديث حيث قال : (هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم ، وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة

قال القاضي اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة قال وقد احتج به أبو بكر وعمر رضي الله عنهم على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد قال القاضي وقد عدها العلماء في مسائل الاجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار) [90].

 

إذ لا حجة في هذه الأحاديث على أن القريشي له أفضلية على غير القريشي في سياسة الأمة وقيادتها ، لكن هذه الأحاديث لم يرد فيها حكم شرعي ، فكل ما ورد فيها هو الإخبار بما هو كائن وما سيكون

والدليل على أنه ليس فيها حكم شرعي ، الرواية المفسرة في قول النبي r (الناس تبع لقريش في الخير والشر) [91] ، وهو ما يعني أن الفتنة حينما تأتي المسلمين ، فإنها تبدأ من قريش ، فحين تقع قريش في الفتنة يقلدها الناس فيقعون في الفتنة ، وكذلك الخير حينما انتشر المسلمون فقد بدأ الأمر من قريش ، ولا شأن لاشتراط أن يكون الأئمة منهم حكما ، وإنما هو إخبار بما كان وسيكون ، حيث كانت الإمامة منهم باعتبارهم أصل الجزيرة العربية وأول من أسلم من الصحابة ونصروا الإسلام وهاجروا به إلى المدينة ، ونشروه بعد ذلك في جميع أقطار الأرض ، وهم أفصح لسانا لأن القرآن نزل باللغة العربية بلهجة قريش ، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتعلم المسلمون الأعاجم الإسلام من القريشيين ويقرأون القرآن عليهم ، ولذلك كانت الإمامة الدينية منهم متى حافظوا على اللهجة القريشية التي نزل بها القرآن .

 

 أما الإمامة السياسية فقد كانت منهم في عصر الخلفاء الراشدين للاعتبارات التي ذكرناها ، والناظر في جميع الروايات التي ذكرت حين  اجتمع الصحابة في السقيفة لاختيار الخليفة يتبين أنها لم تشر إلى مسألة (الأئمة من قريش) وإنما تجاوزتها تماما ، وهذا يعني أن المسألة برمتها ليست من القواطع التي تفيد الإلزام والوجوب كما ذكر الماوردي .

 كذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد أن يستخلف من بعده ، قال (لو كان سالما مولى حذيفة حيا لاستخلفته عليكم)[92]، أي أنه لا اعتبار للقريشية أو العربية أو ما شاكل ذلك إنما الدين والتقوى والكفاءة ، وإلا لما قال النبي r (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)[93] .

 

وقد أجاب ابن حجر على ذلك فقال : (قيل المراد أن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلا وجبت طاعته وليس فيه أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم) .

ويرد عليه بأن الحديث ورد كذلك بلفظ ( أمر عليكم ) بدلا من (استعمل عليكم) ، يقول النبي r (يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله) [94] ، مما يدل على الإمارة المقصودة هي بمعنى "الولاية العامة" ،ولا فرق  في معنى "الولاية العامة" بين خليفة المسلمين جميعا ومن تولى إمارة من إماراتها أو دولة من دولها ، فكلاهما يتولى ولاية من نوع "الولاية العامة"  .

 

تاسعا: الإسلام يحث على نشر ثقافة التعارف بين الأمم

 

قال تعالى (..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..) (13) فالتعارف بين الناس يمهد للتقارب والتفاهم بين الناس ثم التواد والتحاب في الله ، يقول النبي r (إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو ، فإنه أوصل للمودة) [95] ، ذلك أن اختلاف الناس أعراقا وأجناسا واختلاف طبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم أدعى إلى حصول التكامل بينهم لا وقوع التنافر والتخاصم والشجار ، فهذا هو المقصد الإسلامي من التعارف بين القبائل والأقوام ، بأن يتوطد هذا التعارف بالإكثار من روابط التعاون بينهم .

 

 ولعل وشيجة الزواج تؤصل هذا المبدأ وتؤكده ، ولذلك تجد النبي r وطد علاقته بأصحابه وبالقبائل من حوله بالزواج منهم ، فتزوج عائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان ، وزوج ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب ، كما تزوج من صفية بنت حيي بن أخطب بعد غزوة الخيبر وهو من أسياد اليهود وأحبارهم ، كما تزوج من مارية القبطية التي أرسلت من مصر ، وتزوج من حبيبة بن أبي سفيان وهو سيد قريش ، وتزوج من جويرية بنت الحارث من بني  المصطلق ، وكان أبوها سيد قومه جاءت إليه بعد غزوة بني المصطلق ، وبزواجها من النبي r لم يتخذ المسلمون من قومها سبيا ولا ملك يمين ، ففي زواج النبي r منهم إشارة إلى وجوب الإحسان إليهم بعد أن أضحوا أصهار الرسول r ، كما تزوج من أم سلمة وهي بنت سيد بني مخزوم , وهو أبو أمية حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ،  وتزوج من زينب بنت جحش المعروفة بأم المساكين وكانت من أوائل المهاجرات وكانت ابنة عمته أميمة بنت أبي طالب ، فقد صاهر قبائل الجزيرة فمن باب أولى أن يصل رحمه بعائلته بمصاهرة قرابته.... وهكذا كان من شأن الزواج تقريب المسافات بين الشعوب والقبائل واختصار الوقت للتآلف والتعارف .

 

وكذلك السياحة الإسلامية تساعد على نشر ثقافة التعرف على الإسلام من خلال التعرف على المسلمين أخلاقهم ومعاملاتهم ، فخروج كثير من الدعاة للسياحة في البلاد غير الإسلامية مع احتفاظه بسمته وبمظهره الإسلامي وحفاظه على أخلاقه الإسلامية ، وبقصد نشر الدعوة هو رسالة إيجابية عن الدين الإسلامي تمهد لدخول الإسلام في قلوب شعوب هذه البلاد ، وكم رأينا إسلام العديد من الأعاجم لما تعاملوا مع المسلمين القادمين إليهم من البلاد الإسلامية ، وبهذا المعنى نفهم قول النبي r (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) [96] ، فحين يشهد المسلمون مجالس العلم مع العلماء في بلادهم ويغدون في سبيل الله تعالى ليبلغوا غيرهم من الأعاجم ما سمعوه من كلام الله وكلام رسول الله وما شهوده في مجالس العلم فإنهم حينئذ يلتزمون تطبيق قول النبي r (ليبلغ الشاهد الغائب) [97].

 

 وكذلك كانت تجارة المسلمين سببا في دخول كثير من البلدان الإسلام مثل الصين والهند وتايلاندا وماليزيا وكمبوديا وشرق آسيا ، وكذلك وسط أفريقيا أوغندا ونيجيريا ... الخ ، فقد دخل الإسلام إلى (فطاني) عن طريق التجارة في القرن الخامس الهجري ، وهي منطقة واقعة بين ماليزيا وتايلاند ، ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية ، كما وصل الإسلام إلى أوغندا عن طريق بعض التجار العرب المسلمين الذين وجدوا أن الأرض لا تزال بكراً لم تطأها بعد الأفكار الفاسدة الغربية فأسلم الكثير من أبناء أوغندا في عهد الملك 'موتيسا " ، كما وصل الإسلام إلى سواحل بلاد كمبوديا ولكن بأعداد قليلة لأن السواحل متقعرة حيث خليج تايلاند الذي تشرف عليه البلاد فهي بلاد داخلية ليس لها موانئ تأتيها السفن , ثم أخذ الإسلام في التوسع داخلياً خلال القرن الثامن والتاسع الهجري ، كما دخل الإسلام أول ما دخل إلى سواحل إمارة تشامبا بفيتنام عن طريق التجارة التي نشطت في القرن الرابع الهجري حيث اتبع المسلمون أسلوب الدعوة للإسلام عن طريق التجارة ، كما أن أول ما دخل الإسلام إلى بقاع الفلبين كان في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل الثالث الهجري عن طريق التجار المسلمين الذين كانوا بجانب التجارة يدعون لدين الإسلام أينما حلوا إذا لم يكن بكلامهم ودعوتهم الصريحة كان بحسن تعاملهم وأدبهم وأمانتهم ، فقد دخل الإسلام بلادًا عديدة عن طريق الدعوة التي كان يمارسها التجار المسلمون؛ سواء بطريقة مباشرة عن طريق عرض الإسلام صراحة أو بطريقة غير مباشرة عندما يرى الناس أخلاق التجار المسلمين وصدقهم في الحديث وأمانتهم؛ فيُعجبوا بالإسلام ويدخلوا فيه

 

 وكان لاتساع رقعة العالم الإسلامي أثره في سيطرة المسلمين على طرق التجارة العالمية آنذاك وكانت أربع طرق رئيسية:-

الأول : طريق الخليج العربي:  يبدأ من إندونيسيا وماليزيا إلى بحر العرب إلى مضيق هرمز إلى الخليج العربي إلى شط العرب، بغداد، الشام، آسيا الصغرى ثم إلى أوروبا.

الثاني : طريق البحر الأحمر : ويبدأ من الهند شرق أفريقيا إلى المحيط الهندي إلى مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر إلى خليج السويس إلى غزة، الإسكندرية ثم إلى أوروبا.

الثالث : طريق البر الغربي: يبدأ من الهند، شرق أفريقيا ثم برًا إلى اليمن إلى الحجاز إلى الشام ثم إلى أوروبا.

الرابع : طريق البر الصيني:  ويسمى أيضًا طريق الحرير، ويبدأ من الصين إلى الهند إلى خراسان إلى العراق إلى الشام إلى مصر، بلاد المغرب ثم إلى أوروبا، وقد نشأ على هذا الطريق الكثير من المدن الإسلامية الكبرى مثل: طشقند، وبُخارى، وسمرقند .

 

وكانت القوافل التجارية المارة على هذه الطرق تحمل البهارات والتوابل والأحجار الكريمة والذهب وريش النعام والعاج واللؤلؤ من: الهند والصين، وإندونيسيا وماليزيا وشرق أفريقيا والبحرين واليمن، وكانت المحطات الموجودة في آخر الطرق التجارية هي الأماكن المعنية من بداية الرحلة؛ لأن منتجاتها هي المنتجات المرغوبة؛ لذا تطول إقامة التجار فيها حتى يبيعوا كل ما معهم من بضائع، ثم يشتروا بضائع جديدة، وبالتالي تزداد صلتهم مع سكان هذه البلدان فينتشر الإسلام فيها، وأكبر مثال على هذا النوع من البلدان إندونيسيا وماليزيا ، ومن إندونيسيا انطلق الدعاة إلى الجزر القريبة لدعوة أهلها فدخل الإسلام إلى الفلبين، وفيتنام، وجزر المالديف؛ بينما كان بُعد جزر اليابان عن مراكز المسلمين التجارية سببًا في تأخر وصول الإسلام إليها.

 

وفي أفريقيا اتجه المسلمون نحو سواحل شرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي وكانت هذه السواحل آخر محطات السفن التجارية مما سهَّل انتشار الإسلام في هذه المناطق، وإن بقي الإسلام محصورًا في السواحل مثل: الصومال، وكينيا، وزنجبار، وجزر القمر، وجزر بمبا، ولم يتوغل إلى الداخل بسبب طبيعة المناخ والغابات الوعرة ، وفي القرن السادس عشر الميلادي شجَّع سلاطين العثمانيين التجار على التوغل داخل أفريقيا ووفروا لهم الحماية فوصلوا إلى ضفاف نهر الكونغو حيث نشروا الإسلام هناك، وعلى طول الطرق التي سلكوها في تنزانيا، ورواندا، وبوروندي، وزائير، وانتشر الإسلام بواسطة التجارة البرية في دول جنوب الصحراء الكبرى مثل: تشاد، والنيجر، ونيجيريا ، وهكذا انتشر الإسلام في قارات العالم المعمور آنذاك: آسيا وأفريقيا [98]

 

 أما أوروبا فلم ينتشر فيها الإسلام كثيرا ، إذ وقفت فتوحات المسلمين عند حدود البرتغال وأسبانيا والبوسة والأناضول بتركيا وحدود بلغاريا ، ولم تلبث أن فقدت كثير من الدول الإسلامية لأن الإسلام لم ينتشر فيهما كما انتشر في شرق آسيا بالتجارة وحسن المعاملة ، فلم تتمكن السيطرة العسكرية من الحفاظ على الحضارة الإسلامية التي ظهرت هناك ، فازدهار التجارة وحسن المعاملة والتعايش مع الآخر ، كل ذلك يقوم بما لا تقدر عليه القوة العسكرية .

 

عاشرا : الدولة التي ينشئها الإسلام هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية لا علمانية ولا كهنوتية :

 

قال تعالى (..إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13) تُقَعِّد هذه الآية مبدأ المساواة بين الناس وتكافؤ الفرص ، وإلغاء معيار التفاضل بين الناس –في الدنيا- على أساس التقوى باعتبار أنها من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا العليم الخبير ، وإنما تكون التقوى معيارا للتفاضل بين الناس في الآخرة .

 

 أما في الدنيا  فإنه لا فضل بين الناس ، يعزى ذلك إلى الأصل العام وهو المساواة بينهم في الفضل وتكافؤ الفرص ، لأنهم جميعا خلقوا من ذكر وأنثى ولا فرق لأعربي على أعجمي ولأسود على أبيض إلا بالتقوى ، وأمر التقوى لا يعلمه إلا الله ، ولا يطلع عليه أحد إلا يوم القيامة ، أما الدنيا ، فالباب واسع للتميز والتفوق وإثبات الجدارة والكفاءة والقدرة على القيادة وتحمل المسئولية ، أي أن التفاضل يكون بالاكتساب والعمل  .

 

والمقصود بالأكرم عند الله من الناس هو من فقه الإسلام ودعا إليه من خلال نشر ثقافة التعارف بين الشعوب والأمم التي انتشر بها الإسلام أول الأمر ، وسوف ينتشر كذلك مستقبلا بإذن الله ، سئل رسول الله r أي الناس أكرم ؟ قال ( أكرمهم عند الله أتقاهم ) ، قالوا ليس عن هذا نسألك قال ( فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله ) ، قالوا ليس عن هذا نسألك قال ( فعن معادن العرب تسألونني ) ، قالوا نعم قال (فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) [99] ، قال الحافظ بن حجر في الفتح (كان شرفهم في الجاهلية بالخصال المحمودة من جهة ملائمة الطبع ومنافرته ) [100]، أي أنهم لما عُرفوا في جاهليتهم بالكرم والشهامة والجلد والصبر فإنهم عرفوا بعد إسلامهم بأنهم أكثر الناس عونا للمسلمين وأكرمهم في نشر هذا الدين للناس ، يقول سبحانه (وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ) ، وبهذا يتضح مفهوم الكرم ومعيار التقوى بما يجعل التفاضل بين الناس في الكرم على الله تعالى مستحقا .

 

وهكذا حمل الصحابة رضوان الله عليهم لواء الدعوة ، وتعرفوا على من حولهم من الشعوب ، وبلغوا سنة النبي r كما أمر  (ليبلغ الشاهد الغائب) ، بلغوا قبل أن يفقهوا ويدرسوا كلام النبي r ، بلغوا الأمانة كما هي ، دون تحريف أو تبديل ، اهتموا بتعارف والتبليغ ، يقول النبي r (فرب مبلغ أوعى من سامع) [101] ، قال ابن حجر في الفتح ( مبلغ بفتح اللام أي رب شخص بلغه كلامي فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من الذي نقله له ، ... وفي الحديث دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك )[102].

 

إذن فحوى الخطاب في الآية يشير إلى أن الإسلام دين اجتماعي من الدرجة الأولى ، ويقوم على مبدأ المساواة وإتاحة الفرص للجميع ، فلا يختص بحمل أمانة الدعوة علمائها ، وإن كانوا في مقدمة الدعاة إلى الله ، وإنما ينهض للقيام بهذا العبء الكفاية في الأمة ،  فهذا قد ينقل كلام الله وكلام رسول الله r وهو أعرابي يتقن الحفظ والتبليغ وضبط الحروف والكلمات ، وآخر أعجمي يسمع هذا الكلام ويستخرج منه اللألئ والدرر والحكم والمواعظ ويفهم منه المرامي والمقاصد ، قد يكون ذلك ولا غرو .

 

 كذلك قد ينقل لنا أئمة السلف ما وصلهم من العلم والحكم والآيات والأحاديث الصحيحة عن النبي r وأقوال الصحابة والتابعين في مسألة معينة ، ولكن عند التطبيق المعاصر قد تجد فهما آخر للخلف قد يفتح آفاق جديدة لتجديد هذا الدين ، ولذلك يقول النبي r (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [103] ، فإن هذا المجدد لن يجدد نصوصا ولا يستجدي أحكاما مقطوع بها ، كما أنه لن يأتي بتجديد الكليات والمقاصد والأصول ، وإنما هي أمور ثابتة بيد أن الله تعالى يفتح على يديه قلوب الأمة ليتجدد الإيمان بهذه الأصول وهذه النصوص والمقاصد والكليات والثوابت والقطعيات بعد أن رام عليها الزمان وقل التمسك بها ، قال العلقمي (معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما) [104] .

 

من هنا نقول أن الإسلام يرفض مبدأ الدولة الكهنوتية التي تعطي لرجال الدين ميزة يتفضلون بها على غيرهم من الرعية باعتبارهم يفسرون كلام الله ويملون أوامره على الرعية ، حتى ظن الناس أن كلامهم هو كلام الله ، وأن الخروج على كلامهم كفر يوجب الحد ، فهذا ليس إلا هرطقة وغير مقبول مطلقا ، فالجميع يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم r ، ولذلك فإن الأمة لا تؤله ملوكها ولا حكامها ولا عالما من علماء الدين ، وإنما هم بشر عاديون يخطئون ويصيبون ويحاسبون في الدنيا على أخطائهم من الرعية كما يحاسبون يوم القيامة كذلك على ما فعلوه ، قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) ، وقال سبحانه (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) .

 فالحاكم والوالي ورجل الدين ليسوا إلا بشر عاديون قد يتقون الله وقد يفسقون ، ولا حجة لأوامرهم وكلامهم وفتواهم متى خالفت نصا في كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله تعالى أو أمرا أجمع عليه علماء الإسلام ، فإن ظلموا غيرهم أو أفتوا بغير علم سقطت شرعيتهم وأوكلت مسألة تقواهم لله تعالى العليم الخبير .

 

وفي المقابل نقول أن مرجعية الدولة في تشريعاتها وقواعدها الحاكمة هي الإسلام ، فالدولة الإسلامية ليست بمعزل عن الدين ، ولا يمكن عزلها إطلاقا عن الدين ، وإنما تقتصر مدنية الدولة على معنى أن رجال الحكم ليسوا أولياء الله الصالحين على سبيل القطع واليقين ، وقد نظنهم كذلك  ونرجوا صلاحهم عند اختيار الأمة لهم ، لكنهم ليسوا أوصياء على الرعية ، وإنما هو مثلهم مثل سائر أفراد الرعية يحتكون جميعا إلى شرعية الدولة الإسلامية وهي الكتاب و السنة

 

إذن نعني بالمرجعية أن يستقي الشعب مبادئ ذات قيم عليا يحترمها ويقدرها بل ويعتقدها ويؤمن بها ، ألا وهي دين الإسلام ، فتكون تلك المبادئ هي الحاكمة لنظام حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ولو لم يكن يؤمن بها لما سعى لأن تكون هي المرجعية له في إنشاء دولته ، ولو لم تكن تلك المبادئ هي الأصلح للتطبيق لما جازت أن تكون مرجعا لهذه الدولة

 

 فنقصد بالمرجعية الإسلامية أنها رهن بأمرين :-

الأول : إعجازها في شأن أنها تفوق قدرات البشر الوضعية ، لأن المنهج الإلهي كامل (اليوم أكملت لكم دينكم) بينما مناهج البشر يعتريها القصور .

 والثاني : الإيمان بها إيمانا جازما بأنها الأصلح لكل المفترضات والوقائع التي تحتاج لعلاج تشريعي ومنهج تطبيقي مستقبلا ، ولا شك أن ذلك أيضا مرهون باختيار من هم أقدر الناس على استخراج هذه الحلول الحياتية من المراجع الإسلامية التي ارتضاها أبناء الدولة أساسا دستوريا لهم .

 

وقد ذم القرآن المنافقون حين يرجعون في علاج مشكلاتهم الحياتية إلى غير الكتاب والسنة وقول العلماء فيهما ، يقول المولى سبحانه (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، أي أن الناس إذ أحلت بهم مصيبة أو اجتاحتهم جائحة وأضحوا بلا مأوى ولا مأكل ولا مشرب أو ظهر الظلم فيهم والروع والتخويف فإنهم يهرعون لإذاعة مشاكلهم إلى الناس جميعا ليستوردوا حلولا غربية أو شرقية ، أعجمية أو عربية ، وينسون أن الحلول الحاسمة لمشكلاتهم في المنهج الذي ارتضوا تطبيقه والشريعة التي جعلوها حاكمة لهم وجعلها الله تعالى كذلك ، وعند ولاة أمورهم من الأئمة والعلماء الذين تميزوا عن غيرهم باستنباط هذه الحلول من تلك الشريعة الحاكمة .

 

 وعليه فإذا أردنا أن نضع معيارا قابل للتطبيق للتفاضل بين الناس على أساس التقوى ، فليس أضمن من العلم الشرعي الذي منَّ الله به على العلماء ، ولعل ذلك أدعى لاختيار الناس لهم لأن يكونوا ولاة أمورهم ، باعتباره العلة الظاهرة والمناسبة والمنضبطة للحكم عليهم ، لا باعتبار أن الإسلام دين كهنوت ، ولا باعتبار أن ذلك يتعارض مع مدنية الدولة ، ذلك أن اختيار الناس لأولئك القوم لأن يكونوا أولياءهم ، هو أقرب لإصابة العلة الظاهرة والمنضبطة والمناسبة لتطبيق منهج الله تعالى ، أما غير ذلك من الأوصاف فلا ينضبط لتحقيق هذه العلة .

 

 فالناس حين يقدرون العلماء ، كما دعت لذلك أول السورة ، فإنهم سوف يرجعون إليهم عند كل نازلة ، والعلماء بدورهم سوف يستقرئون ما في كتاب الله وسنة رسوله ويدرسون كل نازلة ليطبقوا عليها حكم الله تعالى الذي يستنبطونه حينئذ ، مع الأخذ في الاعتبار أن حكمهم ليس هو حكم الكتاب والسنة بإطلاق ، وإنما هو اجتهادهم فيما فهموه من الكتاب والسنة ، بدليل قول النبي r لعلي بن أبي طالب (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا)[105].

 

فإن أصاب ولاة الأمور حكم الله فقد نالوا الأجر مرتين ، وإن أخطئوا فقد أجروا على ذلك مرة واحدة ، وإن لم يحكموا بالكتاب والسنة أصلا ، ولم يرجعوا لهذين النبعين الصافيين ، فقد بان لنا أنهم ليسوا بأكرم من غيرهم ، ومن ثم وجب نصحهم في الله ، قال رسول الله r (إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ أَوْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) [106]، وتلك من أهم وظائف العلماء ، وعلى الرعية أن تلتف حول علمائهم ، بإرادة شعبية سلمية حقيقية ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة208) ، فإن أراد بهم خيرا ولى عليهم من يتوافر فيهم الكفاءة لهذه المسئولية .

ولذلك قيل (إذا أراد الله بقوم خيرا ولى عليهم حُلماءَهم وقضى بينهم علماؤهم وجعل المال فى سمحائهم وإذا أراد بقوم شرًّا ولى عليهم سفهاءَهم وقضى بينهم جُهَّالُهم وجعل المال فى بخلائهم)[107].

 

 

 

[1] ) التَنابُزُ : التَّعايُرُ والتَّداعِي بالأَلْقابِ – القاموس المحيط ج 1 ص 677

[2] ) رواه البخاري ج 1 ص 20 رقم 30

[3] ) رواه الطيالسي وحسنه الألباني انظر غاية المرام ج 1 ص 238 رقم 416

[4] ) راه مسلم ج12 ص 415 رقم 4642

[5] ) تفسير الطبري ج18 ص 7

[6] ) راه مسلم ج12 ص 415 رقم 4642

[7] ) جامع العلوم والحكم ج1 ص 333

[8] ) تفسير القرطبي ج16 ص 326

[9] ) رواه الترمذي ج 4 ص 660 رقم 2502 وصححه الألباني

[10] ) الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 204

[11] ) التحرير والتنوير لابن عاشور ج 1 ص 4102

ولا غضاضة في ذلك حيث إن لفظ (عسى) ما يتخوف الوقوع فيه ـ أي في مثل هذا الظن الخاطئ

[12] ) رواه الترمذي ج 5 ص 708 رقم 3892 وضعفه الألباني

[13] ) أيسر التفاسير للجزائري ج4 ص 122

[14] ) رواه البخاري ج 2 ص 862 رقم 2310

[15] ) فتح الباري حديث رقم 2310

[16] ) رواه مسلم ج 4 ص 1986 رقم 2564

[17] ) البحر المحيط ج3 ص 271

[18] ) البحر المحيط ج10 ص 121

[19] ) رواه البخاري ج 2 ص 513 رقم 1349

[20] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 296

[21] ) رواه أبو داود ج 2 ص 709 رقم 4962 وصححه الألباني

[22] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 296

[23] ) قاله ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 2110

[24] ) رواه البخاري ج 5 ص 2253 رقم 5717

[25] ) الديباج على مسلم ج5 ص 505

[26] ) رواه أبو داود ج 2 ص 761 رقم 5157 وصححه الألباني ، ومثله عند البخاري في صحيحه ج 2 ص 899 رقم 2407

[27] ) رواه مسلم ج 3 ص 1409 رقم 1782

[28] ) رواه مسلم ج 3 ص 1686 رقم 2139

[29] ) رواه أبو داود ج 2 ص 706 رقم 4954 وصححه الألباني

[30] ) أيسر التفاسير ج4 ص 123

[31] ) التحرير والتنوير ج26 ص 208

[32] ) رواه البخاري ج19 ص 59 رقم 5639

[33] ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج17 ص 22

[34] رواه مسلم ج1 ص 197 رقم 93

[35] ) رواه مسلم ج1 ص 195 رقم 92

[36] ) رواه أبو داود ج 2 ص 89 رقم 2751 وقال الألباني حسن صحيح ،وصححه من رواية النسائر ج 8 ص 19 رقم 4734

[37] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 421

[38] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 267 رقم 759 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ـ ورواه مسلم ج13 ص 62 رقم 4755

[39] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج5 ص 545

[40] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج5 ص 545

[41] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 438 رقم 2534

[42] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 266 رقم 758 والحديث ضعفه الألباني ، وقال (قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ غير أبي الهيثم وهو المصري مولى عقبة بن عامرالجهني واسمه كثير، قال الذهبي : " لا يعرف " وقال الحافظ في " التقريب " : " مقبول ". يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث.

ولعل البخاري ذكر الحديث الهيثم لشواهده بحديث (من ستر مسلما ستره الله) وهو صحيح ، فالحديثين يتفقان في المتن

[43] ) رواه مسلم ج9 ص 70 رقم 3209

[44] ) رواه البخاري ج11 ص 286 رقم 3208

[45] ) رواه البخاري ج 5 ص 1976 رقم 4849

[46] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج 6 ص 323 رقم 8344

[47] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج 7 ص 522 رقم 11198

[48] ) البداية والنهاية ج 7 رقم 106

[49] ) رواه أبو داود ج 2 ص 689 رقم 4889 وصححه الألباني وقال صحيح لغيره

[50] ) عون المعبود في  شرح سنن أبي داود الحديث رقم 4889

 

 

 

 

 

[51] ) رواه البخاري ج 5 ص 1976 رقم 4849

[52] ) رواه أبو داود ج 2 ص 686 رقم 4880 وصححه الألباني وقال حسن صحيح

[53] ) عون المعبود شرح سنن أبي داود الحديث رقم 4880

[54] ) رواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 419 رقم 8136 وصححه ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه

[55] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج  1 ص 375 رقم 1093 وصححه الألباني

[56] ) رواه أحمد ج 2 ص 243 رقم 7311 وصححه الألباني انظر الجامع الصغير ج 1 ص 938 رقم 9377

[57] ) رواه أحمد ج 1 ص 117 رقم 948 – البداية والنهاية ج 3 ص 265

[58] ) رواه البخاري ج 2 ص 1046 رقم 2691

[59] ) رواه مسلم ج 3 ص 1414 رقم 1788

[60] ) رواه أبو داود ج13 ص 37 رقم 4246 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 390 وقال صحيح الإسناد

[61] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 142

[62] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 26

[63] ) رواه مسلم ج 4 ص 2001 رقم 2589

[64] ) فتح الباري ج10 ص 469 مع بعض التصرف

[65] ) رواه البخاري ج 1 ص 20 رقم 30

[66] ) رواه البخاري ج 5 ص 2052 رقم 5049

[67] ) رواه البخاري ج19 ص 95 رقم 5666

[68] ) رواه البخاري ج 5 ص 2254 رقم 5721

[69] ) رواه مسلم ج 2 ص 1114 رقم 1480

[70] ) التحرير والتنوير ج26 ص 212

[71] ) رواه أبو داود ج13 ص 22 رقم 4235 وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن أبي داود  ج10 ص 378

[72] ) تفسير القطان ج3 ص 263

[73] ) رواه أحمد ج15 ص 51 رقم 7010

[74] ) رواه مسلم ج12 ص 498 رقم 4707

[75] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 152

[76] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[77] ) رواه أبو داود ج11 ص 434 رقم 3793 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 359

[78] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 34 رقم 4017 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 372 رقم 3253

[79] ) رواه مسلم ج12 ص 496 رقم 4705

[80] ) رواه مسلم ج13 ص 4 رقم 4713

[81] ) رواه البزار ج2 ص 285

[82] ) رواه البخاري ج10 ص 88 رقم 2720

[83] ) رواه البخاري ج11 ص 296 رقم 3218

[84] ) رواه أحمد في مسنده ج 5 ص 411 رقم 23536 وحسنه الألباني انظر : غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام – ج1 ص 188 رقم 308 لمؤلفه : محمد ناصر الدين الألباني - الناشر : المكتب الإسلامي – بيروت - الطبعة : الثالثة - 1405

[85] ) رواه الترمذي ج11 ص 73 رقم 3193 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 108 رقم 2608

[86] ) أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني ج1 ص 61

[87] ) رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 129 رقم 12329 وصححه الألباني بطرقه وشواهده انظر الجامع الصغير ج 1 ص 453 رقم 4523

[88] ) رواه مسلم ج 3 ص 1452 رقم 1820

[89] ) رواه مسلم ج 3 ص 1451 رقم 1818

[90] ) شرح النووي على مسلم

[91] ) رواه مسلم ج3 ص 1451 رقم 1819

[92] ) تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 239

[93] ) رواه البخاري ج 6 ص 2612 رقم 6723

[94] ) رواه الترمذي ج 4 ص 209 رقم 1706

[95] ) مصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 335 رقم 26642 وقد ضعف الألباني رواية الترمذي ج 4 ص 599 رقم 2392 بهذا اللفظ دون اللفظ الأول حيث صححه

[96] ) رواه البخاري ج 3 ص 1028 رقم 2639

[97] ) رواه البخاري ج2 ص 620 رقم 1654

[98] ) عوامل انتشار الإسلام في آسيا أندونيسيا أنمودج - الدكتور عادل محيي الدين الألوس-نائب عميد كلية الآداب ـ جامعة ذمار ـ اليمن

[99] ) رواه البخاري ج 4 ص 1729 رقم 4412

[100] ) فتح الباري ج6 ص 415

[101] ) رواه البخاري ج2 ص 620 رقم 1654

[102] ) فتح الباري ج3 ص 576

[103] ) رواه أبو داود ج 2 ص 512 رقم 4291  وصححه الألباني

[104] ) عون المعبود في شرح سنن أبي داود الحديث السابق الإشارة إليه

[105] ) رواه مسلم ج9 ص 150 رقم 3261

[106] ) رواه أبو داود ج13 ص 107 رقم 4293 وصححه أبو داود : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 444

[107] ) جمع الجوامع للسيوطي ج1 ص 1630

(الديلمى عن مهران وله صحبة . (1/268 ، رقم 212) . حديث الحسن المرسل : أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب الحلم (ص 58 ، رقم 75)  قال المناوى (1/262) : إسناده جيد .

 

  • الثلاثاء PM 01:15
    2026-04-07
  • 59
Powered by: GateGold