المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1897089
يتصفح الموقع حاليا : 303

البحث

البحث

عرض المادة

فقه التمييز بين الحسن والقبيح أساس كل الفقه وإبطال كل صور الديمقراطية القائمة على أهواء الأغلبية وإن ضلت

د / احمد نصير

فقه التمييز بين الحسن والقبيح  أساس كل الفقه

وإبطال كل صور الديمقراطية القائمة على أهواء الأغلبية وإن ضلت

 

قال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)

 

ففي قصة الوليد بن أبي معيط لما نقل خبرا مغلوطا عن أناس أبرياء يتهمهم بمحاولتهم قتله ، اهتاج بعض الصحابة واغتاظوا له وتأهبوا للنيل من بني المصطلق دون تبين ويتثبت ، ولم يتسرع بتسرع هؤلاء النفر ، بل التزم منهج الله ، وهو الإيمان ، فكل طريق يحقق العدل هو شرع الله ، وهو الفطرة التي زينها الله في قلوب المؤمنين .

 

أما التشدق بالديقراطية والاعتماد على رأي الأغلبية في كل نازلة أفسد دين الناس ، لأن الديمقراطيين يزعمون أنهم يسيرون وفق رأي الأغلبية ، ليحصل في المجتمع الوئام ويسود الاستقرار ، وهم في الحقيقة يكرسون لمبدأ الرأي الواحد ، وهو رأي الطبقة المسيطرة ، أو الرأي الفرعوني ، (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر 29) ففرعون كان يعتمد على صورة مزيفة من صور الديمقراطية بدليل قوله (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) (26) أي أنهم يطلب من شعبه أن يفوضه في قتل موسى ويشرعن له هذا الحق ، ومبرره في ذلك (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر 26) ، من هنا نجد أن الديمقراطية كفكرة خاطئة وكتطبيق وممارسة باطلة .

 

 قال أبو جرير الطبري في قوله ( أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه) واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله ل- يخاطب أصحاب نبيّ الله r - فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره أخباركم، ويعرّفه أنباءكم، ويقوّمه على الصواب في أموره

وقال في قوله (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ) (لو كان رسول الله r يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم لعنتم)

وفي قوله (لَعَنِتُّمْ) أي : لنالكم عنت، يعني الشدّة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: إنهم قد ارتدّوا، ومنعوا الصدقة، وجمعوا الجموع لغزو المسلمين، فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم، كان قد قتل، وقتلتم من لا يحلّ له ولا لكم قتله، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحلّ له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين، فنالكم من الله بذلك عنت)[1]

 

ذلك أن الديمقراطية كفكرة تصطدم -في الأساس- مع حق الله تعالى في التشريع ، وهو حق مستمد من صفة الألوهية التي لا يجوز أن ينازعه فيها أحد ، قال الله تعالى) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ))يونس 59( ، وقال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه) (الشورى 21) ، فما حكم الله وقضى رسوله لا يجوز للعقل البشري أن يخالفه ، قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب 36).

 

وفي التطبيق العملي ثبت أن الديمقراطية لم تحقق الأسس التي استندت عليها ، وذلك حينما يشتري أصحاب النفوذ والأموال أصوات الأغلبية لقدرة أصحاب النفوذ والأمور على احتكار احتياجاتهم الأساسية ، مثل حاجاتهم للتوظيف والعمل والكسب ، من هنا ثبت فشل نظرية الديمقراطية من حيث التطبيق العملي ، لاسيما وأنهم بتلك الطريقة يمررون القوانين والتشريعات التي تخدم مصالحهم هم ، وهي بعيدة كل العبد عن الصالح العام ، بل تزيد من الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد ، وتظل السلطة والنفوذ والمال حكرا على هؤلاء يتداولونه فيما بينهم .

 

 لكن الله تعالى عصم الصحابة بمتابعتهم للنبي r في المنشط والمكره ، وطاعتهم له فيما خالف هواهم ، قال ابن عاشور (الاندفاع إلى تحصيل المرغوب من الهوى دون تمييز بين ما يرضي الله وما لا يرضيه أثر من آثار الجاهلية من آثار الكفر والفسوق والعصيان)[2]، كذلك الانسياق وراء الصوت العالي ، والنظم السياسية التي ترجح رأي الأغلبية في كل القضايا حتى تلك التي حكم فيها الله ورسوله ، فليس ذلك إلا ضرب من الكفر والفسوق والعصيان ، وليس ذلك من الرشاد الذي أتاه الله لمن أنعم عليهم وأرشدهم لطاعته واجتناب معصيته ، فليس الرشاد إلا استقراء الحق من خلال النظر في شرع الله واستنباط أحكامه ، لا من خلال تغليب رأي الأكثرية من أصحاب الأهواء على رأي أمثلهم ممن هم على الحق وإن كانوا أقلية ، فمن عرف الحق التزمه ولا يضيره مخالفة الناس له ، (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

 

قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ..) (7) حض على ضرورة توحيد القيادة والالتفاف حولها ، لاسيما إذا كان مصدرها الوحي الإلهي ، أي رسول الله r المبلغ عن ربه ، أو العلماء الربانيين الذين يبلغون عن الله ورسوله ، وهو ما يعني عدم التأثر بالشائعات ، الأمر الذي يكون سببا للفرقة والخروج على الحق ، يقول النبي r (أطيعوني ما كنت بين أظهركم وعليكم بآيات الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه)[3].

 

والآن النبي r ليس بين أظهرنا بشخصه ، وليس فينا بجسده ، ولكن سنته لاتزال مطبقة فيمن ورث عنه هذا الدين ، قال رسول الله r (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)[4].

 

إذن العبرة ليست بوجود رسول الله r بشخصه ، فقد مات ، وإنما بكلامه وما بلغه عن ربه ، فإذا وجد حكم الله في المسألة أو النازلة فلا ينبغي الالتفات عنه لقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(النساء/65) ، فلا ينبغي للمسلمين أن يتحاكموا لغير منهج رسول الله r وهو القاضي بينهم .

 

قوله (..لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ..) (7) قال البيضاوي (أي لوقعتم في الجهد من العنت ، وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإِيقاع ببني المصطلق)[5] ، قال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام 116) أي لا ينبغي الانسياق وراء العواطف أو الطلبات الملحة ما لم تنضبط الأمور وفقا لقاعدتين أساسيتين في فقه السياسة الشرعية ورعاية الأمة : -

 

 الأولى : ضرورة استصحاب أصل البراءة المفترض في كل إنسان حتى يثبت الدليل بعكس ذلك ولا يجوز أخذ الناس بالتهمة ، يقول النبي r (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) [6]، ففي سبب نزول الآيات –كما ذكر ابن أبو حاتم – أن النبي r  أمر بإحضار الحارث الذي كان يجمع الزكاة من بني المصطلق ليستفهم منه ، فيسأله عن اتهام الوليد له بأنهم هموا بقتله ، لكنه أنكره ، ولو لم يكن النبي r قد تبين وتحقق الأمر ، وسارع في الحماسة مع هؤلاء المتأهبين من الصحابة ، لوقعوا جميعا في دم هؤلاء الأبرياء ، ولظهر العنت فيهم ، ولكن الله أرشدهم للحق .

 

الثانية : ضرورة احترام قادتنا وعلماءنا ومن وُلُّوا علينا ، والتروي وعدم استعجالهم في اتخاذ قراراتهم ، يقول النبي r (التأني من الله والعجلة من الشيطان) [7] ، أما الاستعجال وعدم مشاورة أولي الأمر وانتظار رأيهم أو قراراتهم فليس ذلك من الإيمان ، بل إن ذلك لهو أول باب للمفسدة ، ولا يوصد هذا الباب إلا بالتزام هذين الضابطين ، التثبت والتبين والالتفاف حول أولي الأمر وعدم عصيانهم ، وثباتهم هم أنفسهم على الحق وعدم الركون للشائعات والمحفزات دون تحري أو تبين .

 

إذن من العنت والمشقة أن يصير الأمر بين الناس بنظر الأغلبية مجردا من اتباع السنة ، حتى وإن كانت هذه الأغلبية هم صحابة النبي r ، ولكن لابد من اتباع الحق باتباع العلماء الذي ورثوا العلم عن النبي r .

 فعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ قَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) قَالَ هَذَا نَبِيُّكُمْ r يُوحَى إِلَيْهِ وَخِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ –أي الصحابة أئمة الهدى - لَوْ أَطَاعَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ – أي لو أطاعهم النبي r - لَعَنِتُوا فَكَيْفَ بِكُمْ الْيَوْمَ)[8]، فالآية بينت أن كثير من الأمر لو كان يتداول بين الصحابة وينتهي الأمر بأغلبية الآراء لوقعوا جميعا في المشقة والعنت

 ما يعني أن العقل الجمعي وإن كان أفضل من العقل الفردي إلا أن القصور منسوب له ، بل إن أغلب ما ينتهي إليه هو العنت والمشقة في أكثر المسائل ، ولذلك رفع الله عن البشر مؤنة التفكير في كثير من الأمور وحكم فيها بحكمه ليخفف عنهم عبء التفكير في المسألة ، وليس عليهم غير استقراء الأحكام الشرعية واستنباطها من النصوص المقدسة (الكتاب والسنة) .

 

وقد بلغ المسلمون من العنت مبلغه في الفتنة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه حينما اختلفوا عليه واستعجلوا أمره في القبض على قتلة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وتقديمهم للقصاص ، وقد كان ذلك الأمر يحتاج لاستيضاح وتحقيق ، فقد روت الآثار أن (أبو الدرداء وأبو أمامة دخلا على معاوية فقالا له يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل ؟ يقصدان عليا رضي الله عنه -  فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما وأقرب منك إلى رسول الله r ، وأحق بهذا الأمر منك ، فقال أقاتله على دم عثمان ، وإنه آوى قتلته ، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام ، فذهبا إلى علي رضي الله عنه فقالا له ذلك فقال هؤلاء الذين تريان – أي أشار إليهما لينظرا إلى من قتله - فخرج خلق كثير فقالوا كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا ، فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حربا)[9] .

 

 وهكذا يقيس كل واحد الأمر برأيه دون أن يرجع لمركز القيادة الإسلامية ، فاستعجال القصاص يكاد يكون مستحيلا حين يتبارى القوم بقولهم (كلنا قتلة عثمان) ، أي أن القصاص في هذا الوقت يفتح باب الفتنة بين المسلمين ويجعل المسألة تؤول إلى مقتلة عظيمة ، ولذلك لم يكن من أمر علي رضي الله عنه إلا أن أرجأ القصاص من هؤلاء القتلة حتى تستقر الأوضاع ويعزل الولاة في الأمصار ويقوم بإعادة هيكلة لقيادات الدولة ، بيد أن الأحداث كانت أسرع منه ، وقدر الله نافذ ، فوقعت الفتنة ووقع المسلمون في العنت .

 

 تحكي كتب التاريخ عدد قتلى المسلمين حين قاتل بعضهم بعضا في معركة الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة [10] رضي الله عنهما ، ولم يكن الأمر بيد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ولا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وإنما كان لكل منهما أنصاره ومؤيدوه فاقتتل الأنصار والمؤيدون بجهل ودون علم ولم يكن في الإمكان ردهم بعد أن صارت فتنة ، فلو لم يكن في قدرة علي أن يوقف جيشه ولا في قدرة عائشة ذلك ، وقد حرش بينهما المنافقين إلا بعد أن وقع هذا العدد من القتلى .

 

قوله (..وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) (7) سمى المولى سبحانه اتباع سنة النبي r بالإيمان ، (ذلك أن الإيمان ليس مجرد إثبات الألوهية لله تعالى دون الالتزام بأحكامه)[11] ، فلا يمكن إدعاء الإيمان دون اتباع نهج النبي r وسنته ، فجعل التثبت والتبين قبل توجيه الاتهام من الإيمان ، وجعله مزين في القلب ، أي موافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، قال ابن عاشور (بمعنى جعله زينا، فالتفعيل للجُعل لأنه حسن في ذاته)[12] .

 

أي أن الحسن هو ما وافق الفطرة ودل عليه الشرع ، كما قال النبي r (الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ)[13] ، يقول الإمام بن القيم (الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذى به قامت السماوات والأرض ، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ، ونفي غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها ، بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين) [14].

 

قوله (..وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ..) (7) فالناس قبل الإسلام كان يقتل بعضهم بعضا ، وتغير القبائل بعضها على بعض ، فلما جاء الإسلام حقن الدماء وأرشدهم إلى الحق والأخوة والعدل والمساواة ، ووصاهم النبي r ألا يرجعوا بعد وفاته r إلى ما كانوا عليه من الجاهلية من عدم التثبت وعدم التبين والتحقيق في المسائل ، وألا يرجع بعضهم ليضرب رقاب بعض كما كانوا يفعلون في الجاهلية ، يقول النبي r (فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)[15] ، فليس من السهل على المسلم أن يقتل أخاه بعد أن دخل الإسلام وحبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان ، فلا يعود للقتل مرة أخرى ، لكن استمرار الحال من المحال فخير القرون قرن النبي r ثم الذي بعده ثم الذي بعده ، وكلما مر زمان كان الذي بعده أسوأ منه .

 

قوله (.. أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (7) قال الطبري أي (السالكون طريق الحق)[16] ، ذلك أن القرارات الحاسمة والهامة والأمور التي تخص الصالح العام لا يفهمها ويعقلها إلا الراشدون العاملون بالسياسة الشرعية ، التي يفرقون بقواعدها بين الخبيث والطيب ، بين الإيمان والكفر.

 

 قال حقي أى (ففى الآية عدول وتلوين حيث ذكر أولها على وجه المخاطبة "حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم" وآخرها على المغايبة "هم الراشدون" حيث قيل أولئك هم الراشدون ليُعلم أن جميع من كان حاله هكذا فقد دخل فى هذا المدح)[17].

وقال الصابوني (وهذا الالتفات من المحسّنات البديعية كما قرّره علماء البلاغة ، كما قرّره علماء البلاغة ، ويقصد به التعظيم أي هؤلاء الذين حبّب الله إليهم الإيمان ، وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق العصيان ، هم الذين بلغوا أرفع الدرجات وأعلى المناصب ، ونالوا هذه الرتبة العظيمة ( رتبة الرشاد ) فضلاً من الله وكرماً)[18].

وقال الألوسي (الرشد ههنا يستلزم كونه تعالى شأنه مرشدا، فإن التحبيب والرشد من فضل الله تعالى وإنعامه)[19]

 

قوله (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ..) (8) قال النيسابوري (الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير)[20]

 

قال ابن عطية (فضلا) : مصدر مؤكد لما قبله ، فهو بمعناه ، أي (هذا التحبيب والتزيين)[21]، قال الطحاوي (أخبر عز وجل بما تفضل به عليهم مما ألقاه في قلوبهم (التحبيب والتزيين) للإيمان ، فيحمدونه على ذلك ، ويأجرهم ويثيبهم)[22].

 

قوله (..وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (8) أي عليم بمن يستحق فضله. ولأنه حكيم فهو لا يضعه إلا في المحل الذي يستحق)[23].

 

 

[1] ) تفسير الطبري ج22 ص 289

[2] ) التحرير والتنوير ج26 ص 197

[3] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج18 ص 38 رقم 14774 وصححه الالباني : الجامع الصغير 1/192 ، السلسلة الصحيحة2/458

[4] ) رواه البخاري ج22 ص 42 رقم 6604

[5] ) تفسير البيضاوي ج5 ص 213

[6] ) رواه مسلم ج 3 ص 1219 رقم 1599

[7] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 10 ص 104 رقم 20057 ، وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة ج 4 ص 404 – وحسنه في صحيح الترغيب والترهيب ج 2 ص 113 رقم 1572 ، وضعف رواية الترمذي بلفظ (الأناة) وليس (التأني) .

[8] ) رواه الترمذي ج11 ص 72 رقم 3192 صححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 107 رقم 2607

[9] ) البداية والنهاية ج 7 ص 260

[10] ) تاريخ الطبري ج 3ص  58

[11] ) في هذا المعنى ابن عاشور : التحرير والتنوير ج26 ص 197

[12] ) التحرير والتنوير ج6 ص 266

[13] ) رواه أحمد ج36 ص 438 رقم 17315 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 151 رقم 1734

[14] ) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله بدائع الفوائد ج 3 ص 674 – - الناشر : مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة الطبعة الأولى 1416 هـ ، وانظر كذلك ابن القيم في الطرق الحكمية ج 1 ص 19

[15] ) رواه البخاري ج 2 ص 619 رقم 1652

[16] ) تفسير الطبري ج22 ص 290

[17] ) تفسير حقي ج17 ص 486

[18] ) تفسير آيات الأحكام ج1 ص 539

[19] ) روح المعاني ج26 ص 149

[20] ) تفسير النيسابوري ج7 ص 42

[21] ) المحرر الوجيز ج6 ص 168 البحر المحيط لابن حيان ج10 ص 119

[22] ) بيان مشكل الآثار ج9 ص 118 مع بعض التصرف

[23] ) الدكتور " طه حامد الدليمي

  • السبت PM 12:51
    2026-04-04
  • 69
Powered by: GateGold