المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1897089
يتصفح الموقع حاليا : 303

البحث

البحث

عرض المادة

منطلقات الفتح الإسلامي في سورة الفتح

د / احمد نصير

منطلقات الفتح الإسلامي

في سورة الفتح

 

يبدو صلح الحديبية هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله سورة الفتح ، مما غلب عليها الطابع العسكري مثل سورة القتال (محمد) ، فقد خلتا من مقدمة ، وقد سميت بهذا الاسم (الفتح) ، رغم أن شروط هذا الصلح لم تكن – في الظاهر - لصالح النبي r بل على العكس من ذلك ، فقد ظن الصحابة فيه خذلانا وذلة للمسلمين ، وقد خطَّأ القرآن ظنهم وسماه فتحا مبينا باعتباره توطئة لكل فتح جاء بعد ذلك ، فبهذا الصلح اعترفت قريش لأول مرة بشرعية محمد r كرئيس لدولة المدينة المنورة ، وبدأت حوار سياسي معه بهذا الاعتبار ، فضلا عن تحول الصراع بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة من الصراع العسكري إلى السياسي ، فكان ذلك بمثابة  فتح عظيم تقدمت به الدعوة الإسلامية خطوة كبيرة في إطار نشر عقيدة التوحيد ، بل وأزيلت كثير من الحواجز دون دخول الناس لدين الإسلام بعد هذا الصلح .

 

فعن عطاء قال: خرج النبي r معتمرا في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار، حتى أتى الحديبية فخرجت إليه قريش فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال فبايع النبي r أصحابه - وعدتهم ألف وخمسمائة - تحت الشجرة وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبي r فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام ففعل فخرجوا إلى عكاظ، فأقاموا فيها ثلاثا واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف ولا تخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معك فنحر الهدي مكانه، وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل في تلك الأيام دخل مكة وجاء بالبدن معه وجاء الناس معه فدخل المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) وأنزل عليه (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) - الآية، فأحل الله لهم إن قاتلوه في المسجد الحرام أن يقاتلهم، فأتاه أبو جندل بن سهيل بن عمرو وكان موثوقا أوثقه أبوه فرده إلى أبيه)[1].

 

ومن جهة أخرى تطرقت السورة إلى حال المنافقين من هذا الصلح ، وموقفهم المخزي من الدعوة الإسلامية وعدم خروجهم مع النبي r إلى الحديبية حيث ظنوا أنهم سوف يواجه قريشا ، وأنهم لن يرجعوا بعد هذه المواجهة ، وأن قريش سوف تبيدهم وتستأصل شأفتهم فجزعوا وخافوا من الخروج مع النبي r ، فلما خاب ظنهم عادوا ليعتذروا للنبي r متذرعين بانشغالهم بإدارة شئون البلاد والتجارة وحماية أهلهم ، وأنهم لم يقدروا علي الخروج للجهاد لأنهم كانوا يقومون على إدارة اقتصاد البلاد وأمنها الداخلي ، لكن الله تعالى كشف حقيقة ما في صدورهم من كره للنبي r وأصحابه ومخالفة منهجه وسنته.

 

وقد طمع هؤلاء المنافقون في الخروج مع النبي r بعد صلح الحديبية لما لاحت لهم مغانم كثيرة كما حصل في غزوة "خبير" فطمعوا في تحصيلها وقد استشفوا أن تلك المغنم الكبيرة تلوح لهم ، لكن القرآن أدبهم ، وأعرب عن رفض النبي r مشاركتهم وعدم إجازته لجهادهم معه r بعدما فقدوا الثقة والأهلية لتلك المشاركة ، فغزوة خيبر ليست فرصة لتجديد الثقة بعد أن تخلفوا وقت الحاجة والضيق والشدة ، لكن الفرصة لتجديد الثقة سوف تأتي في غزوة لا مغنم فيها ، ولذلك يضعهم القرآن في الاختبار الحقيقي عندما يلاقون الروم في غزوة "مؤتة" ثم في غزوة "تبوك" فهو اختبار صعب تحدثت عنه سورة التوبة بالتفصيل ، فإن جاهدوا مع النبي r في مثل تلك الظروف فقد صدقوا وتجددت الثقة فيهم ، وإن تولوا كما تولوا في صلح الحديبية فلن يكونوا أهلا للثقة مرة أخرى ، إذ لا يلدغ مؤمن من جحر واحد مرتين .

 

وإزاء هذا الموقف المخزي للمنافقين يظهر المؤمنون في صورة مشرقة تؤكد صدقهم والتفافهم حول نبيهم في الهدف والمبدأ والمصير إذ يبايعونه تحت شجرة الرضوان نصرة دين الله حتى الموت ولا يبالون بانتقام قريش منهم ، عزموا ألا يرجعوا عن دينهم أبدا فثبتهم الله تعالى وأنزل السكينة عليهم ، واستعاض لهم بخيبر مغنما لهم بعد أن رجعوا عن مكة في صلح الحديبية دون أداء العمرة والحج وهم مكرهين ، فكان ذلك أول مغنم للمسلمين ينالوه من أعدائهم في خيبر ، وكف الله عنهم قريش بعد أن ظن المنافقون أنها سوف تفتك بالرسول r وأصحابه ، كما احتفظ الله لهم بفتوحات كثيرة ،قد وعدهم بها النبي r ، وصدَّقه الوحي ، من ذلك ملك كسرى وقيصر ، وقد استبعد المنافقون هذا النصر مستقبلا ، في الوقت الذي كان فيه الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون جيدا أن الصراع السياسي بين النبي r ومشركي مكة ليس لأجل إقامة دولة في مكة كما قامت في المدينة فحسب ، فقد كانت طموحات النبي r و كل أهل الحق تتعدى ذلك بكثير ، فالأمر ليس قاصرا على إقامة دولة إسلامية أو توسيع دائرة الإمارات الإسلامية ، وإنما اتسعت رؤية النبي r -والمؤيدة بالوحي- لأبعد من ذلك بكثير ، فقد كان يرى أن الدولة المسلمة سوف تنتصر لتصل إلى أكبر إمبراطورية في عصره وهي إمبراطورية الروم وكسرى وقيصر .

 

والسورة وهي تعرض أسباب هذا الفتح ، بينت لنا أنه لم يكن مجرد صدفة ، بل هو قدر الله وتدبيره ، فلولا أن الله كف أيدي المشركين عن المؤمنين ، وكف أيد المؤمنين عنهم لما أتى هذا الصلح ثماره ، والمسألة ليست مجرد خطأ سياسي وقع فيه المشركون ، فالذي حصل من الطرفين هو عين الصواب -حينئذ - ، فيخبرنا القرآن بأنه لو فُرض أن المشركين اختاروا خيارا آخر غير نقل الصراع من الإطار العسكري إلى السياسي ، واستمروا في سياسة الاضطهاد للنبي r وأصحابه محاولين النيل منه وقتله والانتصار عليه لما نجحوا في ذلك ، فالنتيجة – في هذا الفرض- سوف تكون مخزية لهم ، فلو واجهوا المسلمين حينها لولوا الأدبار ولسوف ينصر الله تعالى جنده وعبيده نصرا عسكريا مؤزرا .

 

ولكنها إرادة الله ومشيئته أن يستخرج من قريش أنفسهم مؤيدين وناصرين لهذه الدعوة ، وما فتح الله به على رسوله وصحابته ليس خاص بهم دون أمته من بعده ، وإنما هي سنة كونية سنها الله تعالى في كل زمان ومكان ، متى تحاب المسلمون وتبايعوا على الموت في سبيل الله ، فلن تقف أمامهم جيوش الكافرين ولو كثرت ، وستكون هذه لحظة الزحف الإسلامي لينشر الخير للعالم كله ، بل ويمن الله على المؤمنين بأن يزدادون بإقبال غير المسلمين عليهم فيدخلون الإسلام بعد أن كانوا محاربين (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة 7)

 

وقد منَّ الله على المؤمنين بهذا النصر كما منَّ على مشركي قريش بكف أيدي المؤمنين عنهم ، فليس أجمل من أن يعيش الطرفان في سلام مؤقت ، دون سفك الدماء ، ورغم أنهم آذاوا النبي r وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم دون وجه حق وطردوهم من أوطانهم وسلبوا ممتلكاتهم إلا أن لحظة السلم النهائي التي جاءت بعدها فتح مكة لم يفسد فرحتها انتقام أو شفاء للغليل ، فهنالك أعظم من ذلك ، وهو العمل على نشر الدعوة الإسلامية في كل الظروف رغم التضييق والاضطهاد والتشديد بين صفوف المشركين في السر وبلا حاجة إلى علانية ،لاسيما بعد أحداث غزوة الأحزاب ، فالضربات التي لا تقسم الظهر تقوي ، فقد آمن خلق كثير في السر في مكة قبل هذا الصلح ، ولم يكن يعلم بإسلامهم إخوانهم المسلمون ، لكن الله يعلمهم ، (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح 25) ، فكان في هذا الصلح حفاظا على دماء المسلمين الذين كانوا يسرون إسلامهم بين قريش ، واضطراد زيادة أعداد المسلمين بعد الصلح حتى جاء فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .

 

والمسلمون عندما خرجوا مع النبي r إلى الحديبية لم يكونوا ينوون قتالا وإنما خرجوا مسالمين لزيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحج والعمرة ، ولكنهم كانوا متجهزين للقتال في حال غدرت بهم قريش ، بيد أن المشركين سبقوا الأحداث ومنعوا النبي r وأصحابه من أداء هذه مناسك الحج والعمرة ، فلم يعاند النبي r معهم ، وإنما تحلل من إحرامه ، ونحر الصحابة ما معهم من الهدي الذي كانت نيتهم تتجه إلى ذبحه بمنى وتوزيع لحمه على أهل المكة ومن حولها كهدايا من المسلمين لأهل هذه البلاد ، ولكن الرد الذي قوبل به المسلمون من قريش كان فظا إذ منعوهم من دخول وطنهم لأداء مناسك شريعتهم ، ولولا هؤلاء المسلمون الذين يُسرون إسلامهم بين صفوف المشركين لشاء الله تعالى أن يسلط المسلمين على هؤلاء الكفار المعاندين لإنزال العذاب الأليم بهم ، ولكن الله تعالى شاء الصلح وأنزل السكينة على المؤمنين أن يعمدوا للصلح رغم إعلان المشركين حميتهم للجاهلية والانتقام من المسلمين بسبب قتلهم لزعماء قريش يوم بدر ، فثبت الله قلوب المؤمنين علي كلمة واحدة ألا وهي الصلح لا الحرب ، والتزموها ولم يحيدوا عنها ، ما يعني أنه متى قدر المسلمون على كف اليد وهم قادرون على أن يمدوا أيديهم بالقتل لهؤلاء المشركين فإن أهدافهم سوف تتحقق وآمالهم تقترب .

 

 وقد وعدت الآيات المسلمين بأنهم سوف يؤدونون مناسك شريعتهم في مكة كما أرادوا قريبا بإذن الله تعالى مسالمين ومقصرين رؤوسهم ومحلقين ، فيظهرون أمام الناس وهم يؤدون هذه المناسك في هيئة تدل على السلام العالمي ، حيث يبدو المسلمون في تواضع وهم يحلقون رؤوسهم في الحج أو العمرة ، فإذا اطمأنوا وهم يؤدون مناسكهم وعباداتهم ، فذلك إيذان بقرب نشر دعوة الإسلام إلى العالم وظهور هذا الدين على الدين كله .

 

واختتمت السورة بذكر صفات أصحاب النبي r الذين استعملهم الله لينشر الله هذا الدين وإظهاره على الدين كله حتى تكون هذه أوصاف من يأتي من بعدهم ليحملوا أمانة هذا الدين كما حملها الأولون ، فهم يجمعون رغم الشدة في الجهاد الحب والرحمة لبعضهم البعض ، وكذلك يجمعون بين سعيهم إلى الرزق وطلب العيش الالتزام بالصلاة في أوقاتها واقفين بين يدي الله ركعين وساجدين ، فبتلك الصفات ينتشر الإسلام كما ينتشر الزرع في بقاع الأرض ويعم به الخير ، فإذا كان الله فتح على رسوله وأصحابه الدنيا ، فإنه سبحانه يفتح على من اتبع سنتهم الدنيا والآخرة بالأجر العظيم والمغفرة والرضوان ، يقول النبي r (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . ثم قرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) [2] .

 

 

المحور الأول

بوابة الفتح إنزال السكينة على أهل البيعة

لتحويل الصراع العسكري إلى مفاوضات سياسية

 

قال تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)

 

قوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (1) (إن) أداة تأكيد بأن قدوم البشري بفتح مكة هو أمر يقيني وقطعي ، والاختصاص بالجار والمجرور (لك) ، يستشعره هو نفسه r بتلك البشرى في الوقت الذي تلى غزوة الأحزاب وقد ضيقت عليه الأحزاب الخناق ، كذلك أعيد تأكيد "الفتح" بالمفعول المطلق (فتحًا) المشتق من مادة الفعل (فتح) ، ووصف الفتح بأنه (مبينا) مؤكد لطبيعة هذا الفتح ، بأنه فتح مؤكد وظاهر وبين ، مجزوم به ، ولا شك فيه ، فهي بشرى حق من الله تعالى يبشر عباده المؤمنين بالنصر والظفر والفتح المبين ، فماذا فُتح للمؤمنين حتى يستبشروا كل هذه البشرى ؟ إن الله لم يفتح عليهم من كنوز الدنيا شيئا ولا من سلطانها ولا مناصبها ولا من ملكوتها شيئا ، بل فتح لهم قلوب قريش أن تخلت – أولا -  عن تصميمها وأد الدعوة الإسلامية ، واتخاذ الخيار العسكري ضد المسلمين لتجنح إلى السلم وتتخذ أسلوب التفاوض والتحاور مع النبي r وأصحابه وهم في طريقهم إلى مكة قاصدين الحج والعمرة

 

قال أبو الليث السمرقندي (ومعنى الفتح الهداية إلى الإسلام)[3]،وقال ابن عاشور (المراد بالفتح "صلح الحديبية" تشبيها له بفتح مكة لأنه توطئة له ، فعن جابر بن عبدالله " ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية " يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد) [4]، وعن ابن شهاب (لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس) [5].

 

فلما رأى المسلمون أن النبي r قد صالح قريشا على شروط ظنوا - في أول الأمر - أنها لصالح قريش أكثر مما هي في صالح المؤمنين ساءت حالتهم المعنوية شيئا ، لا سيما وأنهم لن يُكملوا عمرتهم ، فظنوا أن في ذلك هزيمة سياسية لهم دون خوض غمار الحرب ، لكن الله تعالى أكد لهم بما قطع الشك أن ذلك نصر وفتح مبين وليس كما يظنون الدنية والضعف .

 

 والمثال الذي أثار حفيظة المؤمنين وحميتهم هو رفض النبي r إدخال أبا جندل بن سهيل بن عمرو في حمايته نزولا على شروط صلح الحديبية ، وذلك لما خرج مسلما من بين مشركي مكة وأتى النبي r ، وقد عاهد النبي والده وكان ممثلا لقريش على (أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) فقَالَ الْمُسْلِمُونَ (سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا) فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ –مندوب قريش - هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ –ابنه مسلم والأب لم يكن قد أسلم ومازال على الكفر - فَقَالَ النَّبِيُّ r  إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ r فَأَجِزْهُ لِي قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلَى فَافْعَلْ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ r فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ r وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ)[6] أي لا تستعجل الطواف بالبيت هذا العام ، فوعد النبي r حاصل ولكن ليس هذا العام .

 

فالصحابة في مثل هذه الظروف كانوا بحاجة إلى تأييد إلهي ، وبشرى بأنهم على الحق وأنهم منصورون ، فسمى صلح الحديبية "فتحا قريبا" باعتباره توطئة لفتح مكة عما قريب ، فهذا الصلح  أول بشائر النصر المظفر والفتح المبين الذي به يدخل الناس في دين الله أفواجا ، وبالفعل فقد فتح الله – بعد صلح الحديبية – على نبيه مكة .

 

والنبي r لم يدخل مكة عنوة وإنما دخلها وهو مطئطئ الرأس متواضعا ومتسامحا معلنا الأمن والأمان لكل من فيها ، ولم يكن بين صلح الحديبية 6 هـ وفتح مكة 8 هـ غير سنتين فقط ، استطاع خلالهما النبي r التحرك بحرية ليرسل الرسائل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وكسرى ملك فارس وقيصر ملك الروم ولملوك القرى المجاورة فأرسل برسالة إلى ملك اليمامة ورسالة إلى ملك عمان ورسالة إلى ملك دمشق ...الخ ، فكانت رسائل النبي r تجول هنا وهناك .

 وليس هذا فحسب بل إنه استطاع خلال هاتين السنتين أن يحقق استقرارا أمنيا داخليا عندما أدب يهود خيبر الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وكذلك القبائل الأخرى مثل "نجد" فخرج إليهم في غزوة "ذات الرقاع" ، وكما استطاع – بفضل الله وحده - أن يثبت أقدام المسلمين في شبه الجزيرة العربية كما استطاع كذلك – بفضل الله تعالى وعونه – أن يرد على إيذاء الروم الذي ضربوا عنق رسول رسول الله إليهم فبعث إليهم جيش من المسلمين في "مؤتة" مما كان له أكبر الأثر في حماية بلاد المسلمين من أي تهديد خارجي من أقوى امبراطورية كانت قائمة حينئذ وهي الروم ، ولم يبق له إلا فتح مكة الذي مَنَّ الله به علي رسوله ، ففتحها صلحا لا عنوة ، ونزل قوله سبحانه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .

 

قوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (3) التعليل للفتح المذكور بعدة أسباب تمثلت في ( المغفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب – إتمام النعمة – الهداية إلى الصراط المستقيم – النصر العزيز) تلك هي بشريات الفتح المبين .

 

فعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[7]

 

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)[8].

أولا : قوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ..) (2) : المخاطب به النبي r باعتبار أن التقصير سمة بشرية حتى وإن كان شخص النبي  r ، وذلك بترك الأولى ، كانشغال نبي الله سليمان بالخيل عن ذكر ربه – أذكار المساء – وكانشغال النبي r بدعوة المشركين عن عبد الله بن أم مكتوم ، فهذا يسمى ذنبا مجازا في حق أكمل البشر ، قال القاسمي (وتسميته ذنباً ، بالنظر إلى منصبه الجليل) وذلك في حق الأنبياء .

 

 كذلك فإن النقص في المخلوق حتم مؤكد ، ولن يقدر مخلوق ولا نبي مرسل أن يقدر الله حق قدره من العبادة ، قال تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر 67) ، فشرع الاستغفار لهذا التقصير .

 

قال ابن تيمية (وَالْعَبْدُ لَهُ فِي الْمَقْدُورِ " حَالَانِ " حَالٌ قَبْلَ الْقَدَرِ ، وَ" حَالٌ " بَعْدَهُ ، فَعَلَيْهِ قَبْلَ الْمَقْدُورِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَهُ ، فَإِذَا قُدِّرَ الْمَقْدُورُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ أَوْ يَرْضَى بِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ نِعْمَةٌ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .

 وَلَهُ فِي الْمَأْمُورِ " حَالَانِ " : حَالٌ قَبْلَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الِامْتِثَالِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَالٌ بَعْدَ الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ التَّقْصِيرِ وَشُكْرُ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ)[9].

 

فأكرم الله نبيه محمد r بأن غفر له ذنبه وخصه بذلك ابتداء ثم عمم هذا الفضل والكرم على جميع أصحابه فقال (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ..) (الفتح 5).

 

فلما علم النبي r بهذا الفضل والكرم استبشر ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ r عَلَيْهِمْ فَقَالُوا هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ)[10].

 

ولعل في ذلك إشارة إلى تخلي الصحابة عن حمية الجاهلية التي كانت لا تزال عالقة عند أذهان بعضهم ، فخصهم الله بهذا الفضل لالتزامهم الصلح مع قريش ، كدليل على الصفح والعفو والتسامح ونزع ما في صدورهم من غل ، كما في قوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)  (26) ، فمن أهم أسباب الفتح هو المسامحة والمغفرة وعدم العصبية والحمية والجاهلية ، فلو لم يملك المسلمون القوة النفسية القادرة على التسامح مع أهل مكة كما حصل في صلح الحديبية لما قدروا على الفتح وتحمل هذه المسئولية بعد ذلك

 

وقد جاء الخطاب للنبي r وإن كان الثواب يعمه وأصحابه لأجل أن بعضهم تلكأ في تنفيذ أمر النبي r في الصلح ونحر الهدي ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْحَرُوا وَاحْلِقُوا قَالَ فَمَا قَامَ أَحَدٌ قَالَ ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ r فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ)[11] .

فمعنى أن النبي r والصحابة يحلقون رؤوسهم وينحرون هديهم أنهم يتحللون من الإحرام للعمرة ، وأنهم لن يذهبوا لمكة لأداء شعيرة العمرة ، هذا ما فهمه الصحابة ، ولذلك تلكئوا وامتنعوا عن التحلل في أول الأمر  ، يعزى ذلك لأجل لظنهم أنهم أقدر علي غلبة قريش لو منعوهم من أداء العمرة ، فمن اليسير أن يقاتلوهم طالما أنهم منعوهم من دخول ديارهم وأوطانهم وممارسة شعائرهم الدينية ، لكن الأنسب كان كظم غيظهم والصفح عنهم حتى يبرموا اتفاق الصلح مع المشركين ، فقد سمعوا وأطاعوا ، وتحللوا تأكيدا على رجوعهم للمدينة مرة أخرى وعدم إكمال عمرتهم حتى لا يصطدموا مع قريش ، من هنا استحقوا بهذا الصفح فتحا قادهم فيما بعد إلى فتح مكة .

 

إذن العلاقة حتمية بين الفتح والقدرة على الصفح والعفو ، فإذا لم يقدر المسلمون على الصفح والعفو فلن ينالوا فتحا مبينا ، وإن جاز أن يصيبوا نصرا فأنى لهم أن يأتيهم الفتح حتى يقدروا على ذلك ، فلما دخل النبي r مكة جاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال أبو سفيان قال رسول الله r (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن) [12]

 

 معنى ذلك أن النبي r دخل مكة كي يهدي لا لينتقم ، (فالنبي r لما أتى الكعبة أخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون وما تظنون ؟ قالوا نقول بن أخ وبن عم حليم رحيم قال وقالوا ذلك ثلاثا فقال رسول الله r أقول كما قال يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام) [13] ، إن طاقة المسامحة والمغفرة للآخرين هي طاقة إيجابية تستمد من إيمان المؤمن بالله بأنه مكلف بأن يهدي قومه ، لا أن ينتقم منهم ويثأر لنفسه أو لأصحابه ، فذلك هو الفتح المبين الذي  يمن الله به على جنده وعبيده ، تلك الطاقة الإيجابية التي تعني التسامح والمغفرة ، وهكذا يؤخر الله تعالى فتح مكة حتى تشفي صدور المؤمنين من حمية الجاهلية

 

ثانيا : قوله (..وَمَا تَأَخَّرَ..) (2) أي المغفرة لما تأخر من الذنوب : وذلك أشبه بصك الغفران ، لكن الأمر ليس كذلك ، الأمر الذي أثار التساؤل عن  حكم من لو غفر الله له ما يفعله في مستقبله ثم ارتكب جرما شديدا أيسقط الغفران الذي استحقه ،  فمن المنطقي أن يكون الجزاء على ما فات من العمل ، أما أن يأخذ المرء صك غفران لما لم يقدم بعد من العمل هذا ما يحتاج لتفسير .

 

 وللإجابة على هذا التساؤل يجب العلم أولا أن الحساب مع الله تعالى لا يجري بهذا المنطق ، فإذا قال الله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، فقد علم سبحانه – في علمه الأزلى - أن عبده قد صدق مع الله ، فإذا تقبله الله في الصالحين ، فإن الله يعلم أن من يدخل في الصالحين بالتوبة لا يخرج منها بالمعصية ، وضمن بذلك أن ينال الرضا على ما تقدم وما تأخر ، وذلك مثل ما رواه أبو هريرة عَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)[14].

 

قال ابن عاشور والمراد : (تعميم المغفرة للذنب ،... فلا يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب ، وإنما المقصود أنه تعالى رفع قدره رفعة عدم المؤاخذة بذنب لو قدر صدوره منه)[15] ، والمعنى أن الذي صدق مع الله تعالى سلم صدره من الغل والحسد وأخلاق الجاهلية وملك العفو عند المقدرة ، فإنه سوف يستحق الفتح الذي ينال به التمكين في الأرض ، وقد قال الله تعالى في شأن أهل التمكين (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج 41) ، أي لا خوف عليهم من أن يفسدوا ما أصلحوه بعد التمكين ، فهؤلاء الذين إن مُكنوا في الأرض - وقد غفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر - سوف يكونون على العهد ولن ينكثوا بعده ، أي أنهم سوف يفعلون من الطاعات بعد الفتح مثل ما كان يفعلونه قبل الفتح ، فعن المغيرة بن شعبة يقول:  كان النبي r يصلي حتى ترم أو تنتفخ قدماه فيقال له - غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر[16] - فيقول (أفلا أكون عبدا شكورا) [17] .

 

ثالثا : قوله (..وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) (2): ونظير ذلك قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، هذا يعني  (إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام قريش ، وخلاص بلاد الحجاز كلها للدخول تحت حكمه وخضوع من عانده وحاربه ، فذلك ما وُعد به الرسول r في هذه الآية وحصل بعد سنين)[18] ، فهذا منتهى أمل النبي ، يقول النبي r (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو بذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي) [19]، فهو أحرص الناس على نجاة قومه من النار ، وزاد القرآن توصيفا لحرص النبي r على قومه فقال سبحانه (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (8) .

 

رابعا : قوله (..وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (2) قال السهيلي إن قوله تعالى "ويهديك صراطا مستقيما" (نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله أعلم فأنزل الله على رسوله هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما في الدين ، وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة)[20]

 

وقال ابن تيمية (وهذه الهداية الخاصة التي أعطاه إياها بعد فتح الحديبية أخص مما تقدم فإن السالك إلى الله لا يزال يتقرب إليه بشيء بعد شيء ويزيده الله هدى بعد هدى وأقوم الطريق وأكملها الطريق التي بعث الله بها نبيه محمدا كما قال تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )[21] ، فالمسلمون يحتاجون بعد الفتح إلى استمرار هداية التوفيق من الله تعالى للاستمرار على درب التمكين والاستخلاف في الأرض والقيام بواجباته ، يقول ابن عاشور (وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبي r من وقت بعثته ،ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين ، مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم)[22] .

 

 فكم حلم المسلمون بإظهار دين الله تعالى ، فإذا ما أضحى الحلم حقيقة صار الخطر الذي يتهدد الدعوة من أصحاب الدعوة أنفسهم إذا لم ينتبه المسلمون في هذه المرحلة من الدعوى إلى مستجداتها ، ولم تكن لديهم القدرة على استيعاب المسلمون الجدد ، ولا استيعاب من يدخلون في رعايتهم من أهل الملل ، ولا ستيعاب تشغيل الموارد الجديدة ، ولا القدرة على تحدي المخاطر التي لم تكن في حسبانهم ، لاسيما تقسيم الغنائم وتعيين الولايات ، فهنا قد يحصل تنازع بينهم ، فهم في هذه المرحلة أحرى بالهداية على الصراط المستقيم ، يقول سبحانه (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (46) ، ويقول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)[23] ، فقد كانت الصعوبات قبل الفتح التي تعترض الدعوة من الخارج أي أن الخطر يتهدد المسلمين من أعداء الله المشركين ، أما بعد الفتح فالمسلمون - وفي هذه المرحلة –أحرى بالتماس أسباب الهدي من الله حتى لا يكونوا نموذجا مسيئا وغير مشرف لحمل راية الإسلام والتحدث باسمها والدفاع عنها.

 

خامسا : قوله (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (3) : أي نصرا يعز الله به الإسلام وأهله ، فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلي ، فلا يقدر الكفار علي فتنة المسلمين في دينهم وحملهم على الكفر كرها ، بل يأمنوا على أنفسهم حيث يظهرون عقيدتهم في الله للناس جميعا ، ويمارسون شعائرهم الدينية في علانية دون خوف من أن يصدهم صاد عن سبيل الله ، وقد مُنع النبي r عام الحديبية من أداء شعيرة العمرة ، ثم هو يعود –بعد ذلك - في فتح مكة ليأمر المؤذن أن يؤذن في بيت الله الحرام ويكبر المصلون ، ليعلن للعالم كله أن مكة هي مركز الدعوة الإسلامية العالمية ، يقول النبي r (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) [24] ، أي لا حاجة لهجرة المسلمين بعد فتح مكة ، فقد ولى زمن الاستضعاف ، قال ابن حجر (أي فتح مكة) قال الخطابي وغيره (كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا ، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة ، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو ، وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )[25] .

 

قوله (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ...) (4) لا تزال معية الله بالمؤمنين تحيط بهم ،  وتمدهم بمدد الإعانة والتوفيق والتثبيت التي يحتاجها المسلمون حتى يصلوا إلى مرحلة الفتح المبين .

 لاسيما وقد صدموا لما علموا باتفاقية الحديبية ، وقد خرجوا مع رسول الله r وبايعوه على عدم الفرار - في الوقت الذي تخلف عن الخروج معه كثير من المنافقين لظنهم أن النبي r وأصحابه لن يرجعوا مرة أخرى للمدينة نظرا للمواجهة المتوقعة مع قريش - لكن الصحابة ثبتوا مستعدين للقتال معه حتى الموت إن اضطروا لذلك ، فإذا بالنبي r يفاجئهم بقرار الصلح مع المشركين ووفق شروطهم التي اعتبرها كثير من المسلمين انتقاص من حقوق المسلمين الأساسية وحقوق إخوانهم الذين أسلموا حديثا ، فنزل الخبر عليهم كالصاعقة ، كيف بهم يستعدون للقتال والحرب ثم تنقلب الأحوال فجأة ويوجههم النبي r للصلح والسلم ، بل والتنازل عن بعض حقوقهم وحقوق إخوانهم الأسرى التي تتفق الآن جميع المواثيق الدولية على الاعتراف بها ، ومنها الحق في اللجوء السياسي .

 

 حيث جاء في صحيفة الحديبية (من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم) [26] ، وهذا معناه –في الظاهر - أن النبي r لن يقدر على نصرة من يسلم مستقبلا من قريش بغير إذنها ، ثم بعد ذلك يسمى القرآن ما تقدم  بالفتح المبين ، شتان بين من تهيأت نفسه للقتال ثم يُطلب منه أن يكبت هذه الطاقة المدمرة ويستبدلها بطاقة إيجابية تتسم بالصلح والعفو والمسامحة بل والتنازل أحيانا عن بعض الحقوق الأساسية  ، هنا وهنا وحسب لابد من أن ينزل الله سكينته على المؤمنين ، فتؤيدهم وتثبتهم على طاعة رسول الله r  ، فأنزل الله سكينته علي قلوب المؤمنين حتى يسمعوا ويطيعوا لنبيهم .

 

 ولذلك فإن كتب الحديث تحكي لنا ماذا حدث حينما عدل النبي r عن الحج والعمرة عام الحديبية نزولا منه على شروط قريش وأراد أن يحلق رأسه وينحر هديه إماءة منه إلى أنه لن يدخل مكة هذا العام ، قال الزهري : (لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله r لأصحابه ( قوموا فانحروا ثم احلقوا ) ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة – أم المؤمنين- فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة يانبي الله أتحب ذلك اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك – وهذا معناه التحلل من الإحرام للحج - ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما) [27]، هنا تبدل الغم والحزن إلى سكينة وثبات وثقة بنصر الله تعالى ووعد نبيه r بفتح مكة ، فازداد الصحابة إيمانا مع إيمانهم ، فهم في الأصل مؤمنون بنصر الله تعالى ، ولم يقل إيمانهم بهذا النصر لحظة واحدة ، ولكنهم بهذا التثبيت الإلهي ازدادوا إيمانا مع إيمانهم الذي وقر في قلوبهم من قبل ، فأضحى إيمانهم بالنصر راسخ ، لا يتزعزع ، بل أضحى جزء من عقيدتهم ، وما أصابهم في هذه الظروف ليس غير شيء من الدهشة لأنهم استعجلوا النصر ، ومن المعروف أن (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) [28] ، فتعلموا من الدرس معنى القوة المعنوية كعامل من عوامل النصر ، تلك التي تكمن في الثبات الانفعالي والتسامح ، فكان من نعمة الله أن أنزل السكينة على عباده المؤمنين وثبتهم ، يقول السعدي (الصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله r والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم)[29].

 

قوله (..وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (4) أي أن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس ، فهؤلاء يستعملهم لنصرة دينهم ، وتفريج الكربات عن الناس وقضاء حوائجهم ، قال رسول الله r (مَنْ كَانَ في حَاجَة أخِيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ)[30]، فإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس .

 

وفي ذلك تأكيد على أن النصر من عند الله ، واختصاص الله تعالى بأنه هو المسبب للأسباب ، ومسخر جنوده لإعانة المؤمنين ، ولولا أن الله يمدهم بمدده لما حصل لهم نصر ، كما في قوله (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ) (آل عمران/124) ، فليطمئوا للنصر وتأييد الله ومعيته لهم ، ويستبشروا باقتراب الفتح ، ودخول قومهم ومن حولها من القرى في دين الله أفواجا .

 

فإذا ما تحلى المسلمون بروح الصفح والعفو والتساهل مع الناس والقدرة على الحوار والتفاوض والتصالح ، هنا ينفتحون على الناس ، ويحبون لهم الهداية ، ويزداد التحاب في الله بينهم ، وهنا يغبطهم الأنبياء لمكانتهم من الله ، فهم أولياء الله الذي اختصهم الله بالمعية والولاية ، قَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ")[31].

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (4) قال ابن عاشور (عليم بأسباب الفتح والنصر وعليم بما تطمئن به قلوب المؤمنين بعد البلبلة ، قال الطبري (ولم يزل الله ذا عزّة، لا يغلبه غالب، ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع، لعظم سلطانه وقدرته، حكيم في تدبيره خلقه)[32] ، (وأنه حكيم يضع مقتضيات علمه في مواضعها المناسبة وأوقاتها الملائمة)[33] ، أي أنه سبحانه يعلم الوقت المناسب لهذا الفتح ، ويؤجله حتى تتحقق أسبابه وفق حكمته .

 

 قوله تعالى (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (5) فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ r عَلَيْهِمْ فَقَالُوا هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا ؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ حَتَّى بَلَغَ فَوْزًا عَظِيمًا )[34].

 

فالجنة ليست سهلة المنال كما يظن البعض ، وأن العبادة الحقة والإيمان الصادق لا يكون إلا بالجهاد تارة وبكظم الغيظ والانفتاح على الناس تارة أخرى ، فأعمال المؤمنين من صلاة وصيام وصدقة وحج قد لا يدركوا بها الجنة ما لم يقدموا لله تعالى ما ثبتون به تجردهم عن الدنيا وثباتهم على الحق ، قال سبحانه ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران /142) ، فإذا كان الله يخبرنا أن الابتلاء بأذى المشركين ومجاهدتهم هو المحك العملي لدخول الجنة ، فإنه سبحانه قال كذلك يبين لنا في موطن القوة والاستعلاء على الكافرين أن تلك المجاهدة تفقد فاعليتها متى ارتكنت لتلك القوة أو الكثرة ، يقول سبحانه (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة/25) ويقول النبي r (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [35] ، قال الحافظ بن حجر ( حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ..، وقيل إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم ، وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر ، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة )[36] ، قال النووي  في قوله ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ، فمعناه (ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشى المجاهدين في سبيل الله ، فاحضروا فيه بصدق واثبتوا) [37]، ولن يأذن الله بضرب السيوف إلا بعد أن يصل البيان للناس ويظل إعراضهم وصدهم عن سبيل الله قائم ، فإذا حصل فلا يجوز التولي يوم الزحف .

 

وقد بشرت الآية المؤمنات كما بشرت المؤمنين بدخول الجنة ، رغم أن السياق هو موطن الجهاد وليس على النساء جهاد مثل الرجال ، ولكن الآية اشركتهن في هذا الفضل تكريما لدور المرأة في الجهاد وإن لم يكن مباشر مثل الرجال ، فالمرأة التي تقر في بيتها تربي أبنائها هي تربي الرجال الذين يحملون الراية بعد آبائهم ، والمرأة وإن لم يكتب عليها الجهاد بالسيف ، فإنها تجاهد مع الرجال في الشدائد بمداواة المرضى وتجهيز المؤن وسقي المجاهدين ، فعن الرُّبيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ قالت: « كنّا نَغزو معَ النبيِّ r فَنسْقِي القومَ ونَخدُمُهم، ونَرُدُّ الجَرْحى والقتلى إلى المدينة » [38] ، وعن أم عطية الأنصارية قالت (غزوت مع رسول الله r سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى) [39]، فلا يعدم الدور المباشر للمرأة في أرض الجهاد كما لا يخفي دورها غير المباشر كذلك في تأمين الجبهة الداخلية ، وتأمين خطوط الإمداد والتموين .

 

قوله (..وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ..) (5) ضم الله إلى نعمة إدخالهم الجنة ، نعمة أخرى لاحقة على دخولهم الجنة ، وهيي تكفير الذنوب وتغطيتها عن المؤمنين والمؤمنات ، فجاء الترتيب على هذا النحو حتى لا ينغص عليهم العيش في الآخرة إذا ما تذكروا ذنوبهم ، يقول الشيخ الشعراوي (فيسترها الله عنهم وعن عقولهم فلا ينشغلون بالتوبة منها بعد أن كفرها الله عنهم)[40] .

 

قوله  (..وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (5) إشارة إلى أن ذلك أعظم مغنمًا للمسلمين ، وهو عند الله كذلك ، وليس بمقاييس الناس ، يقول سبحانه (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ، أي أن المسلمين لما أطاعوا الله تعالى ورسوله وارتضوا الصلح مع المشركين وتحللوا من إحرامهم للعمرة ، وذبحوا هديهم وحلقوا رؤوسهم ، فقد فازوا بإظهارهم قوة المسلمين ووحدتهم والتفافهم حول قيادتهم ، وحازوا بذلك خيري الدنيا والآخرة

 

 فقد فتح الله عليهم خزائن الملوك والأباطرة بعد ذلك ، فلم يكترثوا لها لاستغنائهم عنها ، يقول النبي r (من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا) [41]، وفي رواية (بحذافيرها) [42] ، فقد حازوا الدنيا بما جمع الله في قلوبهم من السكينة وإصلاح البال ، هذا في الدنيا ، وحازوا الآخرة بما منَّ الله عليهم من المغفرة وكفران الذنوب, فأنساهم كل هم وغم بعد أن أدخلهم الجنة ، فلا فوز أعظم من ذلك.  

 

 قوله (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (6) التفت السياق إلى فئة تعيش بين المسلمين الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى وهاجروا لنصرة دين الله ، تلبست بلباس الإسلام وليست منهم ، رغم أنها تعيش معهم ، ظهرت حين خرج النبي r إلى مكة يريد العمرة فرفضوا الخروج معه خوفا من بطش قريش ، وهؤلاء هم المنافقون وكذا معهم من المنافقات ما قد يحرضن أزواجهن على ذلك ، وفي ذلك دلالة على أن هؤلاء المنافقون يعيشون بين المسلمين مع أسرهم وعائلاتهم مثل المسلمين تماما دون أن يتحزبوا عليهم أو يتمالؤا ضدهم حتى هذه اللحظة  .

 

وكذلك ذكرت الآيات الحليف الأساسي لهؤلاء المنافقين ، وهم المشركين والمشركات ، فهم على اتصال دائم بالمجتمع المشرك سواء على المستوي الفردي أو الأسري أو المجتمعي ، ولذلك تجد وجه الشبه قائم بين أسرة المنافقين وأسرة المشركين ، فالأسرة التي لا تتحلى بالأخلاق الإسلامية تتخلق بالأخلاق الشركية ، حيث تجد عادات المشركين من مأكل وملبس وطريقة تحدث هي ذاتها عند أسر المنافقين ، يقول النبي r (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ) ، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال ( فمن) [43] ، قال ابن حجر : هم لاقتفائهم آثارهم وأتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم قوله قال النبي r فمن هو استفهام انكاري أي ليس المراد غيرهم

ولذلك قال الشاعر : - الشعر مثل الليل مسود  .. والضد يظهر حسنه الضد

 

قال الشنقيطي (بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه يجازي المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات بثلاث عقوبات وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم ، وقد بين في بعض الآيات بعض نتائج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) [طه:81], وقوله في اللعنة: (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) [النساء:52] وقوله في نارجهنم: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192][44].

 

قوله (..الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) ومحل الظن السيء هو ما تمنته أنفسهم بعدم عودة الرسول وأصحابه من الحديبية ، حيث تقابلهم قريش وتستأصل شأفتهم ، كما صرح بذلك في قوله (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ) (الفتح 12) ، وسوء الظن يؤدي إلى الحكم على الشيء على غير حقيقته ، فهم لا يثقون في نصر الله تعالى للمؤمنين ، فانحازوا سرا للفئة الثانية التي تجابه المسلمين وتقف ضدهم ، يقول سبحانه (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (15) .

 

وقد وقعوا في سوء الظن لأنه وافق أهواءهم وما كانوا يتمنونه في حق الذين آمنوا ، قال تعالى (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (120) ، ولذلك عاقبهم الله تعالى بأربع عقوبات مجتمعة عليهم خصهم بها على الوجه التالي :-

 

العقوبة الأولى : في قوله (..عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ..) (6) دعاء قصد منه الإخبار : بتوجيه للجماعة المؤمنة إلى وجوب رسم دائرة سوداء على هذه البقعة من الفتن التي إذا ما شُغل عنها المسلمون ستكون بؤرة لتصدير الفتن ونشر التشؤم بين أفراد الأمة ،(وكأن للسوء دائرة تُطْبِقُ عليهم فلا تفلتهم ؛ وتدور عليهم فلا تدعهم ، وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه) [45]، فهم محصورون في هذه الدائرة السوداء  ، وهي تدور عليهم وتقع بهم ...

 

 لاسيما وأن المقصود بهم أناس من جلدتهم أي من العرب ، بل وينفقون أموالهم في أوجه الخير من باب التقية ، ولكن ليس بنية الخير ، قال تعالى (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة 98) ، فينبغي تجهيز قوائم للتعريف بهؤلاء الفاسدين والمنافقين الذين هم على اتصال دائم بالمشركين من خارج أقطار المدينة المنورة ، يقول سبحانه (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة/14) .

 

العقوبة الثانية : في قوله (..وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..) (6) ذكرت الفاتحة المغضوب عليهم وأولها المفسرون بأن المقصود بهم اليهود لأنهم يعلمون الحق ويكتمونه ، وهنا في هذه الآية المغضوب عليهم المنافقون والمنافقات والمشركين والمشركات ، وذلك للعلاقة الباطنية التي بينهما ، أي لما اقترفوه من مداهنة للمشركين وإظهار الحب لهم والولاء والنصرة ولو بالقلب ، يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (51)

 

 وقد نزل النداء القرآني بنهي المؤمنين بالكلية عن التواصل مع المشركين لاسيما في السر من وراء المؤمنين ، يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران 118) .

 

قال صاحب الظلال (النفاق صفة مرذولة لا تقل عن الشرك سوءاً ، بل إنها أحط؛ ولأن أذى المنافقين والمنافقات للجماعة المسلمة لا يقل عن أذى المشركين والمشركات ، وإن اختلف هذا الأذى وذاك في مظهره ونوعه)[46] .

 

العقوبة الثالثة : في قوله (..وَلَعَنَهُمْ..) (6) : أي طردهم من رحمته : فليس لهم فرصة أخرى للتوبة ، لأن جريمتهم لا تقتصر على ما يبطنونه من كره للمسلمين وحب وموالاة لغير المسلمين ، وإنما وقعوا في الخيانة العظمى لدينهم وبلادهم ، فيُيئسنا الله تعالى منهم حتى نتفرغ لغيرهم ونجمع قوانا لمن ينتفع بها لا من أضله الله تعالى ولعنه ، قال سبحانه (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) .

 

فما فعله المنافقون من موالاة المشركين ، واتخاذهم بطانة لهم دون المؤمنين هو ما استوجب غضب الرب عليهم ، ولا عذر لهم ، ولا ينفعهم الندم ، يقول سبحانه (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (52) ، أي يسارعون في التزلف والتقرب للمشركين لينالوا إعجابهم ورعايتهم وحمايتهم حتى يأمنوهم ظنا منهم أن الدائرة سوف تكون لهم وتكون الهزيمة للمسلمين ، بيد أن الله تعالى يؤكد أن الفتح للمؤمنين ، وهنا سوف يصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موالاة للمشركين نادمين ، ولكن هل ينفع الندم وقد طردوا حقا من رحمة الله تعالى ؟

 

العقوبة الرابعة : في قوله (..وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (6) جعل الله تعالى مصير المنافقين هو ذات مصير المشركين ، لهم ذات العذاب الأليم ، يقول سبحانه (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) ، فجعل لهم ذات العقوبة لأنهم اشتركوا معا في ذات المعتقد ، ألا وهو اليأس من رحمة الله تعالى وسوء الظن به ، يقول عز وجل (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (56) .

 

والآية تشير إلى أن النار موجودة الآن ، وقبل أن يلقى أهلها فيها ، خلقها الله لهم وقبل أن يحاسبهم وقبل أن يعذبهم بها ، يقول سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (65) ، يقول النبي r (إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم) [47] .

 

وقد علق الشيخ الشعراوي على ذلك ذات مرة ، فقال : لو أن استاذا يعرف مستوى طلابه في الفصل فوضع لكل واحد منهم الدرجة التي يستحقها دون أن يمتحنهم فإن الطلاب الذين رسبوا سوف يعترضون على ذلك ، ويحتجون عليه بأنه لم يمتحنهم ، ولذلك يمتحنهم ليقيم الحجة عليهم مع علمه مسبقا بأنهم سوف يرسبون ، وغيرهم سوف ينجحون وبعضهم سوف يتفوقون ، ولله المثل الأعلى ، فقد أعد لهم جهنم ولم يدخلوها إلا بعد أن اختبرهم وامتحنهم في دار البلاء ألا وهي الدنيا [48].

 

 قوله (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(7) تكرر ذكر ذلك في السورة ، وهنا يصف المولى سبحانه عباده المؤمنين الذين خصهم له بأنهم جنوده الذين يسلطهم على المنافقين والكافرين ويستعملهم لإحباط أعمالهم ومخططاتهم ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر 6) ، فالجهاد في سبيله ذروة سنام الدين ، فيستعمل الله عباده المؤمنين ليعذب بأيديهم المنافقين والمشركين الذين لا يتنازلون عن الخيار العسكري ضد المسلمين ويصرون على انتهاك حقوق الإنسان ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (73)

 

 وليس أعظم من ذلك شرف أن ينتسب المؤمن لربه ويتصف بأنه من جنده ، فالمسلمون في انطلاقهم من المدينة إلى مكة كانوا ينوون أداء مناسك شعيرة العمرة ، وكانوا على استعداد تام لأن يدخلوا معركة حربية مع قريش ، دفاعا عن حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية في أوطانهم التي طردوا منها ، ولذلك فإنه لم يخرج من أهل المدينة إلا من قد باع نفسه لله تعالى ، ولذلك جزاهم الله تعالى بأن وصفهم بأنهم جنوده وخصهم وحدهم بهذا الفضل وإن كان معهم من الجنود ما لا يعلمه إلا الله تعالى ممن خلق في السماوات والأرض ، فموقف الحديبية أظهر صدقهم في طلب الجهاد في سبيل الله والاستعداد للموت دفاعا عن هذا الدين .

 

والمسلمون قبل الحديبية قد دخلوا مع قريش عدة معارك حربية ، لم يكن لديهم علم بأن الصراع العسكري يمكن أن يتحول في لحظة إلى مفاوضات واتفاقات وصلح ، فلما حصل ذلك تعلموا أن الصلح ممكن ، وخيار متاح وبديل لأي الصراع عسكري مع المشركين ، فلا يستبعد عن الحسبان ، بل قد يتخذ أبعادا أكثر من ذلك كالتنافس الاقتصادي والتباري الفكري والثقافي ....... الخ ، وفي كل مجال من هذه المجالات يستعمل الله جنود له ينصرون الدين ويواجهون الكافرين ، وقد استظهرت سورة الفتح التفوق السياسي للجماعة المسلمة على جماعة المشركين والمنافقين ، وقد أعز الله المؤمنين بصلح الحديبية حيث هابتهم قريش وخشيت من مواجهتهم عسكريا ، فكان من حكمة الله تعالى أن جعل الصلح السياسي توطئة للفتح العسكري واستقرار الأمر للنبي r بعد ذلك وأصحابه.

 

وقد تخلت قريش عن خيارها العسكري في  حسم المواجهة مع المسلمين لا لأنها خشيت منهم عددهم ولا عتادهم ، ولكن لما رأت حبهم للنبي r والتفافهم حوله  ، يروي عروة بن مسعود حينما جاء للنبي r موفدا من قريش للتفاوض مع النبي r– فرأى من أصحاب النبي r ما يثير العجب ، حيث كان فظا مع النبي r وهو يحاوره وأخذ يمد يديه على لحيته ، فضرب المغيرة بن شعبة يده بنعل سيفه فردها ،  ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي r بعينه قال فوالله ما تنخم رسول الله r نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له .

فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد r محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدوا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها) [49] ، ولذلك سماهم الله تعالى جنوده  لما أظهروا حبهم لنبيهم وامتثلهم  لأمره ، وقد أحب بعضهم بعضا ، ولم تفرق بينهم دنيا ولم يتنافسوها .

 

 قوله (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (8) تحددت مهمة النبي r من الرسالة في ثلاثة أمور ، هي جميعا تلخيص لكلمة إقامة (الحجة) على البشر يقول سبحانه (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/165) ، يشهد على ما بشر به من نعيم أعده الله للمتقين وما أنذر من جحيم أعده الله للمنافقين والكافرين جميعا ، فقد شهد على قومه أنه قد بلغهم الرسالة وقامت عليهم الحجة ، يقول سبحانه (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة/19) ، فقد تحددت المهمة الأولى للرسل بإقامة الحجة على البشر

 

 وقد أكد صلح الحديبية أن رسالة التي جاء بها النبي r هي الرحمة كما في قوله سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (107) فهو لم يأت معذبا ولا منتقما ، فالنبي r لم يأت ليسفك الدماء ، ولم يفرض الجهاد إلا لإعلاء مبدأ حرية الانسان في اختيار عقيدته ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في قوله (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)   قَالَ فِي التَّوْرَاةِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) [50] .

 

قوله ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ [51]وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (9) اللام للتعليل أي أن وظيفة النبي r التي تحددت بالبلاغ ، وتضمنت أسلوبي الترغيب بما عند الله من فضل ، والترهيب مما عنده من عذاب ، تتحقق عملا وتؤتي ثمارها بالإيمان بالله تعالى واتباع سنة رسوله ، وهذا الإيمان لا يقتصر على النطق بالشهادتين دون الجهاد والنصرة لدين الله ، ويستتبع ذلك توقير الله وسنة نبيه r ، بالتطبيق العملي لما شرع الله بما يحقق معنى البركة ، وتلك البركة تعني من وجه آخر التزام الذكر والتسبيح على كل حال ، فذلك هو دأب المجاهدين في سبيل الله ، وخلق الفاتحين .

 

فقوله (..وَتُعَزِّرُوهُ..) يؤكد أنه الإيمان بالله تعالى ورسوله لابد أن يصدقه العمل ، ومن العمل نصرة الله ونصرة النبي r ، والعمل على تأكيد دعوته ، فتعزير النبي يعني نصرته ، ونصرة دين الله تعالى ، فكلاهما واحد ، قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف 157).

 

وتلك النصرة تتأكد بالجهاد في سبيل الله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) فالترجمة الحقيقية للنطق بالشهادتين تكون بالجهاد في سبيل إعلاء هذه الكلمة ، وأول طريق الجهاد البيعة على السمع والطاعة ، فعن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ، وقال وبايعناه على أن لا نفر ، ولم نبايعه على الموت) [52]، قال الإمام النووي : قال العلماء هذه الرواية تجمع المعانى كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا نفر معناها (الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل ، وهو معنى البيعة على الموت أى نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود فى نفسه) [53] ، وهكذا عزر الصحابة نبيهم r ونصروه وآزروه.

 

والطاعة لدين الله تكون في المنشط والمكره ، ففي غزوة الأحزاب اشتد الحصار على النبي r وأصحابه وشغلوا به عن صلاة العصر ، ولم يفيقوا أن يصلوها حتى جمعوها مع المغرب ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ)[54]، ففي هذا الوقت العصيب كان النبي r بحاجة لأن يبعث عينا له من الصحابة تأتيه بخبر أعدائه ، فانتدب لذلك الزبير بن عوام ، فكان ذلك بمثابة تعزير لرسوله r ونصرة له ، فعن جَابِر يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ الْأَحْزَابِ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)[55].

 

فمفهوم تعزير دين الله يتحقق بنشر دعوته ، بتحرير الإنسان من عبادة غير الله وطاعته لغير الله ، وهو ما كان يؤكده النبي r في رسائله إلى جميع البلدان ، كما كتب لأهل نجران (أما بعد فإنى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد)[56] ،  فلما مات النبي r لم تنته بيعة الصحابة له ، بل استمرت بيعتهم لنصرة دين الله تعالى والمستضعفين ، حتى فتحوا البلدان كلها ، فانطلق الصحابة إلى فارس والروم والحبشة وجميع البلدان ، قال ربيعي بن عامر لرستم ملك الروم لما سأله (ما جاء بكم؟ قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه)[57] ، فهذا يؤكد علي استمرار فرضية الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة رسوله بعد وفاته ،  كما فهم ذلك صحابة رسول الله r .

 

 فبتلك الكلمات عبر ربيعي بن عامر عن عقيدة الإسلام بوضوح شامل ، بأنه دين لا يكتفي بإطلاق حرية الناس في إظهار معتقداتهم المستقرة في الوجدان دون أن يكون لها أثر ملموس في تغيير حياتهم ، وواقعهم ، فهذا المفهوم (النصرة) لدين الله ، هو الذي ألب المشركين على النبي r وأصحابه ، فلا إيمان بلا ابتلاء وصبر عليه ، يقول سبحانه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة/214)

 

قوله (وَتُوَقِّرُوهُ) ، فتوقير الله وتعظيمه ، وتعظيم شأن رسوله كلاهما مأمور به ، فطاعة الرسول من طاعة الله ، وتعظيم الرسول ، هو تعظيم لأمر الله ، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80) وقد مضى بنا الحديث عن توقيرهم له ، فعن المسور ومروان خرج النبي r زمن الحديبية فذكر الحديث وما تنخم النبي r نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) [58] ، وليس في ذلك مبالغة من الصحابة رضوان الله عليهم في توقير النبي r ، ذلك أن النبي r كله بركة حتى نخامته كانت منه بركة ، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان أبو ليلى يسمر مع علي ، فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف . فقلنا لو سألته . فقال إن رسول الله r بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر ، قلت يا رسول الله إني أرمد العين . فتفل في عيني  ثم قال ( اللهم أذهب عنه الحر والبرد ) قال فما وجدت حرا ولا بردا بعد يومئذ ، وقال (لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ) فتشرف له الناس ، فبعث إلي علي فأعطاها أياه) [59] ، نعم كان كله بركة r ، والعمل بسنته بركة ، ولا بركة إلا فيما بارك الله فيه من عمل وافق الشرع وكان على منهاج النبوة .

 

فإذا كان النبي r كله بركة ، والعمل بسنته بركة ، كذلك فإن العمل بسنته بإمضاء الجهاد إلى يوم القيامة بركة ، يقول النبي r (البركة في نواصي الخيل) [60]، فلو تخلى المسلمون عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة إخوانهم المسلمين فقد محقت منهم البركة .

 

قوله (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)  فالتسبيح أدب الفاتحين ، (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر 3) ، فهم لا يفتحون قرية أو بلدة ليدنسوها أو يمحقوا بركتها ، وإنما يدخلونها مسبيحين معلنين التوحيد لله رب العالمين ، قال الرازي (اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة)[61]، قال ابن عاشور (وهما  -أي ظرفي الزمان بُكْرَةً وَأَصِيلًا- كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح والإكثار منه، وقيل الصلوات الخمس)[62].

 

والتسبيح علامة على حصول البركة ، كلاهما من معجزات النبوة ، فعن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله r في سفر فقلَّ الماء فقال (اطلبوا فضلة من ماء) ، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال (حي على الطهور المبارك والبركة من الله) ، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله r)[63].

وعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ r عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا)[64].

 

ومن تتمة البركة أن يستشعر العبد تسبيح الكون من حوله ، فينسجم مع تسبيحه ، كما كانت الجبال تسبح مع داوود والطير ، قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ 10) ، وعن عبد الله (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) [65] ، فالتسبيح لغة تفهمها جميع الكائنات التي خلقها الله تعالى ، يقول في كتابه (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44)

 

والتسبيح بوابة قبول العبادة ، فهو علامة على التمكين في السماء كما أنه علامة على الفتح في الأرض ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : بينما نحن نصلي مع رسول الله r إذ قال رجل من القوم "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا" فقال رسول الله r من القائل كذا وكذا ؟ فقال رجل من القوم "أنا يا رسول الله" قال (عجبت لها ، فتحت لها أبواب السماء) ، قال ابن عمر (ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله r )[66] .

 

قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (10) مدح القرآن جماعة الصحابة التي مدت يدها لتبايع النبي r على الحق ويثبتونه عليه ، مؤكدين علي طاعته وصدق الاتباع له ، فكما أنهم نصروه في "بدر" فقالوا (يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا)[67] ، فهم في الحديبية لما خرجوا من المدينة إلى مكة ، جددوا البيعة مرة أخرى للنبي r .

 

وقد جعل الله تعالى تلك البيعة معه ، وليست بين النبي r وأصحابه وحسب ، قال ابن كثير أي: (هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله)[68] ، قال الإمام البيهقي (أَرَادَ تَعْظِيمَ أَمَرِ الْبَيْعَةِ)[69] ، أي شاركهم هذه البيعة فمد يده -سبحانه [70]- ليجعلها فوق أيديهم ، كناية على تأكيد هذه البيعة والرضى عنها ، يقول الرازي (كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء ، وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سبباً للحفظ على البيعة)[71].

قال الطبري وفيه تأويلان : (أنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه r ; والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله r)[72]

 

يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:  قال لنا رسول الله r يوم الحديبية (أنتم خير أهل الأرض) ، وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة)[73] ، فهذا العدد ليس بالكثير ، ويكفي أن الشجرة هو المكان الصغير الذي تجمعوا حوله ، قال الحافظ (هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة ، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة وبغيرهما )[74]، فقد كان الحذر يتملك الصحابة عند هذه البيعة ، وكانوا يخشون أن تباغتهم قريش بقتال ، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله r لما كان بالحديبية قال لا توقدوا نارا بليل فلما كان بعد ذلك قال أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم) [75] ، فأضحى المسلمون بعد صلح الحديبية لا يخشون قلة عددهم إزاء أعداد أعدائهم ، ولذلك قالوا يوم حنين "لا نغلب اليوم من قلة"[76] ، أي أن مشكلة المسلمين قبل صلح الحديبية بخلاف مشكلة المسلمين اليوم وبعد هذا الصلح ، فقد كانوا من قبل قلة مستضعفين في الأرض حتى أضحوا اليوم كثر ، لكن يبقى تأليف قلوبهم على قلب رجل واحد حتى تظل المهابة في قلوب أعدائهم منهم .

 

قوله (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) يحذر القرآن من مغبة النكوث في البيعة مع الله تعالى ، فقد قلنا أن المهابة تكون في قلوب أعدائنا منا عندما يرون حبا لبعضنا البعض ، فإذا ما تنافسنا على الدنيا فإن الله تعالى ينزع المهابة من قلوب أعدائنا منا ، وذلك هو علامة النكوث في البيعة ، يقول النبي r (لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن " فقال قائل يارسول الله وما الوهن ؟ قال " حب الدنيا وكراهية الموت) [77]  ، يقول النبي r (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) [78].

 

قوله (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) أي من تمسك بدينه ولم يشتر غير الآخرة فإنه أوفى بما عاهد عليه الله ، يقول الله عز وجل (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (23) ، أولئك هم الصادقون ، وأولئك يؤتيهم الله تعالى أجرا عظيما ، يقول النبي r (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) [79]

فالبيعة تعني السمع والطاعة للقائد دون مساومة أو وعد بمنفعة ، ولا بقصد أن يبتغي لنفسه منصبا ولا سمعة ، بل على النقيض من ذلك تكون تلك البيعة دون أن يأبه المجاهد لشيء من الدنيا ، يقول النبي r (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه  يبتغي القتل والموت مظانه ، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير) [80].

 

 

المحور الثاني

المخلفون عن الغزو فقدوا أهليتهم للجهاد مالم يجددوا الثقة في موطن البأس الشديد

 

قال تعالى (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)

 

قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) (11) التفات إلى الذين ينكثون عهدهم مع الله ورسوله ، فتفضحهم الآية  حتى تكون الجماعة المؤمنة على بينة من أمرهم وهم يتعاملون معهم ، وقد تخلفوا عن النفير في ظروف محفوفة بكثير من المخاطر ، فتبين أن أعذارهم واهية ، قال أبو حيان (هذا اعتلال منهم عن تخلفهم ، أي لم يكن لهم من يقوم بحفظ أموالهم وأهليهم غيرهم ، وبدؤا بذكر الأموال ، لأن بها قوام العيش؛ وعطفوا الأهل ، لأنهم كانوا يحافظون على حفظ الأهل أكثر من حفظ المال)[81]

 

 لاسيما وأنهم لا يعترفون بذنب ؟ ولو اعترفوا لتاب الله عليهم ، ولكنهم أوتوا الجدل ، فإذا أراد الله بقوم سوءا ابتلاهم بالجدل ، ومنعهم العمل ، فقد برروا  تخلفهم عن الخروج مع رسول الله r بذريعة أنهم كانوا مشغولين بإدارة أمور البلاد ، وأنهم هم القائمون على حماية الأمن الداخلي والأمن القومي والاقتصاد الوطني ، فاعتذروا للنبي r أنهم لم يخرجوا معه لما شغلهم من أمور لا تقل أهمية عما خرج إليه النبي r واستفر إليه جميع أصحابه r ، وكأنهم أحاطوا بما لم يحط به .

 

قوله (..فَاسْتَغْفِرْ لَنَا..) يطلبون من النبي r أن يعذرهم ويعاملهم بالعفو وأن يغفر لهم طمعا في ذات المعاملة التي لاقاها المسلمون لما نزلوا من جبل "أُحد" دون إذن النبي r ، حيث نزل فيهم قول الله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ولكن شتان بين هؤلاء المؤمنين الذي غفر الله لهم ، وهؤلاء المنافقين الذين لن يغفر الله لهم ، وقد قال في كتابه (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (6) ، فهم لا يعاملون باللين كما لان النبي r لأصحابه في أحد ، بل يعاملون بالغلظة والشدة ، كما في قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم/9) .

 

قوله (...يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ...) (11)  يكذبهم الله تعالى ويعلمنا أنهم لا يعتذرون ولا يطلبون المغفرة ، فهم ينطقون بما لا يؤمنون به ، وقد خوت قلوبهم من الصدق ونطقت ألسنتهم بالكذب تلبيسا للحق بالباطل ، فهم لا يرجون إصلاحا في أهليهم ولا يهتمون لشئونهم ، لم يَصْدُقوا في أعذارهم كما لم يَصْدُقوا في الإخبار عن بسبب تخلفهم ، يقول الله تعالى (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 94)

 

قوله (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) (11) يلقنهم الله تعالى عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر ، إزاء الأمر الشرعي المفروض عليهم بالجهاد والنصرة ، ردا على أعذارهم التي أسسوها على حسابات مادية ظنوا بها أن الدائرة سوف تكون عليهم لو خروجوا مع رسول الله r (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة 52) ، فخافوا وأخافوا الناس من الخروج ، ولكن الصحابة ثبتوا ، فقد بايعوا النبي r على الموت (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) (آل عمران 173) ، (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

 

فالآية تبين أن أمثال هؤلاء لا يعتمدون على الله ، وإنما يعتمدون على تلك الحسابات المادية ، وتلك هي حسابات المنافقين ، يقول المولى سبحانه (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء 141) ، فتلك الحسابات لن تنفعهم بشيء ، ولن يحصلوا على شيء من الوقوف موقف المتربص من الفئتين ، بالجنوح تارة للمؤمنين وتارة للكافرين (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء 143).

 

فالقرآن يرد على هؤلاء المتقاعسين عن واجب النصرة بأنه لن يحول بينهم وبين قدر الله شيء ، فلا يغني حذر من قدر ، فسواء تخلفوا عن الرسول خوفا من بطش قريش ، وفضلوا جانب الأمان دون المجازفة ، فإنهم لن يفلتوا من قدر الله ، ولو أنهم علموا قوله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)(النساء78) لما خافوا من قريش مثلما تخاف الحمر من القسورة  .

 

 ولو أنهم صححوا عقيدتهم في القضاء والقدر لخرجوا مع النبي r متوكلين على الله ، ولكن الله ثبطهم لسوء نيتهم ، يقول سبحانه  (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة 46) ، ولذلك سموا (مخَلَّفين) ، ولم يسموا (متخلفين) ، فهم لم يتخلفوا بمحض إرادتهم ، بل كان ذلك بسبب تثبيط الله هممهم ، لكرهه انبعاثهم بين المؤمنين .

 

قوله (..بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (11) تعقيب على ظنهم أنهم حين يستشفعون باستغفار النبي r لهم سوف ينطلي كذبهم على المسلمين ، بل ظنوا أنهم في مأمن بعد ذلك ، قال ابن عاشور ( ظنوا أن استغفار النبي r لهم يمحو ما أضمروه من النكث ، وذهلوا عن علم الله بما أضمروه..ولذلك عقب قولهم هنا بقوله تعالى كما في الآية).

 

قوله (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ..) (12) يكشف الله ما في قلوبهم من النفاق ، فأول ما دخل في قلوبهم من النفاق اليأس من رحمة الله ، وغاب عنهم تأييد الله للمؤمنين ، إذ ظنوا أنه لن ينصر عباده المؤمنين والدائرة سوف تكون عليهم ، والله يعاتبهم على هذا الظن السيء ، بقوله (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (الحج 15) .

 

 وذلك بخلاف المؤمن الذي يثق في نصر الله ووعده (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر51) والقاعدة أنه (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (141) ، ويقول النبي r (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل) [82] قال الخاطبي (معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه) وقد اعترض على هذا التأويل المباركفوري لكنه أيده وهو لا يدري بقوله (فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له) [83]، ويؤيده حديث النبي r قال (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)[84] ، قال العلماء: (معناه يبعث على الحال التي مات عليها) [85].

 

قوله (..وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ..) (12) يعني أن ظنهم السيء وافق أمنيتهم ، فالمنافق وإذ افتقر للثقة في نصر الله للمؤمنين وفي ظل حرصه على الدنيا وآيثارها على الآخرة ، فقد زُينت الدنيا في قلبه ، فإنه يبخل بنفسه وماله عن سبيل الله ، ظنا منه أنه لو انحاز لجانب المسلمين فإنه سيخسر نصيبه من الدنيا ، ولما كان المسلمون في مواجهة دائمة مع الكفار ، لقوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عند دينكم إن استطاعوا) فإنه ينحاز لجانب الكفار على حساب المؤمنين ، ويتمنى أن لو هلكوا على أيدي هؤلاء ، حتى يبطل الجهاد ، ويتفرغ المنافقون لمتاع الدنيا التي زينت في قلوبهم .

 

قوله (..وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) (12) شبه الله تعالى قلوبهم بالأرض البور الميتة لأنهم يئسوا من رحمة الله ، وأساءوا الظن بالله ، بعدما أساءوا العمل .

يقول صاحب الظلال (فالأرض البور ميتة جرداء ، وكذلك قلوبهم ، وكذلك هم بكل كيانهم  بور لا حياة ولا خصب ولا إثمار ، وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله ? لأنه انقطع عن الإتصال بالله ? يكون بورا  ميتا أجرد نهايته إلى البوار والدمار) .

 

قوله (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)(13) تعريض بمن يتخاذل عن الجهاد في سبيل الله ونصرة دعوة الإسلام بنفي الإيمان عنه ، بل ودخوله في حومة الكافرين ، لأنه لم يصدق على الشهادتين بالجهاد في سبيلها ، قال رسول الله r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)[86] ، والحديث وإن كان لا يستوجب النفاق الأكبر ، ويدل على النفاق العملي ، يقول سبحانه (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..) (14) ، فالإيمان الحق لا يكون بالانتساب للمؤمنين ، ولا بإطلاق تلك التسمية علي أنفسهم ، بل لابد من التدليل على ذلك بالعمل كما في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) .

 

 أما هؤلاء الـمُخلفون عن الخروج مع النبي r وقد سنحت لهم الفرصة بأن يبايعوه على الموت في سبيل الله ويثبتوا صدقهم إيمانهم ، فقد خرجوا عن الإيمان جملة وعن الإسلام جملة وتفصيلا ، لأنهم في الأصل لم يدخلوا به، يقول سبحانه (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) (61) ، فإنهم لم يؤمنوا أصلا حتى يخرجوا من الإيمان ، وإنما دخلوا هذا الدين كافرين وخرجوا بالكفر كذلك دون أن يمس الإيمان قلوبهم ، ولذلك يتهددهم الله تعالى بعذاب السعير ويخوفهم لعلهم يرتدعون ويدخلون في الإيمان حقا وصدقا .

 

قوله (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) إذ قد يثور التساؤل لماذا يا رب لا تعذب هؤلاء المنافقين ؟ وأنت قادر على أن تعذبهم وقد استبان كذبهم ونفاقهم ، فيجيب سبحانه بأن له ملك السماوات والأرض ، فالله سبحانه يدبر ملكه بحكمته .

 

قوله (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ..)(14) يعني إطلاق المشيئة في أن يرحم من يشاء أو يعذب من يشاء ، يقول سبحانه (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99) ، وقد شاءت قدرته أن يغفر ويرحم من آمن ، ويعذب من لا يؤمن به ، قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) ، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير) .

 

والله حبب عباده في الجنة وخوفهم من النار باعتبارهما دالتان على قدرة الله تعالى وعظيم ملكه واستحقاقه للعبادة من هذا الوجه ، ولو لم يملك الإله أن يغفر أو يعذب فلن يكون مستحقا للعبادة إلا أن يملك العذاب والمغفرة ، وينفذ أمره بطلاقة دون أدنى قيد  .

يقول النبي r  (إن الله خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي) [87] ، قال المناوي (فالعبرة إنما هو بسابق القضاء الإلهي الذي لا يقبل تغييرا ولا تبديلا ولا يناقضه خبر إنما الأعمال بالخواتيم لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة غيب عنا والخاتمة ظاهرة لنا فنيطت الأعمال بها بالنسبة إلينا ، ومع ذلك فيتعين العمل ، لقوله (فأما من أعطى واتقى..) ،ولايغتر بإيحاء النفس أنه لا عبرة بالعمل بل بالسابقة أو الخاتمة فإنه تمويه وإضلال وغفلة عن وضع الأسباب للمسببات)[88] .

 

والذي يؤكد أهمية العمل أن الله تعالى يختبر بعض عباده – الذين لم يصلهم البلاغ - يوم القيامة فيقول لهم ادخلوا النار فمن أطاع وجدها جنة [89].

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (14) فالله تعالى يعاملنا بما هو أهله وليس بما نحن أهله ، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله r قرأ (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله * هو أهل التقوى وأهل المغفرة)(المدثر) قال : (يقول ربكم عز و جل : أنا أهل أن أتقى أن يجعل معي إلها آخر وأنا أهل لمن اتقى أن يجعل معي إلها آخر أن أغفر له )[90].

 

يقول النبي r (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت ؟ يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) [91] ، فالمداومة على العمل أحب إلى الله تعالى ومن مستجلبات رحمته ، ولذلك داوم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الجهاد مع النبي r ولم يتخلفوا عنه في عسر أو يسر ، فاستحقوا بفضل الله مغفرته ورحمته .

 

قوله (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (15) تحدث القرآن عن الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي r في الحديبية ، فيما استفر إليه أصحابه ، الذين لم تقبل أعذارهم وكانت حججهم واهية ، هؤلاء أيضا يريدون أن يلحقوا بالمسلمين في غزوات أخرى تلوح فيها الغنائم وتقل فيها المخاطر ، يقولون (ذرونا نتبعكم) ، يستسمحونهم أن يلحقوا بهم في تلك الغزوات التي يطمعون في المغنم منها ، والمقصود غزوة خيبر ، قال ابن كثير (يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي r في غزوة الحديبية ، إذ ذهب النبي r وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله r ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم ، فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا؛ ولهذا قال: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ)[92] .

 

ولم تحل الغنيمة لأحد قبل النبي r رخصة من الله لهذه الأمة ، فلم يكن نبي قبله يستحلها ، وقد أحلها الله سبحانه لهذه الأمة رحمة بها لتعويض المجاهدين بعضا مما فقدوه من المال لأجل الجهاد في سبيله ، يقول النبي r (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء ، وذكر منها ... وأحلت لي الغنائم ) [93] ، وذلك بعد أن تعلمت الأمة الفصل بين تصحيح النية وإخلاصها لله تعالى وبين الانتفاع من الجهاد ببعض الماديات دون قصد ذلك قصدا مباشرا وإنما كنتيجة عفوية لما يبذله المجاهدون من جهد في سبيل الله تعالى ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ)[94].

 

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[95]

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[96].

 

قال ابن حجر (فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء :-

  • طلب المغنم
  • وإظهار الشجاعة
  • والرياء
  • والحمية
  • والغضب وكل منها يتناوله المدح والذم ، فلهذا لم يحصل الجواب بالاثبات ولا بالنفي

قوله (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط ، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك .

ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك ، وبذلك قال الجمهور لكن يعارضه حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ المتقدم ذكره)[97].

وقال ابن حجر (ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا)

وقال ابن حجر (واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه ، وكلها متلازمة) ، واستشهد بكلام بن بطال قال (إنما عدل النبي r عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله )[98] أي متى تجرد من حظوظ النفس ، وهذا ليس بالأمر الهين .

 

قال العلماء - ابن حجر وأبو العلا المباركفوري - (فتصير المراتب خمسا

  • أن يقصد الشيئين معا
  • أو يقصد أحدهما صرفا
  • أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا

فالمحذور أن يقصد غير الاعلاء ، فقد يحصل الاعلاء ضمنا ، وقد لا يحصل ، ويدخل تحته مرتبتان .. ودونه أن يقصدهما معا ، فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أبي أمامة الباهلي

 والمطلوب أن يقصد الاعلاء صرفا ، وقد يحصل غير الاعلاء)[99] ، قال وفيه مرتبتان أي وهما :-

  • أن يقصد الإعلاء صرفا لكن يحصل غير الإعلاء عرضا أي يحصل المغنم بغير قصد
  • أن يقصد الإعلاء صرفا ولا يحصل غيره ، وهنا يأخذ أجره كامل في الآخرة

 

ويشهد لهاتين المرتبتين الآخيرتين – وهما مطلوبتان وغير محذورتان – ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ)[100].

 

قال ابن حجر (ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه)[101] ، ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمنا لا يقدح في الاعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي حديث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ قال (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ r  حَوْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا ، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا) فَقَامَ فِينَا فَقَالَ (اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ ، فَأَضْعُفَ ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ) ثُمَّ قَالَ (لَيُفْتَحَنَّ لَكُمْ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ أَوْ الرُّومُ وَفَارِسُ حَتَّى يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا)[102].

 

والظاهر من حديث عبد الله بن حوالة أن ابتغاء الغنيمة قد يكون هو في ذاته لأجل إعلاء كلمة الله ،وذلك في حالة محددة ، فيكون الباعث مشروعا متى احتاج إليها المجاهدون للتمول ، فكل ما يمدهم بالعون لأجل التقوي به على الجهاد هو عمل من أعمال الجهاد في سبيل الله .

 

فقوله (على أقدامنا) : أي راجلين ليس لنا مركب وهو حال من الضمير في بعثنا أي أرسلنا لنأخذ الغنيمة رجالا غير ركاب ، وهو يدل على افتقارهم للركب ، وأنهم بتلك الغارة التي يغيرون بها على أهل الحرب يكسبون مركبا ليتقووا بها على الجهاد .

قوله (وعرف الجهد) : أي المشقة والتعب ، أي ذلك دليل آخر على الحاجة للمغنم للتقوى على الجهاد

قوله (لا تكلهم) : من وكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه ، أي انقطعت عنهم أسباب التمول وليس معهم سبب غير التوكل على الله ، ولا ينفعهم الاتكال علي غيره .

قوه (فأضعف عنهم) : أي عن مؤنتهم .

قوله (فيعجزوا عنها) : أي عن مؤنة أنفسهم .

قوله (فيستأثروا عليهم) : أي يختاروا أنفسهم عليهم ، عدل عن قوله فيعجزوا إشعارا بأنهم ما يكتفون بإظهار العجز بل يتبادرون إلى أن يختاروا الجيد لأنفسهم والرديء لغيرهم.

 

قال الطيبي (المعنى لا تفوض أمورهم إليَّ فأضعف عن كفاية مؤنتهم ، ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها ، ولا تفوضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا ، بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد (أو على هامتي)[103]، ولهذا رخص الله للمجاهدين في الغنيمة لأجل انشغالهم بالجهاد عن العمل ، وحاجتهم للتمول منها ليستكملوا جهادهم في سبيل الله  .

 

وقد فهم الصحابة هذا المعنى فتجردوا من الغنيمة بالكلية ، وكان ينفقون الكنوز كلها في سبيل الله ، يقول النبي r (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)[104] ، أي أن المسلمين سوف يحاربونهما لا لأجل مغنم ولا لأجل كنوزهما ،ولن يأخذوا منهما غنيمة ، بل سوف ينفقون كنوزهما في سبيل الله .

 

روي البيهقي لما فتح الله على عمر بن الخطاب كسرى  قال (أين سراقة بن جعشم ؟ فأتى به أشعر الذراعين دقيقهما ، فأعطاه سواري كسرى فقال ألبسهما ، ففعل فقال قل الله أكبر قال الله أكبر قال قل الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج وجعل يقلب بعض ذلك بعضا ، قال الشافعي وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي r قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه (كأني بك قد لبست سواري كسرى) قال (ولم يجعل له إلا سوارين)[105] .

 

وعن الحسن : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم قال فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رءاهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج ثم قال اللهم إني قد علمت أن رسولك r كان يحب أن يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك ، فزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا ثم قال اللهم إني قد علمت أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب أن يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك ، فزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا ، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكرا منك بعمر ثم قال تلي (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)[106].

 

أما هؤلاء المخلفون فإنهم لا يجاهدون إلا لأجل الغنائم وليس في سبيل الله تعالى ، فالمغنم عندهم غرض رئيسي وباعث حقيقي على القتال ، فأنى لهم أن يتبعوا المؤمنين في قتال لا يلوح منه مغنما ، فليس هم أهلا للاتباع إذا تمحض الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ، وتجرد من المغنم ، ولذلك يحكم الله تعالى في شأنهم بأنهم لن يخرجوا أبدا مع المؤمنين ، ويستبعدون من الجهاد لسلامة نيتهم فيه ، يقول سبحانه (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة 47) ، لأن الصراع والتنافس على المغنم يفسد الجهاد في سبيل الله ، ويوقع البغضاء بين الجند .

 

ولذلك يرد عليهم المؤمنون بما حكم الله تعالى (لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) ، وهذه السياسة الشرعية تسمى بسياسة تطهير الصف ، فلا يمكن تجديد الثقة فيمن خان الله ورسوله أو تخاذل عن نصرة هذا الدين في الوقت الذي تساند فيه الولايات والإمارات المجاهدين ليطبقوا شرع الله تعالى ، فهل يعقل أن ينال المرء مغنما دون أن يصيبه مغرما ؟  

 

والمنافقون حينما يعاقبون بحرمانهم من الغزو لا يندمون على ما فعلوا بل يصرون على شق الصف ، ويكيفون عقوبة الاستبعاد التي وُقِعت عليهم بأنها نزاع شخصي دار بينهم وبين المؤمنين حملهم على توقيع هذه العقوبة عليهم حسدا منهم لهم ، (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) ويتركون القواعد الربانية والسنن الإلهية ، بأن الله يستعمل لنصرة دينه من هو أهل لذلك .

 

فتلك هي طريق تفكير المنافق حين يشعر بالخزي والهزيمة ، فيرد الله تعالى عليهم بدلا من أن يكلف المؤمنين معونة الرد بقوله (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ذلك أن المغنم الذي يغنمه المسلمون في ظاهره مغنم وهو في حقيقته اختبار ومسئولية ، كما في قول النبي r (والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) ، أي أن هذا المغنم وإن كان في الأصل محرما والإسلام نسخ التحريم وأبدل الحكم ليكون حلالا بعد ذلك ، لكن في المسألة فقه لابد وأن يفقهه المجاهدون ، وهو التجرد من المغنم وإن أصابوه عرضا ، نقص من أجرهم في الآخرة الثلثين ، ولم يبقى لهم غير الثلث ، هذا هو الفقه الذي ربى عليه النبي r أصحابه .

 

 وانظر إليه r وهو يقسم على أصحابه رضوان الله عليهم بعضا من المال فيعطي هذا منه وهذا منه ، ثم إنه جاء ليعطي عمر بن الخطاب قال عمر رضي الله عنه (أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله r (خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك) [107]، فهذا هو عمر يتعلم من رسول الله r كيف يأخذ المال ويتعلم كذلك فيما ينفقه ، إنه شرط على نفسه أن ينفقه في سبيل الله تعالى لمن هو أفقر منه ، ولذلك تحمل مسئولية البحث عن من هو أفقر منه ليوصل هذا المال إليه ، بذلك يكون النبي r قد قسم الغنائم على من يتحمل تلك المسئولية ، فإن لم يكن هو بحاجة لهذا المال للتمول ، فإنه يصرفه في سبيل الله ، ولكن المنافقين لا يفقهون من ذلك إلا شيئا قليلا كما أخبر النبي r وأنزله الله تعالى في كتابه .

 

قوله  (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) (16) أتاح الله لهم فرصة لأن يجددوا ثقة النبي r فيهم ، فليست غزوة "خبير" محلا للاختبار  ولتجديد الثقة ، بل هي مطمع ، فالاختبار يكون في غزوة يدعوهم الله إليها ، حيث يقاتلون فيها قوما أولي بأس شديد ، فإن اتبعوا الرسول r في تلك الغزوة فقد أصلحوا ما أفسدوه ، وأعادوا بناء وصلات من الثقة بعد أن تهدمت ، وهي غزو الروم ، أولا الغساسنة في "مؤتة" ثم الروم أنفسهم في "تبوك" تلك الغزوة التي كانت بين المسلمين والروم الأشداء - أعظم دولة في حينها - ، وكانت الروم تبعد عن المدينة المنورة مسيرة شهرين ، فجهد المسير إليها كبير وشاق ، ويحتاج لصدق النية  ، فهي محك عملي لاختبار صدق التوبة وتصحيح النية للجهاد في سبيل الله تعالى ، يقول ابن خلدون (أمر النبي r الناس بالتهيؤ لغزو الروم : وكان في غزواته كثيرا ما يوري بغير الجهة التي يقصدها على طريقة الحرب إلا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدة الحرب وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلة الظلال وكثرة العدو)[108].

 

قوله (..تقاتلونهم أو يسلمون..) (16) ذكر القرطبي إلى أن (هؤلاء -الروم- لا تؤخذ منهم الجزية)[109] ، ذلك أنه لا ينبغي الصلح مع مجرمي حرب ، الذين تلوثت دماءهم بقتل الرسل الأبرياء المسالمين ، فكان حكمهم إما القتل أو الدخول في الإسلام ، فالصلح فغير جائز في حقهم إذ لا يؤمن غدرهم ، فكما غدروا من قبل) ، فإذا كان ذلك هو الظرف الذي يحيط بالمعركة التي سوف يخوضها المسلمون مع الروم ، فلا شك أنه اختبار يميز الصادق منهم من الذي لم يقدر بعد على تصحيح نيته ، والتجرد من الدنيا لأجل الله تعالى .

 

فقد قتل شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو أحد عمال الروم (الغساسنة) في الشام، الحارث بن عمير الأزدي، وهو رسول النبي محمد r ، حيث ذبحه بعد أن أوثقه، مما اعتبر جريمة شنعاء وإعلان حرب، وهو ما أدى إلى تجهيز النبي r لجيش غزوة مؤتة عام 8 هـ ، قال الماوردي (وَسَبَبُهَا أَنَّهُ بَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيَّ رَسُولًا بِكِتَابٍ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى ، فَلَمَّا نَزَلَ مُؤْتَةَ عَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ ، فَقَتَلَهُ وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ r رَسُولٌ غَيْرُهُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَنَدَبَ النَّاسَ ، فَأَسْرَعُوا وَعَسْكَرُوا بِالْجُرْفِ ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ)[110]

 

قوله (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا..) (16) جاء الخطاب القرآني صريحا معلنا لهم حق الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما ولا سبيل للمراوغة أو التحذلق ، فإما أن يطيعوا ويخرجوا مع النبي r لهذه الغزوة أي غزوة مؤتة ومن بعدها تبوك ، ويتحملوا المصاعب والشدائد التي لا يصبر عليها إلا للرجال المخلصين ، وإما أن يتولوا عن الخروج وينكثوا في عهدهم مرة أخرى كما تقاعسوا عن الخروج في صلح الحديبية وقصدوا التخلف عن عمد انتظارا منهم لخبر قضاء قريش على النبي r وأصحابه ، فلم يتحقق لهم ذلك ، ولكن الله فتح لهم باب الأجر والمثوبة ليجددوا ثقة المسلمين فيهم ، أو أن يثبتوا بأنفسهم أنهم ليسوا أهلا للثقة ولا ينبغي الوثوق فيهم أبدا .

 

قال القشيري : دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مُرْضية ، ثم تتغير للصلاح ، وأنشدوا :-

إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه ... فَرَجِّ له بعد الفساد صلاحا

قال ابن عجيبة ووجه الاستدلال : أن حضهم على الطاعة جاء بعد التخلُّف والعصيان ، فإن حصلت قُبلت منهم [111].

 

قوله (..وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (16) فالجهاد لم يكن يوما محببا لا لمسلم أو لغيره وقد ذكره الله تعالى في كتابه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (216) .

 

ولكن المسلم لا يفر منه ، لأنه يعلم أنه من كبائر الذنوب ، قَالَ رسول الله r (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)[112]

 

ولذلك بوب أبو داود بابا بعنوان التولي يوم الزحف ، وذكر بعده حديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَزَلَتْ (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَالَ(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) قَرَأَ أَبُو تَوْبَةَ إِلَى قَوْلِهِ  (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ[113]

 

قوله (..يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (16) المقصود به عذاب الدنيا الذي يوقعه ولي الأمر على المخلفين تعزيرا [114]، لأن التخلف عن الغزو يعتبر جريمة معاقب عليها شرعا كما هو معاقب عليها عسكريا ، مثلما هو معاقب علي التخلف عن التجنيد أو عدم إطاعة الجند للأوامر العسكرية في القوانين الوضعية.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ (الْغَزْوُ غَزْوَانِ : فَأَمَّا مَنْ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ وَأَطَاعَ الْإِمَامَ وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الْإِمَامَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ)[115]، قوله ( فإنه لم يرجع بالكفاف ) أي (لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها بل يرجع وقد لزمه الإثم لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي آثم )[116]

 

قوله (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)(17) رفع الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي في الحديبية ، وهو تشريع لرفع الحرج عن مثلهم في حال الاستنفار العام ، واستثنائهم من  إنزال العقاب الجنائي بهم لارتكاب جريمة الهروب من التجنيد أو عدم تنفيذ الأوامر العسكرية بالمعنى المعاصر.

 

وقد حصر الشارع الحكيم الأعذار المبيحة للتخلف في ثلاث (العمى والعرج والمرض) ، فالأعمي هو المصاب بعاهة مستديمة أثرت على حاسة البصر فلا يقدر على استشعار العدو من بعد ، والأعرج هو المصاب بعاهة مستديمة أثرت على أدائه الحركي بنسبة تحول بينه وبين ما يتطلبه الجهاد من أداء حركي بسرعة ورشاقة ، والمريض المعفو عنه هو هو الذي يصاب بداء يرجى برؤه لكن يحول دون قدرته على الجهاد ، فيعذر حتى يشفى ، بذلك ضيق الشارع الحكيم سبل الاعتذار عن الجهاد لتقتصر على تلك الحالات ، ويقاس عليها مثلها كمن كان وحيد أبويه الكهلين ، عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ) قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) [117]

 

 وأصحاب الأعذار هؤلاء يشاركون إخوانهم المجاهدين في الأجر بصدق نيتهم لطلب الجهاد ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله r رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم) ، قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال (وهم بالمدينة حبسهم العذر)[118].

 

قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي فمن تجاوز الاختبار الذي ذكره الله تعالى من هؤلاء المخلفين ، ولم يتخلف في قتال أناس أولي بأس شديد المذكورين آنفا ، فقد أطاع الله ورسوله ، وتجددت ثقة المسلمين به ، وأضحى أهلا لأن يرضى الله عنه ويدخله الجنة التي لا تنال لمن آمن بالله ورسوله ، وتجاوز الابتلاء ، يقول سبحانه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (142)

 

قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)أي فقد قامت عليه الحجة مرة أخرى ، واستحق بذلك عذاب الله تعالى الأليم يوم القيامة ، فضلا عن سخرانه الدنيا والآخرة ، يقول سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (11) .

 

 

المحور الثالث

أهل البيعة يستعملهم الله لنصرة دينه ويلزمهم كلمة التقوى

 

 قال تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )(23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)

 

بوب البخاري بابا بعنوان (باب البيعة في الحرب أن لا يفروا وقال بعضهم على الموت) وذكر فيه حديثا عن جابر بن عبد الله : في قوله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) قال جابر (بايعنا رسول الله r على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت) [119] ، قال النووي (فالبيعة على أن لا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل وهو معنى البيعة على الموت أى نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود فى نفسه وكذا البيعة على الجهاد أى والصبر فيه) [120]

 

والمعنى أنهم لما خرجوا من المدينة إلى مكة كانوا ينوون الحج والعمرة ولم يكونوا ينوون قتالا ، لكنهم كانوا يعلمون أن قريش لن ترضى أن يدخلوا ديارهم وبلادهم ويعبدوا الله تعالى جهارا ويقيمون شعائر الإسلام في مكة ، ومعنى ذلك أن مكة كانت في هذا الوقت دار حرب وليست دار إسلام رغم وجود فئة مسلمة فيها لا يعلمهم إلا الله ، لأن المسلمين فيها مُنعوا من إقامة شعائر الله بل والظهور بإسلامهم ، وبالتالي فإن  الصدام العسكري بين جيش النبي r والكفار كاد أن يحصل لولا أن الله تعالى شاء أمرا آخر ، وقد بينت الآيات هذا الأمر وفصلته تفصلا ، قال النبي r (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، ثم قال اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأهزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) [121] ، ما يعني أن الإسلام يؤجل الصدام العسكري مع الأعداء لآخر لحظة يكون فيها أمرا محتما ولازما ، أي يلجئون إليه اضطرار لا اختيارا ، وعن كره لا عن حب .

 

قوله (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (18) بشر الله أصحاب النبي الذين بايعوه علي الثبات على الحق وعدم الفرار عند ملاقاة العدو بأنه قد رضي عنهم ، فعن النبي r قال (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) [122]  ، يقول جابر (كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة) [123]، فهذا العدد قليل مقارنة بالأحزاب التي تحزبت ضد النبي r قبل الحديبية بعام ، وهكذا أضحت هذه القلة من الناس هي من غيرت التاريخ ، فكانت لحظة البيعة فارقة في حياتهم يتذكرونها كلما مضوا في أمورهم وساروا على دروبهم ، يستمدون منها قوة ويزدادون ثباتها  ،وكانت هذه اللحظة التاريخية هي علامة رضوان الله تعالى عليهم

 

وقد ذكرت الآية المكان الذي تمت فيه هذه البيعة ، وهي مجرد شجرة ، في دلالة على أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يجدوا دارا للاجتماع معا إلا تلك الشجرة التي اجتمعوا تحتها وكانوا ألف وأربعمائة صحابي رضوان الله عليهم ليؤكدوا بيعتهم للنبي r على الثبات وعدم الفرار عند ملاقاة قريش إن اضطروا لذلك، وهكذا أضحت الشجرة معلما لتوحد المسلمين حول القيادة النبوية والثبات على المنهج .

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)[124].

 

والشجرة ليست معلما أثريا بقدر كونها علامة على أن مؤسسات الدولة تقوم برجالها ، وليس بحوائطها ومبانيها ، ، فقد يتأخر تشييد البينان ، لكن لابد من أن يسبق ذلك تشييد الرجال الصادقين على العهد ، فعن طارق بن عبد الله قال (انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت ما هذا المسجد ؟ قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله r  بيعة الرضوان ، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله r تحت الشجرة قال (فلما خرجنا من العام المقبل أُنسيناها فلم نقدر عليها) ، فقال سعيد (أن أصحاب محمد r لم يعلموها وعلمتموها أنتم ، فأنتم أعلم ؟)[125] .

قال ابن حجر (قوله "فأنتم أعلم؟" هو على سبيل التهكم) ، أي لا يشغلنكم هذا المكان باعتباره معلما أثريا ، لاسيما وقد شهد سعيد بأن أباه شهد البيعة وقد نسوا جميعا مكان الشجرة ، فعلام يظن الخلف مكانها متعيينا كما ذكر هؤلاء القوم ، وإنما عليهم أن تستفيدوا من اللحظة التاريخية التي صدق فيها أناس غيروا وجه التاريخ ،فعن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعُمِّيت علينا) [126]

قال النووي (قال العلماء سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لما جرى تحتها من الخير ونزول الرضوان والسكينة وغير ذلك فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها وعبادتهم لها فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى)[127]

وقد عددت الآيات الفوائد الجمة التي جناها المسلمون من الصلح مع الأعداء واخيار طريق السلم بدلا من الحرب , بل إن المصالح التي حصل عليها المسلمون كانت أكبر بكثير من المفاسد التي خشي وقوعها بعض المتعجلين للنصر ، تفصيل ذلك على الوجه التالي :-

 

قوله (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) (18) علم الله ما في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم من التوكل عليه واليقين به ، فمن يتوكل على الله لا يبالي بالمستقبل ، لأن المستقبل بيد الله ، وعندما تتوكل القلوب على الله تعالى يُنزل الله السكينة عليها ، ويحصل للإنسان ثبات انفعالي إزاء المواقف الصعبة ، وهذا هو المطلوب ، وهذا ما حصل لصحابة رسول الله r ، فلو أن قلوبهم تعلقت بالأسباب والحسابات المادية لأعياهم التفكير في الأمر ، ولأُجهِدوا من إعداد العدة والعتاد ، لكنهم وإذ علموا أن الله تعالى مع المؤمنين وأنهم ليس عليهم غير التماس الأسباب التي شرعها الله لنشر الدين ، فخرجوا مسالمين طالبين إظهار شعائرهم لا يخشون في الله لومة لائم .

 

 ولذلك قال النبي r لأصحابه (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره ) [128] ، فلما أضحى أمر المواجهة وشيك ، لم يتبق عليهم غير أن يتوكلوا على الله ، أي أن ترتبط قلوبهم بما يقدره الله لهم من خير .

 

 هنا قذف الله في قلوبهم العامرة به قوة عبر عنها القرآن بلفظ (السكينة) تلك القوة الإيجابية التي تحمل معاني التفاؤل والأمل والثقة في الله تعالى والعزم والتحدي ، فلو ارتجف القلب لما قدر على التفكير السليم ، بينما تحقق السكينة الاتزان النفسي ، والثبات على الحق ، وعدم التردد في اختيار الطريق ألا وهو بيعة النبي r على عدم الفرار ، فإذا سكنت القلوب استطاعت العقول أن تفكر بأسلوب أفضل وأعمق لترى من المصالح ما لن تقدر على رؤيته وهي مضطربة ، ولذلك أرشدهم الله تعالى لما فيه خير ومصلحة للمسلمين والمشركين على وجه سواء.

 

 فكان ذلك هو صلح الحديبية الذي حصل منه المسلمون على أول اعتراف لقريش بالنبي r وأصحابه وشرعية التعامل معه كرئيس لدولة المدينة المنورة وكصاحب حق في دخول مكة معتمرا في العام القادم حيث أظهر شعيرة الإسلام لأول مرة دون قتال ، الأمر الذي يمثل اعتراف عظيم من قريش بدين الإسلام وحق من يعتنقه من أصحاب محمد r في ممارسة شعائرهم العام القادم.. وقد شرط النبي r على سهيل بن عمرو – مفاوض قريش للنبي r - (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) ، فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل ، فكان أول تنازل منهم للسماح للنبي r وأصحابه بأداء العمرة من العام القابل ، فكانت السكينة أول أسباب النصر بفضل الله تعالى .

 

قوله (..وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (18) يُقصد بذلك فتح خيبر ، قال الواقدي (كان أول فتح للمسلمين على اليهود عنوة بعد أن تحصنوا في ديارهم وحاصرهم النبي r وقاتلهم حتى فتحها عنوة ، فقد استنفر النبي r من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه وجاء المخلفون عن غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة فقال لاتخرجوا معي إلا راغبين في الجهاد ، فأما الغنيمة فلا)[129] .

 فعن أنس بن مالك أن النبي r كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم ، قال فخرجنا إلى خيبر فنتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي r قال فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا النبي r  قالوا محمد والله محمد والخميس –يعني والجيش- قال فلما رأهم رسول الله r قال (الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)[130] .

 وعن أنس بن مالك: أن رسول الله r صلى الصبح بغلس ثم ركب فقال (الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا في ساحة القوم فساء صباح المنذرين) ، فخرجوا يسعون في السكك ويقولون محمد والخميس ، قال والخميس الجيش فظهر عليهم رسول الله r فقتل المقاتلة وسبى الزراري)[131] ، وفي رواية (فلجؤوا إلى الحصن) فرفع النبي r يديه وقال (الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)[132] .

 

(وكان هذا الفتح بمناسبة أن يهود خيبر كانوا قد حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة وأنشئوا شبكة اتصالات مع المنافقين – الطابور الخامس في المجتمع المسلم – وبغطفان وأعراب البادية – الجناح الثالث من الأحزاب) [133]، فكانوا بأنفسهم يهيئون ويئلبون الناس للقتال ،وقد وضعوا خطة فاشلة لاغتيال النبي r فكان لابد للمسلمين من مواجهتهم وتخريب بيوتهم وحصونهم وسبيهم وقتل المحاربين منهم .

 

 واختار النبي r علي بن أبي طالب لحمل الراية وقيادة الجيش ، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن النبي r في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتخلف عن رسول الله r فخرج علي فلحق بالنبي r فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله r (لأعطين الراية - أو قال ليأخذن - غدا رجلا يحبه الله ورسوله أو قال يحب الله ورسوله يفتح الله عليه ) ، فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقالوا هذا علي فأعطاه رسول الله r ففتح الله عليه) [134] ، وفي رواية (فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى فغدوا كلهم يرجونه فقال ( أين علي ) . فقيل يشتكي عينيه فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله رجلا بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم) [135] .

 

قال سلمة ..فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله r فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال :

قد علمت خيبر أني مرحب ....... شاكي السلاح بطل مجرب .......... إذا الحروب أقبلت تلهب

فقال علي رضي الله عنه : -

أنا الذي سمتني أمي حيدره ........ كليث الغابات كريه المنظره ......... أوفيهم بالصاع كيل السندره

قال فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه [136].

 

و" خيبر " كانت كثيرة الحصون والقلاع وكانت مقسمة إلى شطرين ، الشطر الأول فيه خمسة حصون (ناعم ، والصعب بن معاذ ، وقلعة الزبير ، وحصن أبي  ، وحصن النزار ) أما الشطر الثاني ففيه ثلاثة حصون ( حصن القموص لبني أبي حقيق ، وحصن الوطيح ، وحصن السلالم)[137] ، وتوالت حصون خيبر في السقوط حصنا بعد آخر حتى أتم الله تعالى الفتح للمسلمين على أعداء الله تعالى ، وقد وجد المسلمون من العناء شدة حتى أنهم ذبحوا الحمير ليأكلوها ليستعينوا بها على القتال ويسدوا بها جوعهم لطول محاصرتهم لهذه الحصون وقتالهم من فيها لكن النبي r نهاهم عن أكلها ، وكانت جملة الشهداء من المسلمين ستة عشر رجلا ، وقيد ثمانية عشر ، وجملة القتلى من اليهود ثلاثة وتسعون قتيلا .

 

وتعد غزوة " خيبر " أول فتح عسكري للمسلمين على اليهود ، وثاني قتال للمسلمين بعد "بدر" تحقق فيه معني الفتح ، ولم يكن بين بدر وخيبر من فتح غير ذلك حيث لم يشتد القتال في الأحزاب وإنما اشتد الحصار ولم يكن ثمة قتال في الحديبية وإنما كانت المفاوضات والصلح .

 

قوله (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (19) قال أهل السير (كانوا يسمون خيبر ريف الحجاز لما فيها من الطعام والودك والأموال)[138] ، فلما فتحها الله تعالى على المسلمين صالح رسول الله r أهلها على أرضها ، وعن ابن عمر: أن النبي r قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله r الصفراء والبيضاء والحلقة – يعني السلاح - ولهم ما حملت ركابهم على أن لايكتموا ولايغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولاعهد فغيبوا مسكا لحيي بن أخطب وقد كان قتل قبل خيبر وكان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير فيه حليهم وقال فقال النبي r لسعية " أين مسك حيي بن أخطب ؟ " قال أذهبته الحروب والنفقات فوجدوا المسك فقتل ابن أبي الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم وأراد أن يجليهم فقالوا يا محمد دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ما بدا لك ولكم الشطر ، وكان رسول الله r يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير) [139] .

 

فكان النبي r قد عزم على إجلائهم لما رأى من خيانتهم له العهد بعد أن اتفق معهم على أن يحملوا ما يحملون من متاع على ركابهم ولا يخبئوا شيئا ، فلما غيبوا مسكا لم يظهروه كان جزاؤهم القتل بما اتفقوا عليه ألا عهد ولا ذمة لمن يغدر ، لكنه اكتفى بقتل أبي حقيق لما عليه من دم وغدر وخيانة في عهد قد سبق ، وصالحهم على أن يترك لهم الأرض والديار ليعمروها ويصلحوها ويزرعوها على أن يكون للنبي r شطر الخراج والرزق منها ، وذلك نظير الاستئمان معهم ، وتأديبا لهم على غدرهم ، ونظير حماية المسلمين لهم كذلك بعد أن أخذ النبي r ما معهم من السلاح .

 

أما نساءهم فقد أكرم النبي r نساءهم بالزواج من صفية بنت حيي بن أخطب ليكون ذلك إشارة إلى أصحابه بإكرامهن ، فعن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال : فأصبناها عنوة فجمع السبي فجاء دحية فقال يا نبي الله أعطني جارية من السبي قال ( اذهب فخذ جارية ) . فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي r فقال يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال ( ادعوه بها ) ، فجاء بها فلما نظر إليها النبي r قال (خذ جارية من السبي غيرها) ، قال فأعتقها النبي r وتزوجها . فقال له ثابت يا أبا حمزة ما أصدقها ؟ قال نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل فأصبح النبي r عروسا فقال (من كان عنده شيء فليجيء به) ، وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن قال وأحسبه قد ذكر السويق قال فحاسوا حسيا فكانت وليمة رسول الله r [140] .

 

 أما حكم الله بسبي نساء اليهود فله حكمة بالغة ، فنحن على علم تام أن الإسلام جرم الزنا ولا يرضاه أن يستشري في المجتمع ، ويحاربه بكل وسيلة ، ولما كان من لا يدين بالإسلام ولا يلتزم بما شرعه الله تعالى من تحريم الزنا ، ولا تؤمن أخلاقه إن أطلق حرا في المجتمع ، ولا يخفى فساد ذلك ، هنا شرع الله سبي نساء اليهود والمشركين لأجل درء مفاسد انتشار الزنا ممن لا يوثق فيهن منهن ، وكان الزواج بأشرفهن دليل قاطع على حسن معاملة الشريفات منهن ، وكان في عتقها بسبب حسن إسلامها وضمان التزامها بشرع ربها ، وقبل الزواج منها إشارة على أنها لا تُكره على الزواج .

 

 قوله (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ..) (20) لأنه بعد صلح الحديبية توالت الفتوحات الإسلامية وامتدت حتى بعد وفاة النبي r حتى وسع أقطار الأرض كلها ، وقد عجل الله لهم فتح خيبر ،والاغتنام منها لأن المسلمين في هذه الفترة زاد عددهم وكثرت تحدياتهم وأصابهم الجهد ، فعوضهم الله بمغانم خيبر حتى يقووا على الجهاد ، فتعجيل الغنيمة كان سببا لإمداد المسلمين بالمؤمن بما يتفق مع أغراضهم استيراتيجية .

 

وقد علمنا أن فقه الصحابة في التصرف في الغنائم حتى لا ينقص أجرهم منها في الآخرة ، كما في حديث النبي r (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم) [141] ، فهي إشارة إلى الأمة الإسلامية بالانتباه عن قبض هذه المغانم وأنها تنقص صاحبها نصيبه من أجره في الآخرة .

 ولكي لا ينقص أجر المجاهد من الآخرة فعليه أن يكتسب المال من العمل لا من المغنم ، وأن يجعل المغنم في سبيل الله تعالى وإن أجاز أن يقبض شيء منه لنفسه ، فليجعله لأجل نفقة الجهاد وما غرمه من نفقات لأجل ذلك ، مع العلم أن نصيبه كل حلال له أن يأخذه كله هيئا مريئا ، لكن لا ينسى من سبقوه في الجهاد أمثال مصعب ابن عمير هاجر وجاهد ولم يأخذ شيء من مغنم وادخر أجره كله لله .

إذ يحكي لنا خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع النبي r نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي r أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر [142].

 

إذن قد أحلت الغنيمة للأمة رخصة لضعفائنا وليس عزمة لأقويائنا ، فعن النبي r قال : (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولا فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا) [143] .

 

 قال ابن حجر في الشرح : (وفيه إشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر وفيها نزل قوله تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله لهم الغنيمة ...وفيه أن من مضى كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء فتأكلها وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول ، وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول ، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول)[144] .

 

 قوله (..وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ..) (20) وهذا هو أعظم مغنم غنمه المسلمون أن حُقنت دماء إخوانهم المسلمين وحُقنت دماء المشركين الذين أسلموا بعد ذلك ، فالإسلام يرفض سفك الدماء بلا ضرورة وفي الإمكان اتخاذ حلول سلمية لعلاج أي صراع ونزاع قائم ، فالإسلام يعالج الأمور السياسية بالحلول السلمية ولا يلجأ للصدام المسلح إلا إذا انغلقت كافة السبل السلمية ، ولذلك فإنه يدعو في كل المراحل إلى كف اليد من الطرفين طالما أمكن التوصل إلى إحقاق الحق وإقامة العدل ونشر الإسلام والتفرغ للدعوة والإنتاج وتوزيع الدخل بعدالة

فبصلح الحديبية انتهى اضطهاد المشركين للمسلمين ، وأضحى المسلمون قوة لا يستهان بها وإنما يُخشى منها ، وتهاب من مسيرة شهر ، يقول النبي r (نصرت بالرعب مسيرة شهر)[145] ، فأضحى خوف أعداء الله تعالى من المسلمين هو سبب كف أيديهم عن إيذائهم وقتلهم ، ولذلك كان لزاما أن تكون في المسلمين قوة يهابها أعداء الله تعالى ، وقد قال في كتابه (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .

 

فإرهاب المسلمين أعداءهم مشروع ، وليس كما يظن البعض أنه عمل غير سلمي ، بل هو سلمي بامتياز ، لأنه يؤدي إلي كف اليد ، واللجوء إلى حلول سلمية ، ولو لم يرهب الأعداء المسلمين لتطاولوا عليهم ، كما في قوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) ، ولا يكون إرهاب الأعداء بقتالهم وقتلهم ، وإنما بالاستعداد للجهاد وإعداد القوة اللازمة لذلك وتجهيز الخيل وصنع الآلات والمعدات العسكرية بما يرهب أعداء الله تعالى فيكفوا أيديهم عنا ، أي أن الغرض هو كف اليد لا القتل والتأديب أو الانتقام والاستئصال ، فإذا تحقق ذلك بذلك أضحى المجتمع المسلم آمنا وأضحى كذلك المجتمع الدولي آمنا تجاه المسلمين ، وهو ما يعني أن السلام العالمي لا يتحقق في ظل ضعف المسلمين والاستهانة بهم ، وإنما يحتاج لوحدة وأخوة وبيعة وإعداد وقوة وإخلاص ونية وتجرد عن الدنيا وصدق مع الله تعالى حتى تتم الآية للمؤمين بأن يهديهم إلى صراط مستقيم .

 

قوله (..وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (20) هذه الآية علمت المسلمين دروسا في السياسة الشرعية ، وذلك هو هدى الله إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ، بمعنى أن سياسة الإسلام الشرعية هي أقصر طرق السياسات الدولية للتعامل مع الآخر ، لأن الطريق المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين ، فإذا أردت اعترافا بشرعيتك فاسلك سبل السلم وادفع بما هو أحسن كما قال الله سبحانه (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(34)

 

فمن يفضل التغيير بالطريق المسلح والاصطدام العسكري مع الآخر لا يسعي للتغيير الحقيق ، أما من يلتزم شرع ربه ويفضل الطريق السلمي للإصلاح والتغيير فإنه قد هدي إلى الصراط المستقيم وسوف يحقق آماله وطموحاته في أقرب وقت يأذن الله له بذلك ، فقد قال في كتابه (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) ، فهو قريب لأنه أقصر طريق للإصلاح هو الطريق المستقيم الذي لا دم فيه إلا قليلا

 

والدليل على ذلك أننا لو جمعنا القتلى في صفوف اليهود والمشركين في جميع معارك النبي r معهم لنجد أنها لا تتعدى ثلاثمائة قتيل في تسع عشرة غزوة غزاها النبي r بنفسه [146] ، وقاتل في ثمان منهن [147] ، وأكثر من ست وثلاثون بعثة وسرية على أقل تقدير [148] ، وكان أكثرهم في غزوتي "بدر وخيبر" ، الأمر الذي يعني أن معدل القتلى في كل غزوة أو بعثة أو سرية ستة تقريبا ، فهو أدنى معدل قتلى في أي دولة في العالم في تاريخ البشرية جمعاء ، بل إن هذا المعدل قد يتحقق سنويا كل عام أو شهر على حدود معظم الدول لتأمين الحدود الدولة من المتسللين والمهربين في الوقت الراهن.

 

إذن لابد وأن يجمع المسلمون مع قوة السلاح والعتاد والعدة السياسة والفطنة والذكاء والقدرة النفسية على التعامل مع الآخر ، فكم حلت السياسة الشرعية والمفاوضات السلمية - متى كان المسلمون قوة غير مستضعفة- فما لم تقدر أن تحله الحروب على مدار السنوات ، تستطيع المفاوضات أن تحله في لحظات ، وفي ذلك عمل بالمصالح المرسلة واستحسان لما يطبع على النفس ألفة ومحبة .

 

 يقول العلماء (الاستدلال بالمصالح التي قد يقال لها المصالح المرسلة هو الذي يري الشيء مصلحة وليس في الشرع ما ينفيه فيستدل بالمصلحة علي أنه من الشريعة ، والاستحسان أن يري الشيء حسنا فيستدل بحسنه علي أنه من الشرع ، والعدل أن يري للشيء نظيرا وشبيها فيستدل علي حكمه بحكم نظيره وشبيهه) [149] .

 

 وذلك كله باب من العلم واسع سماه العلماء بالسياسة الشرعية ، قال ابن عقيل : (جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم ولا يخلو من القول به إمام ، فقال شافعي لا سياسة إلا ما وافق الشرع ، وقال ابن عقيل السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول r ولا نزل به وحي) [150] .

 

قوله (..وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (21) إشارة إلى ما وعدهم به النبي r من كنوز كسرى وقيصر ، وقد كذبه المنافقون في ذلك ، فكانوا يقولون في غزوة الأحزاب (يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على خلائه)[151] ، وكان النبي r يبشرهم ويقول  (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) [152] .

 

قال الشافعى وسائر العلماء معناه (لايكون كسرى بالعراق ولاقيصر بالشام كما كان فى زمنه r فعلمنا r بانقطاع ملكهما فى هذين الإقليمين فكان كما قال r فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض وتمزق ملكه كل ممزق واضمحل بدعوة رسول الله r ، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقاصى بلاده فافتتح المسلمون بلادهما واستقرت للمسلمين ولله الحمد وأنفق المسلمون كنوزهما فى سبيل الله كما أخبر r وهذه معجزات ظاهرة) [153].

 

فدعوة الإسلام دعوة عالمية لا تقف عند حدود إقامة المجتمع المسلم ولا الدولة الإسلامية ولا الخلافة الإسلامية وإنما طموح الدعوة الإسلامية أن تمتد إلى جميع أقطار الأرض ، يقول النبي r (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر[154] إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما يعزهم الله عز وجل فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لها) [155]، وفي رواية (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو ذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر) [156]

 

وقوله ( ..قد أحاط الله بها ..) (21) إشارة إلى حفظ الله تعالى لمغانم المسلمين المستقبلية التي سوف يستعينون بها على فتح سائر الأمصار وبذل المزيد من الجهد الدعوي لنشر هذا الدين ومبادئه وأحكامه ، فلا يخشى المجاهدون من فقر يستقبل أو عدو مستكبر ، فقد أحل الله أموالهم وديارهم غنائم للمسلمين ليذل الكفر والكافرين نظير شدتهم على المسلمين حتى اضطروهم إلى قتالهم واستحلال أموالهم تعويضا عمن استشهد من المسلمين وما أنفقه المسلمون من مال لملاقاة أعداء الله تعالى .

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (21) يصعب تصور أن الصحابة الأميين الذين هاجروا أوطانهم بدون مال وتركوا ديارهم وأموالهم ، وعاشوا في المدينة بلا مأوى إلا أن آوتهم بيوت الله تعالى كما فتح لهم الأنصار بيوتهم ، أن هؤلاء يقاتلون كسرى وقيصر وينفقون كنوزهما في سبيل الله !

 

 أنظر كيف كان عمر بن الخطاب الفارق يستغرب البون الشاسع بين حال النبي r في بيته وملوك كسرى وقيصر في قصورهم ، فيقول : (دخلت على رسول الله r وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله r فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت عيناي قال: ما يبكيك ؟ يا ابن الخطاب قلت يا نبي الله وما لي لا أبكي ؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله r وصفوته وهذه خزانتك فقال يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ قلت بلى)[157] ، فكان الصحابة مؤمنين بقدرة الله تعالى ، ويعلمون أن الله أحاط بالدنيا لهم ، ليقيموا العدل فيها ، وليس لتكون هي جزاء جهادهم في الدنيا .

 

قوله (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (22) تثبت هذه الآية الذين آمنوا على الحق حيث لا يتزعزعون عنه أبدا ، وقد علموا أن الحق منتصر بإذن الله تعالى ، فلماذا يحيدون عنه؟ (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة 56) ، إذ لو حدثت مواجهة بين الفئة المؤمنة التي على الحق والفئة الكافرة التي على الباطل ، فإن النصر حتما سيكون للمؤمنين بإذن الله تعالى لما في هذه الآية من البشارة بالنصر على أعداء الله تعالى ، كذا قوله (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد 21).

 

 

قوله (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (23) في ذلك تأكيد على أن هذه البشارة ليس خاصة بجند محمد r وأصحابه ، وإنما هي سنة كونية سنها الله تعالى في الأمم من قبل ولا تزال هذه السنة قائمة ومطردة فيما يستقبل ولا تبديل لهذه السنة أبدا ، يقول ابن عاشور : (قدر الله للمسلمين عاقبة النصر ، فلو قاتلهم الذين كفروا لهزمهم المسلمون ولم يجدوا نصيرا) .

 

 فإذا رأيت الذين كفروا يفرون ويلوون الأدبار فاعلم أنهم يقاتلون قوما على الحق ، وإذا لم تراهم يفعلون ذلك فاعلم أنهم يقاتلون قوما ليسوا على الحق بالكلية ، وإن كانت دعوتهم في ظاهرها حق لكنهم لم يلتزموه ويعملوه به ، إذ لا تبديل لسنة الله تعالى التي شرعها في عباده ، فطالما أخبر فخبره صدق.

 

يقول صاحب الظلال : (وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل ، فأية سكينة ؟ وأية ثقة ? وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم ; وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود ? وهي سنة دائمة لا تتبدل ، ولكنها قد تتأخر إلى أجل ، ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين على طريقهم واستقامتهم الاستقامة التي يعرفها الله لهم ، أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين).

 

قوله (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [158] مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (24) مفهوم كف اليد في العهد المكي غير مفهومه في العهد المدني ، فمرحلة كف اليد من أهم مراحل الدعوة الإسلامية في العهد المكي حيث كان الصحابة في حال الاستضعاف ، أي في حال الضرورة ولا يوجد حل آخر غير كف اليد ، كما قوله (قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (14) ، أما في العهد المدني فقد تغير الحال ، وقد ظفر المسلمون بالنصر في بدر ، وردوا الأحزاب خائبين ، وقد عنيت هذه الآية بصلح الحديبية وقصدت بكف اليد كلا الفريقين ، يعني المؤمنين والمشركين ، بمعنى الصلح المؤقت الذي إما أن يؤول إلى صلح نهائي أو إلى نشوب الحرب بينهما من جديد ، فالإسلام يدعو إلى كف اليد عن القتال المشركين حتى في ظل كون المسلمين قوة لا يستهان بها ، بل وبعد الظفر على أعداء الله تعالى والنصر عليهم مرة ثم مرة.

 

فعن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله r -أي عام الحديبية- من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة – أي غفلة - النبي r وأصحابه ، فأخذهم سلما فاستحياهم فأنزل الله عز وجل (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) [159] ، قوله (فأخذهم سلما فاستحياهم) أي (أخذهم بلا قتال مستسلمين)(واستحياهم) يعني (استبقاهم)[160] أي استبقاهم وتركهم أحياء ولم يقتلهم وفي رواية فأعتقهم ، فإنهم لم يؤخذوا صلحا ،وإنما أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم عجزا ، لكن لم يجر معهم قتال بل عجزوا ، فرضوا بالأسر كأنهم قد صولحوا على ذلك ، فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة الفتح .

 قال الطيبي (لما كان سلامة المسلمين من أولئك ومجازاتهم بالكف عنهم بعدما أرادوا الغرة والفتك بهم من الأمور العظام ، ولولا أن الله تعالى ألقى في قلوبهم الرأفة والرحمة بهم ، وأن الله تعالى قهرهم وذبهم عنهم لم تحصل السلامة ، أسند الفعلين إليه تعالى على سبيل الحصر حيث قال "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم" أي الكف إنما صدر منه تعالى لا منكم )[161]

 

ففي ذلك إشارة إلى علة الكف عن القتال رغم الظفر وهو حفظ هذا البلد (مكة) من أن تسفك فيه مزيد من الدماء وفي الإمكان حفظها بغير قتال ، ولذلك جعل الله تعالى القتال فيه محرما كأصل عام إلا لرد عدوان صائل ، كما أنه في الإمكان عرض الإسلام على أهل مكة فيسلموا ،ولذلك غير النبي r طريقه لما علم بقدوم خالد بن الوليد على طليعة فرسان حتى لا يلتقيان فينشب بينهما قتال .

 

 فعن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا خرج رسول الله r زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي r ( إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ) ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي r حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فألحت ، فقالوا خلأت القصواء هلأت القصواء فقال النبي r (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ) ، ثم قال (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) [162].

 

فدعوة الإسلام لا تستهدف الظفر على أعداء الله تعالى بقتلهم وسبي ذراريهم ، إذ لو كان الأمر كذلك لجيش المسلمون جيشا يقضون فيه على أعداء الله وقد وعدهم الله بالنصر وجعلها سنة لا تتبدل ، لكن الله تعالى كف الأيدي عن سفك الدماء ، ما يعني أن دين الإسلام يريد أن يكون أهل الإسلام أقدر الناس على استيعاب الآخر ، أي من أهل الملل الأخرى ، ودولة الإسلام أقدر على تحقيق التعايش السلمي بين المؤمنين وغيرهم من أصحاب الملل الأخرى ، فالنبي r حين دخل مكة ولم يجبر أحدًا من أهلها على دخول الإسلام رغم أنها أضحت بعد ذلك مركزا للدعوة الإسلامية على مستوى العالم أجمع .

 

 قوله (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ..) (25) استظهار لأشد صور الصد عن سبيل الله حيث سوء النية وضلال التصرف والتأهب للعدوان بصد المواطنين عن دخول بيوتهم وأوطانهم ، ومنعهم من الود وصلة أرحامهم ، ومنعهم من إيصال البر وتقديم الطعام لأهل البلد الـمُضيِّف ، كل ذلك حصل من فئة الذين كفروا ، فما يضيرهم أن يدخل المسلمون مكة حاجين ومعتمرين ومسالمين ، وما يضيرهم أن يأتوا بالأنعام والإبل ليذبحوها في مكة ويطعموا أهلها ومن حولها من القرى ، إلا ما في قلوبهم من جاهلية ، تلك التي حالت بينهم وبين فهم رسالة الإسلام ، وشعائره السلمية التي يظهرها المسلمون للعالم كله ، بأنهم أهل سلم لا أهل حرب ، ولكنهم ورغم صدهم عن سبيل الله فإنهم لن يضروا الله شيئا ، ولن يصيب المسلمين شيء من ضرهم إلا بعض الأذي في إمكان أهل الحق والدعوة تحمله ، كما في قوله (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) .

 

قوله (...وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ...) (25) قال ابن كثير أي (بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكُنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم - منازلهم- من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل؛ ولهذا قال (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ) أي: إثم وغرامة ( بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ) أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام)[163]

 

وهكذا وقع صلح الحديبية لأجل ألا يكون بين الأهل دماء ترهاق ، حفاظا على الوطن الواحد متى كان في الإمكان تحقيق ذلك بدون أن يحصل قتال ، فعن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا : (فبينما هم كذلك – أي المسلمون عند الحديبية يرتوون من العطش - إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة ... ، فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال رسول الله r ( إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينقذن الله أمره ) ، فقال بديل سأبلغهم ما تقول قال فانطلق حتى أتى قريشا قال إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء ، وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته ، يقول قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي r ، فقام عروة بن مسعود فقال أي قوم ألستم بالوالد ؟ قالوا بلى قال أو لست بالولد ؟ قالوا بلى قال فهل تتهمونني ؟ قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا بلى قال فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه قالوا ائته فأتاه ، فجعل يكلم النبي r فقال النبي r نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك) [164] .

 

قوله (..لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ..) (25)  قال ابن كثير أي: (يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام)[165] ، فالآية تشير إلى أن بعض المسلمين وقعوا بين المشركين ويكتمون إسلامهم ، ولولا ذلك لعذب الله الكافرين ، فكف الله أيدي المؤمنين عن القتال لأجلهم ، كما أن من بين القوم الكافرين من  قد تتهيأ قلوبهم للإسلام ،  فهؤلاء وهؤلاء لا يزالون في أيدي الكافرين ، ولو واجه المسلمون المشركين لسالت دماء المستضعفين بين المشركين وليسوا منهم ، فمن رحمته سبحانه أن يدخلوا في الإسلام جميعا .

قال البغوي (فاللام في "ليدخل" متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام، يعني: حال بينكم وبين ذلك ليدخل الله في رحمته في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوها)[166]

 

قوله (..لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (25) قال ابن جزي (معنى "تزيلوا" تميزوا عن الكفار ، والضمير للمؤمنين المستوري الإيمان ، أي لو انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار)[167]

ولو لم يكن الأمر كذلك بعلم الله أنه سوف يدخل في رحمته ما يشاء ، وأمكن تمييز أهل الإيمان عن أهل الكفر لحكم الله تعالى بقتال أهل الكفر الذي يصدون عن سبيل الله تعالى ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، وإنما كان الحفاظ على قطرة من دم مسلم أن ترهاق أعظم من دماء الكافرين جميعا ، ولذلك نظر ابن عمر يوما إلى البيت (الكعبة) فقال : (ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) [168]

 

وهكذا يعلمنا الإسلام كيف نقيس الأمور ونقدر المصالح ، ونوازن بينها وبين المفاسد ، ونرجح بعضها على بعض ، فلا مصلحة البتة في سفك دم امرئ مسلم برئ ولو في مقابلة تحرير بيت الله تعالى من أيدي الظالمين والكافرين طالما في الإمكان التريث حتى يتم فتح هذا البلد سلما لا حربا .

 

 قوله (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (26) ظهرت حمية الجاهلية أثناء تفاوض الكفار مع رسول الله r ، في حين بدت السكينة وعدم الانفعال من النبي r إزاء شروط الكفار المجحفة ، وقد أرشد الله المؤمنين ما فيه خير ومصلحة لعامة المسلمين ، فأنزل السكينة عليهم ليثبتهم على الحق ويلزمهم كلمة التقوى ، ولو لم يكونوا أهل تقوى لما ثبتهم الله تعالى عليها في تفاوضهم مع الكفار والمشركين .

 

وتصف لنا كتب السيرة والتاريخ والسنن كيف كان حال النبي r وأصحابهم وهم يمضون شروطهم مع كفار مكة ، كأن النبي r يكتم أنفاسه حتى يتم الكفار هذا الصلح معه ، رغم ما في ظاهره من شروط لم يكن يهواها المسلمون وجاءت رغما عنهم ، ورغم ما فيها من تنازلات كثيرة ظن فيها المسلمون مهانة للإسلام وللمسلمين ، لكن النبي r يعرف أين المصلحة ؟ ولذلك أمضى للمشركين شروطهم شريطة أن يوافقوه على الصلح ، وأن يستلب من بين أسنانهم موافقتهم على أن يسمحوا له r في العام القابل دخول مكة حاجا ومعتمرا .

 

فعن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي r (لقد سهل لكم من أمركم) ، قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبي r الكاتب فقال النبي r (بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي r (اكتب باسمك اللهم) ، ثم قال (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) ، فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي r (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله) ، قال الزهري وذلك لقوله ( لا يسألونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ، فقال له النبي r (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، قال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي r ( إنا لم نقض الكتاب بعد ) ، قال فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا قال النبي r (فأجزه لي) ، قال ما أنا بمجيزه لك قال ( بلى فافعل ) ، قال ما أنا بفاعل قال مكرز بل قد أجزناه لك قال أبو جندل أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، قال فقال عمر بن الخطاب : فأتيت نبي الله r فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال ( بلى ) ، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال ( بلى ) ، قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال ( إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ) ، قلت أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال ( بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ ) ، قال قلت لا ، قال (فإنك آتيه ومطوف به ) ، قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال أيها الرجل إنه لرسول الله r وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق ؟ قلت أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به قال بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به)[169]

 

 أي أن النبي r لم يخرج بهذا الصلح إلا بمصلحتين ، الأولى : كف يد قريش عن العدوان على المسلمين ، والثانية : السماح للنبي r وأصحابه بدخول مكة معتمرين العام القابل بعد صلح الحديبية ، أما قريش فإنها لم تعترف بكلمة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ولم  تعترف بأن محمد هو رسول الله r ولم يفتحوا قلوبهم وأذانهم للشهادتين ، وكان ذلك حمية منهم لجاهليتهم ، كما ظفرت قريش بمن أسلم منهم بعد هذا الصلح ، فألزمت النبي r بأن يرده إليهم لو جاء إليه .

 

وبهذه الشروط التي ذكرناها كاد أن يغتاظ المسلمون لولا أن الله أنزل السكينة عليهم فثبتهم على أن ارتضوها برضاء رسول الله r لها ، إذ تقول الرواية أنه (لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله r لأصحابه (قوموا فانحروا ثم احلقوا ) - أي تحللوا من إحرامهم للعمرة فلا عمرة هذا العام - ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يانبي الله أتحب ذلك اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما) [170]

 

وعن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله r قال لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي r أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه ، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه وأبى سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي r على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما [171] .

 

قوله (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (26) المقصود بكلمة التقوى الرضي بما قدره الله ، وحكم به رسوله ، وذلك هو الترجمة الحقيقية لكلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فعَنْ النَّبِيِّ r (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)[172].

 

وهو ما أفاد بأن المسلمين لما التزموا الصلح على هذه الشروط المجحفة لاسيما شرط استبقاء المسلمين الجدد لدي الكفار في ديارهم ، لم يكونوا يعلموا بقدر الله ، وأن ذلك الشرع هو ما حقق مصالح المسلمين ، وقد صار هذا الشرط الذي ظنوا فيه تنازلا عن حقوق المسلمين وبال شر علي المشركين حتى أنهم بأنفسهم تنازلوا عنه بعد أن علموا بتحزب من أسلم منهم وأبى أن يسلم نفسه لقريش ، واستقلوا بأنفسهم ، وصنعوا شوكتهم ، بل وقطعوا الطريق على قريش ، فوضعوا قانونهم الخاص ، لأنهم غير خاضعين لسلطان المسلمين بهذا الصلح -اضطرارا- ، وقد خرجوا عن سلطان الكفار والمشركين إذ لم يرتضوا أن ينال منهم المشركون ، وقد تمردوا عليهم ، فتنازل الكفار عن هذا الشرط لما أثبتت التجربة أنه ليس في صالحهم ، وطلبوا من النبي r أن يأخذهم ويخضعوا لسلطانه ، ويضمن ألا يقطعوا الطريق على كفار مكة بعد ذلك .

 

 تقول الرواية (ثم رجع النبي r إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ،فأرسلوا في طلبه رجلين ، فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة ،فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت ، فقال أبو بصير أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد ، وفر الآخر  حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله r حين رآه ( لقد رأى هذا ذعرا ) ، فلما انتهى إلى النبي r قال "قتل والله صاحبي وإني لمقتول" ، فجاء أبو بصير فقال (يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم) قال النبي r (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي r تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن آتاه فهو آمن فأرسل النبي r إليهم فأنزل الله تعالى (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم - حتى بلغ - الحمية حمية الجاهلية) ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت [173] .

 

المحور الرابع

البشرى بظهور دين الإسلام على الدين كله

 

قال تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)

 

قوله (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (27) انتقال من الحكاية عن صلح الحديبية إلى التبشير بعاقبة هذا الصلح ، وأنه سوف يؤول إلى فتح مكة ، بسبب أن النبي r كان يتتبع منهج الوحي ، بمعنى أن النبي r لما التزم منهج الصلح مع قريش حتى فتحها الله له لم يكن يجتهد –حينئذ – في سياسته الدعوية ، إنما كان يلتزم ما يوحى إليه ، وآية ذلك أن القصواء قد بركت وقد حبسها حابس الفيل ، وآية ذلك كذلك الرؤيا التي رآها ، ولذلك كانت سيرته تشريعا يجب أن نلتزمه ونسير على هداه .

 

هذا وقد كان الوحي ينزل على النبي r في عدة صور منها الرؤيا الصادقة ، فعن أم المؤمنين عائشة  رضي الله عنها قالت : (أول ما بدىء به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) [174] ، فلما انقطع الوحي بموت النبي r بشر الله تعالى أهل الإيمان بشيء مما بشر به الأنبياء حتى يوقنوا أنهم على الحق ولا يلتبسوا بالباطل ، يقول النبي r (لم يبق من النبوة إلا المبشرات ) ، قالوا وما المبشرات ؟ قال (الرؤيا الصالحة) [175].

 

 قال ابن حجر : والمعنى : (أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ويرد عليه الإلهام ، فان فيه إخبارا بما سيكون وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث) يقول النبي r (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) [176] ، ولذلك قال النبي r (الرؤيا الصالحة من الله)[177] ، لكن يجب التفرقة بين الرؤيا والحلم ، يقول النبي r (الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره) [178]

 

 فإذا سأل سائل كيف نفرق بين الرؤيا الصادقة والحلم من الشيطان ؟ نقول أن النظر في الرؤيا يكون بالنظر فيما جاءت به ، فإن جاءت بخلاف حكم مقطوع به في الكتاب أو السنة فهي من الشيطان ، إذ لا تشريع بعد موت النبي r وقد قال في كتابه الكريم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ) ، ولا نبي بعد النبي محمد r ، فلا يجوز استنباط تشريع جديد بناء علي رؤيا رآها البعض ، وقد اكتمل الدين ولا نبي بعد النبي r يوحى إليه ، يقول المولى سبحانه (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) .

 

 أما إن كانت الرؤيا في أمر من الأمور الاجتهادية التي يسوغ فيها الاختلاف ، وقد يحتار المؤمن في اختيار أي الطريقين ، فإنه يجوز أن يسترشد بالرؤيا للوصول للحق والأنسب بين الآراء ، فإن كانت بخير استرشد بها ، وإن كانت بشر فلا يحدث بها فإنها ليست برؤيا من الله لقوله r (الرؤيا الحسنة من الله ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره) [179] .

 

والرؤيا التي رآها النبي r  من الله تعالى بشرته بفتح مكة ودخولها آمنا مطمئنا يؤدي فيها فريضة الحج ، وملتزما هو وأصحابه ما شرعه الله تعالى من أحكام في هذه الفريضة كالتقصير والحلق عند الحل من الإحرام آمنين مطمئنين غير مستشعرين الخوف أن يردهم أحد عن المسجد الحرام .

 

قوله (..آَمِنِينَ..) يعني دخول المسجد الحرام لأداء المناسك مع الأمن وعدم الخوف ، بما يدل على أن الإسلام يدعو العالم أن يرون المسلم على هذه الحالة السلمية من الأمن والطمأنينة ، يقول المولى سبحانه (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ، فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (ال عمران/96-97) ، نعم ( من دخله كان آمنا ) ، فالإسلام يستظهر للناس معجزة الأمن والأمان التي جعلها في أداء مناسك الحج والعمرة ، فالذي يغادر مكة بعد أن دخلها وهو يؤدي مناسك الحج والعمرة يجد أنه فقد شيئا كان يشعر به وهو داخل مكة ، فلما خرج منها فقده ، ألا وهو "الأمن والأمان"

 

قوله (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) فالحاج أو المعتمر يحظر عليه أن يقص من شعره حتى يتم حجه أو عمرته بإتيان المناسك التي ركنها الطواف بالبيت - والسعي بين جبل الصفا وجبل المروة على الراجح-، ويزيد الحج عن العمرة بركن الوقوف بعرفة ، وذبح الهدي ، فإذا ما تحلل الحاج أو المعتمر من إحرامه – متى أتى أركان الحج وإن جاز له أن يؤخر بعضها - فإنه يجوز له يقصر من شعره أو يحلقه كله ، فيتحلل تحللا أصغر حتى يتم باقي المناسك ، ويكون بذلك قد أتي منسكا آخر من مناسك الحج والعمرة .

 

 والغاية من إتيان هذا المنسك – الحلق أو التقصير- إظهار الحالة السلمية التي عليها المسلمون عند أدائهم لمناسك الحج والعمرة ، وإظهار الخضوع والذلة لله رب العالمين ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال ( اللهم ارحم المحلقين ) ، قالوا والمقصرين يا رسول الله قال ( اللهم ارحم المحلقين ) ، قالوا والمقصرين يا رسول الله قال ( والمقصرين) [180] ، ذلك أن مناسك الحج والعمرة لهما أكبر دلالة على أن الإسلام هو سلام لا سفك دماء ، وأنه دين يستعظم للحرمات ،  وقد خلا من الكبر أو التكبر .

 

فالشعر هو مكرمة الإنسان ، فعن النبي r قال (من كان له شعر فليكرمه) [181] ، وأنت حين تقصره أو تحلقه لله - وإن كانت امرأة فلتـأخذ قدر أنملة منه نظرا لأهمية جمالها لزوجها راعى الشارع ذلك - امتثالا لأمر مولاك دون أن يهمك منصبك ولا سلطانك الذي أتيت منه ، فإنك تتخلص رويدا رويدا من مصادر عزتك وأنفتك التي شغلتك عن ذكر الله والخضوع لأوامره ، إنها إحدى صور العبودية المحضة لله تعالى التي ليس للنفس حظ فيها ، بل على العكس تأت بعكس حظها ورغبتها في التجمل والتزين .

 

 يقول النبي r (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال أحد الصحابة : الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، فقال النبي r (إن الله جميل يحب الجمال ) [182]، فهل يعقل - بعد أن يضع المسلم من جماله تنفيذا لهذه الشعيرة - أن يتهم المسلمون بالتكبر على غيرهم ؟ بل يجب النظر للمسلمين حال تمسكهم بشرع ربهم ، فإذا ما نظر الناس إليهم وهم على هذا الحال من الشفقة والتواضع ، فإنهم يشهدون بأنهم أكثر الناس تواضعا وشفقة على هذه الأرض .  

 

قوله (..لَا تَخَافُونَ..) ممن ؟ أطلق الشيء الذي هو محل الخوف ، ليشمل الخوف من أهل مكة الذين كانوا يصدونهم عن المسجد الحرام ، هذا وارد ، لكن الإطلاق أفاد شيئا آخر يظل رفيقا بالحاج حتى بعد فتح مكة ، يتمتع به كل حاج ، وهو الشعور بالأمان عند زيارة المسجد الحرام وعدم الخوف لأول مرة بإطلاق ، بمعنى عدم الخوف من الله ، وقد أمنه الله من غضبه وعذابه ، فإذا خرج منه عاوده الخوف مرة أخرى ، وتعين عليه تغليب جانب الخوف على الرجاء .

 

وتغليب جانب الرجاء في الله على جانب الخوف منه للمحرم سبب أنه لا يجوز للمسلم أن يهم بمعصية في بيت الله تعالى الحرام ، ولذلك فإنه يشعر أن هذا البيت بمثابة جنته طالما أنه لا يفكر في المعصية ، فإذا ما خرج منه فإن الإبتلاءات تتوالى عليه مرة أخرى ، وهنا لابد وأن يخاف إذ لو لم يخاف لوقع فيما حرمه الله تعالى عليه ، فكانت البشرى أن ينعم المسلمون لحظات في هذه الدنيا بالجنة ، كما قال أحد السلف رضوان الله عليهم (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة) ، وأظنها بيت الله الحرام ، ولذلك يقول النبي r (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكثير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا في الجنة) [183] .

 

قوله (..فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا..) (27) ، قال الشوكاني : (ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين)[184] .

 

 وكذلك تذوق حلاوة الإيمان ، والجنة عند دخول بيت الله تعالى سلما لا حربا ،ورؤية الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، لتكون آية للمؤمنين الذين يأتون بعد ذلك فيدخلوا إن شاء الله سائر البلاد بنفس الطريقة سلما لا حربا .

 

قوله (..فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (27) بشرهم الله تعالى بالفتح القريب بدخول غيرهم الإسلام بهذا الصلح بإذنه سبحانه ـ قال الزهري (لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك بل أكثر ، فإن المسلمين كانوا في سنة ست هـ وهي سنة الحديبية ألفا وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان هـ عشرة آلاف)[185] ، أي زادوا في سنتين أكثر من ستة أضعاف .

 

 من هنا نفهم أن الإسلام لم ينتشر بالسيف ، كما يروج لذلك المستشرقون ، وإنما بالسلم والصلح ، ولذلك يحارب أعداء الله المسلمين ليظلوا في حالة حرب وينشغلوا بها عن الدعوة ، والمسلمون يريدون أن يباشروا دعوتهم بإظهار شريعتهم وشعائرهم ، أي يبدون للناس في حالة السلم الإيجابي والشفقة والرحمة ، فإذا رآهم الناس على هذا الحال كان ذلك فتحا قريبا بدخولهم الإسلام طوعا واختيار .

 

قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (28) حالة السلم الإيجابية التي احتفظ بها المسلمون كانت ولا تزال أكبر سمة دفعت الناس إلى دخول هذا الدين ، فهي السبب الرئيسي لأن يكون هذا الدين ظاهرا على الدين كله ، ذلك أن الناس لا يريدون دينا يدعو إلى الاستسلام ، ولا دينا يدعو إلى العدوان واغتصاب حقوق الأبرياء ، وإنما يريدون دينا يجمع بين القوة والتسامح ، يؤكد على السلم دون تنازل عن الحقوق المشروعة ، فكان ذلك هو الإسلام الذي أراده الله تعالى دينا للناس ، وأرسل رسوله محمد r بالهدى والحق ليكون ظاهرا على الدين كله ، فعن  e قال (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها) [186].

 

 يقول المجاهد الشهيد عبد الله عزام ( تشير كثير من المؤشرات ،  وتوحي كثير من الومضات إلى أن هذه العقيدة هي المرشحة الآن لإنقاذ البشرية ، ولتأخذ على عاتقها تخليص الإنسانية من الشقاء الذي لم تعد تجد منه مهربا ، وكاد الإنسان ييأس من النجاة بعد أن عانى ما عانى من ويلات الجاهلية ، ضياعًا في متاهاتها وشقاءًا يمزق الأعماق وحيرةً تأخذ بالألباب ، واضطرابًا  يفتت الأكباد ، وعاد كل ذي لب يحس بهذه النتيجة التي آلت إليها البشرية ، وأصبح كل مبصر يدرك أن هذا الدين الذي ارتضاه الله للبشرية رحمة وشفاء قد جاء دوره وآن له أن يتقدم ليريح هذا الإنسان الضائع الحائر ، عاد المسلم يلمس بل يؤكد أن هذا الدين مقبل من بعيد ليأخذ بيد الإنسان الشرقي والغربي على السواء

 

ويشهد لذلك ما روي عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله e وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا ؟ قال (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون[187]  (  .

 

مفهوم ظهور الإسلام على الدين كله

 

قوله (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (28) ليس معنى أن الإسلام سوف يظهر على الدين كله أنه سوف يمحي جميع الملل من الوجود ، فمن مقتضيات التمكين للطائفة المؤمنة المنصورة إقامة العدل بين الناس ، وإتاحة الحرية الكاملة له في التمتع بتبادل الأفكار  ، والسماح بحرية الاعتقاد لأصحاب الملل الأخرى شريطة تمييزها عن دين الإسلام ، فالمقصود بالظهور أن الناس جميعا مع اختلاف معتقداتهم وأديانهم سوف ينزلون على حكم الإسلام ، ليقود حياة البشر ، وذلك يحصل رويدا رويدا ، فلكما مضى الزمان علم الناس صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في بلادهم وإن لم تكن دولا تدين بالإسلام

 

 فغني عن البيان أن المجتمع الدولي يرى ثراءً واسعًا في أحكام الشريعة الإسلامية في باب المعاملات الدولية والتجارية والمدنية ، بل هي أساس القانون المدني الفرنسي ، ويقر بذلك كبير قضاة "إنجلترا" حيث أعلن أن مبادئ الشريعة الإسلامية يمكن أن تستخدم لتسوية الخلافات في "بريطانيا" أيضًا ، وقال اللورد "فيليبس" - في كلمة بأحد المراكز الإسلامية شرق "لندن" -: إنه لا يرى ما يمنع من استخدام الشريعة أو أي مبادئ دينية أخرى كأساس لتسوية خلافات دون إجراءات قضائية، وأشار اللورد "فيليبس" إلى أن المسلمين الذين يعيشون في "بريطانيا" معتادون منذ زمن بعيد على استخدام الشريعة لتسوية الخلافات التي تنشأ داخل الأسرة أو على بعض العقود..)  [188].

 

وظهور الدين لن يقتصر على اقتناع الناس بالرضوخ لحكم الإسلام اقتناعا منهم بشريعة الإسلام في إطار المعاملات وحسب ، بأنها أفضل تقنين لحياة البشر ، وإنما سوف يمتد النصر ليصل إلى قلوب الناس ، فيقتنعون بهذا الدين عقيدة وشريعة ، و ليس شريعة فحسب ، يقول النبي e (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك بيت مدر ولا وبر [189]إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا  يعز الله دين الإسلام وذلا  يذل به الكفر) [190]

 

 بل سوف يبلغ الظهور للإسلام بأن يصلي المسلمون في المسجد الأقصى بإمامهم ، يقول المولى سبحانه (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ) [191]

 

 فعن النبي e قال (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) [192]  وقد بين النبي صفة نزوله فقال عنه (ينزل حكما مقسطا) [193] وفي أخرى (حكما عدلا) [194] ، قال سبحانه (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ، وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) [195] .

 

 

خاتمة سورة الفتح

 

قوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (29) اختتمت سورة الفتح بإظهار صفات الفئة التي يفتح الله لها وييسر لها أسباب النصر ، فهي تجمع بين الشدة والرحمة ، بين العبادة وابتغاء الرزق ، بين تربية النفس وتوريث الغير ، لتنال المغفرة والأجر العظيم .

 

 فأول شرائط هذا الفتح الإيمان الكامل برسالة الرسول محمد r ، وأن الله أرسله إلينا ، فوجب علينا طاعته وتأييده وتوقيره ونصرته وتعزيره ، ومظاهر ذلك تتجلى من خلال أمرين متلازمين ومتكاملين أحدهما أن المؤمنين أشداء على الكفار والثاني أنهم رحماء بين بعضهم البعض ، يقول المولى سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (المائدة 54) .

 

والإسلام دين يحث على الجمع بين المقومات المادية والروحية في آن واحد ،فكما تميزت هذه الفئة المؤمنة بالعبادة المحضة لله تعالى من خلال صلاتهم وسجودهم وركوعهم بحيث ظهر نورها على وجوههم ، فإنهم يتميزون -كذلك- عن غيرهم بها بأنهم أهل للكسب والعمل وابتغاء سبل الرزق المشروعة ، فليس معنى ذلك أنهم يتفرغون للعبادة ، أنهم لا يقدرون على الكسب والعمل وابتغاء الرزق من فضل الله تعالى.

 

يقول الشعراوي (الإنشغال بالعبادات الروحية دون المقومات المادية للمجتمع كالزراعة والصناعة والاقتصاد والتجارة والطب والهندسة...الخ يضعف المجتمع المسلم ماديا ويجعله يتسول قوته من غيره ممن لا ينشغل بالعبادة ولا يعبد الله تعالى ، وهو ما يجعل مصيره بيد غيره يتحكم فيه وهذا ما لا يرضى الله تعالى ، وكذلك الانشغال بالمقومات المادية دون العبادات الروحية يفقد المجتمع أخلاقه وأدابياته التي تحترم بها الحقوق ويستشعر فيها المواطن بالأمن والسلام ، وبهما –أي بكلاهما - يكون المجتمع المسلم وتتحقق شرائط النصر والفتح المبين ، والتفصيل ذلك على النحو التالي :-

 

قوله (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ..) (29) تعيين النبي محمد باسمه ووصفه ليكون قدوة للبشر ، حاملا لرسالة ربه إليهم جميعا ، ورغم ذلك لم توقر قريش نبيها ، ولم تتبعه ، بل خالفته وحاربته وذمته ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ)[196].

 

والنبي محمد r هو خاتم الأنبياء وهو الرسول المتبع ، وليس بدعا من الرسل ، إنما جاء ليحيى ما اندرس من شرائع وتعالم قد حرفت ، وسنن قد هُجرت ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ)[197]، وفي الحديث (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) [198] .

 

قوله (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ..) (29)  هذه الآية ومثلها كثير يجب فهمها على أنه تخص فئة الكفار المعتدين الذين يصدون عن سبيل الله تعالى ، ونظيرها قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة 123) ، أي الغلظة حال القتال ، لا بسبب عدوانهم لا بسبب ديانتهم ، بل وجب قتال المعتدي سواء أكان كافرا أو مسلما ، فالكافر المعتدي لا تجوز مصالحته إلا بعد رد عدوانه ودحر شوكته حتى يؤمن غدره ، كما ورد بذلك حكمه في سورة محمد (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) ، أي في ميدان المعركة..

 

 ويخرج من مجال تطبيق الآية بوجوب الشدة على الكفار أولئك الذين يعاهدون المسلمين بعهود الأمان المؤقتة أو الدائمة ، والغلظة مع الكفار وإن كانت مقيدة بالقتال ، فإن الشدة غير مقيدة ، بما يعني الاحتراز منهم وعدم اللين لهم واستئمانهم -بإطلاق- ضمانا لعدم غدرهم وخيانتهم .

 

أما في غير ميدان المعركة ، فالأصل أن الكافر المعاهد بأمان مع المسلمين سواء بسواء له ما لنا وعليه ما عليهم ، فإن لم يلتزم الكافر بعهده مع المسلمين واعتدى تعصبا لدينه ، فلا غرو بأن يغلَّظ عليه في المعاملة ويشدُّ عليه ، ولا مجال للتسامح معه وقد ثبت غدره خوفا من الفتنة وتكرار خيانته.

 

بينما غير الكافر من المعتدين ، فإنه يسهل ردعه بمجرد عقوبته ودون حاجة لمحاربته وقتاله ، فإن وجب عليه قصاص اقتص منه ، وليس في ذلك تمييز بين المعتدي الكافر والمعتدي المسلم ، وإنما هو احتراز عمن كان دافعه للعدوان "الكفر" فهو يريد أن يستأصل شأفة المسلمين بالكلية ، فلا يرتدع إلا بقتال ، أما بالنسبة للمعتدي المسلم فدافعه للعدوان طمعه في غير نصيبه من دنيا فوجبت عقوبته زجرا له  .

 

قوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ..) (29) أي أن الرحمة والود خلق ظاهر بين المؤمنين بعضهم البعض ، كما في قوله (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، وقوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (المائدة/54) ، ويقول النبي r (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [199] ، قال العلماء :(هذا وصف منه - سبحانه - للمؤمنين الذين عرفوا بصفاء قلوبهم ، فاشتدوا على الكفار بصلابتها ، وتراحموا فيما بينهم بلينها ، وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع) [200].

 

 وقد تجلت مظاهر رحمة المؤمنين بعضهم ببعض وهم يستوون للصلاة ، فعن البراء بن عازب قال كان رسول الله r يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول " لاتختلفوا فتختلف قلوبكم " وكان يقول "إن الله عزوجل وملائكته يصلون على الصفوف الأول " [201]

 

قوله (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا..) (29) كناية عن كثرة ترددهم على المساجد ، فهم يصلون فيها أمام الناس ، والناس يرونهم مشغولين بالصلاة في كل وقت ، ويتركون أعمالهم لأجل أداء فريضة الصلاة وبقدرها ، أي أن تمسك الجماعة المؤمنة بشرع ربها وبعبادته ظاهر عليهم ، ومقدم على أعمال الدنيا ، فيراهم الناس وهم على هذا الحال من العبادة ، فتكون عباداتهم لله وسيلة لنشر الدعوة بوجه عام ، فعَنِ الْمُخَارِقِ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ يُصَلِّي فَرَأَيْتُهُ يُطِيلُ الْقِيَامَ وَيُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ مَا أَلَوْتُ أَنْ أُحْسِنَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (مَنْ رَكَعَ رَكْعَةً أَوْ سَجَدَ سَجْدَةً رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)[202]

 

 وقد يزعم منافق أنه يكفي المسلم أن يصلي في بيته دون أن يراه الناس ، ولا ينبغي أن يصلي في المسجد بحجة أن التقوى في القلب ، والله تعالى يرد على هذا المنافق بأن شعائر الإسلام لابد وأن تكون ظاهرة للناس جميعا ، ويجب إظهارها ، والطائفة المؤمنة هي التي توقر شعائر الله وتظهرها للناس ، فإظهار الشرائع من تعاليم الإسلالم حتى يقتدي الناس بالمسلمين .

 

فأقل عدد لمرات الصلاة في المسجد هو خمس صلوات في اليوم والليلة ، فحين يرى الناس تآلف المسلمين وهم يذهبون للمسجد ويعودون منه ، لأداء صلاة الجماعة ، فإن ذلك باب عملي لدعوتهم للإسلام ، فعن أبي مسعود قال : كان رسول الله r ( يمسح منا كبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) [203] ، فهو مظهر يدل على التآلف والتسامح والتحاب في الله .

 

قوله (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا..) (29)  يؤكد علي سعي الجماعة المؤمنة للعمل وطلب الرزق دون الاتكال على العبادة والارتكان إلى عمل الغير ، فالإسلام لا يرضى لعباد الله أن يكونوا عالة على غيرهم ، بل يصلون ويركعون ويسجدون ، وفي ذات الوقت يعملون ويبتغون رزقا ، فالإسلام قوة مادية وقيمة روحية ، ومن ابتغى رزق الله فقد رضي الله عنه ، يقول النبي r (اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة) [204]، ويقول r (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه)[205]

 

ومن ناحية أخرى فإنهم لا يبتغون الرزق في الدنيا لأجل الثراء والغنى ، بل لأجل الكفاف بما يرضي الله عنهم ، فعن النبي r قال (من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا) [206]، كما أنهم لا يبتغون رزقا بمعصية ربهم ، فإذا كان العمل لطلب الرزق مشروعا ، بل وواجبا ، فإن العلم بأن الرزق لا يأتي إلا من الله مفروضٌ وواجبٌ أيضًا ، ولذلك قال العلماء : (إن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه) [207]، وقد ضربت لنا السيرة العطرة ما يؤكد أن حال الصحابة كان على هذا النحو ، وأنهم كانوا يأخذون من الدنيا الكفاف حتى يتفرغوا لما هو أهم ، فلم يكن همهم الكسب كل يوم ، بل كانوا يوازنون بين العلم والكسب ، فعَنْ عُمَرَ قَالَ (كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)[208]

 

ومن جهة أخرى فإن تقسيم الأعمال وتحقيق التخصص أنجع في تحقيق الفائدة والصالح العام ، ولذلك قسم الصحابة الأعمال بينهم ما بين أعمال تدر ربحا ماديا أو تنتج منتجا اقتصاديا ، وأخرى تقيم فائدة روحية أو تربوية أو ثقافية أو تعليمية ، فعن أنس بن مالك قال : (كان أخوان على عهد النبي r فكان أحدهما يأتي النبي r والآخر يحترف فشكى المحترف أخاه إلى النبي r فقال لعلك ترزق به) [209]، فكانت المصلحة تقسيم العمل ، بحيث يذهب أحدهما لطلب العلم من رسول الله r فيتعلم أمور دينه ،ويعلمها للناس ، ويذهب الآخر ليحترف ويتكسب لينفق على البيت ، فكان كلاهما عونا للآخر ، ولا نفع لأحدهما دون الآخر ، وهو ما دلت عليه فروض الكفاية ، حيث تكفل الدولة مرتبا لأهل العلم وطلاب العلم والعلماء ومن تستعملهم لأداء الخدمات العامة ، لانشغالهم بفروض الكفاية عن الاكتساب بأنفسهم .

 

وهو ما أكدته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما قالت (لما استخلف أبو بكر الصديق قال لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي ، وشغلت بأمر المسلمين ، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه) [210] ، أي أنه سوف يقتطع لنفسه من مال المسلمين مالا يكفي به نفسه أهله ، وذلك في مقابلة أنه يحترف في إدارة أموالهم بما ينميها ويزيدها ويلبي حاجاتهم بها ، فهذا مقابل ذاك ، وهو ما يعني أن الفروض الكفائية تتنوع وتتكامل ، تتنوع ليسد هذا نقص ذاك ، وتتكامل فلا يعمل الجميع على فرض واحد ، وإنما يتخصص كل واحد في شيء فيتكاملون ليحققوا الفروض جميعا .

 

كما أن ابتغاؤهم الفضل لم يكن قاصرا على طلب الدنيا ، بل هو في الأساس بقصد طلب الآخرة ورضوان الله تعالى ، ولذلك كانوا يستعينون بالعبادة لله على العبادة له ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ r ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ تَفَلُّتَ الْقُرْآنِ ، وَمَشَقَّتَهُ عَلَيَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r (لا تَحْمِلْ عَلَيْكَ مَا لا تُطِيقُ ، وَعَلَيْكَ بِالسُّجُودِ) قَالَ عَمِيرَةُ : فَقَدِمَ أَبُو رَيْحَانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَسْقَلانَ ، فَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ السُّجُودِ)[211]

 

 

قوله (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ..) (29)  ما يعني أن أجسادهم تطبعت على العبادة ، فأضحت العبادات عادات ، بما يعني أن أجسادهم أضحت تتغذي على العبادة كما أن الروح تتغذى بها ، وهو ما يصوره حديث النبي r عن السبعة التي يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم (ورجل قلبه معلق بالمساجد) ، بمعنى أنه لو خرج من المسجد كأنه انخلع من قلبه ، فلا يطيل الخروج منه حتى يعود إلى في كل صلاة بل وأحيانا يمكث فيه بين صلاتين أو أكثر حتى يشعر بالحياة .

 

وفي ذلك دلالة على ترجيحهم عمل الآخرة على مصالح الدنيا ، ذلك أنه لما كان الناس يرونهم ركعا سجدا ، ويرونهم – كذلك - يبتغون فضل الله من الرزق الحلال بما يرضيه ، فإنهم وهم يوازنون بين عمل الدنيا وعمل الآخرة يؤثرون عمل الآخرة على الدنيا حال التعارض بينهما ، وقلما يحدث التوفيق ، يقول النبي r (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى) [212].

 

وسبحان الله الذي ميز المسلم عن غير المسلم بما في وجه المسلم من سيمات من أثر السجود ، فكثيرا ما يعرف المسلمون بعضهم البعض بسيماهم في زمن الغربة أو في مواطن الغربة وفي أماكن الفتن وبلاد الكفر ، وبخاصة حين لا يأمن أحد أحدا ، ولعل أظهر مثال على ذلك ما تميز به صحابة النبي r عن أعدائهم وهم يقاتلونهم في بدر وليس معهم فرسان غير اثنين لقلة العدة .

 

والمعنى لا يقتصر على ظهور علامات السجود ، وحسب بل إن أخلاق المسلم تظهر عليه في معاملاته وسمته مع الناس ، ولذلك روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ ( سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) قَالَ : (السَّمْتُ الْحَسَنُ)[213] ، قَالَ رسول الله r (السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ)[214].

 

وكذلك يعرف النبي r أمته يوم القيامة على الحوض من أثر السجود ، وكثرة الوضوء ، يَقُولُ النبي r (إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)[215]، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا قَالَ نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ فَيَقُولُ وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)[216].

قوله (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ..) (29)  ضربت الآية مثالا رائعا للطائفة المنصورة تبين منه كيف يزيد المسلمين وكيف تقوى دعوتهم ، فهذه السنة تحصل لأمة محمد r ، وحصلت من قبل ذلك في دعوة موسى وعيسى عليهما السلام ، فموسى عليه السلام لم يتبعه في أول الأمر غير الضعفاء وقد استهزأ بهم فرعون وسخر منهم فقال (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) حتى منَّ الله عليهم وأنقذهم منه ، وجاء بعده كثير من الأنبياء ، حتى جاء نبي الله عيسى عليه السلام حيث اتبعه الحواريون وكانوا قلة -كذلك-، قال سبحانه (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران 52)

 

 وذات الأمر تكرر مع نبي الله محمد r ، يقول النبي r (لَا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ)[217] ، وقد شهد بذلك أبو سفيان حين قابل هرقل ملك الروم – قبل أن يدخل في الإسلام – فسأله هرقل عدة أسئلة وأجاب عليها أبو سفيان ، فبعد أن أجاب عليها علق هرقل على إجابته فقال : قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقلت بل ضعفاؤهم ، قال أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت بل يزيدون ، قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت لا .... وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) [218].

 

فإذا ما بدت قوة الإسلام والمسلمين لأعداء الله تعالى كما بدت قوة النبات الذي يقوى على سوقه بعد أن أخرج شطأه وأوراقه وتفرعت سيقانه واستطال وغلظت سيقانه فأضحى زرعا قويا لا يسهل اقتلاعه حتى صار الزراع يتفاخرون بزرعهم وما نبت على الأرض من شجر وزرع ، وهنا يغتاظ غيرهم من الزراع (الكفار) الذين يبذرون الحب بأن أرضهم لم تنبت مثل نبات جيرانهم .

 

فكذلك الحال في دعوة الإسلام حين تنتشر في ربوع الأرض ، فحينها سوف يغتاظ الكفار الحاقدون على الإسلام والمسلمين ، لأنهم لا يريدون لشجرة الإسلام أن تنبت ولا أن تقوى وتكبر ، بل يحاولون استئصالها لكنهم بعد أن رأوها وقد تفرعت أغصانها وقويت سيقانها وتجذرت جذورها وارتفعت وأخرجت ثمارها ، فإنهم عندئذ لا يملكون من الأمر إلا الغيظ ، فهؤلاء وأمثالهم من المنافقين يقول الله تعالى في شأنهم (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (119) ..

 

قوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا..) (29)  فكما ابتدأت السورة بالبشارة بالفتح المبين إشارة إلى صلح الحديبية الذي كان توطئة لفتح مكة ، وبشرت في ثناياها بمغانم كثيرة مثل خيبر وكسرى وقيصر ، فقد اختتمت بالبشارة – كذلك – لكنها بشارة أعظم وأفضل ، حيث بشرت الطائفة المنصورة التي آمنت بربها وعملت بما آمنت به بالمغفرة والأجر العظيم في الآخرة ، وذلك حتى يظل نصب عيني المسلم على الآخرة ، فلا يفارقه لحظة ، أي الجنة والأجر العظيم من الله تعالى ، فإنه وإن وُعِد بالنصر في الدنيا والفتح المبين والمغانم الكثيرة ، فإن ذلك كله لا يساوي شيئا بالنسبة للأجر العظيم في الآخرة [219] .

 

 

[1] ) أخرجه ابن أبي شيبة ج14 ص 436 ، وانظر كنز العمال ج10 ص 497 رقم 30156

[2] ) رواه البخاري ج 4 ص 1829 رقم 4553

[3] ) بحر العلوم ج4 ص 160

[4] ) التحرير والتنوير ج 1 ص 4055

[5] ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان

[6] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529

[7] ) رواه البخاري ج20 ص 8 رقم 5919

[8] ) رواه مسلم ج4 ص 169  رقم 1290

[9] ) مجموع الفتاوى ج8 ص 76

[10] ) رواه الترمذي ج11 ص 65 رقم 3186 وصححه الألباني : صحيح سنن الترمذي ج 3ص 107 رقم 2601

[11] ) رواه أحمد ج38 ص 377

[12] ) رواه مسلم ج 3 ص 1405 رقم 1780

[13] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 9 ص 118 رقم 18054 – انظر تحسين الألباني له في فقه السيرة ج 1 ص 376

[14] ) رواه مسلم ج12 ص 321 رقم 4953

[15] ) التحرير والتنوير ج26 ص 124

[16] ) روى البخاري هذه الزيادة ج 4 ص 1830 رقم 4556

[17] ) رواه البخاري ج 5 ص 2375 رقم 6106 

[18] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج26 ص 124

[19] ) رواه مسلم ج 4 ص 1790 رقم 2285

[20] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 108 ، بدائع الفوائد ج2 ص 252

[21] ) الجواب الصحيح ص3 رقم181

[22] ) التحرير والتنوير ج26 ص 125

[23] ) رواه مسلم ج13 ص 424 رقم 5030

[24] ) رواه البخاري ج 3 ص 1025 رقم 2631

[25] ) فتح الباري ج6 ص 38

[26] ) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 168

[27] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[28] ) فقه الواقع ج 1 ص 29 للإمام محمد نصر الدين الألباني

[29] ) تفسير السعدي ج1 ص 791

[30] ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ

[31] ) رواه أبو داود ج9 ص 404 رقم 3060 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 27

[32] ) تفسير الطبري ج22 ص 206

[33] ) التحرير والتنوير ج26 ص 128

[34] ) رواه الترمذي ج11 ص 65 رقم 3186 وصححه الألباني : صحيح سنن الترمذي ج 3ص 107 رقم 2601

[35] ) رواه البخاري ج 3 ص 1082 رقم 2804

[36] ) فتح الباري ج6 ص 156

[37] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص46

[38] ) رواه البخاري ج 3 ص 1056 رقم 2727

[39] ) رواه مسلم ج 3 ص 1444 رقم 1812

[40] ) تفسير الشعراوي ج ص

[41] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 112 رقم 300 وحسنه الألباني

[42] ) ، انظر السلسلة الصحيحة ج 5 ص 408 رقم 2318

[43] ) رواه البخاري ج 3 ص 1274 رقم 3269

[44] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج7 ص 395

[45] ) في ظلال القرآن ج4 ص67

[46] ) في ظلال القرآن ج6 ص 473

[47] ) رواه أبو داود في سننه ج 2 ص 641 رقم 4713 وصححه الألباني ومثله عند مسلم ج 4 ص 2050 رقم 2662

[48] ) سمعته بأذني في برنامج خواطره الذي كان يذاع يوم الجمعة على القناة الأولى في التليفزيون المصري

[49] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[50] ) رواه البخاري ج 4 ص 1831 رقم 4558

[51] ) عَزَّرَه فخَّمه وعظَّمه فهو نحْوُ الضد والعَزْرُ النَّصْرُ بالسيف وعَزَرَه عَزْراً وعَزَّرَه أَعانَه وقوَّاه ونصره قال الله تعالى لِتُعَزِّرُوه وتُوَقِّرُوه وقال الله تعالى وعَزَّرْتُموهم جاء في التفسير أَي لِتَنْصُروه بالسيف ومن نصر النبيِّ r فقد نَصَرَ الله عزَّ وجل وعَزَّرْتُموهم عَظَّمْتموهم وقيل نصَرْتُموهم ،.. فتأْويل عَزَّرْتُموهم نصَرْتُموهم بأَن تردُّوا عنهم أَعداءَهم ولو كان التَّعْزيرُ هو التَّوْقِير لكان الأَجْوَدُ في اللغة الاستغاءَ به والنُّصْرةُ إِذا وجبت فالتعظيمُ داخلٌ فيها لأَن نصرة الأَنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دِينِهم وتعظيمُهم وتوقيرُهم قال ويجوز تَعْزِرُوه من عَزَرْتُه عَزْراً بمعنى عَزَّرْته تعزيراً والتعزير في كلام العرب التوقيرُ والتَّعْزِيرُ النَّصْرُ باللسان والسيف

انظر لسان العرب ج 4 ص 561

[52] ) رواه مسلم ج 3 ص 1483 رقم 1856

[53] ) شرح النووي ج13 ص 3

[54] ) رواه البخاري ج10 ص 80 رقم 2714

[55] ) رواه البخاري ج13 ص 17 رقم 3804

[56] ) سيرة ابن كثير ج4 ص 100

[57] ) تاريخ الطبري ج2 ص 401

[58] ) رواه البخاري ج 1 ص 94 رقم 238

[59] ) رواه ابن ماجة ج 1 ص 43 رقم 117 وحسنه الألباني

[60] ) رواه البخاري ج 3 ص 1048 رقم 2696

[61] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 4085

[62] ) التحرير والتنوير ج26 ص 132

[63] ) رواه البخاري ج 3 ص 1312 رقم 3386

[64] ) رواه البخاري ج11 ص 413 رقم 3312

[65] ) رواه البخاري ج 3 ص 1312 رقم 3386

[66] ) رواه الترمذي ج 5 ص 575 رقم 3592

[67] ) رواه مسلم ج 3 ص 1403 رقم 1779

[68] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 329

[69] ) الأسماء والصفات للبيهقي ج2 ص 133

[70] ) قال الزمخشري وأبو حيان (والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام) الكشاف ج6 ص 343 ، البحر المحيط ج10 ص 96

قال الكرمي : (وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ،  قال وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف) انظر أقاويل الثقات ج1 ص 65

[71] ) تفسير الرازي ج14 ص 136

[72] ) تفسير الطبري ج22 ص 210

[73] ) رواه البخاري ج 4 ص 1526 رقم 3923

[74] ) فتح الباري ج7 ص 443

[75] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 5 ص 268 رقم 8855 وصححه الألباني : انظر السلسلة الصحيحة ج 4 ص 63 رقم 1547

[76] ) مسند أبي عوانة ج4 ص 279

[77] ) رواه أبو داود ج 2 ص 514 رقم 4297 وصححه الألباني

[78] ) قال ابن حجر : والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش

[79] ) رواه البخاري ج 3 ص 1057 رقم 2730

[80] ) رواه مسلم ج 3 ص 1503 رقم 1889

[81] ) البحر المحيط ج10 ص 97

[82] ) رواه مسلم ج 4 ص 2205 رقم 2877

[83] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج5 ص 296 رقم 1619

[84] ) رواه مسلم ج14 ص 44 رقم 5126

[85] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج5 ص 296 رقم 1619

[86] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533

[87] ) رواه أحمد في مسنده ج 4 ص 186 رقم 17696 والطبراني في المعجم الأوسط ج9ص147 رقم 9375 وصححه الألباني ج 1 ص 264 رقم 2639 .

[88] ) فيض القدير ج3 ص 7

[89] ) رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه ج 16 ص 356 رقم 7357 ، وصححه الألباني ج 1 ص 89 رقم 883 واللفظ له قال r (أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئا و رجل أحمق و رجل هرم و رجل مات في فترة : فأما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام و ما أسمع شيئا و أما الأحمق فيقول : رب جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و الصبيان يحذفونني بالبعر و أما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و أما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما و من لم يدخلها سحب إليها)

[90] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 552 رقم 3876 وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ، ورواه ابن ماجة ج12 ص 355 رقم 4289 وحسنه الألباني لغيره : ظلال الجنة ج2 ص 185 رقم 969 قال : (حديث حسن وإسناده ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم ، وإنما حسنته لشاهد له) ، (إنما هو حسن لغيره لضعف سهيل ولأن له شاهدا من حديث عبدالله بن دينار قال سمعت أبا هريرة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقولون فذكره مرفوعا نحوه ، أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور  

[91] ) رواه مسلم ج 4 ص 2171 رقم 2818

[92] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 337

[93] ) رواه البخاري ج 168 رقم 427

[94] ) رواه النسائي ج10 ص 204 رقم 3089 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 212

[95] ) رواه البخاري ج9 ص 382 رقم 2599

[96] ) رواه البخاري ج1 ص 209 رقم 120

[97] ) فتح الباري ج6 ص 28

[98] ) فتح الباري ج6 ص 28

[99] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 231

[100] ) رواه مسلم ج10 ص 12 رقم 3529

[101] ) فتح الباري ج6 ص 29

[102] ) رواه أحمد ج45 ص 471 رقم 21449

[103] ) عون المعبود

[104] ) رواه البخاري ج 3 ص 1135 رقم 2953

[105] ) رواه البيهقي في سننه ج6 ص 357 رقم 12712

[106] ) رواه البيهقي ج6  ص 358 رقم 12815

[107] ) رواه مسلم ج 2 ص 723 رقم 1045

[108] ) تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 465

[109] ) تفسير القرطبي ج16 ص 273

[110] ) الحاوي الكبير ج14 ص 125 ، ابن الأثير : أسد الغابة ج1 ص 216 ، الواقدي : المغازي ج1 ص 307

[111] ) البحر المديد ج6 ص 85

[112] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560

[113] ) رواه أبو داود ج7 ص 239 رقم 2275 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج7 ص 398

[114] ) كثير من المفسرين حمل المعنى على عذاب الدنيا إما قحط أو مصائب أو تسليط قوم عليهم ، منهم أبو بكر الجزائري في أيسر التفاسير ، وغيره انظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ج5 ص 4

والذي يؤكد المعنى أن التهديد بالعذاب ذكر في الآية التالية في مقابلة التشويق بالجنة ، فينصرف المقصود من العذاب إلي عذاب جهنم ،  وينصرف المعنى في الآية الحالية إلى قصد العذاب بعقوبة تعزيرية ، بسبب عدم الانضباط العسكري ، وذلك لأن الإخلال بأداء الواجب العسكري يهدد البلاد والأمن القومي ، ولذلك وجب سن عقوبات رادعة للتخلف عن الانضباط في الصف العسكري عند الاستدعاء له .

[115] ) رواه أبو داود ج7 ص 37 رقم 2154 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 275

[116] ) عون المعبود ج7 ص 138

[117] ) رواه البخاري ج10 ص 188 رقم 2782

[118] ) رواه البخاري ج 4 ص 1610 رقم 4161

[119] ) رواه الترمذي ج 4 ص 149 رقم 1591 وصححه الألباني

[120] ) شرح النووي علي مسلم ج13 ص 3

[121] ) رواه البخاري ج 3 ص 1082 رقم 2804

[122] ) رواه الترمذي ج 5 ص 695 رقم 3860 وصححه الألباني

[123] ) رواه مسلم ج 3 ص 1483 رقم 1856

[124] ) رواه البخاري ج22 ص 140 رقم 6660

[125] ) رواه البخاري ج 4 ص 1528 رقم 3930

[126] ) رواه البخاري ج 4 ص 1528 رقم 3931

[127] ) شرح النووي علي مسلم ج13 ص 5

[128] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[129] ) المغازي للواقدي ج 2 ص 108

[130] ) رواه البخاري ج1ص221 رقم585 :(بمكاتلهم) جمع مكتل وهو القفة ،(مساحيهم) جمع مسحاة وهي المجرفة ، (الخميس) الجيش

[131] ) رواه البخاري ج 1 ص 321 رقم 905

[132] ) رواه البخاري ج 3 ص 1090 رقم 2829

[133] ) الشيخ صفي الرحمن المباركفوري – كتابه الشهير : الرحيق المختوم ص 329

[134] ) رواه البخاري ج 3 ص 1086 رقم 2812

[135] ) رواه البخاري ج 3 ص 1096 رقم 2847

[136] ) رواه مسلم ج 3 ص 1433 رقم 1807

[137] ) الرحيق المختوم ص 333

[138] ) البداية والنهاية ج 4 ص 215 ، والواقدي في المغازي مشار إليه سابقا

[139] ) رواه أبو داود ج 2 ص 173 رقم 3006 وحسن الألباني إسناده

[140] ) رواه البخاري ج 1 ص 145 رقم 364

[141] ) رواه مسلم ج 3 ص 1514 رقم 1906

[142] ) رواه البخاري ج 1 ص 429 رقم 1217

[143] ) رواه البخاري ج 3 ص 1136 رقم 2956

[144] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 224

[145] ) رواه البخاري ج 1 ص 128 رقم 328

[146] ) راجع رواية مسلم في صحيحه ج 3 ص 1444 رقم 1254

[147] ) رواية مسلم ج 3 ص 1448 رقم 1814

[148] ) الروض الآنف ج 1 ص 423 ، سيرة ابن هشام ج 6 ص 54 ، تاريخ الطبري ج 2 ص 378 ، البداية والنهاية ج5 ص 222

[149] ) ابن تيمية -  قاعدة في المحبة ج1 ص 18 - مكتبة التراث الإسلامي – القاهرة – تحقيق د/ محمد رشاد سالم

[150] ) ابن القيم الجوزية : الطرق الحكمية ج 1 ص 17

[151] ) المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 166 رقم 3017

[152] ) رواه البخاري ج 3 ص 1135 رقم 2953

[153] ) النووي في الشرح على مسلم

[154] ) [المدر: البناء، الوبر: الخيام

[155] ) رواه أحمد في مسنده ج 6 ص 4 رقم 23865 ، وقال شعيب الارنؤوط : إسناده صحيح

[156] ) السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني ج 1 ص 32 رقم 3 ، وقال : ورواه ابن حبان في صحيحه 1631 و 1632 ، وأبو عروبة في المنتقى من الطبقات وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا نحوه أخرجه الحاكم 155 / 3 وصححه ورده الذهبي

[157] ) رواه مسلم ج 2 ص 1105 رقم 1479

[158] ) قال ابن عاشور في قوله (ببطن مكة) من إطلاق البطن على أسفل المكان والحديبية قريبة من مكة وهي من الحل وبعض أرضها من الحرم وهي على الطريق بين مكة وجدة وهي إلى مكة أقرب وتعرف اليوم باسم الشميسي .

[159] ) رواه مسلم ج 3 ص 1442 رقم 1808

[160] ) ابن الجوزي : كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 871

[161] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج12 ص 120

[162] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[163] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 344

[164] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[165] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 344

[166] ) تفسير البغوي ج7 ص 320

[167] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 2099

[168] ) رواه الترمذي ج 4 ص 378 رقم 2032 وقال الألباني حسن صحيح

[169] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[170] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[171] ) رواه البخاري ج 2 ص 967 رقم 2564

[172] ) رواه الترمذي ج11 ص 67 رقم 3188

[173] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[174] ) رواه البخاري ج 1 ص 4 رقم 3

[175] ) رواه البخاري ج 6 ص 2564 رقم 6589

[176] ) رواه البخاري ج 6 ص 2564 رقم 6588

[177] ) رواه البخاري ج 6 ص 2563رقم 6585

[178] ) رواه البخاري ج 3 ص 1198 رقم 3118

[179] ) رواه البخاري ج 6 ص 2582 رقم 6637

[180] ) رواه البخاري ج 2 ص 616 رقم 1640

[181] ) رواه أبو داود ج 2 ص 475 رقم 4163  وقال الألباني حسن صحيح

[182] ) رواه مسلم ج1 ص 93 رقم 91

[183] ) رواه الترمذي ج 3 ص 175 رقم 810 وقال الألباني : حسن صحيح ، ورواه النسائي ج5 ص115 رقم2630 وصححه الألباني

[184] ) الفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسي للشوكاني الآية 27 الفتح

[185] ) فتح القدير للشوكاني ج7ص3

[186] ) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، أنظر عارضة الأحوزي بشرح الترمذي (9/22) وكذلك رواه مسلم -أنظر مختصر صحيح مسلم رقم (0002)(ج2/192)-].

[187] ( رواه البخاري ج 3 ص  1322 رقم 3416

[188] ) المصدر : جريدة الاتحاد (الإمارات ) السبت 2 - 7 - 1429هـ الموافق  08/07/2008 ميلادي

[189] ) [المدر: البناء، الوبر: الخيام

[190] ) رواه أحمد (4/301)، والطبراني الكبير (1/621)، وابن منده في الإيمان (1/201)، وعبد الغني المقدسي في ذكر الإسلام (1/661)، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم وقال: صحيح مع شرط الشيخين ووافقه الذهبي (4/034)، والسنن الكبرى (9/971)، وقد أخذت هذا التخريج جميعه من كتاب الشيخ الألباني  (ص121).

[191] ) {الإسراء/7}

[192] ) رواه البخاري ج 3 ص 1272 رقم 3265

[193] ) رواه مسلم ج 1 ص 135 رقم 155

[194] ) رواه البخاري ج 3 ص 1272 رقم 3264

[195] ) {النساء157/159}

[196] ) رواه البخاري ج11 ص 363 رقم 3269

[197] ) رواه البخاري ج11 ص 365 رقم 3270

[198] ) رواه البخاري ج 4 ص 1831 رقم 4558

[199] ) رواه مسلم ج 4 ص 1999 رقم 2586

[200] ) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله - الناشر : دار الفكر - بيروت ، 1398 - 1978

[201] ) رواه أبو داود ج 1 ص 234 رقم 664 وصححه الألباني

[202] ) رواه أحمد ج43 ص 312 رقم 20346 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 93

[203] ) رواه مسلم ج 1 ص 323 رقم 432

[204] ) رواه البخاري ج 2 ص 519 رقم 1362

[205] ) رواه البخاري ج 2 ص 535 رقم 1401

[206] ) رواه البخاري في الادب المفرد ج 1 ص 112 رقم 300 وحسنه الألباني ، وصححه من رواية الترمذي انظر صحيح الترغيب والترهيب ج 1 ص 203 رقم 833

[207] ) التوحيد ج 1 ص 159 - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص 203 - المؤلف : سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - الناشر : مكتبة الرياض الحديثة - الرياض

[208] ) رواه البخاري ج1 ص 158 رقم 87

[209] ) رواه الترمذي ج 4 ص 574 رقم 2345 وصححه الألباني

[210] ) رواه البخاري ج 2 ص 729 رقم 1964

[211] ) الشيباني : الآحاد والمثاني ج4 ص 170 ، ورواه السيوطي في جامع الأحاديث ج16 ص 74 ، وجمع لجوامع ج1 ص 17889

[212] ) رواه ابن حبان ج2 ص 486 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 144 رقم 3247

[213] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج2 ص 286 رقم 3697 ، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ج12 ص 233 ، وابن جرير الطبري ج22 ص 264 وابن كثير ج 7 ص 361

[214] ) رواه الترمذي ج 7 ص 296 رقم 1933 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 10 رقم 2010

[215] ) رواه البخاري ج1 ص 234 رقم 133

[216] ) رواه مسلم ج2 ص 51 رقم 365

[217] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 10 رقم 8 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج5 ص 441

[218] ) رواه البخاري ج 1 ص 7 رقم 7

[219] ) قيل استعجب يهودي مما فيه الحسن بن علي من النعمة فسأله قائلا : يقول إسلامكم بأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فقال له الحسن : نعم ، فقال اليهودي : فلماذا أنت تعيش في جنة وأنا أعيش في سجن في هذه الدنيا ، فأجاب الحسن عليه قائلا : أنني مهما عشت في الدنيا في نعيم ومغنم فهذا بالنسبة لنصيبي من الآخرة - بإذن الله تعالى- لا شئ وكأن هذا النعيم في الدنيا سجن بالنسبة للنعيم المقيم في الآخرة ، وأنت مهما تعذبت في الدنيا فإن عذاب الله تعالى لك في الآخرة أعظم وأشد ، ولذلك فإن عذابك في الدنيا بالنسبة لما أعده الله لك من العذاب في الآخرة جنة .

  • الاثنين PM 02:24
    2026-03-30
  • 134
Powered by: GateGold