ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
الأخلاق الأساسية بوابة السياسة الشرعية في سورة الحجرات
د / احمد نصير
الأخلاق الأساسية بوابة السياسة الشرعية
في سورة الحجرات
تناولت سورة الحجرات الأخلاق الإسلامية ، ولأجل ذلك أطلق عليها العلماء تسمية بسورة "الآداب الاجتماعية" [1] ، قال ابن عاشور (ذكر الله -في هذه السورة- مثالا من كل صنف من أصناف مكارم الأخلاق بحسب ما اقتضته المناسبات بعد الابتداء .. ليكون كل مثال منها دالا على بقية نوعه ومرشدا إلى حكم أمثاله دون كلفة ولا سآمة ، وقد سلك القرآن لإقامة حسن المعاملة طريق النهي عن أضدادها من سوء المعاملة لأن درء المفسدة مقدم - في النظر العقلي - على جلب المصلحة)[2].
وأول أدب نادت به السورة التأدب مع رسول الله r ، بخفض الصوت أمام الرسول المعلم ، وبالرغم من وفاة النبي r فإن المؤمنين ظلوا يطبقون هذا الأدب أولا عند زيارته r في قبره ، قَالَ (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ)[3] ، قال ابن القيم (وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم)[4].
ثم تأدب المسلمون مع العلماء باعتبارهم هم ورثة الأنبياء ، لأنهم يبلغون آيات الله وينقلون عن السلف تفاسيرها ، كما ينقلون عن النبي r أقواله ويشروحونها ، ولما كانت الأمة تتلقى الدين من علمائها ، فإن انتقال العلم من جيل لجيل متوارث وسهل المنال ، طالما ظلت العلاقة بين أبناء الأمة في إطار من الاحترام والتوقير للعلماء وحسن التقدير ، بذلك ظلت العقيدة محفوظة والآداب والأخلاق موروثة ، فلا خير في أمة لا توقر علماءها .
كما نوَّهت السورة إلى أهمية التثبت من الأخبار المنقولة والتبين من صحتها قبل نقلها وعدم الانزلاق وراء الشائعات ونقلها دون استيثاق ، وهو ما فرَّع عليه العلماء بعد ذلك علوما كثيرة ولعل أخصها علم السند والرواية عن رسول الله r والدراية بأحوال المتن والسند ، وتجريد العلم عن الهوى ، والتفرقة بين الحسن والقبيح ، والفسق والرشاد .
وعالجت السورة -كذلك- قضية من أهم القضايا التي تدور بين كثير من المسلمين على مدار الأزمان وبقاع الأرض ألا وهي قضية الأخوة في الدين ووضعت الحلول السريعة لعلاج حالات التناجش بينهم ، مؤكدة على ضرورة توحيد الصف المسلم ونزع الخلافات السياسية بين المسلمين والعمل على الإصلاح بينهم ، حتى ولو كان ذلك بالضرب على يد الظالم وقتال البغاة المعتدين حتى يفيقوا إلى رشدهم ويعطوا ما عليهم لأخوانهم ،ولا يبخسونهم حقهم.
ثم اتسعت دائرة الأخلاق التي نادت السورة للتخلق بها في أطر متعددة للعلاقات الإنسانية ، وفي ظل اختلاف الصفات والمزايا البشرية بين الأجناس والأقوام ، فحرمت السخرية من الآخر والتنابز بالألقاب وسوء الظن بالآخرين دون دليل أو حجة ونهت عن التجسس علي الناس ، كما نهت عن الغيبة وهي التقول على الناس بما يكرهوا أن يسمعوا ، أو ذكر ما يعيبهم انتقاصا منهم ، ولو كان حقا ، باستثناء موطن الشهادة لله ، فبشعت من الغيبة ، وصورتها في أبشع صورة بيانية ، وفي المقابل حثت على وجوب التعارف على القبائل والشعوب المختلفة وبعضها البعض حتى تتلاقي الإنسانية في إطار من السلم والود ، ويستفيد الجميع من بعض ، تحت مظلة التقوى وبوابة التعارف .
وقبيل الخاتمة حذرت السورة من نوع من الأعراب يريدون أن يجزءوا الدين ، فيأخذوا منه أخلاقه ومعاملاته دون عباداته وشعائره أو أن يتمسكوا بالأخلاق والعبادات دون ما عدا ذلك من أمور قد تتطلب منهم كثير من البذل والتضحية ، ويظنون بذلك أنهم أقاموا أركانه وتمسكوا بآدابه وتخلقوا بأخلاقه ، وأنى لهم ذلك ، يتوهمون أنه لا غبار عليهم إن تركوا الجهاد في سبيل الله ، اكتفاء بما يتحلون به من بروتوكولات وتقاليد مستحسنة تدل على الرقي والتقدم والحضارة والسمو ، في توهم منهم أنهم بذلك حققوا كامل درجات الإيمان ، وأنى لهم ذلك وهم لم يضحوا مثل غيرهم بالمال والنفس في سبيل الله ، والتخلق بخلق الصبر على الإيذاء والمعاناة .
فيؤكد القرآن أن حقيقة الإيمان لا تكتمل إلا بالتمسك بهذا الدين في حال السلم ، وفي حال الحرب كذلك ، بما يعني الالتزام بأمر الجهاد والبذل والتضحية ، فهذا هو الدين الذي يعلَمه الله ويُعلِّمه لنا ولا علم لنا بالدين إلا كما عرَّفه الله لنا ، فلا يمن أحد على أخوانه بما قدمه من بذل في الماضي ليبخل عن البذل فيما يستقبل ، فالتضحية لهذا الدين مستمرة ، وليس لأحد أن يمن على الله بذلك ، بل الله يمن عليهم جميعا بأن هداهم للإيمان ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، فهو العليم بمن صدق نيته ومن ليس بصادق ، وهو البصير بما نعمل .
والدروس التي تناولتها السورة يمكن القول بأنها تدور في ستة محاور رئيسية على النحو التالي :-
الدرس الأول : تعظيم النبي r وسنته وبيان آداب التعلم من العلماء
الدرس الثاني : وجوب التثبت في النقل للآخبار
الدرس الثالث : التمييز بين الحسن والقبيح
الدرس الرابع : الأخلاق الإسلامية في أحوال النزاعات السياسية
الدرس الخامس : الأخلاق الإسلامية في التعامل مع الغير
الدرس السادس : الإسلام دين ودولة ، وجهاد ونية
[1] ) فضيلة الشيخ/ د. محمد الخضيري (حفظه الله تعالى) فضيلة الشيخ/ د. مساعد الطيار (حفظه الله تعالى -
[2] ) التحرير والتنوير ج26 ص 182
[3] ) رواه أبو داود ج5 ص 417 رقم 1745 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 24
[4] ) مدارج السالكين ج2 ص 389
-
السبت PM 01:02
2026-04-04 - 60



