ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تعظيم النبي وسنته وبيان آداب التلقي من العلماء
د / احمد نصير
الدرس الأول
تعظيم النبي r وسنته وبيان آداب التلقي من العلماء
قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1) استهلت سورة الآداب – الحجرات – بنداء للمؤمنين تضمن نهيا لهم أن يقدموا شيئا بين يدي الله ورسوله ، فعن عبد الله بن مسعود قال : "إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُهُ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ"[1].
ومقتضى النهي الوارد بعد النداء أن أمر الله ورسوله مقدم على كل شيء ، وذلك بإطلاق ، ولذلك لم تبين ماهية هذا الشيء ، بل حذفت المفعول به مما يعني عدم الإفادة من ذكره بشئ ، فمجرد تقديم أي شيء بين يدي الله ورسوله جريمة تخل بما يجب عليه المؤمنون من التقوى والإيمان بالله تعالى .
وقد أكثر العلماء في سرد الأشياء التي يُجرم تقديمُها بين يدي الله ورسوله، فقال الضحاك (لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم)[2] ، عن ابن عباس في قوله لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة)[3] ، قال مجاهد: (لا تفتاتوا على رسول الله) وقال أبو عبيدة : (تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب ، أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه) وقال غيره : (لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى)[4].
والصحابة رضوان الله عليهم كانوا أحرص الناس على التخلق بذلك الخلق ، فلم يكونوا ليجتهدوا بآرائهم قبل أن يبحثوا عن حكم الله في كتاب الله تعالى وسنة نبيه r ، فعن معاذ قال له النبي r حين بعثه إلى اليمن: "لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ r صَدْرَهُ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ)[5] .
قال ابن كثير تعليقا على هذا الحديث (ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله) ، والتعبير بلفظ (بين يدي) له دلالة على العلم بما حكم الله به وأخبر به رسوله r ، أي لا عذر لمن علم حكم الله ورسوله ثم قدم عليهما هواه ورأيه ، قال ابن تيمية (مُجَرَّدُ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ هَوًى ؛ لَكِنَّ الْمُحَرَّمَ اتِّبَاعُ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ : وَلِهَذَا قَالَ : (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) فَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَضَلَّهُ ذَلِكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ هُدَاهُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ ،وَهُوَ السَّبِيلُ إلَيْهِ)[6].
وتلك مقدمة هامة لباب السياسة الشرعية ، يقول الشيخ علي بن نايف (ولئن كان السبق بين يديه بالكلام منهياً عنه فالنهي عن سبقه r بالتصرف والفعل من باب أَولى)[7]، ويقول المستشار عبد القادر عودة (إن الله حرم على المؤمنين أن يسبقوا رسوله بقول أو فعل أو أمر أو رأي، كما حرم عليهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيه)[8].
وهو ما يستتبع كذلك الاعتصام بأمر الله تعالى كما في قوله (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران 103) ، ونتيجة مخالفة النهي وترك الاعتصام التفرق والاختلاف ، وهو ما ذكره الله في قوله (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران 105) .
قال ابن تيمية (فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ وَعَمَلُهُ تَبَعًا لِأَمْرِهِ فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ وَلَا يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ وَالْكَلَامِ فِيهِ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَبِهِ يَتَكَلَّمُ وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ)[9]
قوله (..وَاتَّقُوا اللَّهَ) (1) جاء الأمر بالتقوى لاحقا للنهي على تقديم شيء بين يدي الله ورسوله ، فاتضح بذلك أن الامتثال لهذا النهي يحتاج إلى قدر من التقوى .
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ لَا تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا)[10]
فلا خيار للمسلم مع أمر الله ، لا شرعا كما في قوله سبحانه (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(الأحزاب 36) ، ولا كونا كما في قوله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(القصص68) .
وقد كان الصحابة شديدوا التقوى في تنفيذ أمر رسول الله r والحرص على اجتناب ما يغضبه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ r خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ قَالَ لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ r) [11].
قوله (.. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1) فإذا تحلى العبد بالتقوى فإنه يستشعر أن الله تعالى يسمع ما يُحدِّث به نفسه مما يَهِم بفعله ، خلافا لأمر الله ، وعليم بما سوف يفعله من أمر التقديم أو التأخير بين يدي الله ورسوله r ، قال أبو المظفر أي : (سميع لقولكم ، عليم لما أنتم عليه)[12].
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...) (2) تكرر النداء للمؤمنين للمرة الثانية متضمنا نهيا آخر ، ومُعلما لهم أدبًا من آداب التعلم والتخاطب مع الأنبياء، ومن تبعهم من العلماء وورث عنهم العلم ، إذ لا ينبغي أن يرفع المؤمن صوته فوق صوت العلماء الذين هم ورثة الأنبياء .
وبذلك يعلمنا الإسلام آداب التعلم وحدود الحديث مع أولي العلم ، فإذا كانوا بيننا فإن الواجب خفض الصوت أثناء حضورهم ، وعدم مقاطعتهم أثناء الحديث ، والانتباه لقولهم ، فهم يحدثوننا عن الله ورسوله ، وعدم التشويش على السامعين لهم ، ولذلك نهى النبي r الحديث أثناء خطبة الجمعة ، فقَالَ (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ)[13]، قال النووي (فيه دليل على أن وجوب الانصات والنهى عن الكلام إنما هو في حال لخطبة)[14]، ذلك أن الخطبة فيها كلام الله وكلام رسوله ، والتقدم بالكلام على كلام الله ورسوله لغو وتشبه بالكفار ولو بدون قصد ، قال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت 26) ، فلو قال كل واحد لجاره انصت لرد عليه ، وهكذا ينطق كثير من أهل المسجد بالكلام أثناء الخطبة ، فيشوشرون على الإمام خطبته .
ومن الطريف أن نعلم أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم شأنهم شأن سائر البشر كانوا يختلفون فيما بينهم ويتشاجرون في أمور يسيرة يمكن علاجها دون رفع الصوت ، لكنهم ولأنهم بشر يخطئون ويصيبون فقد علمهم النبي r آداب الاختلاف وحدود التنازع والشجار ، فعن عبد الله بن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي r فقال أبو بكر (أمِّر القعقاع بن معبد) ، وقال عمر (بل أمِّر الأقرع بن حابس) فقال أبو بكر (ما أردت إلا خلافي) فقال عمر (ما أردت خلافك) فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) حتى انقضت الآية)[15]
فمن خطورة بمكان أن تتعالى أصواتهما ورسول الله r بينهما ، قال ابن أبي ملكية (كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي r حين قدم عليه ركب بني تميم .. وذكر الحديث ، قال ابن الزبير : فكان عمر بن الخطاب بعد ذلك إذا تكلم عند النبي r لم يُسمع كلامُه حتى يّستفهمه) [16]، فقوله (لا يسمعه حتى يستفهمه) أي (يخفض صوته ويبالغ حتى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه) [17] .
ويقتضي النهي – كذلك - عدم التنازع والتشاجر بين المسلمين وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه r ما يحكم هذا التنازع ويضبطه ، كما يقتضي كذلك عدم التنازع وبين المسلمين من يؤمهم ويحكم بينهم بحكم الله ورسوله ، فما كان لصحابة رسول الله r أن يختلفوا وهم بين يدي رسول الله r ، ففي قصة قدوم الركب المشار إليها كان من عادة النبي r أن يؤمِّر عليهم رجل من الصحابة ، وقد اختلف الخيران فيمن يؤمره النبي r على بني تميم ، ففي رواية الترمذي (أن الأقرع بن حابس قدم على النبي r فقال أبو بكر : يا رسول الله استعمله على قومه ، فقال عمر لا تستعمله يا رسول الله) [18] ، فلو اقتصرا على مجرد عرض الرأي فحسب لكفاهما ذلك دون حاجة للتشاجر برفع صوتيهما ، ، فمثل هذه الخلافات اليسيرة لابد وألا تكون سببا للتنازع والتشاجر بين المسلمين وفي الإمكان علاجها بشيء من التريث وتقديم حكم الله ورسوله علي الرأي ، ريثما رسول الله r بينهما ، وبإنزال ما تقدم على واقع المسلمين اليوم نجد أنهم بحاجة إلى عدم التنازع لاسيما وعلماء الأمة بينهم ، أولئك الذين ورثوا عن رسول الله r حكم الله تعالى في النوازل والوقائع التي تحيط بنا ، بدلا من تمسك كل ذي رأي برأيه ، وميل كل ذي هوى لهواه ، وتصلب كل ذي فكر بفكره.
قوله (..وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ..) (2) تأكيد للنهي مرة أخرى بالإشارة إلى وجوب التحدث بين يدي النبي r ومن ثم علماء الأمة بأدب خفض الصوت ، والحذر أن يكون التحدث بين أيديهم مثل تحدث عامة الناس بعضهم لبعض ، وإنما يجب أن يراعى عند الحديث بين يدي العلماء أن يكون الموضوع المختار ذي أهمية ، وأن تنتقى الألفاظ بعناية ، وأن يكون الأسلوب فيه رقة ، واستحياء ، ويظهر ذلك كله من خلال خفض الصوت لا الجهر به توقيرا واحتراما للعلماء ، (فلا يكون الصوت جهوريا في ذاته بحيث يكون المسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء)[19].
وإنما يجب أن يُتكلف الغض من الصوت ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزيز والتوقير) [20] كما قال النبي r (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) [21] ، فللعلماء حقهم من التوقير والاحترام لأجل ما معهم من العلم ، ولأن لا يفوت الناس من علمهم شيئا لو تُكلِّم أمام العالم أو تُحدِّث بين يديه بصوت جهور ، فكلما زاد التوقير للعلماء وخفض الصوت بين أيديهم كلما زادت الفائدة منهم ، وكلما زادت الفرصة لأن يتحدث العالم ويُتعلم منه ، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجلسون بين يدي النبي r (وكأن على رؤوسهم الطير)[22] ، وذلك لشدة السكون والطمأنينة بين يديه تهذبا منهم واستعداد لتلقي العلم منه r ، قال المناوي في حق العلماء (بأن يعرف حقه بما رفع الله من قدره ، فإنه قال "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" فاحترام العلماء ورعاية حقوقهم توفيق وهداية ، وإهمال ذلك خذلان وعقوق وخسران)[23].
كما بين القرطبي أنه (يخرج من مفترضات النهي ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون)[24] ، فذلك أشد ، ويخرج –كذلك - من مقتضيات النهي –من وجه أخف - ما دعت إليه الحاجة ، قال القرطبي (ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله r وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك...ففي الحديث ، أنه قال عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين :«اصرخ بالناس» وكان العباس أجهر الناس صوتاً)[25] ، فقال : (أين المهاجرون الأولون ؟ أين أصحاب سورة البقرة ؟ والنبي r يقول : " أنا النبي لا كذب . . . أنا ابن عبد المطلب)[26] ، فكان ذلك موضعا يجوز فيه الجهر بالصوت بين يدي النبي r .
ويتفرع عن ذلك عدة آداب منها أنه لا ينبغي الجهر بالصوت في المساجد حيث يُذكر الله ، ويتلى فيها القرآن ويتداول بأفنيتها أحاديث رسول الله r ويقام فيها بين يدي الله تعالى للصلاة ، ويدخل في ذلك كذلك مجالس العلم والعلماء ، يقول النبي r (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) [27]، وذلك لضرورة توقير ما بها من ذكر وانقطاع عن الدنيا وتلاوة القرآن وتداول سنة النبي r ، وألا تكون مثل الأسواق ينادي الناس بعضهم بعضا فيها أو ينشدون ضالتهم فيها ، يقول المولى سبحانه (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، وقال تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) (الأنفال/205)، وذلك حتى لا يشوشر على غيره ، فيكون الذكر والقراءة مسموعا لنفسه ودون الجهر لغيره .
قوله (..أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (2) فمن الخطورة الاستهانة بتلك الآداب الإسلامية التي عظمها الإسلام ورهب من مخالفتها بإحباط أعمال من لا يتخلقون بها ، فلا تقبل حسناتهم ، دون أن يشعروا بذلك ، لاسيما وأنها عادة تتكرر ولا يدري صاحبها مغبة ما يفعله من ذنب ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ) ، كذلك لا يدري صاحب الذنب الأثر السيء لنذبه ، وإيذائه للغير ، قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)[28].
وليس ذلك بسبب ارتكابهم لذنب يعد شركا في الإسلام أو يقاربه من كبائر الذنوب ، كما في قوله (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (5) فالمخاطب بتلك الآية الكافرون ، وقوله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (88) فالمخاطب بها المشركون ، وقوله (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(65) ، فالمخاطب بها المرائون والمنافقون ، فإحباط الأعمال يقصد به الكافرون والمشركون والمنافقون ، يقول النبي r (وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)[29].
قال الألوسي القاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق ، فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبي r سواء وجد هذا المعنى أولاً حماية للذريعة وحسما للمادة ، ثم لما كان هذا المنهى عنه منقسماً إلى ما يبلغ مبلغ الكفر وهو المؤذى له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ولا دليل يميز أحد القسمين عن الآخر لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقاً خوف أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى إذ لا دليل ظاهراً يميزه ، وإن كان فلا يتفق تمييزه في كثير من الأحيان ، وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله سبحانه : (أَن تَحْبَطَ أعمالكم وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) [30].
ويؤدي إلى ذات النتيجة مثل رفع الصوت - بشأن إحباط الأعمال - التعالي على الناس بالأحكام الباطلة التي لا تستند إلى دليل ، فذلك مثله تماما بإلقاء الفرية عليهم واتهامهم بالنقص والفسوق والفجور ، فعَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)[31]
قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(3) ويدخل في طائفة الممدوحين بهذه الآية عمر بن الخطاب ، قال ابن الزبير : فكان عمر بن الخطاب بعد ذلك إذا تكلم عند النبي r لم يُسمع كلامُه حتى يّستفهمه) [32].
فقد امتدح الله – بهذه الآية - المؤمنين الذين يغضون أصواتهم عند سماع السنة وعند تلاوة القرآن ، وبوجه عام عند حضور مجالس العلم وتداول أقوال العلماء ، فسماهم الله (أولئك الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) أي تتأهل لمرتبة التقوى بالتخلق بهذا الآدب والاحترام والتوقير .
قال الفراء : أي (أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبيثه) ، وقال الأخفش : (اختصها للتقوى وقيل طهرها من كل قبيح)[33] ، وفي ذلك دلالة على التأثير العجيب والمباشر للتأدب بهذه الآداب الإسلامية حال مجالسة العلماء ومخاطبتهم ، ذلك أن القلوب تطهر وتزكى –ربانيا - وتتأهل للتقوى بمجرد التحلي بهذه الآداب الإسلامية .
قوله (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(3) أي جزاؤهم المغفرة والأجر العظيم ، لأنهم يجلسون بيد يدي النبي ويعظمونه ويوقرونه ويعزرونه ، وكذلك من بعده من العلماء حيث يعطون للعالم حقه من التوقير والاحترام والسكينة بين يديه ، فهم مشغولون بمجالس الذكر والعلم ويراعون آدابها .
يقول النبي r (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) [34] ، وقوله r (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قال وما رياض الجنة ؟ قال حلق الذكر) [35] ، وفي رواية (مجالس العلم) [36] ، وقوله r (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) [37].
يقول سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)(4) توبيخ وتقريع لمن لا تزال راسبة في أخلاقهم بعض عادات الجاهلية رغم التحاقهم بالإسلام إلا أنها لا تزال عالقة في عاداتهم ، ولم يتخلقوا بعد بآداب وأخلاق الإسلام السامية ، فالأصل أن من يدخل الإسلام يرتقي فكره وسلوكه وأخلاقه وآدابه ، لأن البر حسن الخلق والإثم ما حاك في الصدر ، ولكن بعض الناس لا يزالون على حالتهم من الفظاظة والغلظة دون أن يحاولوا تجريد أنفسهم من هذا السلوك السيء .
فالبيوت كانت فيما مضى مجرد حجرات لها أبواب ، فأي مار في الطريق يستطيع أن ينادي بصوته ساكني البيوت من وراء الحجرات ، ولكن الإسلام جعل لهذه البيوت حرمتها ، فإذا ما أغلقت الأبواب على أصحابها فقد وجبت لهم الخصوصية ، والإسلام حمى هذه الخصوصية حتى من أن يخترق الجدران صوت النداء الذي يصدر من خلفها ، فليس لأحد أن يؤذي من بداخلها بنداء أو طلب ، بمعنى أن الزيارة الطارئة غير مستحبة ، ولابد من حجز موعد مسبق ، فلا يسوغ أن يمر أحد ببيت جاره فيذكره فينادي عليه ، وهكذا كلما مر أحد ناداه صاحبه ، فلا شك أن ذلك يؤذي الجيران ، ولذلك قال النبي r (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره) [38] ، فإزعاج القاطنين في بيوتهم وأماكن راحتهم بندائهم دون استئذان أو إخبار بميعاد سابق من المنكرات وليس من أخلاق الإسلام ، والأصل أن لا يطرق أحد جاره دون إخبار سابق ، وأن يكون الجيران مطمئنين لذلك ، يقول النبي r (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) ، قيل ومن يا رسول الله ؟ قال (الذي لا يأمن جاره بوائقه) [39] ،
كما أن طريقة النداء بصوت جهوري يوقظ النائم ويقلق المريض ليست مستحبة ، قال تعالى (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان/19) ، حتى وبفرض وجود موعد سابق ، فالاستدعاء والنداء يكون بلطف ، يقول النبي r (الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ)[40] أي يكون بطرق الباب ثلاث مرات فقط ، فإن لم يجب أصحاب البيت فهم في شغل ، فلا يجوز الطرق بعد الثلاث ، والواجب هو الرجوع سمع أو لم يسمع ، قال الزرقاني (فالأولى تسمعون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون قال ابن عبد البر قال أكثر العلماء لا تجوز الزيادة على الثلاث في الاستئذان)[41] قال ابن الجوزي (هذا الحديث يدل على أن السنة الإستئذان ثلاث مرات ولا يزاد على ذلك لأنه ربما لا يسمع صاحب المنزل في المرة الأولى ولا في الثانية فإذا لم يجب في الثالثة فالغالب أنه قد سمع ولكن له عذره)[42].
ومن جهة أخرى فقد يظن غير العقلاء – وذلك وصف القرآن لهم – أن العلماء طالما ورثوا العلم فإن وقتهم ملك للمتعلمين ، ولا خصوصية لهم في بيوتهم ، فتكون الأولوية لطلب العلم بحيث لا يملك العالم وقتا يخصصه لأهل بيته ، وبناء عليه يحق لطلاب العلم أن ينادونه من وراء الحجرات ليخرجوه من بيته في أي وقت ليسألوه عن مسألة فقهية أو تفسير آية معينة ... الخ .
والتطبيق الصحيح أن ينتظروا خروجه ، وهذا هو ما تعلمه الصحابة رضوان الله عليهم ، حينما انتظر ابن عباس أبو هريرة ليسأله عن حديث ، فعن بن عباس قال : لما توفي رسول الله r قلت لرجل من الأنصار يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي r فإنهم اليوم كثير ، فقال واعجبا لك يا بن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي r من ترى ، فترك ذلك وأقبلت على المسألة فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه ، وهو قائل –أي نائم وقت القليلولة - فأتوسد ردائي على بابه –لشده الرياح- فتسفي الريح على وجهي التراب ، فيخرج فيراني فيقول يا بن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت إلي فآتيك ، فأقول أنا أحق أن آتيك فاسأله عن الحديث قال فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال كان هذا الفتى أعقل مني) [43].
أما من لا صبر لهم على المسألة في طلب العلم ، ولا ينتظرون خروج العالم حتى يسألوه ، فقد خرجوا عن تعاليم الإسلام وآدابه ، ولا يفقهون شيئا عن سيرة صحابة رسول الله r وكيف طلبوا العلم بقلة الزاد والصبر ، فها هو ذا أبو هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة ملازمة للنبي r وأكثرهم رواية لأحاديثه r قال عن نفسه ( إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم) ، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله r بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون) [44] .
قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (5) تعقيب قرآني على هذا السلوك المشين ، فالقرآن لا ينهى عن سلوك دون أن يبين ما يجب اتباعه ، ولذلك يشير القرآن إلى أن الوقت المناسب للتحاور والتشاور والتداول مع العلماء ومثلهم الأحباب والأصحاب ، وذلك يكون حال خروجهم من بيوتهم ، لأن الدعاة والعلماء والمسلمون بوجه عام في حاجة إلى أن يفصلوا عن الحياة الاجتماعية والأعمال الدعوية بعض الوقت ، لحاجتهم للراحة والسكون في بيوتهم ، ذلك أن عبء الدعوة ثقيل ، وقد يحول التعب دون استمرارهم في التجاوب مع الناس والجمهور والتعاون معهم ، فإزعاجهم وقت راحتهم لا يؤدي إلى نتائج إيجابية من حيث التواصل مع الناس .
ولا شك -كذلك - أن المسلم يخرج من بيته خمس مرات لأجل الصلوات الخمس ، فكان من المناسب انتهاز تلك الفرص ، لتكون المساجد أنسب الأماكن لتلاقي المسلمين وسؤال بعضهم بعضا عن أحوالهم وعلاج مشكلاتهم ، فقد كان النبي r يخرج لأصحابه في الصلاة بعدما يفرغ من مهنة أهله ، فعن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي r يصنع في بيته ؟ قالت (كان يكون في مهنة أهله تعني خدمة أهله ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) [45].
قوله (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تعقيب على التعقيب ،لافتا الانتباه أنه رغم شناعة هذا السلوك المخالف للآداب الإسلامية ، لدرجة أن تحبط به الأعمال دون أن يشعر مقترفه جريرة ما فعله ، إلا أن باب التوبة منه مفتوح وباب المغفرة على مصراعيه ، فهلم أيها المسلمون لتغيروا سلوكيات الجاهلية ولنتحلى بأخلاق الإسلام رافعين شعار التوبة إلى الله .
وعليه فإن من ألم بهذا الذنب عن جهل وعدم علم بالحكم ، فتاب وندم ورجع عما فعل فإن الله يقبله بالمغفرة والرحمة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ r فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ r فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ (اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) [46] .
وروي أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال رسول الله r (ولم؟) قال : (نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأوجدني أحب الحمد ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك ، وأنا جهير الصوت فقال رسول الله r : (يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟) قال : (بلى يا رسول الله) قال : (فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب)[47] .
[1] ) تفسير ابن أبي حاتم ج1 ص 283
[2] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 364
[3] ) تفسير ابن أبي حاتم ج12 ص 234 ، أبو الفضل المقرئ : أحاديث في ذم الكلام وأهله ج2 ص 116
[4] ) مدارج السالكين ج2 ص 389
[5] ) رواه أبو داود ج9 ص 489 رقم 3119 ويبدو أن الحديث صحيح الإسناد حيث صححه ابن القيم وابن عبد البر ، قال ابن القيم ]حديث معاذ في الاجتهاد شهرته تغني عن اسناده[ .
وضعفه الألباني لنكارته انظر السلسلة الضعيفة ج2 ص 273 رقم 881
قال الألباني: هذا مرسل وبه أعله البخاري كما سبق ، وكذا الترمذي حيث قال عقبه : " هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل " . وأقره الحافظ العراقي في " تخريج أحاديث منهاج الأصول " للبيضاوي ( ق 76 / 1 ) . قلت : فقد أعل هذا الحديث بعلل ثلاث :
الأولى : الإرسال هذا .
الثانية : جهالة أصحاب معاذ .
الثالثة : جهالة الحارث بن عمرو .
انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج2 ص 275
قال ابن حزم هذا الحديث باطل لا أصل له لأنه رواه الحارث بن عمر وابن أخ المغيرة عن ناس من حمص مجهولين، فهي رواية مجهول عن مجاهيل والاستدلال به ضلال. قال البخاري (لا يُعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ)
قال الألباني معلقا على الحديث من حيث الدراية (السنة حاكمة على كتاب الله ومبينة له فيجب أن يبحث عن الحكم في السنة ولو ظن وجوده في الكتاب لما ذكرنا فليست السنة مع القرآن كالرأي مع السنة كلا ثم كلا بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدرا واحدا لا فصل بينهما أبدا كما أشار إلى ذلك قوله r : " ألا إني أتيت القرآن ومثله معه " يعني السنة وقوله : " لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " فالتصنيف المذكور بينهما غير صحيح لأنه يقتضي التفريق بينهما وهذا باطل لما سبق بيانه ، فهذا هو الذي أردت أن أنبه إليه فإن أصبت فمن الله . وإن أخطأت فمن نفسي والله تعالى أسأل أن يعصمنا وإياكم من الزلل ومن كل ما لا يرضيه)
انظر : الألباني : في منزلة السنة في الإسلام ج1 ص 30
وقال ابن كثير في مقدمة كتاب تفسيره أنه رواه أصحاب السنن باسناد جيد وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن أسيد عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل والاسناد إلى هنا صحيح لا شك في صحته لأن رجاله معروفون، الا أن البلية من قبل عبادة بن أسيد والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن أسيد هو محمد بن حسان المصلوب والذي صلبه أبو جعفر المنصور في الزندقة وهو كذاب لا يحتج به فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له الا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو وعن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص.
وهناك من العلماء من لم يوافقوا الألباني لتضعيفه الحديث من حديث نكارته ، فالذين قالوا ان الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين :
أحدهما: أن الحارث بن عمر وثقه ابن حبان وان كان ابن حبان له تساهل في التوثيق
الثاني أن الحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها كحديث مقبولـ ، وكذلك قالوا: ان علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث خلفاً عن سلف وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الاسناد وكم من حديث يكتفي بصحته عن الاسناد يكتفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا لأن هذه الأمة اذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلاً واكتفى بذلك عن الاسناد.
فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهما أصحاب معاذ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث , وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم. وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي , كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك , كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث , وقد قال بعض أئمة الحديث إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به .
أما بالنسبة لمن ضعفوه من حيث المتن لظنهم بنكارته ، وليس ذلك بصحيح ، ولكن فهمهم للحديث جاء بهذه النكارة في ظنهم ، فتقديم كتاب الله على السنة من باب التأدب مع الله ، كما أن تقديم السنة على الرأي من باب التأدب مع رسول الله ، فالقرآن والسنة بمنزلة واحدة باعتبارهما مصدر الوحي ، وأن النبي r لا ينطق على الهوى ، بيد أن في هذا التقديم فائدة وهي أن القرآن اللفظ والمعنى من الله بينما السنة اللفظ من النبي والمعنى من الله ،
انظر : المكتبة الشاملة الحديثة ـ منتدى التخريج ودراسة الأسانيد ، https://al-maktaba.org/book/31615/28490
[6] ) مجموع الفتاوى ج28 ص 134
[7] ) المفصل في شرح الشروط العمرية ج2 ص 127
[8] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج1 ص 247
[9] ) مجموع الفتاوى ج13 ص 63
[10] ) رواه البخاري ج17 ص 137 رقم 5057 ، و رواه ابن ماجة ج9 ص 422 رقم 3217
[11] ) رواه مسلم ج 10 ص 462 رقم 3797
[12] ) تفسير السمعاني ج5 ص 213
[13] ) رواه البخاري ج3 ص 476 رقم 882
[14] ) شرح النووي على مسلم ج6 ص 138
[15] ) رواه البخاري ج 4 ص 1834 رقم 4566
[16] ) رواه الترمذي ج 5 ص 387 رقم 3266 وصححه الألباني وهي ذات الرواية عند البخاري ج 6 ص 2662 رقم 6872
[17] ) ابن حجر في الفتح الحديث رقم 4566
[18] ) رواه الترمذي ج 5 ص 387 رقم 3266
[19] ) في هذا المعنى الزمخشري : الكشاف ج6 ص 364 والقرطبي ج16 ص 307
[20] ) تفسير القرطبي ج16 ص 307 ، الكشاف ج6 ص 365
[21] ) رواه أحمد ج 5 ص 323 رقم 22807 وحسنه الألباني انظر الجامع الصغير ج 1 ص 958 رقم 9574
[22] ) رواه البخاري ج 3 ص 1045 رقم 2687 ، ومثله عند النسائي ج 3 ص 443 رقم 5875 ، وعند ابن حبان في صحيحه ج16 ص185 رقم 7207 وفي مستدرك الحاكم ج 4 ص 443 رقم 8214
[23] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 641
[24] ) تفسير القرطبي ج16 ص 307
[25] ) تفسير القرطبي ج16 ص 307 ، الكشاف ج6 ص 365
[26] ) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 6 ص 270 رقم 10284
[27] ) رواه مسلم ج 1 ص 397 رقم 568
[28] ) رواه أحمد ج8 ص 162 رقم 3627 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج9 ص 30
[29] ) رواه البخاري ج20 ص 119 رقم 5997
[30] ) تفسير الألوسي ج19 ص 251
[31] ) رواه مسلم ج13 ص 58 رقم 4753
[32] ) رواه الترمذي ج 5 ص 387 رقم 3266 وصححه الألباني وهي ذات الرواية عند البخاري ج 6 ص 2662 رقم 6872
[33] انظر فتح القدير للشوكاني ج7 ص9
[34] ) رواه مسلم ج 4 ص 2074 رقم 2699
[35] ) رواه الترمذي ج 5 ص 532 رقم 532 وحسنه الألباني
[36] ) المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 95 رقم 11158 بيد أن الألباني ضعف هذه الرواية انظر الجامع الصغير ج1 ص 172 رقم 1713 ، وضعيف الترغيب والترهيب ج 1 ص 19 رقم 77
[37] ) رواه البخاري ج 1 ص 234 رقم 628
[38] ) رواه مسلم ج 1 ص 68 رقم 47
[39] ) رواه البخاري ج 5 ص 2240 رقم 5670
[40] ) رواه مسلم ج11 ص 107 رقم 4010
[41] ) شرح الزرقاني ج4 ص 464
[42] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 775
[43] ) رواه الدارمي في سننه ج 1 ص 150 رقم 570 وقال حسين سليم أسد : إسناده صحيح ، ومثله عند الحاكم في المستدرك ج 1 ص 188 رقم 363 وقال الذهبي في التلخيص على شرط البخاري
[44] ) رواه البخاري ج 1 ص 55 رقم 118
[45] ) رواه البخاري ج 1 ص 239 رقم 644
[46] ) رواه البخاري ج 4 ص 1833 رقم 4565
[47] ) رواه الحاكم ج3 ص 260 رقم 5034 وقال على شرط الشيخين ، وهو تعليق الذهبي في التلخيص ، ولكن الألباني ضعفه للانقطاع والجهالة والاضطراب ، ولكن أصل الرواية في الصحيحين
قال الحاكم النيسابوري : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرج مسلم وحده حديث حماد بن سلمة و سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال : لما أنزلت : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } جاء ثابت بن قيس و ذكر الحديث مختصرا
-
السبت PM 01:11
2026-04-04 - 55



