المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1904223
يتصفح الموقع حاليا : 247

البحث

البحث

عرض المادة

القول بالتشيّع عند وفاة الرسول ﷺ

الموقف الذي نشأ حول الخلافة إثر انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وما تبع ذلك من اختلاف حول الخلافة، وظهور وجهات نظر ثلاث :

الأنصار : الذين رأوا أنهم أول من آوى رسول الله ﷺ وآزره، وتُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وبهم موصٍ، فهم بذلك لهـم السابقة في الدين، والفضيلة في الإسلام ما ليس لأحد من العرب، وهم بذلك أولى بالخلافة من غيرهم.

المهاجرون : هم أول الناس إسلامًا، وأوسط العرب أنسابًا، ولن تدين قبائل العرب إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوّل من عَبَدَ الله في الأرض على دين الإسلام.

بنو هاشم : الذين رأوا أنهم أدنى الناس قرابة لرسول الله ﷺ، فلا يجوز أن تخرج الخلافة منهم، وربما تمثلت أمام ابن أبي طالبt مآثره، وجهاده، وعلمه، وسبقه إلى الإسلام، وقربه من رسول الله ﷺ، فاستشعر الفضل والتقدم على من سواه من صحابة رسول الله ﷺ، ورأى في ذلك ما يرشحه للخلافة بعد رسول الله ﷺ دون أبي بكر وعمر، ورأى أنصاره ومريدوه هذا الرأي معه[1].

يقول الأستاذ أحمد أمين : «وأشهر من رأي من الصحابة بذلك (سلمان)[2]، (أبو ذر)، (عمار)[3]، (المقداد بن الأسود)[4] »[5]، ويميل أيضاً إلى هذا الرأي (جولد تسهير)[6]، والأستاذ محمد عبد الله عنان[7].

مناقشة هذا الرأي : هذا الرأي، يشير إلى أن التشيع المعروف لدينا الآن بعقائده المتنوعة قد وضعت بذرته بين يدي الصحابة الأجلاء وقت أن اختلفوا فيمن يتولى الخلافة في عقب وفاة المصطفي ﷺ، وفي هذا إشارة إلى تأييد مضمون الرأي الأول بأن أصول المذهب إسلامية بحق وكذلك نشأته.

وهذه الروايات على فرض صحتها [8]ـ لا تدل على أكثر من حب لعلي t، وتفضيله على غيره لميزة فيه أو كفاءة أو علم، وإلا فقد كان القدماء من أنصار علي يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين، فكان يسلك مع أبي بكر وعمر، وكذلك عثمان في مسلك واحد، وكان يوضع في مقابل الأمويين للخلافة بوصفه استمرار للخلافة الشرعية، وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة، ولـم ينشأ هذا الحق أو على الأقل مباشرة عن كونـه من آل بيـت الرسول ﷺ، أو أنه الخليفة المختار من النبي ﷺ، وإلا : لم يظهر من الصحابة من يذكر أن النص في علي متواتر.

وهـذا ما يقـوله فضـيـــلـة الدكتور عبـد المنـعم النـمر [9] :«لو سمع الصحابة بذلك؛ لقام من سمعوه حين الاختلاف على من يكون خليفة وقال لهم :أريحوا أنفسكم؛ فالرسول ﷺ عيّن عليًّا خليفة من بعده، ولم يكن هذا ليخفي على كل هؤلاء الصحابة وما كانوا ليعصوا أمر الرسول ﷺ. فالرسول ﷺ إذن لم يختر عليًا ليكون خليفة وحاكمًا بعده بتسلسل الحكم في ذريته، ولم يُرسَل ﷺ ليكون من مهماته أن يورث الحكم لأقاربه وأهل بيته، وإنما ترك أمر خليفته لاختيار المسلمين عملاً بمبدأ الشورى، وإن كانت له إشارات لها معناها، لمن تتجه إليه الأنظار، ويوضع موضع الترشيح، وهو أبوبكرtحين رضيه ليقوم مقامه في إمامة المسلمين في الصلاة، وكان علي حاضراً، وعمر  ثم كيف يأمر القرآن بالشورى ويمدح من يأخذ بها، ويجعلها صفة المؤمنين كالصلاة، فيأتي الرسول ﷺ فيُجهز عليها، ويخالف أمر ربّه في أهم أمور المسلمين، وهو الحكم، فيعيّن عليهم عليّاً وذريته حكاماً إلى يوم القيامة؟! إن الحاكم هو الذي يختاره المسلمون، ولو كان عبداً حبشيًّا.

 ويضيف : « ولكن الشيعة ذهبوا إلى غير هذا واعتبروا الخلفاء الراشدين قبل علي  معتدين وكفاراً، حتى أن عمار وأبا ذر والمقداد وسلمان  لم يظهروا البراءة من الشيخين، والسبّ لهما، وكان عمّار عاملاً لعمر بن الخطاب في الكوفة، وسلمان الفارسي في المدائن »[10].

وهذا ما يؤكده الدكتورمحمد عبد المنعم البري : «في أن الأربعة المذكورين لم يكونوا من شيعة علي بالمعنى السياسي فهذا عمار بن ياسر كان عاملاً لعمر بن الخطاب في الكوفة، وسلمان عامله على المدائن، وإن كان قد عرف عن هؤلاء حب آل البيت رضي الله عنهم وتقديرهم فقد شاركهم أكابر الصحابة في هذا وإن كان هؤلاء لازموهم وأحبوهم أكثر »[11].

لأجل هذا يحكم الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان بـ « أن التوقيت الذي ذُكِر كبداية للتشيع في هذا الرأي غير وثيق وبعيد عن الصواب وإن وقع الاختلاف بين الصحابة وقت وفاة النبي ﷺ، فلم يكن اختلافاً يؤدي إلى قيام حزب معين بل هو اختلاف في الرأي ووجهات النظر، ونحن نقول فـي مثلنا العـامي : ( الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية )، و بالفعل ظل هذا الود بين الصحابةy جميعاً »[12].

ويضيف الدكتورمحمود أحمد خفاجي : «بأن الذين يرجعون نشأة التشيع إلى ظروف الخلافة الناشئة بوفاة الرسول ﷺ ؛ لا يقصدون الشيعة الاصطلاحية المتكاملة، وإنما يشيرون بذلك فحسب إلى بذرتها التي نمت وتطورت من بعد؛ دون أن ينسب إلى أحد منهم عقيدة من العقائد المعروفة لدى الشيعة في الإمامة، أو الرجعة،... الخ، أو أن يلتمس بذور هذه العقائد لدى هؤلاء النفر من الناصرين لعليّt، وإن كان الشيعة يعتبرونهم الرواد الأوائل لهم، ويذكرونهم بالخير والتمجيد الذي يصل إلى درجة التقديس؛ لا سيما عند غلاتهم، وعلى رأس هؤلاء (عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، وغيرهم) »[13].

 

[1] خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية (ص130).

[2] سلمان الفارسي : وكنيته : أبوعبدالله ويلقب سلمان المحمدي، وكان أول مشاهده الخندق، وتولى على المدائن، توفي سنة(36أو37 هـ).

[3] عمار بن ياسر : قُتلَ مع علي بصفين، راجع فرق الشيعة (ص39، وما بعدها).

[4] المقداد بن الأسود : شَهِدَ بدراً، وتوفي سنة (33هـ)، ودفن في البقيع.

[5] أحمد أمين. ضحى الإسلام (جـ3 / ص209، لجنة التأليف والترجمة والنشر، بدون تاريخ).

[6] جولد تسهير : العقيدة والشريعة (ص74، ط 1، 1363هـ).

[7] محمد عبدالله عنان. تاريخ الجمعيات السرية (ص13، لجنة التأليف والترجمة والنشر، بدون).

[8] يجب أن تؤخذ رواية اليعقوبي أو المسعودي هنا بشيء من الحذر لما عُرف عنهما من ميل إلى التشيع، والأستاذ أحمد أمين لم يفعل هذا الأمر؛ بل ظهر تأثره بالرواية بدون تحقيق علمًا بأن القاضي أبا بكر العربي (468-543) قد حذر من الأخذ بروايات أصحاب المذاهب والأهواء من أمثال اليعقوبي فقال : لا تسمعوا لمؤرخ يقول كلامًا إلا الطبري وغير ذلك هو الموت الأحمر والداء الأكبر، وفي المسعودي المؤرخ قال إنه مبتدع محتال، ولو رجعنا فعلاً إلى الطبري في تاريخه وأيضاً ابن هشام وابن الأثير وهم من ثقات المؤرخين عندنا لوجدناهم لم يذكروا ضمن المتخلفين عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه اسم واحد من هؤلاء الأربعة وهذا يدعوا إلى اعتقاد أن هؤلاء الأربعة صوّروا في غير صورتهم وأُريدَ لهم أن يكونوا أول جمعية شيعية في تاريخ الإسلام؛ انظر : عبد المنعم فؤاد محمود عثمان : قضية التأويل بين الشيعة وأهل السُنة (ص44).

[9] عبد المنعم النمر : (1332 - 1412هـ = 1913 - 1991م) الفقيه والمفكر الإسلامي المعروف، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ووزير الأوقاف المصرية سابقًا، درس في العديد من الجامعات الإسلامية في العالم. وخلّف تراثاً فكرياً زاد على الثلاثين كتاباً؛ انظر : تقديم وتعليق : محمد عمارة : الأزهر والشيعة (هدية مجلة الأزهر لشهر المحرم 1434هـ).

[10] عبدالمنعم النمر : الشيعة المهدي الدروز تاريخ ووثائق (ص37، دار الحرية ط 1، 1987م)، وانظر : فتاو كبار علماء الأزهر الشريف في الشيعة(ص93، 94، دار اليسر، ط 3، 1430هـ =2009م)، وانظر : الأزهر والشيعة (ص69، 70).

[11] البرّي : الشيعة في دائرة الضوء (ص23).

[12] عبدالمنعم فؤاد عثمان : التأويل بين أهل السُّنَّة والشيعة(ص44).

[13] محمود أحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص132).

 

  • الاحد PM 12:24
    2025-04-06
  • 586
Powered by: GateGold