ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
جهود_علماء_السلف_في_القرن_الثامن_الهجري_في_الرد_على_الصوفية_الباب الثالث
الباب الثالث
ويتكون من تمهيد وخمسة مباحث :
التمهيد وفيه : تعريف الحال والمقــام ، لغة واصطلاحاً 0
المبحـث الأول : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه المحبـــة ، عند الصوفية 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري
تجاه الخوف والرجاء ، عند الصوفية 0
المبحث الثالث : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه الفقـــر ، عند الصوفية 0
المبحث الرابع : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه التوكـــل ، عند الصوفية 0
المبحث الخامس : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه الزهـــد ، عند الصوفية 0
التمهيد : تعريف الحال والمقام ، لغة واصطلاحـــاً0
أولاً : تعريف الحال ، لغة واصطلاحاً 0
أ- الحال لغـــة:
« حلَّ المكان ، وبه يَحُلُّ 000نزل به ، كاحْـتـَـلّـَهُ ، وبه فهو حال »( ) 0 والحال : « ما عليه الإنسان من خير أو شر »( ) 0
ب- الحال اصطلاحــاً :
« معنى يرد على القلب من غير تصنع ، ولا اجتلاب ولا اكتساب»( )
وعرفه ابن عربي أنه : « ما يــرد على القلب من غير تعمد ولا اجتلاب »( )
ثانياً : تعريف المقام ، لغة واصطلاحاً 0
أ- المقام لغة : « موضــع القدمين »( )
ب- المقام اصطلاحــاً :
« عبارة عما يوصل إليه بنوع تصرف »( )
وعرفه ابن عربي والكاشاني أنه : « عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام »( ) 0
فالأحوال والمقامات ، من المصطلحات التي درج الصوفية على ذكرها ، في أقوالهم ومؤلفاتهم ، وبالرغم من شهرتها لديهم ؛ إلا أنهم لم يتفقوا على عددها ( ) ، كما أنها قد تتداخل فيما بينها ، فما يذكره أحد الصوفية من المقامات ، يذكره آخر من الأحوال ، فقد عد الطوسي الخوف والرجاء من الأحول( ) ، بينما ذكرهما السهر وردي من المقامات( ) 0
وقد أشار السهر وردي إلى هذا التداخل والاختلاف ، فقال : «قد كثر اشتباه بين الحال والمقام ، لمكان تشابهما في نفسهما وتداخلهما ، فتراءى للبعض الشيء حالاً ، وتراءى للبعض مقاماً ، وكلا الرؤيتين صحيح ، لوجود تداخلهما ، 000على أن اللفظ والعبارة عنهما مشعر بالفرق ، فالحال سمي حالاً لتحوله ، والمقام مقاماً لثبوته واستقراره ، وقد يكون الشيء بعينه حالاً ثم يصير مقاماً »( ) 0
وقد نالت الأحوال و المقامات عند الصوفية ، عناية السلف في المناقشة والرد على ما يخرج منها عن إطار الشريعة ، لما لهذه الأحوال والمقامات من مساس بصحة العقيدة 0
وقد استدل ابن مفلح على أهمية الأحوال والمقامات ، بقول شيخ الإسلام : « عمل القلب كالصبر والتوكل والخوف والرجاء ، وما يتبع ذلك واجب باتفاق الأئمة الأربعة»( )
إلا أن الشاطبي قد أعاب ما أحدثه الصوفية ، من الاستدلال بالمقامات ، فقال : « وأضعف هؤلاء -أهل البدع - احتجاجاً ، قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات ، وأقبلوا وأعرضوا بسببها »( ) 0
المبحث الأول : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه المحبــة عند الصوفية 0
المطلب الأول : المحبة عند الصوفية 0
كثر كلام الصوفية عن المحبة ، واختلفوا في تصنيفها ، هل هي حال أم مقام ؟ 0
فعدها الطوسي والسهر وردي من الأحوال( ) بينما عدها المكي من المقامات( ) 0
والمحبة عند الصوفية ، لها أحوال ثلاثة :
فالحال الأول من المحبة : محبة العامة ، ويتولد ذلك من إحسان الله تعالى إليهم وعطفه عليهم ، وشرطها : صفاء الود مع دوام الذكر 0
والحال الثاني من المحبة : محبة الصادقين والمتحققين : وهي تتولد من نظر القلب ، إلى غناء الله وجلاله وعظمته وعلمه وقدرته ، وهو حب الصادقين والمتحققين ، وشرطها هتك الأستار ، وكشف الأسرار، قال عنها إبراهيم الخواص : محو الإرادات ، واحتراق الصفات والحاجات 0
وأما الحال الثالث من المحبة : محبة الصدّيقين والعارفين ، تولدت من نظرهم ومعرفتهم بقديم حب الله تعالى بلا عله ، فكذلك أحبوه بلا علة( ) 0
وسئل الجنيد عن المحبة ، فقال : « دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب »( )
وقال أبو عبد الله القرشي : « حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شيء »( )
وقال الداراني( ): « إن من خلق الله خلقاً ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه ، فكيف يشتغلون عنه بالدنيا »( )
وقالت رابعة العدوية( ) : « ما عبدته خوفاً من ناره ، ولا حباً لجنته، فأكون كالأجير السوء ، بل عبدته حباً له وشوقاً إليه ، وقالت في ذلك شعراً :
أحبك حبين حــب الهوى وحباً لأنك أهـــل لذاكا
فأما الذي هو حـب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهـل لـه فكشفك لي الحجب حتىأراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا( )
وقال البسطامي:« 000أهل المحبة محجوبون بمحبتهم»( )
وزعموا أن :«المحبة أخذ القلب وخطفه عند كشف نور الجمال وقدس الجلال والشرب : مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال الأفعال »( ) 0
المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه المحبة عند الصوفية 0
محبة الله واجبة على كل مسلم ، وهي جزء من أصول العبادة ، كما ذكر ذلك ابن رجب ، عندما قال : « وقد عُلم أن العبادة إنما تبنى على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والمحبة ، وكل منها فرض لازم ، والجمع بين الثلاثة حتم واجب ، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين 0
فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشدد في الخوف، والإعراض عن المحبة والرجاء ،000وبدع كثير من أهل الإباحية والحلول ممن ينسب إلى التعبد ، نشأت من إفراد المحبة ، والإعراض عن الخوف والرجاء »( )
إلى أن قال : « وقد كثر في المتأخرين المنتسبين إلى السلوك ، تجريد الكلام في المحبة وتوسيع القول فيها ، بما لا يساوي على الحقيقة مثقال حبة ، إذ هو عار عن الاستدلال بالكتاب والسنة ، وخال من ذكر كلام من سلف من سلف الأمة ، وأعيان الأئمة ، وإنما هو مجرد دعاوى قد تشرف بأصحابها على مهاوي ، وربما استشهدوا بأشعار عشاق الصور ، وفي ذلك ما فيه من عظيم الخطر »( )
وقال ابن مفلح : « قال أحمد بن القاسم سمعت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - ورجل يسأله من أهل الشام - رجل غريب - فذكر أن ابن أبي الحواري وقوماً يتكلمون بكلام قد وضعوه في كتاب ، ويتذاكرونه بينهم 0
فقال : ما هو ؟
قال : يقولون : المحبة لله أفضل من الطاعات ، وموضع الحب درجة كذا ، فلم يدعه أبو عبد الله يستتم كلامه ، وقال : هذا ليس من كلام العلماء ، لا تلتفت إلى من قال هذا ، وأنكر ذلك وكرهــه»( )
وقال ابن رجب : « محبة الله تعالى على درجتين :
إحداهما واجبة : وهي المحبة التي توجب للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات ، وكراهة ما يكرهه من المحرمات ، 000ومتى أخل العبد ببعض الواجبات ، وارتكب بعض المحرمات ، فمحبته لربه غير تامة»( )
الدرجة الثانية :
« درجة السابقين المقربين ، وهي أن ترتقي المحبة من محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات ،وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات ، إلى الرضاء بما قدره ويقضيه ، مما يألم النفوس من المصيبات ، وهذا فضل مستحب مندوب إليه »( ) 0
وقد بيّن ابن القيم الأسباب الجالبة لمحبة الله - تعالى - والموجبة لها ، فقال : « قراءة القرآن بالتدبر والفهم لمعانيه ، وما أريد به 0 والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض 0 ودوام ذكره على كل حال 0 إيثار محابه على محابك عند غلبان الهوي 0 مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها 0 مشاهدة بره وإحسانه وآلائه 0 انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى 0 الخلوة وقت النزول الإلهي 0 مجالسة المحبين والصادقين 0 مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله -عز وجل - »0 ( )
هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله - جل شأنه - والتي من خلالها ينال المرء ثواب الدنيا ، والفوز يوم العرض الأكبر ، لا محبة الصوفية، التي لا تستند إلى دليل ، وتؤدي إلى بعض الانحرافات العقدية والشرعية 0
المبحث الثاني: جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، تجاه
الخوف والرجاء، عند الصوفية 0
المطلب الأول : الخوف والرجاء، عند الصوفية
اعتبر بعض الصوفية الخوف والرجاء من المقامات( ) ، بينما عدهما آخرون من الأحوال ( )
ويذهب بعض الصوفية إلى الاستخفاف بالخوف والرجاء ، إلى درجة تجعله لا يبالي بما أعده الله - تعالى ذكر - من العذاب الأليم أو النعيم المقيم ، ولا بغضب جبار السموات والأراضين ، ولا سعة رحمة رب العلمين 0
قالت رابعة العدوية : « ما عبدته خوفاً من ناره ، وحباً لجنته»( )
وقال الواسطي : « إذا ظهر الحق على السرائر ، لا يبقى فيها فضله ، لرجاء ولا لخوف »( )
وجاء عن رابعة : « ذات يوم ، رأى جماعة من الأصحاب رابعة في إحدى يديها نار ، وفي الأخرى ماء ، وهي تعدو مسرعة ، فسألوها : أيتها السيدة إلى أين أنت ذاهبة ؟ وما تبتغين؟
فقالت: أنا ذاهبة إلى السماء ، كي ألقي بالنار في الجنة ، وأصب الماء على الجحيم ، فلا تبقى هذه ولا تلك ، ويظهر المقصود ، فينظر العباد إلى الله دون رجاء ومن غير خوف ، ويعبدونه على هذا النحو : فلا طمع في جزاء أو خوف من عقاب ، ذلك أنه لو لم يكن ثمة رجاء الجنة وخوف الجحيم ، أفكانوا يعبدون الحق ويطيعونه »( ) 0
وقال أبو يزيد البسطامي : « الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة000»( )
المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن ، تجاه الخوف والرجاء ، عند الصوفية 0
الخوف والرجاء ، منزلتان عظيمتان ، في الطريق الموصل إلى رضا الله -جلا شأنه - والسلامة من عذابه وسخطه ، وهما ككفتي الميزان ، لا ينبغي أن تغلب إحداهما الأخرى بشكل دائم 0
ولهذا المعنى أشار ابن رجب حين بيّن أن : « العبادة إنما تبنى على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والمحبة ، وكل منها فرض لازم ، والجمع بين الثلاثة حتم 000»( )
وبيّن ابن أبي العز : « أنه يجب أن يكون العبد خائفاً من عذاب ربه ، راجياً رحمته ، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة »( )
وذكر الشاطبي أن الخوف والرجاء ، يسهلان الصعب على المؤمن ، بقوله : « فإن الخوف والرجاء يسهلان الصعب ، فإن الخائف من الأسد يسهل عليه تعب الفرار ، والراجي لنيل مرغوبه يقصر عليه الطويل من المسافات »( )
وشدد ابن رجب على أن من تزل قدمه في منزلتي الخوف والرجاء ، سيكون شبيهاً بالفرق الضالة ، فقال : « فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشدد في الخوف والإعراض عن المحبة ، وبدع المرجئة نشأت من التعلق بالرجاء وحده ، والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحية والحلول ممن ينتسب إلى التعبد نشأت من إفراد المحبة ، والإعراض عن الخوف الرجاء »( )
ولهذا قال ابن أبي العز : « يجب أن يكون العبد خائفاً راجياً ، فإن الخوف المحمود والصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، والرجاء المحمود : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه ، أو رجل أذنب ذنباً ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته ، قال ـ تعالى ـ : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ، [البقرة : 218]0
أما إذا كان الرجل متمادياً في التفريط والخطايا ، ويرجو رحمة الله بلا عمل ، فهذا الغرور والتمني الكاذب »( )
ويجب الجمع بين الرجاء والخوف ؛ لأن كلاًً منهما مستلزم للآخر، « فالرجاء يستلزم الخوف ، ولولا ذلك لكان أمناً ، والخوف يستلزم الرجاء ، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً ، وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه ، فالخائف هارب من ربه إلى ربه»( )
وقال ابن رجب عن الخوف والرجاء : « فأما الخوف والرجاء ، فأكثر السلف على أنهما يستويان ، لا يرجح أحدهما على الآخر »( )
وفند ابن رجب زعم بعض الصوفية ، عدم خوفهم من النار ، أو رجاء الجنة ، بقوله : « 000وبقي ههنا أمر آخر ، وهو أن يقال : ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة ، لا يخافها العارفون ، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه ، وهذا أيضاً غلــط، والنصوص الدالة على خلافه ، كثيرة جداً وظاهرة ، وهو أيضاً مناقض لما جبل عليه الخلق من محبة ما يلائمهم ، وكراهة ما ينافرهم ، وإنما صدر مثل هذا الكلام ، ممن يصدر منه في حال ، سكره واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله»( )
وذكر ابن أبي العز ،خطأ من ظن أن الرجاء أضعف منازل السائرين إلى الحق - تبارك اسمه - ، فقال : « قال صاحب " منازل السائـرين " - رحمه الله - الرجاء أضعف منازل المريد( ) ، وفي كلامه نظر ؛ بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل المريد»( ) 0
وقال ابن القيم معلقاً على قول الهروي : إن الرجاء أضعف منازل السائرين : « شيخ الإسلام حبيب إلينا ، والحق أحب إلينا منه ، وكل من عدا المعصوم -- ، فمأخوذ من قوله ومتروك ، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ، ثم نبين ما فيه : أما قوله : " الرجاء أضعف منازل المريدين " ، فيعني بالنسبة إلى ما فوقه من المنازل ؛ كمنزلة المعرفة والمحبة والإخلاص ، والصدق والتوكل ؛ لأن مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها ، وإنها منزلة ناقصة »( ) 0
وبيّن ابن رجب القدر الواجب من الخوف ، لأن بعض الناس قد أفرط في ذلك( ) ، فقال : « القدر الواجب من الخوف ، ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم ، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات ، والانكفاء عن دقائق المكروهات ، والتبسط في فضول المباحات ، كان ذلك فضلاً محموداً ، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضاً أو موتاً أوهماً لازماً بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله - عز وجل - ، لم يكن محموداً ، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي ، من شدة خوفه الذي أنساه القرآن( ) ، وصار صاحب فراش ، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصوداً لذاته ، وإنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها ، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه 000»( ) 0
المبحث الثالث : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه ، الفقــر( ) عند الصوفية 0
المطلب الأول : الفقر عند الصوفية 0
يقرر بعض الصوفية ، أن الفقر مقام ، ويرون أن الفقر رداء الشرف ولباس المرسلين ، ومبلّغ إلى الغايات ، وكرامة لأهل الولاية ، وأنه شعار الصالحين ودأب المتقين ( )
قال بشر بن الحارث : « أفضل المقامات ، اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر »( )
وقال مظفر القرمسيني : « الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله تعالى حاجة »( )
وذكر الغزالي أن المرتبة العليا في الفقر : « أن يكون بحيث لو أتاه المال، لكرهه وتأذى منه وهرب من أخذه مبغضاً له »( )
وعرفوا الفقير أنه : « 000الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأسباب »( )
وقرر الغزالي فضيلة الفقر مطلقاً ، وفضيلة الفقير على الغني ( )
وقال : « اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا 000والأكثرون إلى تفضيل الفقر »( ) ، وبيّن أن مراده من الفقر هو : « الفقر من المال على الخصوص »( )
وقال أبو بكر بن طاهر( ) : « من حكم الفقير ، أن لا يكون له رغبة»( ) 0
المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن ، تجاه الفقر، عند الصوفية 0
الفقر أحد مقامات الصوفية ، درجوا على تفضيله مطلقاً ، دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى ، ونصوا على أن الفضيلة متعلقة بالفقر لا بغيره ، إلا أن علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، لهم موقف ورأي مخالف لذلك ، تجلت فيهما أصالتهم المنهجية والعلمية 0
وقد فصل القول في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن يتميه تفصيلاً شافياً ، إذ ذكر روايتين لذلك أحدهما : إن الفقير الصابر أفضل 0
والأخرى : إن الغني الشاكر أفضل 0
وبيّن رأيه في المسألة بقوله : « وفي المسألة قول ثالث : وهو الصواب أنه ليس هذا أفضل مطلقاً ، ولا هذا أفضل من هـذا مطلقاً ؛ بل أفضلهما أتقاهما 0
كما قال تعالى: 000إن أكرمكم عند الله أتقاكم000[الحجرات : 13الآية ]( )
فبيّن رحمه الله : أن الأفضلية ليست متعلقة بالفقر ، ولا بالغنى ، وإنما متعلقة بمن هما حاله 0
ثم قال : « والنصوص الواردة في الكتاب والسنة حاكمة بالقسط ، فإن الله في القرآن لم يفضل أحداً ، بفقر ولا غنى ، كما لم يفضل أحداً بصحة ولا مرض 000 بل قال : 000 إن أكرمكم عند الله أتقاكم000 ، وفضلهم بالأعمال الصالحة »( )
وقال ابن مفلح في الفقر :« لا يلزم الرضا بمرض ، وفقر وعاهة»( ) ؛ لأن ذلك مما لم نتعبد به إلى الله 0
وقد بيّن المسألة وفصل النزاع فيها ، ابن أبي العز ، وكان رأيه فيها مقارباً لرأي شيخ الإسلام ابن تيميه ، فقال : « أكرم المؤمنين هو الأطوع لله ، والأتبع للقرآن ، وهو الأتقى ، والأتقى هو الأكرم ، قال تعالى : 000إن أكرمكم عنـد الله أتقاكم000 ، وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير الصابر ، والغني الشاكر ، وترجيح أحدهما على الآخر ، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى ، وإنما يرجع إلى الأعمال و الأحوال والحقائق ، فالمسالة فاسدة في نفسها ، فإن التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان ، لا بفقر ولا غنى 0
والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده ، كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، [الفجر: 15] 0
فإن استوى الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى ، استويا في الدرجة ، وإن فضل أحدهما فيها ، فهو الأفضل عند الله ، فإن الفقر والغنى لا يوزنان ، وإنما يوزن الصبر والشكر »( )
وقال شيخ الإسلام : « وقد تنازع الناس أيهما أفضل : الفقير الصابر ، أو الغني الشاكر ؟ والصحيح : أن أفضلهما أتقاهما ، فإن استويا في التقوى ،استويا في الدرجة »( ) 0
ومع ادعاء بعض الصوفية بأفضلية الفقر على الغنى ، فإن بعضهم يملك أموالاً طائلة ، ولا يطبقون ما يقولون ، فقد ذكر الذهبي أنه: « كان في خدمة أبي حفص - الصوفي - شاب يلزم السكوت ، فسأله الجنيد عنه 0 فقال : هذا أنفق علينا مئة ألف ، واستدان مئة ألف ، ما سألني مسألة إجلالاً لي»( )
فهل بعد ذلك دعوى لتفضيل الفقر -عند الصوفية - على الغنى، إلا من هذا الوجه ، والضحك على من يحسنون بهم الظن ، من محبي الخير 0
المبحث الرابع : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه،التوكل عند الصوفية 0
المطلب الأول : التوكل عند الصوفية 0
يعد الصوفية التوكل أحد مقاماتهم ، ولهذا نال عنايتهم في بيان ما يسوغ منه وما لا يسوغ - من وجه نظرهم - 0
قال سري السقطي : « التوكل الانخلاع من الحول والقوة »( )
وذكر الغزالي ثلاث درجات للتوكل ، فقال في الدرجة الثالثة : « وهي أعلاها ؛ أن يكون بين يدي الله تعالى ، في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل ، لا يفارقه إلا أنه يرى نفسه ميتاً ، تحركه القدرة الأزلية ، كما تحرك يد الغاسل الميت»،إلى أن قال : « وهذا المقام يثمر ترك الدعاء والسؤال منه !»( )
وقال سهل بن عبد الله عن التوكل : « التوكل وجه كله ليس له قفا، ولا يصح إلا لأهل المقابر !!» ( )
وسئل ذو النون المصري( ) عن التوكل ، فقال : « خلع الأرباب وقطع الأسباب »
وعلق الغزالي على هذا بقوله : « فخلع الأرباب إشارة إلى علم التوحيد ، وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال »( )
وقال أبو طالب المكي( ) : « قيل لبعض علمائنا ما التوكل ، فقال: التبري من الحول والقوة »( )
ويعلل بعض الصوفية لجوءهم إلى ترك الأسباب - وظنهم أن ذلك من التوكل - إلى ما قد كتب في اللوح المحفوظ ، من أرزاق العباد، وأنه لا ينقص من ذلك شيء سواءً عملوا أم لم يعملوا ( )
وقال أحدهم( ) : « إني لأستحي من الله تعالى ، أن أدخل البادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون سعيي على الشبع زاداً أتزود بــه»( )
وقال أبو علي الروذباري( ) : « إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع ، فألزموه السوق ، ومروه بالعمل والكسب »( )
وقال السهروردي : « اختلف أحوال الصوفية في الوقوف مع الأسباب والأعراض عن الأسباب ، فمنهم من كان على الفتوح لا يركن إلى معلوم ، ولا يتسبب بكسب ولا سؤال»( )
« وحكي عن إبراهيم الخواص أنه كان يقول : إذا عرّج المريد على الأسباب بعد ثلاثة أيام ، فالعمل في المكاسب ودخول السوق أولى به»( )
المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه التوكل عند الصوفية 0
وقع بعض الصوفية في منزلق خطير في مفهوم التوكل ، وظنوا أن التوكل مناف للأسباب التي هيئها الله لعباده ، ولذلك رأوا أن اتخاذ الأسباب قدح في عقيدة التوكل ، ومن هذا الفهم الخاطئ ، تصدى لهم علماء السلف ، في القرن الثامن ، فبينوا بطلان ما زعمه الصوفية في هذا الجانب 0
قال ابن القيم : « فترك الأسباب المأمور بها : قادح في التوكل»( )، وأضاف القول : « فإن من نفاها فتوكله مدخول0 وهذا عكس ما يظهر في بداوات الرأي : أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل ، وأن نفيها تمام التوكل ، فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة ؛ لأن التوكل من أقوى الأسباب ، في حصول المتوكل فيه» ( )
وقال ابن رجب : « اعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه وتعالى المقدورات بها ،وجرت سنته في خلقه بذلك ، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب ، مع أمره بالتوكل ، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له ، والتوكل بالقلب عليه إيمان به»( )
ونبه ابن أبي العز على أن ترك الأسباب قد يؤدي إلى قدح في الشرع ، فقال : « ومما ينبغي أن يُعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو : أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع»( )
وبيّن الشاطبي أن تعاطي الأسباب من صفات السلف الصالح ، فقال:«وقد وجدنا من السلف الصالح - رحمهم الله - كثيراً يدخرون الأموال لمصالح أنفسهم ، ويأخذون في التجارة وغيرها بمقدار ما يحتاجون إليه ، في أنفسهم خاصة ، ثم يرجعون إلى عبادة ربهم ، حتى إذا نفذ ما اكتسبوا عادوا إلى الاكتساب »( )
وقال: « ومثل هذا محكي التزامه عن كثير من الفضلاء ، بل ومحكي عن الصحابة والتابعين - -فإنهم كانوا في الاكتساب ماهرين ودائبين ومتابعين لأنواع الاكتساب »( )
وقال ابن رجب : « العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات ، والاجتهاد في الأعمال الصالحات ، وكل ميسر لما خلق له »( )
وقال الشاطبي : « كان - عليه الصلاة والسلام - يستعد الأسباب لمعاشــه وسائر أعماله ، ومن جهـاد وغيره ، ويعمل بمثل ذلك الصحابة--»( ) ، وأكـد أنها : « عمدة ما حافظت عليه الشريعة »( )
وذكــر ابن رجب : أنه لا يشرع «ترك الأسباب الظاهرة »( )
وقال ابن أبي العز : « ظن بعض الناس ، أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب ، وأن الأمور إذا كانت مقدوره فلا حاجة إلى الأسباب!
وهذا فاسد فإن الاكتساب : منه فرض عين ، ومنه مستحب ، ومنه مباح، ومنه حرام ، 000وقد كان النبي -- أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب ، ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون : 000ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق000 ، [الفرقان : 7] 0
و نجد كثيراً ممن يرى أن الاكتساب ينافي التوكل ، يرزقون على يد من يعطيهم ، إما صدقة وإما هدية ، وقد يكون ذلك من مكاس( ) أو والي شرطة أو نحو ذلك »( ) 0
تقول الصوفية :« المقامات مكاسب 000تحصل ببذل المجهود»( )
وبهذا فهم يرون أن المقام لا يأتي إلا ببذل المجهود ، والمجهود لا يكون إلا ببذل الطاقة والسعي ، والطاقة والسعي من الأسباب ، والتوكل عندهم ينافي الأسباب ، وهو مقام لا يحصل إلا بها باعترافهم ، ولهذا فقد وقعوا في تناقض واضح في هذه المسألة ، وأصبحوا أمام خيارين لاثالث لهما، - إذا لم ينهجوا منهج السلف في هذه المسألة - :
فإما أن ينفوا الأسبـاب - التي يترقون من خلالها ، من الأحوال إلى المقامات - كلياً ، وبالتالي فلا يحصلون على أي مقام من المقامات ، ومنها مقـام التوكل ، فبهذا لا يكون من الصوفية متوكل 0
وإما أن يثبتوا الأسباب ، - التي يرون أنها تنافي التوكل - ، وبالتالي فلا يكون هناك صوفي متوكل 0
المبحث الخامس :جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه ، الزهد عند الصوفية 0
المطلب الأول : الزهد عند الصوفية 0
يعد الصوفية الزهد أساس الأحوال الرضية ، والمراتب السنية ، بل وأول قدم القاصدين إلى الله - عز وجل - ( )
قال القشيري : « سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الزهد أن تترك الدنيا كما هي ، لا تقول أبني رباطاً ، أو أبني مسجداً »( )
وقال ابن خفيف : « علامة الزهد وجود الراحة في الخروج عن الأملاك 0
وقال : الزهد سلو القلب عن الأسباب ، ونفض الأيدي من الأملاك»( )
وقال السري السقطي( ): « الزهد ترك حظوظ النفس ، من جميع ما في الدنيا »( ) 0
وقال أبو سليمان -الداراني- : « من تزوج أو كتب الحديث ، أو طلب معاشاً ، فقد ركن إلى الدنيا »( )
وقال الرندي : « وقال لي - الله - إن كنت ذا مال فما أنا منك ، ولا أنت مني »( )
« ويرد عن الشبلي أنه ألقى بأربعة آلاف دينار جملة في دجلة ، فقالوا له : ما تفعل ؟
قال : الحجر أولى بالماء 0 قالوا : لم لا تعطيها للخلق ؟
قال : سبحان الله ! بم أحتج إلى ربي في أني رفعت الحجاب عن قلبي وجعلته على قلوب إخوتي المسلمين »( )
وقال الطوسي : « سمعت الوجيهي يقول : حمل إلى بنان الحمال ألف دينار ، وصبوها بين يديه ، فقال للذي صبه : ارجع وخذه ، ووالله لولا ما عليه من كتابة اسم الله تعالى لبُلْتُ عليها»( )
وقال كذلك : « حمل إلى الحسن النوري -رحمه الله - ثلثمائة دينار ، قد باعوا عقاراً له ، فجلس على قنطره ، وهو يحذف بواحد واحد منها إلى الماء ، ويقول: سيدي تريد أن تخدعني عنك بهذا »( )
وقال ذو النون : « إذا طلب العارف المعاش ، فهو لا شيء »( )0
المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن ، اتجاه الزهد، عند الصوفية 0
يعد - ادعاء - الزهد أحد العلامات البارزة في التصوف ، ولكن لم يستطع القوم التمييز بين ما هو مشروع من الزهد ، وما هو غير مشروع، فالزهد يتكون من فعل وترك ؛ فعل ما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه ، ولكن بعض الصوفية تركوا جانب الفعل في الزهد المشروع ، وأخذوا بجانب الترك فقط ، مما أوقعهم في مخالفات شرعية0
وقد حدد شيخ الإسلام ابن تيميه ، مفهوم الزهد الصحيح بجانبية، جانب الفعل وجانب الترك ، فقال : « الزهد المشروع : ترك ما لاينفع في الدار الآخرة ، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع »( )
وقال ابن رجب : « تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا ، وتنوعت عباراتهم عنه »( )
وذكر من هذه الأقوال والعبارات ، قول أبو مسلم الخولاني ونصه : «ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، و لا إضاعة المال ، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك ، وإذا أصبت بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك »
واستشهد بقول يونس بن ميسره( ) : « ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون حالك مع المصيبة ، وحالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء»
قال ابن رجب تعليقاً على ما مر ذكره : « ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب ، لا من أعمال الجوارح »( )
وعلق الذهبي على قول الجنيد : « ما أخذنا التصوف عن القال والقيل ، بل عن الجوع وترك الدنيا ، وقطع المألوفات »( )
بقوله :« هذا حسن ومراده : قطع أكثر المألوفات ، وترك فضول الدنيا ، وجوع بلا إفراط ، أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان ورفض سائر الدنيا ومألوفات النفس من الغذاء والنوم والأهل ، فقد عرض نفسه لبلاء عريض ، وربما خولط في عقله ، وفاته بذلك كثير من الحنيفية السمحة ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً ، والسعادة في متابعة السنن ، فزن الأمور بالعدل ، وصم وأفطر ، والزم الورع في القوت ، وارض ما قسم الله لك ، واصمت إلا من خير »( ) ، تكن من الزاهدين0
واستدل ابن مفلح على الزهد المشروع ، وغير المشروع ، بحديث الرسول -- عن أنس بن مالك --: « أن نفراً من أصحاب رسول الله -- سألوا أزواج النبي -- عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج ، وقال بعضهم : لا أكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي -- ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : «أما بعد : فما بال أقوام قالوا كذا ؟! ولكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني»( )
وانتقد ابن مفلح ما يضنه بعض الناس زهداً ، وبيّن أن سلوكهم ذلك خاطئ ومجانب للصواب ، فقال : « روي عن صفوان بن سليم -تابعي - أنه عاهد الله أن لا يضع جنبه إلى الأرض ، ما بقي في الدنيا ، وعن داود الطائي : أنه كان يسف السويق لئلا يشتغل بمضغ الخبز وغيره عن الذكر ، وعن غيرهما أيضاً من العباد معنى هذه الأحوال »
فقال تعليقاً على هذه التصرفات : « لعل ذلك لا يصح من عابد عالم ، وعابد جاهــل لا عبرة برأيه ، فإن صح ذلك ، فإنه محجوج برسول الله -- »( )
واستشهد بقول الإمام مالك -- : « كل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، إلا صاحب هذا القبر ، يعني رسول الله -- »( )
وقال الذهبي منتقداً الرهبة وترك المباحات والتشديد على النفس باسم الزهد : « الطريقة المثلى هي المحمدية ، وهو الأخذ من الطيبات ، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف ، كما قال تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم [المؤمنون : 51]
وقال النبي -- : «لكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وآتي النساء ، وأكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » ( )، فلم يشرع لنا الرهبانية ، ولا التمزق والوصال ، ولا صوم الدهر ، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة ، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه،كما قال تعالى: لينفق ذو سعة من سعته000 [الطلاق: 7] 0
وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا -- »( ) ، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك ، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى 0
ثم العابد العري من العلم متى زهد وتبتل وجاع وخلا بنفسه وترك اللحم والثمار ، واقتصر على الدقة والكسرة ، صفت حواسه ولطفت ، ولازمته خطرات النفس 000 وولج الشيطان في باطنه وخرج وربما حصل له شك وتزلزل إيمانه 000وليس ذلك في شريعتنا في شيء»( )
ويتكون من تمهيد ، ومبحثين :
التمهيد وفيه : تعريف السماع لغة واصطلاحاً0
المبحث الأول : السماع عنـــد الصوفية 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، اتجاه السماع عند الصوفية 0
التمهيد : تعريف السماع ، لغة واصطلاحاً 0
أولاً - السَّمَاعُ لغــة :
«ما سمعت به فشاع ، وتكلم به ، وكل ما التذته الأذن من صوت حسن سماع 0 والسماع الغناء »( )0
ثانياً- السماع اصطلاحاً :
« استجمام من تعب الوقت ، وتنفس لأرباب الأحوال ، واستحضار الأسرار لذوي الأشغال »( ) 0
المبحث الأول : السماع عند الصوفية 0
يعد السماع أحد الموضوعات التي أهتم بها الصوفية غاية الاهتمام، وأفرده الكثير منهم بمباحث خاصة في مؤلفاتهم ( )
وقد اختلف المستمعون في السماع ، من الصوفية على طبقات ، فطبقة منهم اختارت سماع القرآن ، ولم يرد غير ذلك ، وطبقة اختارت سماع القصائد والأشعار( ) 0
وقد بيّن ابن عربي مفهوم السماع عند الصوفية بقوله : «000فاعلم أن السماع عند أهل الله مطلق ومقيد ، فالمطلق الذي عليه أهل الله ( ) ، 000والمقيد هو السماع المقيد بالنغمات المستحسنات ، التي يتحرك لها الطبع بحسب قبوله ، وهو الذي يريدونه غالباً بالسماع ، لا السماع المطلق»( ) 0
ثم قال : « السماع المطلق لا يمكن تركه ، والذي يتركه الأكابر ، إنما هو السماع المقيد المتعارف ، وهو الغناء »( )
فالسماع الذي يريده ويعنيه الصوفية غالباً ، هو السماع المصحوب بالنغمات والأصوات العذبة ، التي يتحرك لها الطبع ، ولهذا قال الطوسي : « النغمات الطيبة موافقة للطبائع ، 000وهذه الأبيات والقصائد 000موافقة للطبع »( )
وبيّن ذلك بقوله : « فمن اختار استماع القصائد على استماع القرآن ، اختار لحرمة القرآن ، وتعظيم ما فيه من الخطر ، لأنه حق والنفوس تخنس عندها وتموت حركاتها »( )
وذكر الجنيد ، أن السماع سبب ،من أسباب تنزل الرحمة ، على الصوفية ( )
وقال القشيري : « سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم ، وهو مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم ، كما أنه مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم»( )
وقد تكلف الغزالي بإيراد ما يراه أدلة وشواهد ، على حل وإباحة السماع الصوفي ، فمما قال: « حكي عن بعض الشيوخ أنه قال : رأيت أبا العباس الخضر -- ، فقلت له : ما تقول في هذا السماع الذي تختلف في أصحابنا ؟
فقال : هو الصفو الزلال ، الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء »
ومما أورده أيضاً : « حكي عن ممشاد الدينوري أنه قال : رأيت النبي- - ، في النوم فقلت : يا رسول الله ، هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال : ما أنكر منه شيئاً ، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ، ويختتمون بعده بالقرآن »( )
ثم أصدر حكمة بحل السماع الصوفي بقوله : « ولا يدل على تحريم السماع نص ، ولا قياس »( )
وقد اشتهر عن الصوفية حال السماع ، أشياء منها الصعق ، والرقص ، واستماع آلات اللهو والطرب ، والألحان 0
فالصعق خاص بسماع القرآن ،وبعض الأشعار ،كما ذكر ذلك الطوسي ، بقوله :« ولو ذكرت ما يدخل تحت هذا الباب ممن سمع القرآن فصعق وبكى ، ومن مات ، ومن انفصل بعض أعضائه ، ومن غشي عليه 000إلى وقتنا لطال به الكتاب »( )
وقد أورد حكاية عن الشبلي ، أنه كان يصلي خلف إمام له ، « فقرأ الإمام هذه الآيــة: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك علينا وكيـــــــــــــلاً ، [الإسراء : 86] 0
فزعق زعقة ظنوا أن قد طارت روحه »( ) ، وأورد الهجويري مثل هذه الحكاية عن الشبلي أيضاً ( )0
وقال الهجويري : « ذهبت يوماً عند الشيخ أبي العباس الشقاني ، وكان يقــرأ : وضـرب الله مثــلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء 000 [النحل: 75] 0 وكان يبكي ويصرخ حتى ظننت أنه قد فارق الدنيا »( )
وأورد الطوسي ما حكاة الدقـي( )قال : «سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول : رأيت شيخين اسم أحدهما جبلة والآخر زريق ، ولكل منهما تلامذة ومريدون ، فزار يوماً من الأيام جبلة زريق مع أصحابه ، فقرأ رجل من أصحاب زريق شيئاً من القرآن ، فصاح من أصحاب جبلة رجل صيحة فمات ، فلما كان غداة يومئذ قال جبلة لزريق : أين صاحبك الذي قرأ بالأمس؟
فدعاه وقال له : اقرأ ، فقرأ شيئاً ، فصاح جبلة صيحة فمات القارئ في مكانه ، فقال : واحد بواحد والبادئ أظلم »( )
وأما الرقص واستماع الأشعار والأنغام وآلات الطرب ، فهو مشهور عن الصوفية ، ومدون في كتبهم ويعللون ذلك أنه ترويح عن النفس ، وأما سماع القرآن فهو صدمة عند بعض الصوفية 0
فقد نقل القشيري عن إبراهيم الخواص : « قال إبراهيم الخواص وقد سئل : ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن ، ولا يتحرك في سماع القرآن ؟
فقال : لأن سماع القرآن صدمة ، ولا يمكن لأحد أن يتحرك فيه لشدة غلبته ، وسماع القول ترويح فيتحرك فيه »( )
وذكر السهروردي أن الرقص قد يقع من بعض الصادقين من الصوفية ، وبين ذلك بقوله : « وقد يرقص بعض الصادقين ، بإيقاع ووزن من غير إظهار وجد وحال »( )
وقال القشيري : « روي عن أبي سعيد أحمــد الخراز ، قال : رأيت علي بن الموفق في السـماع ، يقول :أقيموني فأقاموه ، فقام وتواجد ، ثم قال : أنا الشيخ الزفان » ، والزفان هنا بمعنى الرقاص( ) 0
وذكر الطوسي : « أن ذا النون المصري ، دخل بغداد فاجتمع إليه قوم من الصوفية ، ومعهم قوّال ، فاستأذنوه في أن يقول شيئاً ، فأذن له في ذلك ، فأنشأ يقول :
صغير هواك عذبــني فكيف به إذا احتنـكا
وأنت جمعت في قلـبي هوى قد كان مشتركا
أما تـــرثي لمكتئب إذا ضحك الخلي بـكا
فطاب قلبه وقام وتواجد ،وسقط على وجهه ، والدم يقطر من جبهته»( )
«وعن أبي الحسين النوري ، أنه حضر مجلساً في سماع ، فسمع هذا البيت:
مازلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب عند نزولـه
قال : فقام وتواجد وهام على وجهه ، فوقع في أجمة قصب قد كسحت وبقي أصولها كالسيوف ، فأقبل يمشي عليها ويعيد البيت إلى الغداة ، والدم يخـرج من رجليه ، ثم ورمت قدماه وساقاه ، وعاش بعد ذلك أياماً قلائل ومات »( )
ونقل السهروردي ، قول المكي - أبو طالب - : « قال : كان لعطاء جاريتان تلحنان ، وكان إخوانه يجتمعون إليهما ، وقال: أدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن التلحين ، أعدهن للصوفية»( )
وقد يكون سماع المغنين يغنون ،سبباً للصعق والموت عند الصوفية ، كما ذكر ذلك الهجويري بقوله : « يقول واحد من كبار المشايخ : سمعت مع درويش في بغداد صوت مغن كان يغني :
منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى
وإلا فقــد عشنا بها زمناً رغداً
فصرخ ذلك الدرويش ، وفارق الحياة »( )
وقال كذلك : « يقول قائل : كنت أسير مع إبراهيم الخواص في طريق، فظهر طرب في قلبي ، فغنيت هذا الشعر :
صح عند الناس أني عاشـق غير أن لم يعلموا عشقي لمن
ليس في الإنسان شيء حسن إلا وأحسن منه صوت حسـن
فقال لي : أعد هذا الشعر ، فأعدته ، فضرب الأرض عدة ضربات من الوجد ، فلما نظرت كانت أقدامه تغوص في الحجر كما لو كانت تغوص في شمع ، ثم وقع مغشياً عليه ، فلما أفاق ، قال لي : كنت في روضة الجنة ، وأنت لم ترَ »( )
و« كان شاب يصحب الجنيد ، فكان إذا سمع شيئاً من الذكر يزعق ، فقال الجنيد يوماً : إن فعلت ذلك مرة أخرى لا تصحبني ، فكان إذا سمع شيئاً يتغير ويضبط نفسه ، حتى كان يقطر كل شعرة من بدنه بقطرة وذات يوم صاح صيحة تلفت فيها نفسه »( ) 0
وقال القشيري : « واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة، إذا لم يعتقد المستمع محظوراً ، ولم يسمع على مذموم بالشرع، ولم ينجر في زمام هواه ، ولم ينخرط في سلك لهوه ، فهو مباح في الجملة »( ) 0 وأضاف : « 000 وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان ، فممن قال بإباحته من السلف مالك بن أنس ، وأهل الحجاز فكلهم يبيحون الغناء 000وأما الشافعي - رحمه الله تعالى - فإنه لا يحرمه000»( )
ومن الآثار التي يزعم الصوفية أنها تبيح السماع والغناء، ما يروونه عن الرسول -- أنه سمع منشداً يقول:
لقد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي
إلا الحبيب الذي شغفت بـه فعنده رقيتي وترياقـي
« فتواجد رسول الله -- ، وتواجد الأصحاب معه حتى سقط رداءه عن منكبيه 000ثم قسم رداءه رسول الله -- ، على من حاضرهم ، بأربعمائة قطعة 000»( )
تلك هي مواقف الصوفية ، من السماع بمختلف أنواعه ، فهم يؤكدون حل السماع الذي يفعلونه ، تأسياً بالسلف - كما يزعمون - ، وأنه قربة إلى الله تعالى 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري،تجاه السماع عند الصوفية 0
رد علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، على السماع عند الصوفية ، وبيّنوا ما يترتب عليه من المخالفات الشرعية ، وفندوا ما أحدثوه من بدع منكره في هذا المضمار ، ومن خلال ذلك أصلوا حكم الإسلام في السماع وما يصحبه من آفات ومخالفات 0
فقد فرّق شيخ الإسلام ابن تيميه بين السماع الذي يُنتفع به في الدين ، وبين ما فيه ضرر ومحذور شرعي ،من السماع البدعي ، فقال:«فأما السماع الذي شرعه الله تعالى لعباده ، وكان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، يجتمعون عليه لصلاح قلوبهم ، وزكاة نفوسهم ؛ فهو سماع آيات الله تعالى ، وهو سماع النبيين والمؤمنين ، وأهل العلم وأهل المعرفة »( )
وأما ما يعتري بعض الصوفية ، من أحوال عند السماع ، من صعق وفقدان الوعي ، فذكر شيخ الإسلام ، أن ذلك لم يكن معروفاً عند السلف الصالح ، فقال عند ما بين أحوال عباد البصرة : « غالب مايحكى من المبالغة في هذا الباب ، إنما هو عن عباد البصرة ، مثل حكاية من مات أو غشي عليه من سماع القرآن ، ونحو ذلك 000وكان منهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن ، ولم يكن في الصحابة من هذه حالة، فلما ظهر ذلك أنكر طائفة من الصحابة والتابعين »( )
وبيّن ابن أبي العز ، أن الصعق لم يكن من صفات السلف الصالح ، ولو عند سماع القرآن ، فقال : « 000وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة ، مبتدعون ضالون ، وليس للإنسان إن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله ، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك ، ولو عند سماع القرآن ؛ بل كانوا كما وصفهم الله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آيته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال : 2 الآية ] ( ) 0
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيميه ، المأخذ التي ذكرها المنكرون للصعق عند سماع القرآن ، بقوله : « والمنكرون لهم مأخذان : منهم من ظن ذلك تكلفاً وتصنعاً ، ويذكر عن محمد بن سيرين أنه قال : ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن ، إلا أن يُقرأ على أحدهم وهو على حائط ، فإن خر فهو صادق 0
ومنهم من أنكر ذلك ؛ لأنه رآه بدعة مخالفاً لما عرف من هدي الصحابة، كما نُقل عن أسماء ، وابنها عبد الله » ، ثم ذكر شيخ الإسلام رأي جمهور العلماء في هذه المسألة ، فقال :« والذي عليه جمهور العلماء ، أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه لم ينكر عليه ، وإن كان حال الثابت أكمل منه »( )
وأما سماع الصوفية للشعر والغناء بالألحان وآلات اللهو والطرب، وما يتبعه من رقص وصعق وموت ، فقد اشتد إنكار علماء السلف في القرن الثامن ، على الصوفية في هذا الجانب ، إنكاراً شديداً ، بل إن من علماء القرن الثامن ، من أفرد هذه المسألة بالرد في مؤلف خاص ، منهم شيخ الإسلام ابن تيميه ، وابن قاضي الجبل ، ومحمد بن محمد الحنبلي( )، وابن رجب( ) ،والأدفوي( ) 0
وقد أورد ابن قاضي الجبل في مؤلفه ، صوره استفتاء كتب في سنة أربعين وسبعمائة ، جاء فيه : « ما تقول 000العلماء أحسن الله توفيقهم ، في السماع الذي يشتمل على الدف والشبابة وآلات اللهو والطرب ، أو التصفيق بالكف ونحو ذلك من اللهو ، مثل التغبير ونحوه ، ويحضره الرجال والنساء ، وربما اختلطوا بعضهم ببعض ، فربما جلس النساء مقابل الرجال ، فينظرون إليهم وهم يرقصون على صوت الشبابات والدفوف والغناء ، ويزعمون أن ذلك قربة يقربهم إلى الله ، ويزيد في أذواقهم ومواجيدهم الإيمانية ، وأن من رقص غفر له000»( )
ثم ذكر ابن قاضي الجبل جواب العلماء ، على الاستفتاء المذكور، بدأه بجواب القاضي برهان الدين بن عبد الحق الحنفي( ) ، ومنه : « الله الموفق ،هذا الجواب المسؤل عنه بهذه الصفة المذكورة بدعة وحرام ، تسقط به العدالة ، وترد به الشهادة ، وتذهب به المروءة ، ولا يعرف في حله قولاً لأحد ممن يعتد »( ) 0
ثم أعقب ذلك بعدد من الآيات والأحاديث والآثار التي تحرم الغناء الواردة صفته في الاستفتاء المذكور( )
منها قولـه تعالى: وما كان صـلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية 000 [الأنفال : 35 الآية ] 0
واستدل بقول ابن مسعود: « الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء العشب »
وقول الشعبي( ): « لُعن المغني والمغنَّى له» ، وقول الضحاك : « الغناء مفسدة للقلب ، مسخطة للرب »
إلى أن قال : « وقد بلغت الوقاحة بقوم من المتصوفة ، إلى أن ادعوا فيما ذكر في صدر الاستفتاء ، من حضور السماع والرقص، أنه يثير ساكن المحبة ، ويحرك كامن الوجد ، ولعمري لو كان السماع خالياً من الصور الحسان ، وحسن صوت المغني ، لا فيه دف ولا مزمار لما أشرقت نفسه به ، ولا اتخذه قربة ، فعلم أن الذي حمله على ذلك 000شهوات نفسانية ، وطلبات دنيوية ، وهذه طرائق أرباب البطالة ، ومن غلبت عليهم محبة ما دعاهم الشيطان إليه ، فنعوذ بالله من الخذلان، ولو بسط القول في تأصيل أفعالهم وأقوالهم وحقيقة أحوالهم ، لرأيت بدائع البدع ، ومنكرات الشنع ، فالله أسال العصمة والهداية ، وبلطفه الاستعانة و الكفاية ، وهو حسبنا ونعم الوكيل »( )
ثم ذكر ابن قاضي الجبل ، صفة جوابه( ) على الاستفتاء المذكور ، ومنه : « اللهم وفق 0 الهيئة المسؤل عنها من السماع ،بدعة محرمة باتفاق الجمهور من العلماء ، فاعل هذا والحال هذه أثم ساقط المروءة ، مردود الشهادة ، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذم ذلك والنهي عنه ، وكشف وجه فسـاده ، وكثر ذم السلف والأئمة الأربعــة( ) ، وغيرهم من العلماء ، لهذه الأفاعيل ، والنهي عن هذه الأباطيل ، ولو بسط ذلك لاحتمل مجلدات ، وقد تضمنت هذه الحالة المسؤل عنها وجوهاً نهى عنها شرعاً ، واجتماع الدف والشبابة والغناء منهي عنه باتفاق الجمهور ، وحضور النساء مع الرجال على تلك الحالة غير سائغ أيضاً ، ومن أعظم البدع والمنكرات دعواهم كون ذلك قربة يتقرب به إلى الله سبحانه ، فإن هذه الدعوى كذب من القول، وباطل من الكلام ، وافتراء على الشريعة المطهرة ، طهرها الله تعالى عن مثل أفعال هؤلاء الجهلة الضلال مرتكبي الباطل ، مظهري المحال 000وقولهم أن الرقص سبب للمغفرة ، وإن المنُكِر عليهم محجوب ، كذب وبهت »( )
ووصف ابن كثير سماع الصوفية ، بأنه سماع شيطاني ، فقال في ترجمة الشيخ أبو الرجال المنيني( ) : « الشيخ الزاهد العابد 000، كانت له أحوال ومكاشفات 000، وكانت له زاوية ببلده ، وكان بريئاً من هذه السماعات الشيطانية »( )
وقد استفتي الشاطبي بسؤال عن سماع الصوفية ، ونصه:«000وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء ، يزعمون أنهم سلكوا طريقة الصوفية ، فيجتمعون في بعض الليالي ، ويأخذون في الذكر الجهوري على صوت واحد ، ثم في الغناء والرقص ، إلى آخر الليل 000هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا ؟»
فأجاب الشاطبي : « بأن ذلك كله من البدع المحدثات ، المخالفة طريقة رسول الله -- ، وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان»( )0
وقال عن الغناء : « لا يجوز لأحد أن يستمع إلى الغناء»( )
وقال ابن رجب في ترجمة إسحاق بن أحمد( ) : « له رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم ، ورأيت كتاباً أرسله إلى الخليفة ببغداد ، وأرسل أيضاً إلى الشيخ علي بن إدريس الزاهد - صاحب الشيخ عبد القادر - رسالة طويلة تتضمن إنكار الرقص والسماع والمبالغة في ذلك ، وله في معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد »( )
وقال في طريق الصوفية : « وأدخلوا في هذه الطريق أشياء كثيرة ليست من الدين في شيء ، فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص ، 000 وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً»( )
وعد الشاطبي سماع الغناء من البدع ، حين قال : « وأما غير العالم ، وهو الواضع لها - البدعة - لا يمكن أن يعتقدها بدعة ، بل هي عنده مما يلحق بالمشروعات ، 000كمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية »( )
وقال ابن رجب ، في ترجمة ،الحافظ عبد الغني المقدسي( ) ، ومثنياً عليه : « وكان - رحمه الله - قوياً في بدنه ، وفي أمر الله ، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر المنكر ، ويكسر الطنابير والشبابات »( )
وقال في ترجمة المعمر بن علي( ) : « خرج مرة فلقي مغنية قد خرجت من عند تركي ، فقبض على عودها وقطع أوتاره »( )
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علـــــــــم ويتخذها هزوا أولئل لهم عذاب مهين ، [لقمان : 6] 0
إن لهو الحديث هو: الغنـاء ( ) ، وذكر أن المعازف واللعب واتباع الشهوات ، وكل ما يصد عن ذكر الله ، هي ما كانت تتلوا الشياطين ( )
وقال ابن رجب عن سماع آلات اللهو : « فأما سماع آلات اللهو ، فلم يحك في تحريمه خلاف »( )
وقسم ابن رجب استماع الغناء وآلات الملاهي إلى قسمين ، فقال :
« القسم الأول : أن يقع على وجه اللعب واللهو ، فأكثر العلماء على تحريم ذلك ، أعني سماع الغناء وسماع آلات الملاهي كلها ، وكل منها حرام بانفراد 000
والقسم الثاني : أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى ، وهذا هو الذي يدعيه كثير من أهل السلوك، ومن يتشبه بهم ، ممن ليس منهم ، وإنما يتستر بهم ، ويتوصـل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه ، من نيل لذته ، فهذا المتشبه بهم مخــادع ملبس ، وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد ، وأما الصادقون في دعواهم ذلك وقليل ماهم ، فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله - عز وجل - ، بما لم يشرعه الله تعالى ، واتخذوا ديناً لم يأذن الله به »( )0
وقد بيّن الشاطبي أن من يصعق ، أو يموت من سماع الذكر أو الموعظة ، دون تعمد لا ينكر عليه ذلك ، لأنه خارج عن إرادته ، فقال : «نعم لا ينكر اتفاق الغشي ونحوه ، أو الموت لمن سمع الموعظة بحق ، فصعق عن مصابرة الرقة الحاصلة بسببها »( )
ثم ذكر حال الشاب الذي كان يصحب الجنيد ، فصعق ومات ، من السماع ، فقال : «فهذا الشاب قد ظهر مصداق ما قاله السلف ، لأنه لو كانت صيحته الأولى غلبته ، لم يقدر على ضبط نفسه، وإن كان بشدة 000وعليه أدبه الشيخ ، حين أنكر عليه ووعده بالفرقة ، إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس ، فلما خرج الأمر عن كسبه - بدليل موته - كانت صيحته عفواً لا حرج عليه فيها ، إن شاء الله »( )
ثم ذكر أن ما يقع للصادقين : « بخلاف هؤلاء القوم الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة ، فأخذوا بالتشبه بهم فأبـرز لهم هواهم التشبه بالخوارج ، وياليتهم وقفوا عند هذا الحد المذموم ، ولكن زادوا علـى ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على الصدور ، وبعضهم يضرب على رأسه ، وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى، لكونه من أعمال الصبيان والمجانين ، المبكي للعقلاء ، رحمة بهم ، إذ لم يتخذ مثل هذا طريقاً إلى الله ، وتشبهاً بالصالحين »( )
وقد نقل ابن رجب ، ذم الشيخ أبي عبد الله الخياري للصوفية ، وما يقع منهم من مخالفات شرعية عند السماع ،جاء ذلك في قصيدة له يصف بها شيخاً( )، حضر سماع الصوفية ، فقال:
« عملت دعوة للصوفية والعلماء على اختلاف مذاهبهم ، فمنهم من أكل وانصرف ، ومنهم من حضر السماع ، وكان البراندسي ممن عجز عن الخروج مع من أكل وانصرف ، فأقام وأُغلق الباب دونه ، وحضر السماع ، فحيث علم أهل البصرة تخلفه دون جميع أصحابه 000قالوا فيه شعراً ، وهجره جماعة من عوامهم ،فأنشدني الشيخ أبو عبد الله الخياري لنفسه فيه :
أيها الشيـخ من ينافق خلـــوة
يظهر الله ذلك الفعل جلــوة
كنت تفتي أن السماع حـــرام
كيف حل السماع يوم الدعـوة؟
عشت ما عشت بين زهد ونسـك
وتسميت في الشريعة قــدوة
ثم خلعت العذار في اللهو والرقص
وبين البلى وبينك خطـــوة
كنت حقاً لورقص الطفل حوقلت
وأنكرت بارتعاد وسطـــوه
كيف جاز الجلوس بين حــداة
لم يفت سماعهم غير قهــوة
لا تبهرج فليس عندك عـــذر
يلزم القوم ما أتوك عنــوة
إنما أنت حين خبــــرت أن
الرقص من بعد صحاح وكسوة
ودجاج وبط حثـك البخـــل
فلا تعتذر بقــولك شقـوة
ودع الآن شـغلك بالفقـه
وخذ في لباس دلق وركوة ( )
وقال الإمام ابن القيم ، في الذين يستمعون الغناء وآلات اللهو ، ويرقصـون على أنغامها من الصوفية : «فلو رأيت عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات ، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه ، وانصبت انصبابة واحدة إليه ، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان ، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم ، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان ؟ ويحق لهم ذلك ، وقد خالط خُمارُه النفوس ، ففعل فيها أعظم ما يفعله حُمًّيا الكؤوس ، فلغير الله ، بل للشيطان ، قلوب تمزق وأثواب تشقق وأموال في غير طاعة الله تنفق ،000ويا شماتة أعداء الإسلام بالدين ،يزعمون أنهم خواص الإسلام ، قضوا حياتهم لذة وطرباً ، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً ، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن»( )
واستشهد ابن القيم بقصيدة أحد العلماء ( ) ،وذمة لما يفعله الصوفية من السماع المحرم ومما جاء فيها :
ألا قل لهم قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تستمــع
متى علم الناس في ديننـا بأن الغنــاء سـنة تتبع ؟
وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع؟
وقالوا : سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
كذاك البهائم إن أُشبـعت يُرقِّصهــا ريها والشبع
ويسكره النّاي ثم الغنــا ويس لو تليت ما انصدع
فيا للعقول ويا للنهــى ألا مُنكِرٌ منكـم للبــدع
تهان مساجدنا بالسمـاع وتكرم عن مثل ذاك البيع( )
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ، فمن زعم أن الأئمة الأربعة يبيحون الغناء : « فيقال له : هذا من الكذب على الأئمة الأربعة ، فإنهم متفقون على تحريم المعازف ، التي هي آلات اللهو ، كالعود ونحوه »( )
وقال أيضاً : « وذكر زكريا بن يحي الساجي( ) - وهو أحد الأئمة المتقدمين المائلين إلى مذهب الشافعي - أنه لم يخالف في ذلك من الفقهاء المتقدمين إلا إبراهيم بن سعد ، من أهل البصرة ، وما ذكر أبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو القاسم القشيري ، وغيرهما : عن مالك وأهل المدينة ، في ذلك فغلط ، وإنما وقعت الشبهة فيه ، لأن بعض أهل المدينة كان يحضر السماع ، إلا أن هذا ليس قول أئمتهم وفقهائهم ، بل قال إسحاق بن عيسى الطباع : سألت مالكاً عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق 000»( )
وقال ابن القيم عن حديث تواجد رسول الله -- : «ومن ذلك حديث " حضر رسول الله -- سماعاً ، ورقص حتى شق قميصه " فلعن الله واضعه ، ما أجرأه على الكذب السمج؟!( )
وقال الشاطبي ، عن هذا الحديث أيضاً :« فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة ، والمكذوب فيها على رسول الله -- التي لا يقبلها أهل صناعة الحديث ، في البناء عليها كحديث 000 أن النبي -- تواجد واهتز عند السماع ، حتى سقط الرداء عن منكبيه ، وما أشبه ذلك، فإن ناقل أمثال هذه الأحاديث - على ما هو معلوم - جاهل ومخطئ ، في نقل العلم الشرعي ، فلم ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتد به ، في طريق العلم ، ولا طريقة السلوك »( )
فهذه جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، تجاه السماع الذي ابتدعه الصوفية ، بينوا ما يتفق مع مقاصد الشرع الحكيم من السماع ، وذكروا الأنواع المحرمة منه انطلاقاً من النصوص الشرعية ، وأقوال سلف الأمة المقتدى بأفعالهم وأقوالهم 0
ويتكون من : تمهيـــد ، ومبحثين :
التمهيد وفيه : تعريف اللباس والشعار ، لغة واصطلاحاً 0
المبحث الأول : اللباس والشعار عند الصوفية 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه اللباس والشعار ، عند الصوفية0
التمهيد : تعريف اللباس والشعار 0
أولاً : تعريف اللباس 0
اللباس : جمعه ألْبِسَة ولُبُس ، وهو : ما يستر الجسـم، واللبِاس - بالكسر - ما يلبس »( )
و« اللِباس - بكسر اللام جمع ألبسة - ما يلبس مما يستر الجسم»( )
ثانياً : تعريف الشعار :
« علامة تتميز بها دولة ، أو جماعة »( )، « وشعار القوم في الحرب علامتهم ، ليعرف بعضهم بعضاً»( )
و« العلامة التي تتميز بها دولة أو جماعة ، من قول أو نقش أو غيرهما»( ) 0
المبحث الأول : اللباس والشعار ، عند الصوفية 0
اللباس من حاجات النفس البشرية وضرورتها ، لدفع الحر والبرد، والستر ، والصوفي يرد النفس في اللباس ، قال السهروردي عن حال الصوفية مع اللباس : «000 الفقراء يلبسون المرقع ، وربما كانوا يأخذون الخرق من المزابل ، ويرقعون بها ثوبهم ، وقد فعل ذلك طائفة من أهل الصلاح 0000فكما كانت رقاعهم من المزابل كانت لقمهم من الأبواب»( )
وقد درج بعض الصوفية ، على تخريق الثياب الجديدة ، وأصبح ذلك أمراً معتاداً لديهم ، كما قال الهجويري : « اعلم أن تخريق الثياب بين هذه الطائفة أمر معتاد، وقد فعلوا هذا في المجامع الكبرى التي كان المشايخ الكبار - رضي الله عنهم - حاضرين فيها »( )
وذكر الطوسي عن أبي سليمان الداراني ، أنه قال : «يلبس أحدكم عباءة بثلاث ( ) دراهم ، وشهوته في قلبه خمسة دراهم ، فما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه ، وبلغني أنه كان يقول : في قصر الثوب ثلاث خصال محمودة : استعمال السنة ، والنظافة وزيادة خرقه »( )
وقد اشترط الغزالي في من تصرف له الوصية ، الموصى بها للصوفية ، أن يكون متصفاً بخمس صفات : « الصلاح ، والفقر ، وزي الصوفية ، وأن لا يكون مشتغلاً بحرفة ، وأن يكون مخالطاً لهم بطريق المساكنة في الخانقاة »( )
وقد اتخذ الصوفية من لبس الصوف شعاراً لهم ، حتى اشتهروا به( )، بل واشتق اسمهم منه( ) ، وزادوا على ذلك لبس المرقعات ، وخرقة التصوف التي يتوارثونها جيلاً عن جيل 0
قال الطوسي : « دخل جماعة على بشر بن الحارث ، وعليهم المرقعات ، فقال لهم بشر: يا قوم ، اتقوا الله ولا تظهروا هذا الزي ، فإنكم تعرفون به ، وتكرمون له ، فسكتوا كلهم ، فقام شاب من بينهم فقال : الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به ويكرم له ، والله لنظهرن هذا الزي حتى يكون الدين كله لله ، فقال له بشر: أحسنت يا غلام ! مثلك من يلبس المرقعة»( )
وأما لبس المرقعة التي اشتهروا بها كذلك ، فذكر الهجويري إنها شعار المتصوف ، فقال : « اعلم أن لبس المرقعة شعار المتصوف »( )
وقال : « فالمرقعة سمة الصالحين ، وعلامة الطيبين ، ولباس الفقراء المتصوفين »( )
وقال السهروردي عن لبس خرقة التصوف : « لبس الخرقة ارتباط بين الشيخ والمريد ، وتحكيم من المريد للشيخ في نفسه»( )
وقال كذلك : «ففي الخرقة معنى المبايعة ، والخرقة عينة الدخول في الصحبة »( )
وقال أيضــاً :« ويد الشيخ في لبس الخرقة ، تنوب عن يد رسول الله --»( ) 0
فهذه أحوال الصوفية باللباس ، أحدثوا طقوساً وألبسة لم يوجبها الشرع الحنيف 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه اللباس والشعار ، عند الصوفية 0
بدأ علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، جهودهم تجاه اللباس والشعار عند الصوفية ، من أن ما أحدثوه من لباس وشعار ، لم يرد في الشرع الحنيف ما يؤيده ، ولم يكن من مقاصد الدين القويم ، حرمان النفس من طيب اللباس ، فضلاً عن تعذيبها وإذلالها باللباس الوضيع المبتدع0
قال ابن رجب عن الصوفية ، وما أحدثوه من بدع في اللباس : «أدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة ، ليست من الدين في شيء 000بعضها زعموا أنه لكسر النفوس أو التواضع ، كشهوة اللباس ، وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة »( )
وبيّن الأدفوي( ) أن الاقتصار على : « لباس واحد لا يفعل غيره، فعل مردود على فاعله محكوم ببطلان أواخره وأوائله ، ليس فيه قربة000»( ) 0
وقال رداً على اشتراط الغزالي ، للزي الصوفي لمن يصلح له الوقف والوصية من الصوفية : « فقوله - أي الغزالي- إنه يعتبر الزي ، لا أصل له من الشرع ، ولم ينقل ذلك ، ولا نقل عن أحد من الأقدمين المعتبرين ، بل الاقتصار عليه مخالف لما كان عليـه -- وأصحـابه --، فقـد لبس- - ، جبه ضيقة الكمين ، ولبس حلة ، وكان يتعمم بعمامة ويرخي طرفها بين كتفيه ، وتحنك أيضاً بالعمامة ، ولبس عمامة سوداء ، وتردى برداء ، وكذلك الصحابة لبسوا أنواعاً مختلفة»( )
وذكر الشاطبي أن : « 000لبس الطيالس( ) ، وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك ، من الأمور التي لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، فإنها أمور جرت في الناس ، وكثر العمل بها وشاعت وذاعت، فلحقت بالبدع ، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة »( )
وقال ابن مفلح : « إن الطيالسة من شعار اليهود ، ولهذا كره لبسها»( )
وقال ابن مفلح : « روى بقية عن الأوزاعي ، قال : بلغني أن لباس الصوف في السفر سنة ، وفي الحضر بدعة »( )
ونقل ابن كثير كلام أبي سليمان الدارني : « إذا رأيت الصوفي يتنوق في لبس الصوف فليس بصوفي ، وخيار هذه الأمة أصحاب القطن، أبو بكر الصديق وأصحابه -- »( )
وذكر ابن كثير أنه : « في رجب - سنة 704 هجرية - أُحضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيميه ، شيخ كان يلبس دلقاً( ) كبيراً متسعاً جداً 000فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق ، فتناهبه الناس من كل جانب ، وقطعوه ، حتى لم يدعوا فيه شيئاً »( )
وقد كره علماء السلف ، ما يقدم عليه الصوفية ،من لباس الشهرة واتخاذهم ذلك شعاراً يعرفون به0
قال ابن رجب : «فمتى أظهر الإنسان لباس المساكين ، لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس ، كان ذلك كبراً ورياءً ، ومن هنا ترك كثير من السلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين ، وقالوا: إنه شهرة »( )
وبيّن كراهية السلف لاتخاذ لباس الصوف ، وإظهاره شعاراً خاصاً بفئة دون أخرى : « فلهذا كره من كره من السلف ؛ كابن سيرين وغيره لباس الصوف ، حيث صار شعار الزاهدين ، فيكون لباسه إشهاراً للنفس وإظهاراً للزهد»( )
وقال ابن مفلح : « كان بكر بن عبد الله المزني( ) ، يقول : إلبسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية» وقال أيضاً :«كان الحسن يقول: إن قوماً جعلوا خشوعهم في لباسهم ، وكبرهم في صدورهم ، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف ، حتى أن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبراً من صاحب المِطرف بمطرفه»( )
وقال ابن مفلح عن اللباس ، الذي يتخذ شعاراً وشهرة :«ويكره شهرة وخلاف زي بلده ، وقيل يحرم 0
وقال شيخنا - أحمد بن حنبل - يحرم شهرة ، وهو ما يقصد به الارتفاع وإظهار التواضع ، كما كان السلف يكرهون الشهرة من اللين المرتفع ، والمنخفض»( )
وقال الشاطبي : « ومن ذلك -التشدد في الدين -الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة ، فإنه من قبيل التشديد والتنطع المذموم ، وفيه أيضاً من قصد الشهرة ما فيه»( )
ونقل ابن مفلح : أن التخصص بلبس الصوف مكروه عند جماعة من العلماء ( )
ونقل ابن كثير عن الثوري كراهة لبس ثياب الشهرة ، فقال : «قال الثوري : كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه أبصارهم ، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه»( )
هذه جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري تجاه اللباس والشعار عند الصوفية ، بينوا ما يتفق مع مقاصد الشرع الحنيف ، وما يخالفه ، ويظهر من ردود علماء السلف على لباس الصوفية ، أنهم لا يكرهون لباساً معيناً ، سواء كان ثميناً ، أو زهيداً لذاته ، وإنما كانت الكراهة لما يصاحب اللباس من إيحاء للآخرين ، بإظهار الزهد والورع من خلاله ، وهو مالم يرد عليه في الشرع من دليل0
ويتكون من : تمهــيد ، ومبحثين :
التمهيد وفيه : تعريف الرموز والغموض 0
المبحث الأول: الرموز والغموض عند الصوفية 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري، تجاه الرموز والغموض ، عند الصوفية 0
التمهيد : تعريف الرموز والغموض 0
أولاً - تعريف الرموز :
أ- الرموز لغة :
الرمـوز جمع رمــز ، و « الرمز: الإيماء والإشارة والعلامة ، والكناية الخفية »( )
ب- الرموز اصطلاحاً :
« الرمــز : معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر ، لا يظفر به إلا أهله »( )
وعرف ابن عجيبة الرموز بقوله : «أما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم »( )
وقد ورد الرمز في التنـزيل الحكيم في قوله تعالى: قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً000 ، [آل عمران : 41]
والرمز في الآية المذكورة ، يعني : الإشارة ، والإشارة قد تكون باليد ، وبالعين وبالإيماء بالرأس 0
وقيل : الرمز قد يكون باللسان من غير تبين كلام ، وهو الصوت الخفي ( ) 0
ثانياً - تعريف الغموض :
« غَمَضَ المكان غموضاً : انخفض انخفاضاً شديداً حتى لا يرى ما فيه0 وغمض الشيء والكلام : خَفيَ
والغامض : الخفي ، يقال : حسب غامض : غير معروف ، وكلام غامض : غير واضح »( ) 0
المبحث الأول : الرموز والغموض ، عند الصوفية 0
الرموز والغموض سمة بارزة من سمات التصوف ، وقد أشار الصوفية إلى الغاية من استعمال الرموز ، وتعمد الغموض
قال القشيري : « نِعمَ ما فعل القوم من الرموز ، فإنهم إنما فعلوا ذلك غيرة على طريق أهل الله - عز وجل - ، أن تظهر لغيرهم ، فيفهموها على خلاف الصواب ، فيضلوا في أنفسهم ، ويُضلوا غيرهم»( )
وقـالوا : « علمنا هذا إشارة ، فإذا صار عبارة خفي»( )
وقد استدل بعض الصوفية ، على ما يفعلونه من الرموز والغموض بالأبيات الشعرية التالية :
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنــا
ولااستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنــــاً
إني لأكتم من علمي جواهـره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا( )
وقال الكلاباذي : « من تتبع كتب القوم وفهم إشاراتهم ، علم أن قولهم ما حكيناه عنهم ، فإن هذه المسألة - مسألة الفناء والبقاء - وأمثالها ليست بمنصوصات ولا مفردات ، بل يُعرف ذلك من قولهم ، بفهم رموزهم ، ودرك إشاراتهم »( )
وبيّن القشيري أن الصوفية يتعمدون الغموض في كلامهم ، حتى لا يفهمه غيرهم ، فقال : « وهم يستعملون ألفاظاً فيما بينهم ، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والستر على من باينهم في طريقتهم ، لتكون ألفاظهم مستبهمة ( ) على الأجانب غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها »( )
وقد وضع الطوسي باباً في كتاب " اللمع " سماه : « شرح الألفاظ المشكلة الجارية في كلام الصوفية » ، لشدة صعوبتها وغموضها ( )0
« ويرد عن أبي حمدون( ) أنه سئل عن الملامة ، فقال : إن طريقها صعب ومغلق على الخلق ، ولكني أقول عنها شيئاً فهـي: " رجاء المرجئة( ) ، وخوف القدرية( ) "، وتحت هذا المعنى رمز»( )
وقال الهجويري : « لكل المشايخ ، في هذا المعنى - الفناء والبقاء - لطيفة بالرمز »( )
وقال كذلك : « ولمشايخ الصوفية في تحقيق المحبة ، رموز أكثر من أن يمكن حصرها »( )
وقال القشيري : « يقول مظفر القرمسيني : الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله تعالى حاجة »0
قال الأستاذ أبو قاسم : « وهذا اللفظ فيه شيء من الغموض»( )
ومن الأمثلة التي تبين استعمال الصوفية ، للرموز والغموض ، وفي آن واحد ، ما كتبه الدسوقي( ) إلى أحد مريديه : « وإنني أحب الولد وباطني خلي من الحقد والحسد ، ولا بباطني شظا ، ولا حريق لظى ، ولا جوى( ) من مضى ، ولا مضض( ) غضا ، ولا نكص( ) نصا، ولا سقط نطا ، ولا ثطب غظا ، ولا عطل حظا ، ولا شنب سرى، ولا سلب سبا ، ولا عتب فجا ، ولا سمداد صدا ، ولا بدع رضا ، ولا شطف جوا ، ولا حتف حرا ، ولا خمش خيش ، ولا حفـص عفص ، ولا خفض خنس ، ولا حولــد كنس ، ولا عنـس( ) كنس ، ولا عسعس( ) خدس ، ولا جيقل خندس ، ولا سطاريس ، ولا عيطافيس ، ولا هطا مرش ، ولا سطا مريش000» ( )
وقال : « 000بهبساني الحداقة سهبري النسافة ، موز الرموز ، عموز النهوز ، سلاحات أفق فردفانية ، أمق شوامق ، اليرامق حيد وفرقيد وفرغاط الأسباط ، ومبيط البساط 000»( )0
وعلل ذلك بقوله : « إن ألسن القوم ، إذا دخلوا الحضرات مختلفة ، وفي إشاراتهم ، وكلماتهم ، ما يفهم ، وما لا يفهم000»( )
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الرموز والغموض ، عند الصوفية 0
حذر علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، من خطورة لجوء بعض الصوفية ، إلى الرموز والغموض ؛ لأن ذلك يفضي إلى أشياء خطيرة ، ومزالق مريعة ، ويخفي تحته ضلالاً كثيراً 0
قال الذهبي محذراً من خطورة هذا الأمر : « متى رأيت الصوفي مكباً على الحديث فثق به ، ومتى رأيته نائياً عن الحديث فلا تفرح به ، لاسيما إذا انضافت إليه جهله بالحديث ، عكوفه على ترهات الصوفية ، ورموز الباطنية »( )
وقال في ترجمة ابن الأعرابي : « 000كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة زل عن سواء السبيل ، وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئاً من اصطلاحات القوم إلا بحجة »( )0
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ، في بعض الألفاظ التي يستعملها بعض الصوفية : « 000إنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم ، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة ؛ بل وهم أيضاً لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ، ولهذا يتناقضون كثيراً في قولهم»( )
وقال الأدفوي عن بعض أقسام الصوفية : « وقسم حصل لهم غلو في طريق ابتدعوها ، وعقائد اخترعوها ، ووقفوا مع ألفاظ مزخرفة جمعوها ، فأُدخلوا في جملة الكفار ، وحكم عليهم باستحقاق النار »( )
وذكر الذهبي أن في إشارات بعض الصوفية ، انحراف واضح عن الدين ، فقال في ترجمة الفارسي : «الشافعي الصوفي 000له تصانيف في إشارات القوم ، فيها انحراف بيّن عن السنة »( )
وقال كذلك : « 000كذا تُكلم في السلمي ، من أجل تأليف كتابه " حقائق التفسير " ، فياليته لم يؤلفه ، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية ، والشطحات البسطامية ، وتصوف الاتحادية ، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة »( )
وأشار الشاطبي ، إلى أن بعض من لا يفهم مقاصد الصوفية في كلامهم لغموضة ، قد يقع في سوء القال ، ولا يفرق بين ما هو جائز وغير جائز ( )
وقال الذهبي في ترجمة النوري : « شيخ الطائفة بالعراق ، وأحذقهم بلطائف الحقائق ، وله عبارات دقيقة ، يتعلق بها من انحرف من الصوفية ، نسأل الله العفو »( )
ونقل قول أبي عثمان الصوفي : « علوم الدقائق علوم الشياطين ، وأسلم الطرق من الاغترار لزوم الشريعة »( )
وأكد ابن أبي العز ، أن المنهج السليم والطريق القويم ، هو فـي : «التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية »( )
وبيّن أن ذلك : « هو سبيل أهل السنة والجماعة »( )
وقال ابن رجب عن رموز الصوفية في أشعارهم : « وإن ذكر في شيء من الأغاني التوحيد ، فغالبه من يسوق ظاهره إلى الإلحاد : من الحلول والاتحاد ، وإن ذكر شيء من الإيمان والمحبة أو توابع ذلك ، فإنما يعبر عنه - بل يرمز له - بأسماء( ) قبيحة ، كالخمر وأوعيته ، ومواطنه وآثاره ، ويذكر فيه الوصل والهجر ، والصدود والتجني ، فيطرب بذلك السامعون وكأنهم يشيرون إلى أن الله تعالى ، يفعل مع عباده المحبين له المتقربين إليه ، كما يذكرونه ، فيبعد من يتقرب إليه ، ويصد عمن يحبه ويطيعه ، ويعرض عمن يُقبل عليه ، وهذا جهل عظيم»( )
واستدل ابن القيم على خطورة الرموز والغموض، عند الصوفية ، بما نسب إلى أبي سليمان الداراني ، من أنه رؤى بعد موته ، فقال : « ما كان شيء أضر عليَّ من إشارات القوم »( )
وأحسب مما تقدم أن علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، أدركوا خطورة ما تنطوي عليه رموز الصوفية ، وغموض عباراتها ، من الضلال ، والإبهام المتعمد ، في الكلمات المجملة والمتشابهة( ) ، لصرف الأذهــان عما يقولون ويعتقدون ،لأنهم لا يستطيعون أن يبيحوا ويظهروا ما يريدون ، ولهذا كان بعضهم أذكي من بعض ، فقد قال الشبلي : « كنت أنا والحسين بن منصور الحلاج ، شيئاً واحداً ، إلا أنه أظهر وكتمت » ( )0
-
الاربعاء PM 05:30
2026-02-11 - 98



