ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
جهود_علماء_السلف_في_القرن_الثامن_الهجري_في_الرد_على_الصوفية_الباب الاول
الباب الاول
يتكون من : تمهيــــد ومبحثين 0
التمهيد : وفيه تعريف المنهج ؛ لغة واصطلاحاً0
المبحث الأول : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، من منهج الصوفية ، في الكشف 0
المبحث الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري من منهج الصوفية ، في الذوق والوجد 0
التمهيــد :
أ- تعريف المنهج ، لغة واصطلاحاً:
1- المنهج لغة :
«النهج الطريق الواضح »
و« نهج الطريق نهجاً ، ونهوجاً ، وضح واستبان ، وطُرُقُُ : نهجة ، وسبيل : منهج ، ومنهج الطريق : وضَحُه، والمنهاج: الطريق الواضح »( ) 0
وجــاء في التنزيل الحكيم في موضع واحد في قوله تعالى : ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً [الأنعام : 48] 0
قال ابن كثير في تفسيره نقلاً عن ابن عباس - -: لكل جعلنا منكم شرعة ، قال : سبيلاً ، ومنهاجاً ، قال : سُـنة ( )0
وذكـر الزمخشري ، في تفسيره ، أن معنى : «منهاجاً » في الآية الكريمة ؛طريق واضح ( ) وبهذا يكون معنى : الشرعة والمنهاج ، في هذه الآية الكريمة ؛ « سبيلاً وسُـنة » ، وطريقاً واضحاً0
وبهذا يتبين ، أن كلمة ، « منهج » أو «منهاج» ، اسم مفرد يجمع على مناهج ؛ بمعنى :طريق أو سلوك ، وهي مشتقة من الفعل « نهج »، بمعنى طرق ، أو سلك ، أو اتبع( ) 0
2- المنهج اصطلاحاً :
هو « الطريق المؤدي ، إلى الغرض المطلوب ، خلال المصاعب ، والعقبات » ( ) 0
ب- تعـريف التلقـي لغة واصطلاحاً:
ا- التلقي لغـــة :
« ألقى الشيء : طرحه 0 وألقى الشيء في القلب : قذفه0 وهو كالتعليم 0 يقال : ألقى إليه القول وبالقول : أبلغه إياه ، ولاقاه ملاقاة ولِقَـاءً : قابله وصادفه »( ) 0
« وتلقاه : استقبله ، وتلقيته منه : تلقنته » ( )0
2-التلقي اصطلاحاً:
للتلقي اصطلاحاً ، عدة تعريفات ؛ منها : تلقي واستقبال أهل البادية ونحوهم ، وشراء ما يحملونه معهم قبل وصولهم إلى البلد0
ومنها : « تلقي العلم : - أي - استقباله وأخذه بحرص»( )
والتلقي المذكور في هذا التعريف ، هو المقصود في هذا الموضع 0
أما تعريف التلقي عند الصوفية ، فهو :
« أخذك ما يــرد من الحق »( )0
والتلقي عند الصوفية ، يعني التلقي عن طريق الكشف والرؤى والإلهام والذوق والوجد والخطرات ، وليس عن طريق الكتاب والسنة، ولا عن طريق تلقي العلم المعتاد ، وهذا قول باطل ، وبيّن الخطأ ، كما سيأتي بيانه في مكانه ، إن شاء الله 0
المبحث الأول : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، من منهج الصوفية في الكشف 0
ويتكون من مطلبين :
المطلب الأول : منهج الصوفية في الكشف 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، من منهج الصوفية في الكشف 0
المطلب الأول : منهج الصوفية في الكشف 0
أولاً: تعريف الكشف ، لغة واصطلاحاً0
أ- الكشف لغة :
« رفعك الشيء ، عما يواريه ويغطيه » ، «وكشف الأمر يكشفه؛ كشفاً : أظهره »( ) 0
ب- الكشف اصطلاحــاً :
« الاطلاع على ما وراء الحجاب ، من المعاني الغيبية ، والأمور الحقيقية ،وجوداً ، وشهوداً »( ) 0
ثانياً : منهج الصوفية في الكشف 0
تعد الصوفية ، منهج الكشف ، من أرقى مناهج المعرفة ، وطريقاً موصلاً ، إلى اليقين - عندهم - ؛ لذلك أهمل بعضهم الاهتمام بالعلوم الاستدلالية ، وزهدوا فيها ، ورغبوا الناس عنها ، وذلك لاعتمادهم ، على العلوم اللدنية ، الإلهامية ، دون الاعتماد على النقل والعقل ، وحثوا أتباعهم ، على نهج الكشف ، والإلهام ، والرؤى ، والهواتف ، وغيرها من مناهج التلقي المعروفة لديهم ، والشواهد على ذلك ، غير قليلة ، ومن خلال مصادرهم الأصلية ، المعتبرة لديهم ، وهذا طرف من أقوالهم، في الكشف ومنهجيتهم فيه :
قال أبو القاسم القشيري - الملقب بالأستاذ - « قد درج أشياخ الطريق كلهم ، على أن أحداً منهم ، لم يتصدر قط للطريق ، إلا بعد تبحره ، في علوم الشريعة ، ووصوله إلى مقام الكشف ، الذي يستغني به عن الاستدلال 000 فإن حجج القوم أظهر من حجج غيرهم ، لتأيدها بالكشف »( ) 0
وقال ابن ماخلا( ) : « لا تقنع قط بسمعت ورويت ؛ بل شهدت ورأيت »( ) 0
قال الخوّاص( ) : « لا يبلغ أحد مقام الإخلاص ، في الأعمال حتى يصير ، يعرف ما وراء الجدار ، وينظر ما يفعله الناس في قعور بيوتهم في بلاد آخر ، فهناك يعرف يقيناً هذا الكشف »( ) 0
وقال أبو حامد الغزالي : « 000 الكشف باب الفوز الأكبر ، وهو الفوز بلقاء الله تعالى»( ) 0
وقال أبو الحسن الشاذلي( )« علوم النظر أوهام ، إذا قرنت بعلوم الإلهام »( ) 0
ولما كان هذا المنهج مستقراً لديهم ، وأصيلاً عندهم ، عللوا تمسكهم به فقالوا : « فإذا عرفت هذا ، فاعلم أن ميل أهل التصوف ، إلى العلوم الإلهامية ، دون التعليمية ، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون »( )0
و قال الغزالي :« اعلم أن من انكشف له الشيء اليسير بطريق الإلهام ، والوقوع في القلب من حيث لا يدري ، فقد صار عارفاً ، بصحة الطريق » ( ) 0
ولذلك لم يسعوا ، ويلزموا أنفسهم ، بمعرفة النصوص الشرعية المستمدة من المصادر الأصلية ، من كتاب وسنة ، بل كان مستندهم في طلب العلم والمعرفة ، من خلال هذه المناهج ، التي ارتضوها لأنفسهم 0
وقد قسم الصوفية الكشف ، إلى أقسام( ) بيانها فيما يلي :
أ - الرؤيـــة :
الرؤية لغة : « الـرؤية بالعين ، تتعدى إلى مفعول واحد ، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين ، والرؤية النظر بالعين ، والقلب »( ) 0
واصطلاحــاً : « المشاهدة بالبصر ، حيث كان ؛ أي في الدنيا والآخـرة»( ) 0
تعد الرؤية أحد أهم ، أنواع الكشف ، عند الصوفية ، وبالتالي فهي جزء ، من مصادر التلقي ، عندهم ، ولهم في الرؤية ، منهج خاص ، سيتضح بعـون الله وتوفيقه ، من خلال عرض أقسام الرؤى لديهم ، كما بيّنت ذلك أقوالهم ، وسطرته أقلامهم ، وحوته مؤلفاتهم:
1- رؤية الله - تعالى وتقدس ذكره - :
للصوفية موقف من رؤية الباري - تعالى - ، فالسواد الأعظم منهم ، يرون أن الله - تعالى - يرى في الآخرة دون الدنيا - موافقين بذلك عقيدة السلف - 0
قال الكلاباذي : « وأجمعوا أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ، ولا بالقلوب ، إلا من جهة اليقين »( ) 0
وقال القشيري : « فإن قيل : فهل تجوز رؤية الله - تعالى - بالأبصار في الدنيا على وجه الكرامة ؟ 0
فالجواب عنه : أن الأقوى فيه أنه لا يجوز ، لحصول الإجماع عليه»( )0
إلا أن بعضهم يزعم إمكانية رؤية الحق - تبارك وتعالى- في الدنيا ، في المنام ، فقد نقل إمكانية حصول هذه الرؤية القشيري ، فقال :« قيل : رأى أبو بكر الآجري ( )، الحق - سبحانه - في النوم » ( ) 0
وقال أبو يزيد البسطامي : « رأيت ربي - عز وجل - في المنام، فقلت : كيف الطريق إليك ؟ فقال: اترك نفسك وتعال»( ) 0
2- رؤية الرسول الكريم - - يقظة بعد موته :
للصوفية اعتناء خاص ، ومنهج مميز في التلقي ، عن النبي--، يقظة بعد موته ؛ بل ويعتبرون هذا المنهج في التلقي ، من أوثق المناهج والمصادر ، التي يستقـون ، منها علومهم ومعارفهم ، وكتب الصوفية التي يعتبرونها - على مر العصور - من المصادر الأساسية لديهم ، تفيض بذكر ما تم بينهم وبين الرسول الكريم -- ، من مقابلات ومحادثات، وأخذهم التوجيهات منه -- ، وقد نقل ذلك أكثر من علم من أعلام الصوفية ، ممن لهم قصب السبق ، في علوم القوم ومعارفهم ، ونصوا على أن هذه الرؤية ، ومنهجهم فيها ، مصدر من مصادر التلقي المعتبرة0
قال أبو حامد الغزالي ، عن الصوفية : « 000 من أول الطريق تبتدأ المشاهدات والمكاشفات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ، وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتاً ، ويقتبسون منهم فوائد000»( )0
وقال أبو العباس المرسي( ) : « طـريقنا هذه هداية ، وقد يجذب الله - تعالى - ، العبد إليه جذبة ، فلا يجعل عليه مِنَّـة لأستاذ ، وقد يجمع شمله برسول الله - - فيكون آخذاً عنه وكفى منة 000»( ) 0 بل ومنهم من يزعم أنه يرى النبي الكريم - - كل ليلة ( )0
ونقل الشعراني( ) بعض أقوال محمد أبي المواهب الشاذلي فقال: « كان رضي الله عنه ، كثير الرؤيا لرسول الله -- ، وكان يقول : قلت : لرسول الله - - إن الناس يكذبونني في صحـة رؤيتي لك ، فقال رسول الله -- وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها ، أو كذبك فيها، لا يموت إلا يهودياً ، أو نصرانياً ، أو مجوسياً » ، ثم عقب الشعراني علــى ذلك فقال: « هذا منقول من خط الشيخ أبو المواهب»( ) 0
و سرد الشعراني كثيراً من هذه الأقوال ، كلها تحث على التصديق بـرؤية ، الرسول -- يقظة بعد موته ، يزعم في بعضها أن الرسـول -- ، حث على قراءة علم التصوف ، والتمسك به ، وأنه -- صحح بعض الأحاديث ، التي عرضها عليه الشاذلي، في أحد مقابلاته للرسول- عليه السلام - ( ) 0
وتؤكد الصوفية ، أنه لا تمتنع رؤية ذاته الشريفة - - بجسده وروحه ، بعد موته 0
وصرحوا بإمكانية ذلك ، فقد نقل مؤلف كتاب - رماح حزب الرحيم - عن شيخه أحمد الرفاعي( ) ، أنه عندما وقف تجاه الحجرة الشريفة - التي تضم قبر الرسول الكريم ، بمسجده - وأنشد بعض أبيات الشعر ، يطلب فيها من الرسول -- أن يمد يده ليقبلها ، «فخرجت اليد الشريفة ، من القبر فقبلها » ثم قال: « ولا تمتنع رؤية ذاته الشريفة ، بجسده وروحه ، وذلك لأنه - - وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم ، بعد ما قبضوا ، وأُذن لهم في الخروج من القبور»( )0
فهذه النصوص ، وغيرها تؤكد اعتقاد الصوفية ، بإمكانية رؤية النبي - - يقظة بعد موته ، - بل ووقوعها حقيقة - وإمكانية التلقي عنه مباشرة ، وأن لهم منهجاً خاصاً في التلقي من خلال هذه الرؤية ، التي لم تنقطع ، ولن تنقطع -بزعمهم -0
فقد زعم ابن عربي أن : « 000 من كان من الصالحين ممن كان له حديث مع النبي -- في كشفه ، وصحبه في عالم الكشف والشهود، وأخذ عنه ، حُشر معه يوم القيامة 000ومن لم يكن له هذا الكشف فليس منهم ، ولا يلحق بهذه الدرجة ، صاحب النوم ، ولا يسمى صاحبـاً ، لو رآه في كل منام ، حتى يراه وهو مستيقظ ، كشفاً يخاطبه، ويأخذ عنه ، ويصحح له من الأحاديث ما وقع فيه الطعن »( ) 0
3- رؤية الخضــر( ) - عليه السلام - :
من يطلع على كتب الصوفية ، يجد أن شخصية الخضر--، حظيت لـديهم باعتناء خاص ، بحيث أصبح الأخذ عنه ، ولقياه - بزعمهم- ، أمراً حقيقياً ، لا يقبل الجدل ، بل وكثرت أخباره ، وتواترت نقولهم لذلك ، وأصبح لهم منهجاً متميزاً ، في التلقي من الخضر--0
وليؤكد هذا التواتر وشهرته ، في هذه الرؤية ، يقول ابن عطاء السكندري :
« واعلم أن بقاء الخضر ، قد أجمع عليه هذه الطائفة ، وتواترت عن أولياء كل عصر لقاؤه ، والأخذ عنه ، واشتهر ذلك إلى أن بلغ الأمر إلى حد التواتر ، الذي لا يمكن جحده 000»( ) 0
وقال : « واعلم -رحمك الله - أن من أنكر وجود الخضر فقد غلط»( ) 0
وقال أبو الحسن الشاذلي :« لقيت الخضر -- في صحراء عيذاب( ) ، فقال لي: يا أبا الحسن ، أصحبك الله اللطف الجميل ، وكان صاحباً في المقام والرحيل »( ) 0
وذكر القشيري عن إبراهيم بن أدهم( ) أنه : «رأى في البادية ، رجلاً علمه اسم الله الأعظم ، فدعا به بعده ، فرأى الخضر -- ، وقال : إنما علمك أخي داود ، اسم الله الأعظـم»( ) 0
وكذلك نقل الشعراني ، عن ابن عربي ، في سند لبس خرقة التصوف قوله :
« 000 ولكن لما رأيت الخضـر - عليه الصلاة والسلام - ، بمكة يلبسها للأولياء ، قلت بها من ذلك الوقت ، فلبستها من يده تجاه الحجر الأسود ، وألبستها للناس بعد ذلك »( ) 0
ونصوص لقاء الخضر -- عند الصوفية المتقدمين والمتأخرين، كثيرة جـداً ، ولم يكن مقصودهم من إيراد هذه النصوص ، التي تزخر بها مؤلفاتهم ، مجرد إثبات لقاء الخضر -- ورؤيته ، وإنما الذي يرمون إليه من ذلك ، هو استحداث منهج جديد في التلقي ، يستمدون منه العلم والمعرفة ، دون عناء ، وحاجة للبحث والتعليم ، كما يفعل غيرهم0
وقد يرون الرسول الكريم -- ، أو الخضر -- أو غيرهما من الصالحين عن طريق الرؤى المنامية ؛ ولذلك تحتل الرؤى المنامية ، مكانة بارزة ، في منهج التلقي ، عند الصوفية ، وقد اعتنوا بهذا المنهج عناية فائقة ؛ ولهذا فلا تجد - في غالب الأحوال -،أي مؤلف من مؤلفاتهم ، يخلو من ذكرها ، وقد أفردها بعضهم بمباحث خاصة ، كالكلاباذي( ) ، و القشيري ( )0
فقال القشيري : عن الرؤيا : « وتحقيق الرؤيا ، خواطر ترد على القلب، وأحوال تتصور في الخيال » ( ) 0
ومجالات الرؤيا ، التي ينقل الصوفية أخبارها ، أكثر ما تدور حول الباري - تقدس ذكره - ورؤية الرسول الكريم -- ، وبعض الصالحين ( )0
قال محمد بن علي الكتاني( ) : « رأيت النبي -- في المنام0 فقال لي : من تزين للناس ، بشيء يعلم الله تعالى منه خلافه ، شانه الله»( )0
ونقل الكلاباذي ، عن أبي عبد الله بن الجلاء( ) قوله : «دخلت مدينة رسـول الله -- وبي شيء من الفاقة( ) ، فتقدمت القبر وسلمت على النبي -- 000 ثم قلت : يا رسول الله ، بي فاقة ، وأنا ضيفك الليلة ! ثم تنحيت ، ونمت بين القبر والمنبر ، فإذا أنا بالنبي - عليه السلام - ، جـاءني ودفـع إليَّ رغيفاً ، فأكلت نصفه ، فانتبهت فإذا في يدي نصف الرغيف»( )0
وقال بنان( ) : « رأيت رسول الله -- في المنام ، فقال : يا بنان 0
فقلت : لبيك يا رسول الله 0 فقال : من أكل بشره نفس ، أعمى الله عين قلبه ، فانتبهت وعقدت أن لا أشبع بعدها أبداً »( ) 0
ومنهج الصوفية في الرؤية عموماً - كما يقولون - : « إن المقرر ، عند العلماء والأعلام( ) ، أنه يُعمل بجميع ما يتلقاه العارفـون منه - عليه الصلاة والسلام - ، سواء في اليقظة ، أو في المنام000»( )0
ب- الإلهـام والخواطر والهواتف :
1- الإلهام لغة : « ما يلقى في الروع» أو « أن يُلقي الله في النفس ، أمراً يبعثه على الفعل ، أو الترك ، وهو نوع من الوحي ، يخص الله به من يشاء من عباده »( ) 0
2- الإلهام اصطلاحاً: « ما يُلقى في الروع ، بطريق الفيض » أو« ما وقع في القلب ، من علم يدعو إلى العمل ، من غير استدلال بآية، ولا نظر في حجة »( ) 0
والإلهام ليس بحجة ، عند العلماء ، إلا عند الصوفية ( )، فهو من مناهج التلقي ، المعتبرة لديهم 0
وقد يسمى الإلهام بالعلم اللدّنيّ ؛ كما بين ذلك ابن القيم بقوله:«000والعلم اللدني : هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهاماً ، بلا سبب من العبد ، ولا استدلال ، ولهذا سمي لدنياً»( )0
ويري بعض الصوفية ، أن لا فرق ، بين وحي الأنبياء ، و إلهام الأولياء ، إلا أن النبي يرى الملَكَ ، الذي يحمل الوحي 0
يقول الغزالي: « ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء ، بل في مشاهدة الملَكَ المفيد العلم ، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا ، بواسطة الملائكة »( )0
وقال : إن العلم الذي « يحصل لا بطريق الاكتساب ، وحيلة الدليل ، يسمى إلهاماً »( ) 0
ويرى ابن عربي ،أن الإلهام قد يخطئ ، ولا يكون دائماً صحيحاً،وذلك حين فـرق بين الإلهام ، والعلم اللدني ، بقـوله : « والعلم يصيب ولابـد ، والإلهام قد يصيب وقد يخطئ ، فالمصيب منه يسمى علم الإلهام ، وما يخطئ ، يسمى إلهاماً ، لا علماً »، وأيد ذلك شعراً فقال:
لا تحكمن بإلهام تجــده فقد يكون في غيرما يرضاه واهبه
واجعل شريعتك المثلى مصححة فإنهــا تمر بجنبه كاسبة ( )
وقد رد بعض الصوفية ، على من أنكر الإلهام ، أو قول الصوفي حـدثني قلبي عن ربي ، بقولهم : « لا إنكار ؛ لأن المراد ، أخبرني قلبي عن ربي ، من طريق الإلهام ، الذي هو وحي الأولياء »( ) 0
أما الخواطر ، فذكر القشيري أنها : « خطابات ترد على الضمائر ، فقد يكون الخطاب ، بإلقاء ملك ، أو إلقاء شيطان ، أو أحاديث نفس أو من الحق سبحانه ، فإذا كان من الملك فهو الإلهام ، وإذا كان من قِبَل النفس قيل له الهواجس ، وإذا كان من الشيطان فهو الوسواس ، وإذا كان من الله سبحانه ، وكان إلقاؤه في القلب فهو الخاطر »( ) 0
وقال : « اتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام، لم يفرق بين الإلهام والوسواس »( )
وأما الهواتف فهي : الصوت الجافي العالي ، وقيل الصوت الشديد ، وهتف به هاتف ، صاح به 0 وهتفٌ بفلانٍ : أي دعوته ، وهتفت بفلان :أي مدحته 0وسمعت هاتفاً يهتف إذا كنت تسمع الصوت ، ولا تبصر أحداً ( ) 0
قال أبو سعيد الخـراز( ) : « بينا أنا عشية عرفه ، قطعني قرب الله - عز وجل - عن سؤال الله ، ثم نازعتني نفسي بأن أسأل الله -تعالى - ، فسمعت هاتفاً يقول : أبعد وجود الله تسأل غير الله »( )0
وقد استدل الكلاباذي( ) ، على صحة العمل بالهواتف ، بحديث رواه بسنده عن عائشة -رضــي الله عنها - قالت : «لما أرادوا غسل النبي -- ، اختلفوا فيه ، فقالوا : والله ما ندري أنجرد رسول الله -- من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ؟ قالت : فلما اختلفوا ، ألقى الله عليهم السِّنَةَ( ) ، حتى ما بقي منهم أحد إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم متكلـم من ناحيـة البيت لا يـدرون من هـو : أن اغسلوا النبي-- ، وعليه ثيابه »( )0
هذه بعض النصوص التي تبين منهج الصوفية في الإلهام والخواطر والهواتف ، فهم يثبتون الإلهام والخواطر والهواتف ، ويحتجون بـها، إلا فيما يعارض الكتاب والسنة - كما يزعمون- 0
لهذا قال أبو الحسن الشاذلي : « إذا عارض كشفك الكتاب والسنة ، فتمسك بالكتاب والسنة ، ودع الكشف ، وقل لنفسك إن الله - تعالى - قد ضمن لي العصمة ، في الكتاب والسنة ، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام »( ) 0
وهذا القول لا ينطبق ، على جميع الصوفية ؛ لأن منهم المفتونين بالبحث عن الكشف ، والإلهام والخواطر و خوارق العادات 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، من منهج الصوفية في الكشف 0
لقد تحدث علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، عن منهج الصوفية في الكشف، بوصفه منهجاً من مناهج التلقي ، المهمة لديهم، فأصًّـلوا منهج الكشف الشرعي ، المستمد من الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة ، وبينوا ما يخالف ذلك من المنهج الصوفي 0
قال الإمام ابن القيم : « فالكشف الصحيح ، أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسوله - - ، وأنزل به كتبه ، معاني لقلبه ، ويرد إرادة القلب له ، فيدور معه وجوداً وعدماً ، هذا هو التحقيق الصحيح ، وما خالفه فغرور قبيح » ( ) 0
وقال الشاطبي إن الكشف ، وقع( ) للرسول الكريم --، وحكم بمقتضاه ، ففي الصحيح : صلى رسول الله -- ، يوماً ثم انصرف فقال : « يا فلان ! ألا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يُصلـي ؟ ؛ فإنما يصلي لنفسه 0 إني والله لأبصر من ورائي ، كما أبصر من بين يدي »( ) 0
فهذا حكم أمري بناء على الكشف ، وكذلك الرؤية ، عندما تواطأت، بنى عليها الحكم ، في ألفاظ الأذان ( )، وكذلك الصحابة -- وقع لهم كشف ، فعملوا بمقتضاه ، كما حدث لأبي بكر الصديق - - في وصيته لعائشة ( )- رضي الله عنها - وعمر بن الخطاب - - في ندائه سارية( ) وهو على المنبر( )0
واستدل على قبول الكشف ، أو الأمر الخارق للعادة ، «لما ثبت أن النبي -- حذر وبشر ، وأنذر وندب ، وتصرف بمقتضى الخوارق من الفراسة الصادقة ، والإلهام الصحيح ، والكشف الواضح ، والرؤيا الصالحة ، كان من فعل مثل ذلك ، ممن اختص بشيء من هذه الأمور على طريق الصواب ، وعاملاً بما ليس بخارج عن المشروع ولكن مع مراعاة شرط ذلك »( ) ، وهو «أن ينظر إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد ؛ فإن كان لها أصل في كرامات الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومعجزاته فهي صحيحة ، وإن لم يكن لها أصل ؛ فغير صحيحة ، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة ؛ إذ ليس كل ما يظهر على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة ، بل منها ما يكون كذلك، ومنها مالا يكون كذلك »( ) 0
ومن الدليل على صحته زائداً على ما تقدم أمران :
أحدهما : أن النبي -- قد عمل بمقتضى ذلك ، مع أنه لم يذكر أن ذلك خاص به دون أمته ، فدل على أن الأمة حكمهم في ذلك حكمه ، شأن كل عمل صدر منه ولم يثبت دليل على الاختصاص به دون غيره ( )0
والثـاني : عمل الصحابة -- بمثل ذلك من الفراسة ، والكشف والإلهـام، والوحي النومي ، كقول أبي بكر - -: « إنما هما أخواك وأختاك »( ) 0
وقول عمر بن الخطاب -- : « يا سارية الجبل »( ) فأعمل النصيحة التي أنبا عنها الكشف ( )0
وبيّن ابن أبي العز الحنفي ، أحد علماء السلف في القرن الثامن، أن تنوع « الكشف والتأثير ، باعتبار تنوع كلمات الله ، وكلمات الله نوعان : كونية ودينية ( ) ؛فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي -- في قوله -- : « أعوذ بكلمات الله التامات 000»( ) ، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر المخلوقات 0
والنوع الثـاني : الكلمات الدينية ؛ وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسـوله -- وهي : أمره ونهيه ، وخبره ، وحظ العبد منها العلم بها ، و العمل والأمر بما أمـر الله ، كما أن حظ العبد عموماً ، وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثير فيها ؛ أي : بمــوجبها ؛ فالأولى تدبيرية كونية ، والثانية شرعية دينية ، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية ، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية 0
وقدرة الأولى : التأثير في الكونيات ، إما في نفسه ؛ كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء ، وجلوسه في النار ، وإما في غيره ؛ بإصحاح وإهلاك ، و إغناء و إفقار000 0
وقدرة الثانية : التأثير في الشرعيات ؛ إما في نفسه ، بطاعة الله ورسوله -- والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله -- باطناً وظاهراً ، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله -- فيطاع في ذلك طاعة شرعية»( )0
و بيّن عدد من علماء السلف ، في القرن الثامن : « أن عدم الخوارق علماً وقدرة ، لا تضر المسلم ، في دينـه ، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ، ولم يسخر له شيء من الكونيات ، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله ، بل قد يكون عدم ذلك أنفـع له ، فإنه إن اقترن بالدين ؛وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخــرة ، فإن الخارق قد يكون مع الدين ، وقد يكون مع عدمه أو فساده ، أو نقصه »( ) 0
وقد اشترط الشاطبي ، لقبول الكشف ، أن يكون موافقاً لما جاء بالشرع ، ولا يخرم قاعدة شرعية ، « فإن ما يخرم قاعدة شرعية ، أو حكماً شرعياً ، ليس بحق في نفسه ؛ بل هو إما خيال ، أو وهم ، وإما من إلقـاء الشيطان ، وقـد يخالطه ما هو حق ، وقد لا يخالطه ، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع»( )0
وليس الإطلاع على المغيبات ، ولا الكشف الصحيح ، بالذي يمنع من الجريان ، علــى مقتضى الأحكام العادية ، والقدوة في ذلك رسول الله -- فقد كان - عليه الصـلاة والسلام - معصوماً ، لقوله -تعالى- : 000والله يعصمك من الناس0000 ، [ المائدة : 67 الآية ] 0
ولا غاية وراء هذا ، ثم كان يتحصن بالدرع والمغفر ، ويتوقى ما العادة أن يُتقى ، ولم يكن ذلك نزولاً عن رتبته العليا إلى ما دونها ، بل هي أعلى »( ) 0
وقد أجاز- بعض - علماء السلف العمل بالكشف ، إذا لم يخرم قاعدة شرعية على عدة أوجه :
أولاً : أن يكون الكشف في أمر مباح 0
ثانياً : أن يكون العمل عليه لفائدة يرجو نجاحها 0
ثالثاً : أن يكون فيه تحذير ، أو تبشير ، ليستعد لكل عدته ( ) 0
وقد فرق علماء السلف ، بين منهج الكشف الموافق لمنهج السلف الصالح ، المستمد من الكتاب العزيز ، وسنه المصطفى الكريم--، ومنهج الكشف الصوفي 0
فبينوا أن بعض المكاشفين من الصوفية ، إنما يتلقون الكشف من الجن، أو من طريق الرياضة والسهر ، والجوع والخلوة ، والهواتف والخيالات الفاسدة 0
وممن وصف حال أولئك الصوفية ، بـدر الـدين الشبلي( ) ، بقوله: « وغالب ما يوجد الجن في مواضع النجاسات ، كالحمامات والحشوش والمزابل ، والقمامين ، والشيوخ - الصوفية - الذين تقرن بهم الشياطين ، وتكون أحوالهم شيطانية ، لا رحمانية يأوون كثيراً إلى هذه الأماكن ، التي هي مأوى الشياطين » إلى أن قال : « والمقصود أن أهل الضلال والبدع ، الذين فيهم زهد وعبادة ، على غير الوجه الشرعي ، ولهم أحياناً مكاشفات ،ولهم تأثير ، يأوون كثيراً ، إلى مواضع الشياطين التي نُهي عن الصلاة فيها ؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الأمور ، كما تخاطب الكهان »( ) 0
ووصف ابن كثير حال بعض الصوفية( ) بقوله : «ويزعمون أن له أحوالاً وكشوفاً كثيرة ، وكان كثير من العوام، وغيرهم يعتقدون صلاحه وولايته ، وذلك لأنهم لا يعلمون شرائط الولاية ولا الصلاح ، ولا يعلمون أن الكشف قد يصدر من البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، كالرهبان وغيرهم ، 000 ، فإن الجن تسترق السمع وتلقيه على آذان الإنسي ، ولا سيما من يكون مجنوناً ، أو غير نقي الثياب من النجاسة ، فلا بد من اختيار صاحب الحال بالكتاب والسنة ، فمن وافق حاله كتاب الله وسنة رسوله -- ، فهو رجل صالح ، سواء كاشف أولم يكاشف ، ومن لم يوافق فليس برجــل صالح ، سواء كاشف أم لا»( ) 0
وقال في صوفي( ) آخر : « كان مشهوراً بدمشق ، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ، ومن لا يعقل 000 وكان العوام يذكرون له مكاشفات و كرامات ، وكل ذلك خرافات من خرافات العوام ، وأهل الهذيان ، كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولهين »
ثم بيّن أن الحــالة التي هو عليها ، لا تتفق مع حال الصالحين ، بقوله : « ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات ، ولا يصوم مع الناس ، ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه 000 وكان يجلس على النجاسات والقذر ، وكان يلبس ثياباً بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة »( )0
وأكد ابن أبي العز ، أن الكشف قد يحصل من طريق الرياضة: « وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي ، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق ، صار لها من الفراسة والكشف ، بحسب تجردها ، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع ، ولا عن طريق مستقيم ؛ بل كشفها من جنس فراسة الولاة ، وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم »( ) 0
« ومما يتعلق به بعض المكلفين ، أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة ، المقتدون بأفعال السلف الصالح 000ولكنهم في كثير من الأمور يستحسنون أشياء لم تأت في كتاب ولا سنة ، ولا عمل بأمثالها السلف الصالح، فيعملون بمقتضاها ، ويثابرون عليها ، ويحكمونها طريقاً لهم مهيعاً ، وسنة لا تُخلف ؛ بل ربما أوجبوها في بعض الأحوال، 000 فمن ذلك أنهم يعتمدون في كثير من الأحكام0
على الكشف والمعاينة وخرق العادة،فيحكمون بالحل والحرمة ، ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام، كما يحكى عن المحاسبي - وغيره من الصوفية - أنه كان إذا تناول طعاماً في شبهة ، نبض له عرق في إصبعه ، فيمتنع منه ، 000فمثل هذه الأشياء إذا عُرضت علـى قـواعد الشريعة ، ظهر عدم البناء عليها ، إذ المكاشفة أو الهاتف المجهول ، أو تحريك بعض العروق ، لا يدل على تحليل ولا تحريم »( )0
ولهذا حذر الإمام الذهبي ، من الاغترار بالكشف الصوفي ، وأمثاله، بقوله : « فلا يغتر المسلم بكشف ، ولا بحال ، ولا بإخبار عن مُغَيّب ، فإن ابن صائد ، وإخوانه الكهنة لهم خوارق ، والرهبان فيهم من تمزق جوعاً وخلوة ومراقبة ، على غير أساس ولا توحيد ، فصفت كدورات أنفسهم ، وكاشفوا وفشروا ، ولا قدوة إلا في أهل الصفوة ، وأرباب الولاية ، المنوطة بالعلم والسنن »( ) 0
ثم ذكر « تواتر الكشف والبرهان للكهان وللرهبان » وبيّن أن ذلك ليس دليلاً على الصلاح والولاية ، وإنما هو « من إلهام الشياطين »( ) 0
هذا ما فيه بيان موقف وجهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، تجاه منهج الصوفية في الكشف - بشكل عام - ، فهو موقف الناقد البصير ، المتصف بالعدل والإنصاف ، من غير حيف ولا شطط ( ) 0
أ- موقف علماء السلف في القرن الثامن ، من منهج الصوفية في الرؤية 0
وأما موقفهم من منهج الصوفية في الرؤى ، فيتمثل بعناية السلف الخاصة ، في تأصيل منهج الرؤى، تأصيلاً مستمداً من الكتاب الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ؛ لأن بعض الناس ممن لا يفقهون من العلوم الشرعية كثيراً ،قد ضلوا في باب الرؤى والإلهام والخطرات وأضلوا ، وساروا في ركب البدع والضـلال ؛ ولهذا بيّن علماء السلف في القرن الثامن ، المنهج الصحيح لذلك بالأدلة الصحيحة ، وبينوا متى يكون العمل بها صحيحاً ، ومتى يكون مردوداً 0
وممن اعتنى بذلك ، من علماء السلف في القرن الثامن ، الإمام ابن مفلح المقدسي ، الذي ساق عدداً من الأدلة على الرؤيا ، ومتى يعمل بها ؛ ومن هذه الأدلة قوله -- : « إذا اقترب الزمان ، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبــوة000»( ) 0
وقوله -- : « لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قيل : وما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة »( )0
1- رؤيــة الله - تعالى ذكره - :
مسألة رؤية الحق تبارك وتعالى ، من المسائل التي تنازعت فيها الفرق( ) ، وكثر فيها المقال ، ولأن أهل السنة والجماعة ، هم أصحاب الحق المبين ، فإن اعتقادهم في رؤية الباري - سبحانه - مأخوذ من آيات القرآن الكريم ، وسنة رسوله الأمين -- ، وفهم سلف الأمة وخير القرون ، فهم يثبتون الرؤية لله - عز وجل - في الآخرة دون الدنيا 0
قال الإمام ابن أبي العز - بعدما ذكر حصول رؤية الباري - عز وجل - يوم القيامة ، وكذا ابن كثير -( ): «وإنما لم نره في الدنيا ، لعجز أبصارنا ، لا لامتناع الرؤية»( ) 0
ثم قال : « واتفقت الأمة ، على أنه لا يراه أحد ، في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك( ) 000»( ) 0
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ، أن ما يراه بعض الناس ويظنون أنهم يرون الباري - تقدس ذكره - في الدنيا ، إنما هو الشيطان ، فينخدعون بذلك 0
فقال : « من العباد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشاً عظيماً، وعليه صورة عظيمة ، يرى أشخاص تصعد وتنزل فيضنها الملائكة ، ويظن أن تلك الصورة هي الله - تعالى وتقدس- ، ويكون ذلك الشيطان ، وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس ، منهم من عصمه الله ، وعرف أنه الشيطان ، كالشيخ عبد القادر( ) في حكايته المشهورة( ) ، 000ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله 000 وهذا قد وقع مع كثير من الطوائف ، من جهال العباد ، يظن أحدهم أنه يرى الله - تعالى - بعينه ، في الدنيا ، لأن كثير منهم رأى ما ظن أنه الله ، وإنما هو شيطان »( ) 0
تلك هي مواقف السلف من رؤية الباري - تعالى ذكره - يرون حصولها في الآخرة ، وتمتنع في الدنيا ، لما ورد من الأدلة الشرعية ، والله - تعالى - أعلم 0
2- رؤيــة الرسول -- :
بيّن ابن مفلح موقف العلماء من رؤية الرسول الكريم -- بعد موته -التي كثيراً ما يدعي الصوفية وقوعها لهم - فأورد الحديث الذي رواه أبو هريرة --عن النبي --قال : «000من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ، أو لكأنما رآني في اليقظة ، لا يتمثل الشيطان بي»( ) 0
قال بعضهم : هو على ظاهره وأن من رآه فقد أدركه ، ولو رآه على خلاف صفته ، أو رآه جماعة في مواضع ، وإن غلط في بعض صفاته ، وتخيل لها على خلاف ما هي عليه 0
وقال بعضهم : معناه أن رؤياه صحيحة 0
وقد تكلم العلماء فيما إذا رأى النبي -- ، فأمره في منامه ، أو نهاه 0
وتلخيصه :أنه لا يغير ما تقرر في اليقظة شرعاً إجماعاً - بخلاف ما يدعيه بعض الصوفية - نظراً إلى ترجيح الدليلين0
وأما ما ليس فيه أمر ولا نهي عنه - عليه الصلاة والسلام - في اليقظة فهل يلزم العمل به ؟
فالصحيح المجمع عليه ، أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ، ما تقرر في الشرع( ) 0
فكيف يزعم بعض الصوفية أنه رأى الرسول- -، وأمره بالشرك ، والنذر لغير الله ( ) ، فهذه الرؤيا قطعاً من الشيطان ، وليست من الرحمن ، لأن هذا أمر شركي ، مخالف لنصوص الكتاب والسنة ، وإجماع علماء السلف 0
أما إذا رأى النبي -- يأمره بفعل مندوب إليه ، أو ينهاه عن منهي عنه ، أو يرشده إلى فعل مصلحة ، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه ، لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام ، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء ( ) 0
قال ابن مفلح : « وهذا كله معنى كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية»( ) 0
وقال الإمام الشاطبي : « 000 العلوم المأخوذة من الرؤيا ، مما لا يرجع إلى بشارة ، ولا نذاره ، فإن كثيراً من الناس يستدلون على المسائل العلمية ، بالمنامات ، وما يُتلقى منها تصريحاً ، فإنها وإن كانت صحيحة ، فأصلها الذي هو الرؤيا ، غير معتبر في الشريعة في مثلها ، 000وإنما ذُكرت الرؤيا تأنيساً ، وعلى هذا يُحمل ما جاء عن العلماء من الاستشهاد بالرؤيا »( ) 0
« ومن هنا يُعلم أن كل خارقة حدثت ، أو تحدث إلى يوم القيامة ، فلا يصح ردها ولا قبولها ، إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة ، فإن ساغت هناك فهي صحيحة مقبولة في موضعها ، وإلا لم تقبل إلا الخوارق الصادرة على أيدي الأنبياء - عليهم السلام - فإنه لا نظر فيها لأحد ، لأنها واقعة على الصحة قطعاً ، فلا يمكن فيها غير ذلك ، ولأجل هذا حكم إبراهيم - - في ذبح ولده بمقتضى رؤياه ، وقال له ابنه - كما جاء في كتاب الله العزيز - : 000يا أبتِ افعل ما تؤمر000 [الصافات : 102 الآية ]0
وإنما النظر فيما انخرق من العادات ، على يد غير المعصوم»( ) 0
وبهذا يكون كل ما وقع أو سيقع ، من الصوفية أو غيرهم ، من الكشف والرؤيا ، محل نظر ، حتى يقوم عليه من كتاب الله وسنة رسوله -- برهان 0
وقد استشهد غير واحد من علماء السلف في القرن الثامن، بقول محمد بن سيرين( ) إذا سئل عن الرؤيا ، كان يقول للسائل : « اتق الله في اليقظة ، ولا يغرك ما رأيت في المنام»( ) 0
ونقل ابن مفلح ، كلام ابن عقيل( ) ، في ذمه الصوفية ، لأنهم يعولون على ما رأوا ، لا على ما رووا ، فقال : « ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين ، فهؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول ، وهؤلاء يفسدون الأعمال ، ويهدمون قوانين الأديان 0
قال : وقد خبرت طريق الفريقين ؛ غاية هؤلاء الشك ، وغاية هؤلاء الشطح ، والمتكلمون عندي خير من الصوفية ، ما لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه ، وما أحدثوا ، وعولوا على ما رووا لا على ما رأوا »( ) 0
ونقل ابن كثير ، كلام ابن الجوزي( ) ، في أحد الصوفية ، الذي يدعي رؤية رسول الله -- ، يقظة لا مناماً ، ويسأله عن كل ما يشكل عليه ، فقال : « كانت له نكت ، إلا أن الغالب على كلامه التخليط، والأحاديث الموضوعة المصنوعة ، والحكايات الفارغة والمعاني الفاسدة ، 000 ومن ذلك أنه كان كلما أشكل عليه شيء ، رأى رسول الله -- في اليقظة فسأله عن ذلك ، فدله على الصواب »( ) 0
ولا شك أن هذه فرية عظيمة على رسول الله -- ، فقد تعرضت الأمة لهزات كبيرة ومحن جسيمة ، وفيها من هو أكرم عند الله وعند رسوله -- مــن هذا الصوفي ، أمثال: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -- ، وكانوا بأمس الحاجة لرسول الله -- ، ومع ذلك لم يروه ، ولم يلتقوا به -- يقظة بعد موته ألبته 0
3- رؤية الخضــر -- :
تصدى علماء السلف ، في القرن الثامن ، لزعم آخر درج عليه - بعض - الصوفية ، وهو إمكانية لقاء الخضر - - ، يقظة بعد موته، والاستغناء عن الوحي ، بالعلم اللدني والإلهام ، كما كان الخضر مع موسى - عليهما السلام - ، فقد تصدى ، لهذه البدعة ، ابن أبي العز الحنفي الذي قال : « وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - ، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق : فهو ملحد زنديق ، فإن موسى - - لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ، ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته ، ولهذا قال له : أنت موسى بني إسرائيل ؟
قال : نعم 0
ومحمد -- مبعوث إلى جميع الثقلين ، ولو كان موسى وعيسى - عليهما السلام - حيين ، لكانا من أتباعه ، 000 فمن ادعى أنه مع محمد -- ، كالخضر مع موسى - عليهما السلام - ، أو جوز ذلك لأحد من الأمة ؛ فليجدد إسلامه وليشهد شهادة الحق ، فإنه مفارق لدين الإسـلام بالكلية ، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله ، وإنما هو من أولياء الشيطان ، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم ، وأهل الاستقامة»( ) 0
وبين الإمام الذهبي بطلان زعم بعض الصوفية ، رؤية الخضر -- ، وأخذهم العلم والإلهام منه ، ورد على ابن عربي( ) 0
وبيّن إنما يراه ليس الخضر -- ، وإنما هي توهمات وخيالات ، لا أساس لها في واقع الحال ، فقال :
« وهذا الرجل - ابن عربي - كان قد تصوف ، وانعزل وجاع وسهر ، وفُتح عليه بأشياء امتزجت بعلم الخيال ، والخطرات والفكرة ، فاستحكم به ذلك حتى شاهد بقوة الخيال ، أشياء ظنها موجودة في الخارج ، وسمع من طيش دماغه خطاباً ، اعتقده من الله ، ولا وجود لذلك أبداً في الخارج »( ) 0
وقد دحض ابن كثير زعم بعض الصوفية ورد قولهم إن الخضر- - حي ، وأنهم يلتقون به ، متى شاءوا يقظة لا مناماً ، بقوله : « 000ولو كان حياً لوجب عليه الإيمان بمحمد- - ونصرته0
فكيف إن كان الخضر ولياً ، كما يقوله طوائف كثيرون ، فأولى أن يدخل في عموم البعثة ، وأحرى ولم ينقل في حديث حسن ، بل ولا ضعيف يعتمد ، أنه جاء يوماً واحداً ، إلى رسول الله -- ولا اجتمع به0
وما ذكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم( ) قد رواه فإسناده ضعيف »( )0
وقال عند تفسير قوله - تعالى - : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ، [الأنبياء : 35 ] 0
« استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر -عليه السلام -، مات وليس بحي ، لأنه بشر ، سواء كان ولياً ، أو نبياً، أو رسولاً»( ) 0
وقال ابن القيم :« إن غاية ما تمسك به من ذهب إلى حياته ، حكايات منقولة ، يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر -- فيالله العجب! هل للخضـر -- علامة يعرف بها من رآه ؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله : أنا الخضر ، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله ، فأين للرأي أن المخبر له صادق ، لا يكذب » 0
وأضاف ابن القيم : «أن الخضر -- فارق موسى بن عمران -- ، كليم الرحمـن ، ولم يصاحبـه ، وقـال: هذا فراق بيني وبينك [الكهف : 78 الآية ]0
فكيف يرضــى لنفسه بمفارقته لمثل موسى -- ، ثم يجتمع بجهلة العُبّاد الخارجين عن الشريعة ، الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعـة ، ولا مجلس علم ، ولا يعرفون من الشريعة شيئاً ؟ وكل منهم يقول : قال الخضر ، وجاءني الخضر وأوصاني الخضر! » ( ) 0
وقال ابن كثير : « فلو كان الخضر حياً ، لكان وقوفه تحت هذه الراية ، أشرف مقاماته ، وأعظم غزواته ،000 ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء وظهوره أعظم لأجره ، وأعلى في مرتبته ، وأظهر لمعجزته ، ثم لو كان باقياً بعده - أي بعد رسول الله - لكان تبليغه عن رسول الله -- ، الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة ، والروايات المقلوبة ، والآراء البدعية ، والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم ، وشهود جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ، وتسديد العلماء والحكام ، وتقرير الأدلة والأحكام ، أفضل ما يقال عنه من كونه في الأمصار ، وجوبه الفيافي والأقطار ، واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم ، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم ، وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم »( ) ، إلا من أراد سلوك طريق الضلال ، واتباع الأباطيل والأوهام 0
ب- موقف علماء السلف في القرن الثامن ، من منهج الصوفية في الإلهام والخواطر والهواتف 0
وقف علماء السلف في القرن الثامن الهجري موقفاً حازماً ، من دعاوى الصوفية ، تلقيهم العلم والأمر والنهي ، عن طريق الإلهام والخواطر والهواتف 0
فقد استدل الإمام ابن مفلح ، على خطأ وضلال بعض الصوفية ، وجنوح دعواهم ، بقول أبي زرعة ، عندما سئل عن الحارث المحاسبي وكتبة ، فقال للسائل :
«000إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضـلالات ، وعليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك 0 قيل له : في هذه الكتب عبرة 0 فقال : من لم يكن له في كتاب الله عبرة ، فليس له في هذه الكتب عبرة ، بلغكم أن سفيان( ) ومالكاً( ) والأوزاعي( )، صنفوا في هذه الكتب في الخطرات والوساوس ؟ ما أسرع الناس إلى البدع ! »( )
وقال الذهبي عن الأسباب المؤدية إلى الوساوس والخطرات :« العابد العري من العلـم ، متى زهد وتبتل ، وجاع وخلا بنفسه ، وترك اللحم والثمار ، واقتصـر على الدقة والكسرة ، صفت حواسه ولطفت ، ولازمته خطرات النفس ، وسمع خطاباً يتولد من الجوع و السهر ، لا وجود لذلك الخطاب - والله - في الخارج ، وولج الشيطان في باطنه وخرج ، فيعتقد أنه وصل وخُوطب وارتقى ، فيتمكن منه الشيطان ويوسوس له»( )0
وقال في ترجمة صوفي( ) آخر : « 000 ثم قل من عمل هذه الخلوات المبتدعة ، إلا واضطرب ، وفسد عقله ، وجف دماغه ، ورأى مرائي، وسمع خطاباً لا وجود له في الخارج ، 000 وإن كان جاهلاً بالسنن وبقواعد الإيمان ، تزلزل توحيده ، وطمع فيه الشيطان ، وادعى الوصول ، وبقي على مزلة قدم ، أو ربما تزندق »( )0
وذكر ابن كثير عن بعض الصوفية ( ) مثل ذلك ، فقال : « 000قد وقعت له كائنة في أيام ، الظاهر أنه أصيب في عقله ، أو زال فكره ، أو قد عمل على الرياضة ، فاحترق باطنه من الجوع ، فرأى خيالات لا حقيقة لها ، فاعتقد إنها أمر خارجي ، وإنما هو خيال فكري فاسد »( )0
أما الهواتف ، فقد بين علماء السلف ، في القرن الثامن ، أنه لا ينبني عليها حكم ، وليست مصدراً شرعياً ، معتمداً ، و خطئوا الصوفية لنهجهم ، المتضمن اعتبار الهواتف حجة شرعية ، ومنهجاً من مناهج التلقي 0
فقد ذكر الإمام الشاطبي ، أن الصوفية يستحسنون ويعملون بأشياء لم يأت بها كتاب ولا سنة ، ولا عمــل بأمثالها السلف الصالح ، فذكر منها :
«أنهم يعتمدون في كثير من الأحكام على الكشف ، والمعاينة ، وخرق العادة ، فيحكمون بالحل والحرمة ، ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام»( ) 0
ومن ذلك ما قاله الشبلي :« اعتقدت وقتاً ، أن لا أكل إلا من حلال ، فكنت أدور في البراري ، فرأيت شجرة تين ، فمددت يدي إليها لآكل منها ، فنادتني الشجرة : احفظ عليك عهدك ، لا تأكل مني فإني ليهودي » ( )0
وقال إبراهيم الخوّاص : « دخلت خربة في بعض الأسفار ، في طريق مكة بالليل، فإذا فيها سبع عظيم فخفت ، فهتف بي هاتف : اثبت ، فإن حولك سبعين ألف ملك يحفظونك»( ) 0
قال الإمام الشاطبي عن ذلك : « 000 فمثل هذه الأشياء ، إذا عرضت على قواعد الشريعة ، ظهر عدم البناء عليها ، إذ المكاشفة ، أو الهاتف المجهول 000 لا يدل على التحليل ولا التحريم ، 000 ولو هتف هاتف ؛ بأن فلاناً قتل المقتول الفلاني ، أو أخذ مال فلان ، أو زنى أو سرق ، أكان يجب عليه العمل بقوله ؟ أو يكون شاهداً في بعض الأحكام ؟ شرعيّ ؟ هذا مما لا يعهد في الشرع مثله »0
ثم قال وكذلك في مسألة الخوّاص : « فإن التوقي من مظان المهلكات مشروع ، فخلافه يظهر أنه خلاف المشروع ، وهو معتاد أهل هاته الطـريقة - أي طريقة الصوفية - وكذلك كلام الشجرة للشبلي - إن ثبت - من جملة الخوارق ، وبناء الحكم عليه غير معهود »( ) ، ولا يعتد به إطلاقاً ، لأن طريق الأحكام الشرعية واضح وبيّن ، ومن غرف شريعة ربه المستمدة من القرآن الكريم ، والسنة والنبوية المطهرة ، فليس بحاجة إلى أن يأخذ الأحكام الشرعية ، من غير هذا الطريق 0
المبحث الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، من منهج الصوفية في الذوق والوجد 0
ويتكون من مطلبين :
المطلب الأول : منهج الصوفية في الذوق والوجد 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف في القرن الثامن من منهج الصوفية في الذوق والوجد0
المطلب الأول: منهج الصوفية في الذوق والوجد 0
أولاً : تعريف الذوق ، لغة واصطلاحاً 0
أ- الـذوق لغــة : « ذاقه ذوقاً ومذاقاً و مذاقة : اختبر طعمه
وتذوقه : ذاقه مرة بعد مرة ، وتذاوقوا الرماح : تناولوها»( )0
والمذاق : طعم الشيء ( ) 0
ب- الذوق اصطلاحاً : « الذوق في معرفة الله ؛ عبارة عن نور عـرفاني يقذفه الحق بتجليه ، في قلوب أوليائه ، يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب ، أو غيره »( )
ثانياً : تعريف الوجد لغة واصطلاحاً 0
أ- الوجد لغة : الإدراك ، وجــد مطلوبه ؛ الشيء يجــده وبه وَجْداً : في الحب ، وكذا في الحزن ، والوجد :الغنى ، و ( تَوَاجَدَ ) فلان : أرى من نفسه الوَجْدَ( )0
ب- الوجد اصطلاحاً: هو « ما يصادف القلب ويَرِدُ عليه ، بلا تكلّف وتصنّع ، وقيل هو : بروق تلمع ثم تخمد سريعاً »( )
وقيل : « ما يصاف القلب من الأحوال المُغَيِبّة له ، عن شهود الوجود»( ) 0
ثانياً : منهج الصوفية ، في الذوق والوجد 0
أ- منهج الصوفية في الذوق :
فرّق الصوفية بين الذوق والكشف ، بأن جعلوا الكشف يختص بالقلوب أحياناً ، وذلك برؤية القلب لبعض الأمور ، عن طريق المكاشفة، وقد يتعلق الكشف بالقلب أحياناً ، لا عن طريق الرؤية ، بل بحلول العلوم في القلوب ، عن طريق الإلهام ، وقد تتعلق المكاشفة بالعين البصرية ، كرؤية الرسول -- ، والخضر -- والملائكة يقظة ، وقد تتعلق بالسمع ، عن طريق الآذان ، كما في الهواتف0
أما الذوق ، فليس لبصر العين ، وسمع الأذن فيه نصيب؛ بل يختص بالقلب ، عن طريق التجلي الإلهي ، لهذا القلب( )0
قال القشيري :«ومن جملة ما يجري في كلمهم ، الذوق والشرب ، ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ، ونتائج الكشوف ، بواده( ) الواردات ، وأول ذلك الـذوق000»( ) ، « فصاحب الذوق متساكر ، وصاحب الشرب سكران »( ) 0
وقال الغزالي : « 000لأن علوم الأنبياء - عليهم السلام - كلها كانت من هذا الطريق - طريق الإلهام ، والرياضة ، والتخلص من الشهوة - لا من طريق الحواس ، كما قال سبحانه و تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً [المزمل : 8 الآية ] 0
معناه الانقطاع عن كل شيء ، وتطهير القلب من كل شيء ، والابتهال إليه ، سبحانه وتعالى بالكلية ، وهو طريق الصوفية 000 وأما طريق التعلم ، فهو طريق العلماء ، وهذه الدرجة الكبيرة مختصـرة من طريق النبوة ، وكذلك علم الأولياء ؛ لأنه وقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق ، 000 وهذه الطريقة لا تفهم إلا بالتجربة ، وإن لم تحصل بالذوق ، لم تحصل بالعلم ، والواجب التصديق بها ، حتى لا تحرم شعاع سعادتهم »( ) 0
ب ـ منهج الصوفية في الوجد 0
اختلف أهل التصوف ، في الوجد : ما هو ؟ وتعددت آراؤهم ، وأقوالهم ، في ذلك 0
فقال عمرو بن عثمان المكي : لا يقع على كيفية الوجد عبارة ؛ لأنها سر الله تعالى ، عند المؤمنين الموقنين 0
وقيل : كل ما صادف القلب من غم ، أو فرح ، فهو وجد 0
وقيل : إن الوجد مكاشفات من الحق ، ألا ترى أن أحدهم ، يكون ساكناً فيتحرك ، ويظهر منه الزفير والشهيق ( ) 0
وينظر الصوفية ، للوجد على أنه ، منهج لرؤية معنى من الأحـوال الآخرة ، وطريقاً في كشف حالة بين العبد ، وبين الله -عز وجل- ( ) 0
وقد حاول الغزالي ، تحديد مفهوم الوجد ، وبيان المراد منه فقال: « والأقاويل المقررة في السماع ، والوجد كثيرة ،000 فلنشتغل بتفهيم المعنى ، الذي الوجد عبارة عنه ، فنقول: إنه عبارة عن حالة ، يثمرها السماع ، وهو وارد حق جديد عقيب السماع ، يجده المستمع من نفسه ، وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين :
فإنها إما ترجع إلى مكاشفات ، ومشاهدات ، هي من قبيل العلوم والتنبيهات 0
وإما أن ترجع إلى تغيرات ، ليست من العلوم ؛ بل هي كالشوق والخوف والحزن 000 وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها 000 فقد يقوى الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه»( ) 0
وأقوى مثيرات الوجد وبواعثه ، عند الصوفية ، السماع0
ولذلك قالوا : « الوجد عبارة عمّا يوجد عند السماع »( )
وهذا السماع يتنوع ؛ فقد يحدث الوجد ، من سماع كلام منثور ، وقد يحدث عند سماع القرآن ، وقد يحدث الوجد من سماع الأشعار المطربة الملحنة ( ) 0
وذُكِـر عن أبي الحسين النوري : «أنه اجتمع ، مع جماعة من المشايخ ، في دعوة فجرى بينهم مسألة في العلم ، وأبو الحسين النوري ساكت ، قال: ثم رفع رأسه فأنشدهم هذه الأبيات :
رُبَّ ورقاءهتوف في الضحى ذات شجو صدحت فـي فنن
فبكائي ربمــا أرقهـــا وبكاها ربمــــا أرقنـي
هي إن تشكو فلا أفهمهــا وإذا أشكو فـــلا تفهمني
غير أني بالجوى أعرفهــا وهي أيضاً بالجوى تعرفنـي
قال: فما بقي في القوم أحد إلا قام وتواجد » ( ) 0
وعن الجنيد أنه كان يقول : « إذا قوي الوجد ، يكون أتم ممن يستأثر بالعلم» ( ) 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الصوفية في الذوق والوجد 0
فند علماء السلف ، في القرن الثامن ، منهج الصوفية في الذوق والوجد ، وبينوا أن منهج الصوفية ، في الذوق والوجد ، منهج خاطئ ، لا يمت إلى الشرع الحنيف - في كثير من جوانبه - بصلة ، وفرقوا بين ما يظهر على المؤمنين الخاشعين ، من علامات الخوف والبكاء والقشعريرة ، وبين ما يظهر على بعض الصوفية ، من ذوق ووجد ، وفرقوا بين كل منهما ، من حيث الدوافع ، والصفات 0
وممن فرق بين الفريقين الإمام الشاطبي ، في وصفه التواجد الذي يظهر على المؤمنين المتمسكين بالكتاب والسنة ، بقوله: « والذي يظهر في التواجد ، ما كان يبدوا على جملة ، من أصحاب رسول الله -- ، وهو البكاء واقشعرار الجلد ، التابع للخوف ، الآخذ بجامع القلوب »( ) 0
وقال: « ولابد من النظر في الأمر كله ، الموجب للتأثير الظاهر ، في السلف الأولين ، مع هؤلاء - الصوفية - المدعين ، فوجدنا الأولين يظهـر عليهم ذلك الأثر بسبب ذكـر الله ، أو لسماع آية من كتاب الله ، وبسبب رؤية اعتبارية - لما في قصـة الربيع عند رؤيته الأتون وهو موقد النار - ولسبب قراءة في صلاة ، أو غيرها ، ولم نجد أحداً منهم - فيما نقل العلماء - يستعملون الترنم بالأشعار ، لترق نفوسهم ، فتتأثر ظواهرهم ، وطائفة الفقراء - الصوفية - الضد منهم ، فإنهم يستعملون القرآن أو الحديث ، والوعظ والتذكير ، فلا تتأثر ظواهرهم ، فإذا قام المزمر تسابقوا إلى حركاتهم المعروفة »( )0
وقرر ابن أبي العز ، أن من منهج أصحاب الذوق والوجد ، تقديمهما على الشرع المطهر ، فقال : « وقال أصحاب الذوق والوجد : إذا تعارض الذوق والكشف ، وظاهر الشرع ، قدمنا الذوق والكشف»( )0
وقد أنكـر الذهبي ، ذلك المنهج ، الذي ارتضاه الصوفية ، فقال : « وإذا رأيت السالك التوحيدي ، يقول : دعنا من النقل ومن العقل ، وهات الذوق والوجد ، فأعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر ، أو قد حل فيه ، فإن جبنت منه فاهرب ، وإلا فاصرعه وابرك على صدره ، و اقرأ عليه آية الكرسي ، واخنقه»( ) 0
وبيّن ابن أبي العز : «000 أن من لم يسلم للرسول -- نقص( ) توحيده ، فإنه يقول برأيه وهواه ، أو يقلد ذا رأى ، وهو بغير هدى من الله ، فينتقص من توحيده ، بقدر خروجه عما جاء به الرسول -- ، 000 وإنما دخـل الفساد في العالم من ثلاث فرق ( )000والرهبان : وهم جهال المتصوفة ، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع ، بالأذواق والمواجيد و، والخيالات و الكشوفات الباطلة الشيطانية»( ) 0
ونص الذهبي على أن الذوق والوجد ، لا ينهض بمخالفة الكتاب والسنة ، فقال: « ولا ينهض الذوق والوجد ، إلا على تأسيس الكتاب والسنة »( )
وبين الشاطبي أنه : « لم يقم لنا دليل على اتباع أقوال الصوفية ، وأعمالهم ، إلا بعد عرضها ، وبذلك وصى شيوخهم ، وإن كان ماجاء به صاحب الوجد والذوق ، من الأحوال والعلوم والفهوم ، فليعرض على الكتاب والسنة ، فإن قبلاه صح، وإلا لم يصح »( )
ولذلك قال عن أصحاب الذوق والوجد من الصوفية : «فالحاصل من هـؤلاء : أنهم أحسنوا الظن بأنهم فيما عليه مصيبون ، و أساؤوا الظـن بالسلف الصالح ؛ أهل العلم الراجح الصريح ، وأهل الدين الصحيح »( )
وقال ابن رجب ، مثنياً على من ترك الذوق والوجد ، وطريقة الصوفية : « وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار ، وتخلى من جميع طرائقه ، وأحواله وأذواقه ، وسلوكه 000 وشرع في الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم »( ) 0
هذه مواقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، من منهج الصوفية في الذوق( ) والوجد( ) ، بينوا خطأهم ، وفندوا حججهم ، في هدي من كتاب الله العزيز ، وسنة رسوله الكريم -- من دون حيف ولا شطط ، نسأل الله لهم الرحمة والمغفرة0
ويتكون من تمهيد ، وثلاث مباحث :
التمهيد : وفيه تعريف الاستدلال ؛ لغة واصطلاحاً 0
المبحث الأول: موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالقرآن الكريم ، عند الصوفية 0
المبحث الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالسنة ، عند الصوفية 0
المبحث الثالث : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال ، بأفعال وأقوال الشيوخ ، عند الصوفية 0
التمهيــد تعريف الاستدلال ، لغة واصطلاحاً0
أ-الاستدلال لغة :
الدَّلِيلُ ما يُستـدل به ، من دّلَّ على الشيء ، إذا أرشد إليه
و « دَلَّ » : عليه وإليه : أرشد ، ويقال : دله على الطريق ونحوه ، و«استدل» : عليـه طلب أن يُدل عليه ، وبالشيء على الشيء ، اتخذه دليلاً عليه ( ) 0
ب- الاستدلال اصطلاحاً:
« عملية عقلية يبدأ بها العقل من قضايا يسلم بها ، ويسير إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة ، دون التجاء إلى التجربة »( )
أو « إقامة الدليل على صحــة الدعوى » ( ) 0
المبحث الأول : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالقرآن الكريم ، عند الصوفية 0
المطلب الأول: منهج الاستدلال بالقرآن الكريم عند الصوفية :
من الأسس والركائز المهة ، في منهج الاستدلال عند الصوفية ، اتباع طـريق التأويل( )الفاسد - بل التحريف - ، في استدلالهم بالقرآن الكريم ، حتى تتوافق نصوص القرآن الكريم ، مع مرادهم ومنهجهم في النصوص الشرعية ؛ لأنهم لا يـجدون من الآيات القرآنية ، ما يعضد ويقوي ما يباشرونه من أعمال وأقوال ، بشكل صريح وجلي ، وأمام هذه الحقيقة لجئوا إلى التأويل ، حتى يخدم أغراضهم ، ويحقق أهدافهم ، فعمدوا إلى التأويل الفاسد للقرآن الكريم ، وأول زعم بادروا إليه من هذا التأويل ، قول بعضهم : بسقوط التكاليف الشرعية ، عنهم ، إذا بلغوا مرتبة معينة 0
وقد أشار إلى حال أولئك القشيري - وهو من الصوفية - في رسالته ، فقال: « وقد حصل الضعف في هذه الطريقة ، - طريقة الصوفية - لا بل اندرست ، وقد مضى الشيوخ ، الذين كان بـهم اهتداء0
وقل الشباب الذين كان لهم بسيرهم وسنتهم إقتداء ،وزال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوي رباطه ، وابتعدت عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين ، أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام 0
كما استخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، 000 وادعوا أنهم تجردوا عن رق الأغلال - العبادات والشرائع - 000 وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه ، عتب ولا لوم ، لأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية »( )0
وقال بعض الصوفية : « إذا وصلت إلى مقام اليقين ، سقطت عنك العبادات »( ) ، متأولين قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ، [الحجر : 99]0
وقال الشعراني واصفاً حال أحد مشايخ الصوفية : « منهم سيدي الشريف المجذوب( ) 000 كان - - يأكل في نهار رمضان ، ويقول: أنا معتوق ، أعتقني ربي » ( ) 0
كما أوّل بعض الصوفية ، قوله تعالى : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ، [ق: 7]0
قال : إن « 000رواسي الأرض هم أولياء الله » ( ) 0
ولا تخلوا طريقة تأويل الصوفية ، لآيات القرآن الكريمة ، من تعسف وشـطط ، كما فعـل ذلك ابن عربي حين قال : إن المراد بالشيطان في قوله تعالى: إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، [ص : 41] 0
قال :« هو البعد ، وإن ما شعر به أيوب لم يكن ألم المرض ، بل ألم عذاب الحجاب و الجهل بالحقائق »( ) 0
ويزعم بعض الصوفية ، أنهم يستغنون بالكشف ، عن الاستدلال فيما عداه ، ولم يستثن حتى كتاب الله ، بل قدم الكشف عليه أيضاً( ) 0
وقد طفحت كتب الصوفية ، بهذا التأويل الفاسد للقرآن الكريم ، حتى تتحقق أهدافهم ، من خلال هذا المنهج في الاستدلال ( )، ومن ذلك الاستدلال على بعض ما أحدثوه من بدع ، لا يقرها الشرع الحنيف، كاستـدلالهم ببعض الآيات ، على جواز الرقص والوجد ، أو إتلاف المال ( ) 0
ومن منهج الصوفية في الاستدلال ، بالقرآن الكريم ، مزج الآيات القرآنية بعضها ببعض ، وتفسير بعضها ببعض ، حيث لا يوجد صلة ظاهرة بينهـا ، ومن أشهر من سلك هذا المنهج ، ابن عربي في كتابه فصوص الحكم ، كما ورد ذلك في الفص الموسوي ، فإنه خلط الآية 85 من سورة غافر ، وهي قوله تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ، بالآية 98 من سورة يونس ، وهي قوله تعالى : فلو لا كانت قرية أمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما أمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ، في قوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده ، فخلط معها قوله تعالى : إلا قوم يونس 0
وكقوله في الفص الموسوي أيضاً ( ): رب المشرق والمغرب ، فجاء بما يظهر ويستر وهو الظاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله : وهو بكل شيء عليم ، وفي هذا خلـط بين آيتين الأولى : قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ، [الشعراء : 28] 0
والثانيـــة: هـو الأول والآخــر و الظاهـر والباطن وهو بكل شيء عليم ، [الحديد : 3]0
وعلق بعض شرّاح الفصوص على هذا الأسلوب في خلط الآيات ومزجها بقوله : « مزج آيتين مختلفتين ، وفسر إحداهما بالأخرى ، تفسيراً لا يبرره إلا حرصه ، على استخراج فكرة وحدة الوجود من القرآن ، مهما يكن الثمن»( ) 0
المطلب الثاني: موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالقرآن الكريم ، عند الصوفية 0
استنكر علماء السلف في القرن الثامن ، ما أقدم عليه الصوفية ، من تأويل فاسد للقرآن الكريم ، وبينوا فساد منهج استدلالهم بهذا التحريف والتلاعب بكتاب الله، المخالف لمنهج السلف ، في فهم القرآن وتفسيره 0
فقد قال الزركشي( ) عن ذلك التفسير : « فأما كلام الصوفية ، في تفسير القرآن ، فقيل ليس تفسيراً ، وإنما هي معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة ، كقول بعضهم في - قوله تعالى - : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، [التوبة : 123] 0
: إن المراد النفس ، فأمرنا بقتال من يلينا ؛ لأنها أقرب شيء إلينا ، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه 0
قال ابن الصلاح( ) في فتاويه( ) : وقد وجدت عن الإمام أبي الحسين الواحدي( ) ، أنه : صنف أبو عبد الرحمن السلمي "حقائق التفسير " ، فإن كان اعتقد أن ذلك تفسير ، فقد كفر»( )0
وقال ابن أبي العز ، عن التأويل الفاسد ، للقرآن الكريم : «000هو الذي أفسـد الدنيا والدين ، وهكذا فعلت اليهود والنصارى ، في نصوص التوراة والإنجيل ، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله، من جناية»( ) 0
وذكر الزركشي أنه : « 000لايجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد ، من غير أصل » ( ) 0
وقال كذلك : « فأما التأويل المخالف، للآية والشرع ، فمحظور ؛ لأنه تأويل الجاهلين »( ) 0
وقال الذهبي عن تفسير الصوفية : « وفي الجملة ففي تصانيفه - أي السلمي - أحاديث وحكايات موضوعة ، وفي " حقائق تفسيره " أشياء لا تسوغ أصلاً ، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية ، وعدها بعضهم عرفاناً وحقيقــة ، نعوذ بالله من الضلال ، ومن كلام بهوى ، فإن الخير في متابعة السنة ، والتمسك بهدي الصحابة والتابعين - - »( )
و صدق والله الإمام الذهبي ، فهذا هو منهج السلف ، في التفسير والاستدلال ، منهج يقـوم على الاتباع ، لكتاب الله وسنة رسوله -- ، والتمسك بهدي الصاحبة والتابعين -- ، فهو منهج الاتباع ، لا الابتداع0
وأما ما يتأوله - في الحقيقة تحريف لكلام الله تعالى ذكره،وليس تأويلاً مقبولاً - بعض الصوفية ، من الآيات القرآنية ، ليسيغوا لأنفسهم التحلل من العبادات ، وشراع الإسلام ، فقد تصدى علماء السلف بالقـرن الثامن لهذا لمنهج، بقوة وحزم، وبينوا أن الصوفية ليسوا على صواب ألبته فيما ذهبوا إليه ، من الاستدلال على سقوط العبادات والتكاليف الشرعية 0
فقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيميه ، أن سبب ذلك يعود لتأويلهم الفاسد للقرآن الكريم ، فقال : « وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين ، الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية( ) ، ولهذا يجعلون من وصل إلى هذه الحقيقة ، يسقط عنه الأمر والنهي ، ويقولون : إنه صار من الخاصة !، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى :
واعبـد ربك حتى يأتيك اليقين ، [الحجر : 99] ؛ فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة »( ) 0
وقد كفّرَ شيخ الإسلام ابن تيمية ، من قال بهذا القول ، وزعم إمكانية سقـوط العبادات ، والتكاليف الشرعية ، عن بعض العباد بقوله : « وقول هؤلاء كفر صريح ، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر ، فإنه قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام ، أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ، ما دام عقله حاضراً ، إلى أن يموت ، لا يسقطان عنه ، لا بشهوده القدر ، ولا بغير ذلك ، فمن لم يعرف ذلك عُرِفَـه وبُيّنَ له ، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي ، فإنه يقتل »( )0
ونهج الإمام ابن كثير ، المنهج ذاته ، في الرد على القائلين بسقوط العبادات ، والتكاليف الشرعية ، فقال: « ويُستدل بهذه الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر 99]0
على أن العبادة ؛ كالصلاة ونحوها ، واجبة على الإنسان ، مادام عقله ثابتاً ، فيصلي بحسب حاله ، كما ثبت في صحيح البخاري( ) ، عن عمران بن حصين -- أن رسول الله -- قال : « صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب »0
ويستدل بها على تخطئة ، من ذهب من الملاحدة ، إلى أن المراد باليقين ؛ المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة ، سقط عنه التكليف عندهم ، وهذا كفر وضلال وجهل ، فإن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا هم وأصحابهم ، أعلم الناس بالله ، وأعرفهم بحقوقه وصفاته ، وما يستحق من التعظيم ، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ، ومواظبة على فعل الخيرات ، إلى حين الوفاة ، وإنما المراد باليقين ههنا : المـــوت »( ) 0
وقال الشاطبي ، عن استدلال بعض الصوفية ، بقوله تعالى:000إذ قاموا فقالوا ربنا000 ، [الكهف : 14 الآية] 0
على جواز الرقص 0 قال : « أين فيه أنهم قاموا يرقصون ، أو يزفنون( ) ، أو يدورون على أقدامهم ، ونحو ذلك »( ) 0
وقال كذلك : « كان أبو بكر الشبلي الصوفي( ) ، إذا لبس شيئاً ، خرق فيه موضعاً ، فقال له ابن مجاهد( ) : أين في العلم إفساد ما ينتفع به ؟
فقال : 000فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ، [ص : 33] 0
قال الشاطبي تعليقاً ، على هذا الاستدلال : « وفي بعض هذه الاستدلالات ؛ نظــر »( ) ، بل فيها شطط وانحراف بيّن عن الصراط المستقيم ، وما شرعة رب العالمين ، وأخبر به الهادي الأمين -- 0
وقد ذكر علماء السلف ، أن أحسن طرق التفسير وأصحها ، هو : أن يفسر القرآن بالقرآن ، فإن أعيا ذلك ، فبالسنة ؛ لأنها شارحة للقرآن وموضحة له( )0
لأنه لا تعلم أصول الدين ، من غير كتاب الله، وسنة رسوله -- ، فكيف يُفسر كتاب الله ، بغير ما فسر به رسوله -- ، وأصحاب رسول الله ، الذين نزل القرآن بلغتهم ( )، وفهموا مقاصده ، وعلموا أسباب نزوله ، فأقاموا حدوده ، وحروفه ، على هدى وبصيرة 0
قال الإمام ابن كثير مبيناً منهج السلف في تفسير القرآن الكريم : « فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير ؟
فالجواب : أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان ، فإنه قد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة ، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - : " كل ما حكم به رسول الله -- ، فهو مما فهمه من القرآن" وحينئذٍ إذا لم تجد التفسير في القرآن ، ولا في السنة ، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها 000إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ، ولا وجد عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين»( )0
وقال شيخ الإسلام : « وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم - السلف - اعتصامهم بالكتاب والسنة ، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان ، أنه لا يقبل من أحد قط ، أن يعارض القرآن لا برأيه ، ولا ذوقه ، ولا معقوله ، ولا قياسه ، ولا وجده»( ) 0
« فلهذا كله ، يجب على كل ناظر، في الدليل الشرعي ، مراعاة ما فهم منه الأولون ، وما كانوا عليه في العمل ، فهو أحرى بالصواب ، وأقوم في العمل »( ) 0
ونقل الذهبي ، قول سهل التستري( ) : « إنما سمي الزنديق زنديقاً ؛ لأنه وزن دق الكلام ، بمخبول عقله ، وقياس هوى طبعه ، وترك الأثر و الاقتداء بالسنة ، فتأول القرآن بالهوى»( )0
وقال الزركشي ، عن منهج استدلال ، من يخلط سور وآيات القرآن ، بعضها ببعض : « عد الحليمي( ) من الآداب ، ترك خلط سورة بسورة ،وذكر الحديث الآتي ، قال البيهقي: وأحسن ما يحتج به أن يقال : إن هذا التأليف لكتاب الله ، مأخوذ من جهة النبي -- وأخذه عن جبريل ، فالأولى بالقارئ أن يقرأه ، على التأليف المنقول ، المجمع عليه0
وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم »( )
ونقل الزركشي : عدم جواز قراءة آية آية ، من كل سورة، وذكر أن هذا محل إجماع ( )0
فكيف بمن يمزج الآيات القرآنية ، بعضها ببعض ، ليؤلف شيئاً جديداً ، ليستدل به على ما يوافق هواه وضلاله 0
وقد بيّن الشاطبي بعض الأمثلة( ) ، عن مناهج استدلال أهل الأهواء والبـدع - ومنهم ضلال الصوفية - ، ثم قال : «والأمثلة في الباب كثيرة ، لو تتبعت لخرجنا عن المقصود ، وإنما ذكر أمثله تبين من استدلالاتهم الواهية ما يضاهيها ، وحاصلها الخروج في الاستدلال عن الطـريق الذي أوضحه العلماء ، وبينه الأئمة ، وحصر أنواعها الراسخون في العلم 0
ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلال ، عرف أنها لا تنضبط ؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد ، وعلى كل وجه يصح ، لكل زائغ
وكافر أن يستدل على زيغه وكفره ، حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة »( ) 0
وقال أبو حيان( ) عن تفاسير الصوفية وطريقة استدلالهم بالقرآن الكريم : « قال القشيري( ) في قوله تعالى : ومن أظلم000 [البقرة : 114، الآية] 0
الإشارة إلى ظلم من خرب أوطان المعرفة ، بالمنى والعلاقات ، وهي قلوب العارفين ، وأوطان العبادة بالشهوات ، وهي نفوس العباد ، وأوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات ، وهي أرواح الواجدين ، وأوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات ، وهي أسرار الموحدين ، لهم في الدنيا خزي ، ذل الحجاب ، وفي الآخرة عذاب ، لا قتناعهم بالدراجات ، انتهى ، وبعضه ملخص0
وهذا تفسير عجيب ، ينبو عنه لفظ القرآن ، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم »( ) ، يندرج تحت هذا النوع ، من التحريف لكتاب الله تعالى ذكره 0
المبحث الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالسنة ، عند الصوفية 0
المطلب الأول : منهج الاستدلال بالسنة ، عند الصوفية:
السنة هي المصدر الثاني ، من مصادر التشريع ، بعد القرآن الكريم ، ومكانتها في الإسلام ، مكانة عالية ورفيعة ، فهي المبينة( ) للقرآن الكريم ، والشارحة له( ) ، وهناك أحاديث صحيحة ، وضعيفة ، فالأحاديث الضعيفة لا يستدل بها ، لأنها أحاديث لا تقوم بها حجة ، ولكن الصوفية ، نهجوا في هذه الأحاديث الضعيفة نهجاً خاصاً ، فجعلوها أساساً وركناً ثابتاً ، في منهج استدلالهم ، وأما بعض الأحاديث الصحيحة فقد فهموها على خلاف الشرع ، ولذلك أخطئوا الاستدلال بها 0
ومن أشهر الأحاديث الضعيفة ، التي استدلوا بها وفق منهجهم ، أحاديث حياة الخضر--( ) 0
ومن أشهر الأحاديث التي استدلوا بها على حياة الخضر --، الحديث التالي نصه :
« يلتقي الخضـر وإلياس ، في كل موسم ، يفترقان عن هذه الكلمات : بسم الله ، ما شاء الله ، لا لاقوة إلا بالله ، ما شاء الله ، كل نعمة من الله ، ما شاء الله ، الخير كله ، بيد الله عز وجل ،ما شاء الله ، لا يصرف السوء إلا الله ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله »( )0
هذا مثال من الأحاديث ، التي يستدل بها الصوفية ، على حياة الخضر -- ، وأنه لا يزال حياً ، ويحج كل عام ، وبالتالي فإن لقياهم له ، ورؤيتهم إياه ، وتلقيهم منه ، حجة في الاستدلال -كما يزعمون-0
ومن الأحاديث التي فهمها - بعض - الصوفية خلاف الشرع ، ومـراد رسول الله -- ، الأحاديث التي تنهى عن ادخار المال والطعام ، ولو ليوم واحد 0
فقد قال الطوسي : « وروي عنه - عليه الصلاة والسلام- : أنه -- لم يدخر شيئاً لغد 000»( ) 0
وقـال الغـزالي : « إن رسول الله -- كان أسخى الناس ، كان لا يبيت عنده دينار ولا درهم ، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه، وفجأه الليل ، لم يأو إلى فراشه حتى يتبرأ منه، إلى من يحتاج إليه »( )
ولذا جسد بعض الصوفية ، هذه الأقوال إلى واقع ملموس ، ومن ذلك ما « يرد عن الشبلي أنه ألقى بأربعة آلاف دينار جملة في دجلة ، فقالوا له : ما تفعل ؟ قال : الحجر أولى بالماء0 قالوا : لم لا تعطيها للخلق ؟ قال : سبحان الله ! بم احتج إلى الله في أني رفعت الحجاب عن قلبي وجعلته على قلوب إخوتي المسلمين » ( ) 0
وذكر الطوسي أنه قد : «حُمل إلى الحسين النوري ثلثمائة دينار، قد باعوا عقاراً له ، فجلس على قنطرة الصَّراة ، وهو يحذف بواحد واحد منها إلى الماء ويقول : سيدي تريد أن تخدعني عنك بهذا»( )0
هكذا فهم بعض الصوفية ، أحاديث الرسول -- التي تنهى عن ادخار المال 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بالسنة ، عند الصوفية 0
شدد علماء السلف ، في القرن الثامن - كما هو حال السلف في كل زمان - ، على التمسك بالسنة ، واتباع الرسول الكريم -- وحثوا على التمسك بهذا المنهج في الاستدلال ، والاقتداء 0
قال ابن أبي العز ،عن أسباب دخول الفساد في العالم: «000وأحبار السوء - وهم العلماء الخارجون عن الشريعة - بآرائهم وأقيستهم الفاسدة ، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله -- ، وتحريم ما أباحه ، واعتبار ما ألغاه ، وإلغاء ما اعتبره ، 000 والرهبان وهم جهال المتصوفة ، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع ، بالأذواق ، والمواجيد ، والخيالات، والكشوفات الباطلة ، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله ، وإبطال دينه ، الذي شرعة على لسان نبيه -- ، والتعويض عن حقائق الإيمان ، بخدع الشيطان ، وحظوظ النفس »( )0
وقال كذلك : « 000أما الأمور الإلهية ، والمعارف الدينية، فهذه العلم فيها ، ماأُخذ عن الرسول -- لا غير »( )0
وبيّن منهج الاستـدلال بالسنة ، عنـد الصوفية الشاطبي بقوله : « فمنها : اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة ، المكذوب فيها على رسول الله -- ، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث ، 000فـإن ناقل أمثال هذه الأحاديث - على ما هو معلوم - ، جاهل ومخطئ في نقل العلم ، فلم ينقل الأخذ بشيء منها ، عمن يقتدى به في طريقة العلم ، ولا طريقة السلوك »( ) 0
وقد أشار الذهبي ، إلى مثل هذا القول ، وبيّن خطأ من نهج هذا المنهج ، في الاستدلال بمثل هذه الأحاديث ( ) 0
أما أحاديث حياة الخضر -- ، التي يستند إليها الصوفية في إثبات حياته ، فلم يصح منها شيء ألبته ، كما بيّن ذلك ابن كثير بقوله :
« وهذه الروايات والحكايات ، هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم ، وكل من الأحاديث المرفوعة ، ضعيفة جداً لا يقوم بمثلها حجة في الدين»( ) 0
وقال كذلك : « وقد قدمنا قول من ذكر، أن إلياس والخضر يجتمعان ، في كل عام في شهر رمضان ، ببيت المقدس ، وأنهما يحجان كل سنة ، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل 000وبيّنا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذي يقوم عليه الدليل أن الخضر مات وكذلك إلياس - عليهما السلام - » ( )0
وقال الإمام ابن القيم : « الأحاديث التي ذكر فيها الخضر -- وحياته ، كلها كذب ، ولا يصح في حياته حديث واحد»( )0
وقد ذكــر ابن القيم ، عشرة أوجه استدل بها على موت الخضر -- ، منها :
1- أن القول بحياة الخضر -- قول على الله بلا علم ، وذلك بنص القرآن 0
2- أن غاية ما تمسك به من ذهب إلى حياته ، حكايات منقولة ، يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر -- فيالله العجب ! هل للخضر -- علامة يعرف بها من رآه ؟ وكثير من هؤلاء يغتر بقوله : أنا الخضر 0 ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله ، فأين للرأي أن المخبر له صادق ، لا يكذب 0
3- أنه لو كان حياً لكان جهاده الكفار ، ورباطه في سبيل الله ، ومقامه في الصف ساعة ، وحضوره الجمعة والجماعة ، وتعليمه العلم : أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات 0 وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه ، والعيب له ( )0
وأما ما ذكره الصوفية ، من الحديث الصحيح ، واستدلوا به على عدم جواز الادخار ، فقد بين الشاطبي ، أنهم أخطأوا في هذا الاستدلال، فقال: « وقد يشارك القرآن في هذا المعنى السنة ، إذ كثير من الأحاديث، وقعت على أسباب ، لا يحصل فهمها إلا بمعـرفة ذلك ، ومنه أنه نهى - عليه السلام - عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث ، فلما كان بعد ذلك قيل له : لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم ، ويحملون منها الودك( )ويتخذون منها الأسقية 0
فقال -- :« وما ذاك ؟» 0
قالوا : نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث 0
فقال --: « إنما نهيتكم من أجل الدافة( ) ،التي دفت عليكم : فكلوا وتصدقوا وادخروا »( )0
فهذا فيه بيان خطأ بعض الصوفية ، في استدلالهم بهذا الحديث ، على عدم الادخار ، وإنما الصواب بخلاف ما ذهبوا إليه ، لأن النهي عن الادخار كان لسبب خاص( ) 0
المبحث الثالث : موقف علماء السلف، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بأفعال وأقوال الشيوخ ، عند الصوفية0
المطلب الأول : منهج الاستدلال بأفعال وأقوال الشيوخ ، عند الصوفية0
اعتبر الصوفية منهج الاستدلال ، بأفعال وأقوال الشيوخ ، من مناهج الاستدلال المهمة ، واعتنوا بتدوين أخبار هذا المنهج في الكثير من مؤلفاتهم ، قديماً وحديثاً ، بل ومنهم من يخلع على هذا المنهج القدسية التامة ، بحيث لا يرقى إليه أي منهج أخر ، وكأن شيوخهم معصومون، من الخطأ والزلل والنسيان 0
ولهذا قال بعضهم : « من لم يعتقد في شيخه الكمال ، لا يفلح على يديه أبداً » ( ) 0
وقال صـوفي آخر : « من دخل في صحبة شيخ ، ثم اعترض عليه ، بعد ذلك فقد نقض عهد الصحبة ، ووجب عليه تجديد العهد » ( )0
بل زعم بعضهم أن مجرد الإنكار على الشيخ لا يجوز ، ومن ينكر عليه ، ستعاجله العقوبة ( )0
وغلى بعض الصوفية بذلك ، حتى جعل أدنى مناقشة للشيخ ، من عـلامات الخسران وعدم الفــلاح ، فقال : « من قال لشيخه لِمَ لا يفلح »( ) 0
وقال القشيري : « يجب على المريد أن يصحح عهده بينه وبين الله تعالى ، أن لا يخالف شيخه ، في كل ما يشير به عليه»( )
وقالوا في آداب المريد : « الصحبة مع الأستاذ باتباع أمره ونهيه 000والقيام بخدمة أستاذه واجب والصبر تحت حكمه ، وترك مخالفته ، ظاهراً وباطناً ، وقبول قوله والرجوع إليه في جميع ما يعرض له ، والتعظيم لحرمته ، ومجانبة الإنكار عليه سراً وجهراً » ( )0
وقد حث بعض الصوفية ، على تطبيق وتحويل هذه الأقوال ، إلى أفعال ، فقال : « الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى»( )0
ولهذا طبق الصوفية هذا القول ، وقاموا بالتسول ، كما أقر بذلك الطوسي، فقـال : « كان بعض الصوفية ببغداد لا يأكلون إلا بذل السؤال » ( )0
هذه أمثله من أقوال الصوفية ، في وجوب اتباع الشيوخ ، والاستدلال بأقوالهم وأفعالهم ، ويظهر فيها الغلو الكبير في تعظيم أقوال وأفعال شيوخهم ، ونصوا على طاعتهم طاعة مطلقة ، دون تفريق بين طاعتهم فيما يحبه الله و يرضاه ، وبين ما يغضب الله ورسوله -- 0
المطلب الثاني : موقف علماء السلف ، في القرن الثامن ، من منهج الاستدلال بأقوال وأفعال الشيوخ عند الصوفية 0
دحض علماء السلف ، في القرن الثامن ، المزاعم التي يروجها بعض الصوفية ، بحجية الاستدلال بأفعال وأقوال الشيوخ عندهم، وبيّن علماء السلف ، أن هذا المنهج خاطئ ولا يعتمد عليه ، في تقرير الأحكام الشرعية ، لأن كل إنسان عرضة للزلل والخطأ ، فيؤخذ من كلامه ما يوافق النصوص الشرعية ، ويرد ما عدى ذلك ، إلا المعصوم -- ، ولذلك أكد علماء السلف على ضلال بعض الصوفية ، ومجانبتهم الصواب 0
قال الشاطبي : « ولقد زل - بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال - أقوام خرجوا بسبب ذلك ، عن جادة الصحابة والتابعين -- ، واتبعوا أهواءهم بغير علم ، فضلوا عن سواء السبيل»( )0
وذم علماء السلف ، منهج الاستدلال على صحة البدع بأعمال الشيوخ ، فقال الشاطبي : « وهو - التقليد - نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ، ومن يشار إليه بالصلاح ، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة»( )0
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله - ، خطأ من استدل بأفعال من لا يؤدون الواجبات الشرعية ، بقوله : « ومن ظن أن أحداً من هؤلاء الذين لا يؤدون الواجبات ، ولا يتركون المحرمات ، 0000فمن اعتقد أن أحد من هؤلاء من أولياء الله المتقين ، وحزبه المفلحين ، وعباده الصالحين ، وجنده الغالبين السابقين ، 000 مع كونه لا يؤدي الواجبات ، ولا يترك المحرمات ، كان المعتقد لولاية مثل هذا كافراً مرتداً عن دين الإسلام »( ) 0
ثم قال - رحمه الله - : « فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء ، أو طريق أحد من العبّاد والنساك ، أفضل من طريق الصحابة -- فهو مخطئ ، ضال مبتدع »( ) 0
وقال الشاطبي : «000وأضعف هؤلاء احتجاجاً ، قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات ، وأقبلوا وأعرضوا بسببها ، فيقولون :
رأينا فلاناً ؛ الرجل الصالح ، فقال لنا : اتركوا كذا ، وافعلوا كذا»
وأضاف : « ويتفق مثل هذا كثيراً ، للمترسمين برسم التصوف ، وربما قال بعضهم : رأيت النبي -- ، في النوم فقال لي : كذا وأمرني بكذا ، فيعمل بها معرضاً عن الحدود الموضوعة في الشريعة»( ) 0
وبيّن ابن كثير حال بعض أولئك المقلدين ، فقال عن أحد الصوفية: « ويذكر له أحوال ومكاشفات ، على ألسنة العوام ومن لا يعقل ، ولم يكن ممن يحافظ ، على الصلوات ، ولا الصوم مع الناس ، ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه 000وغالى - بعضهم - فيه مغالاة زائدة »( ) 0
كما أشار الشاطبي ، إلى أن الاستدلال على تثبيت المعاني ، بأعمال المشار إليهم بالصلاح بناء على مجرد تحسين الظن لا زائد عليه، ليس على اطراد في الصواب ، لجواز تغيره ( ) 0
كما أوضح أن الاستدلال ، بكلام أرباب الأحوال ، من أهل الولاية، قد يوقع بحرج ، أو يكون من التكليف بما لا يطاق ، « بل ربما ذموا بإطلاق ما ليس بمذموم ، إلا على وجه دون وجه ، وفي حال دون حال ، فصار أخذه بإطلاق موقعاً في مفسدة »( ) 0
وقد ذم علماء السلف ، في القرن الثامن ، تقليد الصوفية ، واعتمادهم على التقليد في الاستدلال على جواز ما يفعلونه من بدع ، فقـال الشاطبي : « وأما المقلد فكذلك أيضاً لأنه يقول : فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ، ويثني عليه ، كاتخاذ الغناء جزءاً من طريقة التصوف،بنـاءً منهم على أن شيوخ التصوف قد سمعوه ، وتواجدوا عليه ، ومنهم من مـات بسببه ، وكتمزيق الثياب عند التواجد ، بالرقص وسـواه ، لأنهم قد فعلوه كثيراً ، وأكثر ما يقع مثل هذا في هؤلاء المنتمين إلى التصوف » ( )
هذه مواقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، من منهج الاستدلال عند الصوفية ، بينوا ما فيه من حق ، وقوموا ما فيه من اعـوجاج ، داعيهم في ذلك النصح لله ، ولكتابه ، ولرسوله -- ، وأمة الإسلام ، دون ميل ولا غلوا ، والله الهادي إلى سواء السبيل ( )0
-
الاربعاء PM 05:25
2026-02-11 - 108



