المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1884973
يتصفح الموقع حاليا : 177

البحث

البحث

عرض المادة

جهود_علماء_السلف_في_القرن_الثامن_الهجري_في_الرد_على_الصوفية_الباب الثاني

الباب الثاني

 

ويتكون من: تمهيد ومبحثين :

التمهيد وفيه : تعريف الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، لغة واصطلاحاً0

المبحث الأول : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه الحلول والاتحاد ، عند الصوفية 0
المطلب الأول : الحلول والاتحاد ،عند الصوفية 0
المطلب الثاني : جهـود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه الحلول والاتحاد ، عند الصوفية 0

المبحث الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري، تجاه وحدة الوجود ، عند الصوفية 0
المطلب الأول : وحدة الوجود ، عند الصوفية 0
المطلب الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري، تجاه وحدة الوجود ، عند الصوفية 0

 

 

 


التمهيد : تعريف الحلول والاتحاد ، ووحدة الوجود ، لغة واصطلاحاً0


أولاً : تعريف الحلول الاتحاد ، لغة واصطلاحاً 0

أ- تعريف الحلول لغة واصطلاحاً:

1- الحلول لغة : « حَلَّ بالمكان يَحُلُّ حُلولاً ومَحَلاً ، نزول القوم بمحلة، وهو نقيض الارتحال ، وحَلَّه واحْتَلَّ به واحتله نزل به ، والحَلُّ: الحلول والنزول ، وأحَلهُّ المكان وأحَلَّه به وحل به : جعله يحل به »( )
فالحلول في اللغة : النزول بالمكان والحلول به0

2- الحلول اصطلاحاً:
« عبارة عن اتحاد الجسمين ، بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر ، كحلول ماء الورد بالورد »( ) ، ويسمى هذا بالحلول السرياني 0
أما الحلول الجواري : فهو «عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر ، كحلول الماء في الكوز»( )
وقال شيخ الإسلام ، في تعريف الحلـول : «اللاهوت حل في الناسوت ( )، وتدرع به كحلول الماء في الإناء »( )
ومبدأ الحلول هو ثاني( ) المبادئ الصوفية ، ، وهو حلول العنصر الإلهي ، في العنصر البشري( ) 0

ب- تعريف الاتحاد لغة واصطلاحاً 0

1- الاتحاد لغة :
« اتحد : الشيئان أو الأشياء : صارت شيئاً واحداً»( )
2- الاتحاد اصطلاحاً :
« تصيير الذاتين واحدة »( ) 0

وقسم شيخ الإسلام ابن تيميه الاتحاد إلى قسمين، ثم عرفهما ، فقال : « الاتحاد الخاص: اللاهوت حل في الناسوت ، واختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء » 0
والاتحاد العام وهو قول ملاحدة الصوفية ؛ إن الباري تقدس ذكره : « عين وجود الكائنات »( )

ثانياً : تعريف وحدة الوجود لغة واصطلاحاً 0

أ- وحدة الوجود لغة : « وحد : الواو والحاء والدال ، أصل واحد ، يدل على انفراد ، ومن ذلك الوَحْـــدَة » ( )
ب - وحدة الوجود اصطلاحاً:
تقوم وحدة الوجود على: « أن الله في كل شيء ،وهو كل شيء»( )

وخلاصة تعريف وحدة الوجود ، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيميه هو:«إن الله بذاته في كل مكان » ( )

ووحدة الوجود عند الصوفية تعني : « أن الله -تعالى وتقدس عما يقولون - والخلق واحد ، والحاكم والمحكوم شيء واحد ، وما التعدد في الواقع إلا في شكل الوجود ،لا في ذات الموجود »( )

ومدار وحدة الوجود أنه : « يوحد بين الله والعالم ، ولا يقر إلا بوجود واحد وهو الله 000وكل ما عداه أعراض له »( )0

المبحث الأول : الحلول والاتحاد ، عند الصوفية 0

المطلب الأول : الحلول والاتحاد عند الصوفية 0

يكمل الحلول والاتحاد ، ضلعي مثلث الإلحاد - المكون من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود - ، في عقائد بعض الصوفية ، وبالرغم من بُعد هذا الاعتقاد ، عن روح الإسلام وجوهره ، إلا أنه وجد قبولاً عند بعض الصوفية ، فاعتقدوه وروجوا له ، بالقول والاعتناق 0
فقد صرح الحلاج بإمكانية الحلول بقوله : « من هذب نفسه في الطاعة ، وصبر على اللذات والشهوات ، ارتقى في مقام المقربين ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة ، حتى يصفو عن البشرية ، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ ، حل فيه روح الإله ، الذي حل في عيسى بن مريم، ولم يرد حينئذٍ شيئاً إلا كان كما أراد ، وكان جميع فعله فعل الله تعالى »( )

وقال في ذلك شعراً :
سبحان من أظهرناسوته سر سنا لاهوته الثاقـب
ثم بدا لخلقه ظاهــراً في صورة الآكل الشـارب
حتى لقد عاينه خلقــه كلحظة الحاجب بالحاجب( )
وقال كذلك :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحــان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصـــرته وإذا أبصرته أبصرتنـا( )

ومن القائلين بالحلول والاتحاد ، من الصوفية أيضاً ، ابن الفارض( )، وذلك في قصائده المشهـورة ، في ديوان شعره ، ومن أشهر قصائده التي صرح فيها بمذهبه هذا ، قصيدته التائية الكبرى المسماة « نظم السلوك »، فقد بيّن فيها بعبارات واضحة - لا لبس ولا غموض فيها - فكرته التي منها استمد هذا المذهب ( )
ومنها قوله :
لها صلواتي بالمقـام أُقيمهـا وأشـهد فيها أنها لــي صلـت
كلانا مصـل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمـع في كـــل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة( )

وكذلك قال أبو المواهب الشاذلي : « ظهور تجلي الحقيقة الإلهية، للحقيقة الإنسانية محا منها ثانوية الناسوت ، وأثبت فردانية اللاهوت »( )

وذكـر الغزالي قول الشاعر :

رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمــر ولا قدح وكأنما قدح ولاخمـر( )

فقال : « هذا مقام من مقامات علوم المكاشفة ، منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد ، وقال أنا الحق ، وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت ، أو تدرعها بها ، أو حلولها فيها»( )

وكشف السهروردي أن : « من جملة أولئك -المنتسبين إلى التصوف- قوم يقولون بالحلول ، ويزعمون أن الله تعالى يحل في أجسام يصطفيها »( )

وقال ابن الفارض مبيناً عقيدته في الاتحاد :
وقد آن لي تفصيل ما قلت مجملاً
وإجمال ما فصلت بسطاً لبسطتي
أفاد اتحادي حبها لاتحادنــــا
نوادر عن عاد المحبين شذت( )

وهاأنا أبدي في اتحادي مبــدئي
وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي
جلت في تجليها الوجود بناظري
ففي كل مرئي أراها بصورة( )
فقد رفعت تاء المخاطب بيننـا
وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
فإن لم يجوز رؤية اثنين واحداً
حجاك ولم يثبت لبعــد تثبت ( )
وكذاك بحكم الاتحاد بحسنـها
كما لي بدت في غيرها وتزيت
بدوت لها في كل صـب متيم
بأي بديع حســنه وبأيـة ( )

هذه عقيدة القول بالحلول ، والاتحاد ، عند الصوفية ، اعتقدوها، وقالوا بها، شعراً ، ونثراً 0


المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الحلول ، والاتحاد ،عند الصوفية 0

فند علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، زعم بعض منحرفي الصوفية ، وقولهم الباطل ، بإمكانية الحلول بين الخالق - سبحانه - والمخلوق ؛ لأن ذلك يتنافى مع أسس وقواعد الدين الإسلامي ،الـذي ينطلق من مسلمة تتفق مع الفطرة والعقل ؛ وهي التنزيه المطلق للخالق سبحانه عن مماثلة أو مشابهة مخلوقاته ،أو الحلول بها ، وتستند مواقف السلف إلى نصوص القرآن الكريم ، والسنة الشريفة 0

فقد نقل ابن أبي العز قول طائفة من السلف في الرد على هذه البدعة فقال : « قالت طائفة من السلف : من انحرف من العلماء ففيه شبهة من اليهود ، ومن انحرف من العبّاد ففيه شبهه من النصارى ، 000وأكثر المنحرفين من العبّاد من المتصوفة ونحوهم ، فيهم شبهة من النصارى ؛ ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد»( )0

وقد أشار الشاطبي ، إلى أن العلماء ، يكفرون من يكون مذهبه مذهب الحلولية ، فقال : « وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم ، كالباطنية وسواهم ؛ لأن مذهبهم راجع إلى مذهب الحلولية ، القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت»( )

كما قال :« تكفير ما دل الدليل على كفره ، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر ،كالإباحية والقائلين بالحلول » ( )
وبيّن ابن رجب أن سبب هذه البدعة وغيرها ، هو الإحداث في الدين ، فقال :« وقد اتسع الخرق في هذا الباب - أي باب إحداث العلوم في الدين - ودخل فيه قوم إلى أنواع من الزندقة 000وإلى دعوى الحلول 000وغير ذلك من أصول الكفر »( )

وقد حظيت جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري،في بيان بطلان هذه البدعة ، والتصدي لها ، بالإشادة والثناء ، ممن كانوا منتسبين إلى التصوف ، فهداهم الله إلى العدول عنه ، فقد قال ابن شيخ الحزاميين ( ): « وأنتم - يقصد أصحاب شيخ الإسلام ابن تيميه - في مقابلة ما أحدثه الزنادقة من الفقراء والصوفية ، من قولهم بالحلول والاتحاد وتأله المخلوقات ، 000فكل هؤلاء بدلوا دين الله تعالى ، وأعرضوا عن شريعة رسول الله -  - »( )

وأما المحور الثاني الذي سلكه ، علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، فهو الرد على الأشخاص الذين انتحلوا هذا المذهب ، وارتضوا هذا المنهج ، وقد استأثر الحلاج بالنصيب الوافر ، من ردود علماء السلف في القرن الثامن الهجري 0
قال ابن كثير في ترجمة الحلاج مبيناً موقفه ومنهجه من أقواله : «ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله ، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله »( )

ثم قال : « ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره ، أشياء كثيرة ، منها شعره في ذلك ، فمن ذلك قوله :
جبلت روحك في روحي كما يجبل العنبر بالمسك الفتق( )
فإذا مسـك شــيء مسني وإذا أنت أنا لا نفتــرق ( )
وقولــه :
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسـك شــيء مسـني فإذا أنت أنا في كل حـال( )

ثم بيّن ابن كثير، أن الحلاج أخطأ ، حين لم يتبع التنزيل ، ولم يخاف من التحويل ، وقد زل وضل ، واتبع البدعة بسبب ذلك( )

وقد ذكر الذهبي في ترجمة الحلاج ، أن الصوفية قد تبرءوا منه ، فقال : « وتبرأ منه سائر الصوفية ( ) والمشايخ والعلماء لما سترى من سوء سيرته ومروقه ، ومنهم من نسبه إلى الحلول ، ومنهم من نسبة إلى الزندقة 000وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال ، وانتحلوه وروجوا به على الجهال ، نسأل الله العصمة في الدين »( )

وعلق على قول الحلاج: « وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون »
قال: « هذا عين الزندقة ، فإنه من تبرأ مما وحد الله به الموحدون ، الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة ، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص ، 000فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق ، وهو صوفي الزي الظاهر ، متستر بالنسب إلى العارفين ، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل »( )
وذكر الذهبي أبيات الحلاج :
سبحان من أظهر ناسوته سرَّ سـنا لا هوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهـراً في صورة الأكل الشـارب
حتى لقد عاينه خلقـه كلحظـة الحاجب بالحاجب
ثم نقل قول ابن خفيف( ) فيها ونصه : « على قائل ذا لعنة الله0 قال: هذا شعر الحسين الحلاج 0 قال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر »( )

ونقل قول الفقيه أبي علي بن البناء( ) في الحلاج : «كان الحلاج قد ادّعى أنه إله ، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الناسوت »( )

وقد دفع الذهبي الشبهة ، التي درج بعض أتباع الحلاج على ترويجها ،وهي أنه قد تاب عند قتله ، ورجع عن معتقده وعن ما كان يقوله ، فقال: « 000فإن الحلاج عند قتله مازال يوحد ويصيح : الله الله في دمي ، فأنا على الإسلام ، وتبرأ مما سوى الإسلام ، والزنديق فيوحد الله علانية ولكن الزندقة في سره ، والمنافقون فقد كانوا يوحدون ويصلون علانية ، والنفاق في قلـوبهم ، والحلاج فما كان حماراً حتى يظهر الزندقة ،بازاء ابن خفيف وأمثاله ، بل كان يبوح بذلك لمن استوثق من رباطـه، ويمكن أن يكون تزندق في وقت ، ومرق وادعى الإلهيـة، وعمل السحر والمخاريق الباطلة ، مدة ثم لما نزل به البلاء ورأى الموت الأحمـر أسلم ورجع إلى الحق ، والله أعلم بسره ، ولكن مقالته نبرأ إلى الله عنها ، فإنها محض كفر ، نسـأل الله العفو والعافية ، فإنه يعتقد حلول الباري -عز وجل - في بعض الأشراف ، تعالى الله عن ذلك »( ) 0

ولم يقتصر رد علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، على الحلاج ومزاعمه الباطلة ، بل ردوا على كل من يدعي مذهبه ، ويقول مقالته0
فقد بيّن ابن كثير حال ثلاثة ، من أصحاب الحلول من الصوفية ، فذكر في ترجمة العفيف التلمساني( ) ما يبين عقيدته بقوله : « وقد نسب هذا الرجل ، إلى عظائم في الأقوال والاعتقاد ، في الحلول والاتحاد والزندقة ، والكفر المحض »( )

وقال في ترجمة الحريري ( ): « كان أديباً فاضلاً في صناعة الشعر ، بارعاً في النظم ، ولكن في كلامه ونظمه مايشير إلى نوع الحلول والاتحاد ، على طريقة ابن عربي وابن الفارض »( )

وقال في ترجمة أبي العباس بن عطاء( ) أحد أئمة الصوفية : «كان مـوافقاً للحلاج ، في بعض اعتقاده على ضلال »0 ثم قال: «وهذا الرجل ممن كان اشتبه عليه أمر الحلاج وأظهر موافقته »( )
وقد كان أوسع علماء السلف في القرن الثامن الهجري رداً على الصوفية وبيان فساد عقيدتهم ومقالتهم في الحلول شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد رد عليهم وبين فساد نحلتهم 0
فقال : « الحلول المطلق وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء ، فهذا تحكيه أهل السنة والسلف ، عن قدماء الجهمية( ) ، وكانوا يكفرونهم بذلك 0
وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام ، فما علمت أحداً سبقهم إليه ؛ إلا من أنكر وجود الصانع »( )

وقسم شيخ الإسلام الحلول إلى قسمين فقال : « الأول : وهو الحلول الخاص ، وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ، ممن يقولون إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء 000وهذا قول من وافق النصارى من غالية هذه الأمة 000وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية ، أو في بعضهم : كالحلاج 000ونحو ذلك »
والثاني : «الحلول العام : وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث، عن طائفة الجهمية المتقدمين ، وهو قول غالب متعبدة الجهمية ؛ الذين يقولون : إن الله بذاته في كل مكان »( )
تعالى الله عما يقوله الظالمون الجاحدون علواً كبيراً0
ثم بيّن شيخ الإسلام أن : « هؤلاء موهوا على السالكين التوحيد ، الذي أنزل الله تعالى به الكتب ، وبعثت به الرسل»( )0

وقد قرن علماء السلف الرد على الاتحاد عند الصوفية ، بردهم على بدعة الحلول ووحدة الوجود ، فلا يكاد يخلو رد من ردود السلف على الحلول ووحدة الوجود ، عند الصوفية ، إلا وأضافوا إليهما الاتحاد؛ لأنه لا يقل عنهما ضلالاً وانحرافاً 0
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : « الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولاً ، وهم السودان والقبط ، يقولون : إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا ، كاختلاط اللبن والماء ،وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام 0
والاتحاد العام : وهو قول هؤلاء الملاحدة - ابن عربي ، والرومي ، والتلمساني - الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات ، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين :
من جهة أن أولئك قالوا إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه ، بعد أن لم يكونا متحدين ، وهؤلاء يقولون : ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره 0
والثاني : من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح ، وهؤلاء جعلوا ذلك سارياً في الكلاب ، والخنازير ، والأقذار ، والأوساخ - تعالى الله عما يقوله الضالون علواً كبيراً -0
كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال ، أكثرهم لا يعقلون قول رؤوسهم ولا يفقهونه ، وهم في ذلك كالنصارى ، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل ، كان بالله أعرف ، وعندهم أعظم »( ) 0
ووصف الإمام الذهبي ، ابن الفارض :أنه « شيخ الاتحادية » وقال : « وديوان شعره مشهور وهو في غاية الحسن واللطافة والبراعة والبلاغة ، لولا ما شابه بالتصريح بالاتحاد الملعون ، في ألذ عبارة ، وأرق استعارة ، كفالوذج سمنه سم الأفاعي »( )
وقال الذهبي معلقاً على قول ابن نقطة في ابن عربي : «وله كلام وشعر ، غير أنه لايعجبني ، قلت - القائل الذهبي - كأنه يشير إلى ما في شعره من الاتحاد ، وذكر الخمر والكنائس والمِلاح »( )
وقال ابن كثير عن ابن الفارض : « ابن الفارض : ناظم التائية في السلوك على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد 000وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها »( )
وقال أيضاً في البسطامي : « وقد حكي عنه شطحات ناقصات ، وقد تأولها كثير من الفقهاء والصوفية ، وحملوها على محامل بعيدة ، وقد قال بعضهم : إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة 0

ومن العلماء من بدَّعة وخطّاه ، وجعل ذلك من أكبر البدع، وأنها تدل على اعتقاد فاسد ، كامن في القلب ظهر في أوقاته »( ) 0

وقال ابن رجب عن أشعار بعض الصوفية : « وإن ذكر في شيء من الأغاني التوحيد ، فغالبه من يسوق ظاهره إلى الإلحاد : من الحلول والاتحاد »( ) 0
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية واصفاً مذهب الاتحادية، ومبيناً ما فيه من الفساد : « مذهب هؤلاء الاتحادية ؛ كابن عربي ، وابن سبعين( ) ، والقونوي( ) ، والتلمساني ، مركب من ثلاث مواد : سلب الجهمية وتعطيلهم( )، ومجملات الصوفية: وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة ، كما ضلت النصارى بمثل ذلك فيما يروونه عن المسيح ، فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وأيضاً كلمات المغلوبين على عقلهم ، الذين تكلموا في حال سكر، ومن الزندقة و( ) الفلسـفة( ) التي هي أصل التجهم ، وكلامهم في الوجود المطلق والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب والإمكان ، وما في ذلك من حق وباطل ، فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي ، والثانية - مجملات الصوفية - أغلب على ابن عربي ، ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام ، والكل مشتركون في التجهم ، والتلمساني أعظمهم تحقيقاً لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها ، وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخـر»( )0

وقال ابن الشيخ الحزاميين ، في رسالته التي وجهها إلى تلاميذ وأتباع شيخ الإسلام ابن تيمية ، مثنياً على جهود الشيخ وجهودهم في التصدي لأهل البدع والضلال ، ومنهم الاتحادية: « وكذلك الاتحادية يجعلون الوجود مَظْهَراً للحق ، باعتبار أن لا متحرك في الكون سواه ، ولا ناطق في الأشخاص غيره ، وفيهم من لا يفرق بين الظاهر والمظهر ، فيجعل الأمر كموج البحر ، فلا يفرق بين عين الموجة ، وبين عين البحر ، حتى أن أحده يتوهم أنه الله - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - فينطق على لسانه ، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي ؛ لأنه يعتقد ارتفاع الثنوية( ) ، فمن العابد ومن المعبود ؟ صار الكل واحداً ؟ اجتمعنا بهذا الصنف في الربط والزوايا »( ) ، مما يبين أن الأمر منتشر بين الصوفية ، وليس مقتصراً على أشخاص معدودين0

وقال الذهبي في ترجمة ابن الفارض : « عمر بن علي المعروف بابن الفارض 000 ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة فتدبر نظمه ولا تستعجل ، ولكنك حسن الظن بالصوفية 0 وما ثم إلا زي الصوفية وإشارات مجملة ، وتحت الزي والعبارات فلسفة وأفاعي ، فقد نصحتك 0 والله الموعد»( )

وأضاف ابن كثير القول : « ابن الفارض : ناظم التائية في السلوك، على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد 000وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا، بسبب قصيدته المشار إليها ، وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي ، في ميزانه وحط عليه »( ) ، كما جاء في قول الإمام الذهبي أعلاه 0

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه وحدة الوجود عند الصوفية 0

المطلب الأول : وحدة الوجود عند الصوفية 0
وحدة الوجود هي الصورة الكاملة ، لطريق الإلحاد الذي بدأه - بعض - الصوفية بالفناء ، والحلول ، مروراً بالاتحاد، فوحدة الوجود ، التي لم تنضج وتظهر بشكلها الكامل ، إلا على يد ابن عربي الذي يعد المؤسس الحقيقي لهذا المذهب( ) 0

وتعد وحدة الوجود ، تولد طبيعي للفناء ، والحلول والاتحاد ، التي قال بها بعض الصوفية ، وذلك ؛ لأن الذات الإلهية إذا كانت تقبل - بزعمهم - الحلول في أجساد طائفة من الخلق، أو الاتحاد معها ، أو الفناء بها ، فلا يوجد - بزعمهم - ما يمنع أن يصبح هذا الحلول والاتحاد عاماً ، يشمل جميع المخلوقات ، بحيث لا يكون في الكون شيء إلا الله ( ) ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً 0

ووحدة الوجود قامت على أساس فكرتين ، خارجتين على العقيدة الإسلامية ، وهما الحلول والاتحاد، أي اتحاد الإنسان بالله ، والحلول الذي يعبر عن تأليه الإنسان ، وحلول اللاهوت في الناسوت ، فالاتحاد هو تشبيه الخالق بالمخلوق ، والحلول هو تشبيه المخلوق بالخالق ( ) 0
وللتعرف على حقيقة القول بوحدة الوجود ، ومعرفة أبعادها عند الصوفية ، لابد من استعراض أقوالهم ، ومن أشهرهم ابن عربي ( )

قال ابن عربي ، في فص حكمة إلهية في كلمة آدمية : «لما شاء الحق سبحانه ، من حيث أسماؤه الحسنى ، التي لا يبلغها الإحصاء ، أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت : أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله ، لكونه متصفاً بالوجود ، ويظهر به سره إليه ، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ، ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة »( ) 0
وقال كذلك : « لولا سريان الحق ، في الموجودات بالصورة ، ما كان للعالم وجود »( )

ثم قال : « فكان آدم عين جلاء تلك المرآة ، وروح تلك الصورة ، وكانت الملائكة من قوى تلك الصورة ، التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم - الصوفية - بالإنسان الكبير » ( ) 0
ثم أضاف القول : « فسمي هذا المذكور : إنساناً وخليفة ، فأما إنسانيته فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها ، وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين - تعالى الله عما يقوله علواً كبيراً- الذي يكون به النظر، وهو المعبر عنه بالبصر ، فلهذا سمي إنساناً ، فإنه به ينظر الحق ، إلى خلقه فيرحمهم ، فهو الإنسان الحادث الأزلي ، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة قيام العالم بوجوده »( )0

وأضاف القول : « 000فوصف نفسه لنا بنا ، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا ، وإذا شهدنا شهد نفسه ، ولا شك أنّا كثيرون بالشخص والنوع، وأنّا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا ، فنعلم قطعاً أن ثم فارقاً به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد »( )

وقال النبهاني( ) : « العفيف - التلمساني - هذا من عظماء الطائفة القائلين بالوحدة المطلقة ، ومن كفر ابن عربي ، فهو إلى تكفير هذا أسرع ، لاعترافهم بأنه أحذق منه ( )، ومن غيره من القائلين بذلك »( )0

ويرى ابن عربي ، أن العبد هو عين الرب ، والرب هو العبد ، لا فرق بينهما ، فقال مؤكداً هذا الاعتقاد :

فأنت عبــد وأنت رب لمن لـه فيه أنت عبــد
وأنت رب وأنــت عبد لمن له في الخطاب عهد( )

وقـال أيضاً:

يا خالق الأشياء في نفسه أنت لما تخلقه جامــع
تخلق ما لا ينتهي كونه فيــك فأنت الضيق الواسع( )
وقال كذلك :
فيحمدني وأحمــــده ويعبـدني وأعبــده
ففي حـال أقـــر به وفي الأعيان أجحده( )

ومن القائلين بوحدة الوجود من الصوفية ، ابن سبعين ، فقد اعتمد على الفلسفة في استنتاج مذهبه في وحدة الوجود ، «الذي قارن بين ارتباط الكل بالجزء في قضايا الفلسفة ، وبين ارتباط الخالق بالمخلوق في العقيدة ، فشبه الخالق بالكل ، والمخلوق بالجزء ، واستنتج من هذا ارتباط الخالق بالمخلوق في وحدة تامة ، سماها وحدة الوجود»( )

فقال : « الوجود إما واجب الوجود ، وهو الكل والهوية ، وإما ممكن الوجود وهو الجزء والماهية ، فالربوبية هي الهوية التي هي الكل، والعبودية هي الماهية التي هي الجزء »( )

وقال كذلك : « ولا وجود لكل إلا في جزء ، ولا لجزء إلا في كل ، فاتحد الكل بالجزء ، فارتبط الأصل وهو الوجود وافترقا وانفصلا بالفرع ، فالعامة و الجهال غلب عليهم العارض ، وهو الكثرة والتعدد ، والخاصة العلماء غلب عليهم الأصل، وهو وحدة الوجود »( ) 0
المطلب الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه وحدة الوجود عند الصوفية 0

لم أعثر على رد لعلماء السلف في القرن الثامن الهجري ، على منتحلي وحدة الوجود ، بشكل مفصل ، عدا ردود شيخ الإسلام ابن تيمية، وكانت ردود باقي علماء السلف في هذا القرن ، ردوداً على الأشخاص الذين يدينون بهذا المعتقد الفاسد0

وأبرز من حظي بالردود( ) زعيم وحدة الوجود ابن عربي( )، الذي وصفــه الإمام الذهبي بأنه : « قدوة أهل الوحدة»( ) ، وذكر له أشعاراً تبين فساد عقيدته وتلبسه بوحدة الوجود ، منها:
فما ثم إلا الله ليس ســواه فكل بصير بالوجود يـراه( )

وذكر لـــه :
لقد صارقلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبـان
وبيت لأوثان وكعبة طائـف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيمانـي
لنا أسوة في بشر هند وأختها وقيس وليلى ثم مـي وغين ( )

وذكر له كذلك :
عقد الخلائق في الإله عقائداً وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه( )( )

قال شيخ الإسلام ابن تيميه عن هذه الأبيات : « فهذا البيت يعرف لابن عربي ، 000وهو كلام متناقض باطل ، فإن الجمع بين النقيضين في الاعتقاد في غاية الفساد ، والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى ، لا يمكن الجمع بينهما، وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل ، وأنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين ، وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول ، ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة ( )»( )

وأورد الذهبي قول ابن عربي ، في الحق تبارك اسمه : « فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات ، ولو لم يكن كذلك ما صح الوجود ؛ فهو عين الوجود »( )

وقال : « ثم تممها محمد -- بما أخبر به عن الحق تعالى ؛ بأنه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان »

ثم ذكر قول ابن عربي في قول الحق تبارك وتعالى : 000خلق منها زوجها000  ، [النساء : 1 الآية ] 0
قال : « فما نكح سوى نفسه ، فمنه الصاحبة والولد ، والأمر واحد في العدد »( ) وفيه :
فيحمدني وأحمـــده ويعبدني و أعبـده
ففي حال أقر بـــه وفي الأعيان أجحده
فيعرفني وأنكـــره وأعرفه وأشهـده ( )

فقال الذهبي ، معلقاً على ما سبق : « تعالى الله عما يقول - يعني ابن عربي - علواً كبيراً ، واستغفر الله ، وحاكي الكفر ليس بكافر »( )

وقال الذهبي واصفاً حال ابن عربي :« ثم تزهد وتفرد وتعبد وتوحد ، وسافر وتجرد ، وأتهم وأنجد ، وعمل الخلوات ، وعلق شيئاً كثيراً في تصوف أهل الوحدة ، ومن أرداء تواليفه كتاب «الفصوص »، فإن كان لا كفر فيه ، فما في الدنيا كفر ، نسأل الله العفو والنجاة ، فواغوثاه بالله »( )

وقال ابن أبي العز : « ومنهم - الصوفية - من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء !! ومنهم من يقول : إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء !! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء !! ويكون ذلك العلم و هو حقيقة قول فرعون ، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب الوجود بنفسه ، ليس له صانع مباين له ، ولكن هذا يقول : هو الله !! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية ، لكن كان فرعون في الباطن أعرف منهم بالله ، فإنه كان مثبتاً للصانع ، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق ، هو عين الخالق ، كابن عربي وأمثاله »( )

وقال الذهبي في ابن عربي : « وصنف في تصوف الفلاسفة ، أهل الوحدة ، فقال أشياء منكرة »( )
ولم تقتصر ردود علماء السلف ، على بيان ضلال ابن عربي ، وانتحاله لوحدة الوجود ؛ بل ردوا على كل من شاكله وشايعه وانتحل نحلته 0

قال الذهبي في ترجمة ابن سبعين : « كان من زهاد الفلاسفة ، من القائلين بوحدة الوجود ، له تصانيف وأتباع ، يقدمهم يوم القيامة»( )

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على أصحاب وحدة الوجود وخصوصاً ابن عربي : « فإن قول القائل إن آدم للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين ، الذي يكون به النظر يقتضي أن آدم جزء من الحق تعالى وتقدس ، وبعض منه ، وأنه أفضل أجزائه وأبعاضه ، وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم 000 فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو "فصوص الحكم" وأمثاله 000وأتباعهم مذهبهم الذي هم عليه :
أن الوجود واحد ويسمون أهل وحدة الوجود ، ويدعون التحقيق والعرفان ، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات فكلما يتصف به المخلوق من حسن ، وقبيح ، ومدح ، وذم ، إنما المتصف به عندهم عين الخالق ، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات ، منفصل عنها أصلاً ، بل عندهم ما ثم غير أصلاً للخالق ولا سواه 000فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم ، لأنه ما عندهم له غير »( )

وأردف قائلاً : « وقد ضل في هذا جماعة ولهم معرفة بالكلام والفلسفة ، والتصوف المناسب لذلك ، كابن سبعين والصدر القونوي تلميذ ابن عربي 000والتلمساني وهو من حذاقهم علماً ومعرفة ، فكان يظهر المذهب بالفعل فيشرب الخمر ويأتي المحرمات 000 وحدثني من كان معه ومع آخر نظير له ، فمرا على كلب أجرب ميت بالطريق عند دار الطعم ، فقال له رفيقه : هذا أيضاً ذات الله 0 فقال : وهل ثم شيء خارج عنها ، نعم الجميع في ذاته ، وهؤلاء حقيقة قولهم قول فرعون»( )، الذي استحق به الخلود في النار ؛ لأنه أقبح الأقوال ، بحق الله سبحانه ، المنزه عن النواقص ، والعيوب ، والأشباه ، والمماثلة، فتعالى الله عما يقول المبطلون الضالون الجاحدون 0
وهناك عديد من إشارات الذم ، من علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، لهذه النحلة الفاسدة ،التي انتحلها بعض الصوفية ، متناثرة في كتبهم ( )0

 

 

 

 

 

 

 

 

ويتكون من : تمهيد ، ومبحثين :

التمهيد :تعريف الفناء ، لغة واصطلاحاً 0

المبحث الأول : الفناء عند الصوفية 0

المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الفناء عند الصوفية 0

 

 

 

 

 

 

 

التمهيد : تعريف الفناء لغة واصطلاحاً 0

أولاً - تعريف الفناء لغة :
« فَنِيَ كرضِيَ وسعى ، فَنَاءً : عُدِمَ ، وأفناه غيره ، وفني فلان : هَرِم0
والفاني الشيخ الكبير 0 وتفانوا : أفنى بعضهم بعضاً »( ) 0


وبهذا يكون معنى الفناء في اللغة ؛ العدم والزوال بعد الوجود ، أو التحول من حال إلى حال ، وهو نقيض البقاء 0


ثانياً : تعريف الفناء اصطلاحاً :

« سقوط الأوصاف المذمومة »( ) 0
وعرفه الكلاباذي : «أن يفنى عنه الحظوظ ، فلا يكون له في شيء من ذلك حظ ، ويسقط عنه التمييز ؟! ، فناء عن الأشياء كلها شغلاً بما فني فيه »( ) 0

وعرفه ابن عربي أنه : « فناء رؤية العبد لفعله ، بقيام الله عز وجل على ذلك »( ) 0
وجاء ذكر الفناء في القرآن الكريم ، في قوله تعالى : كل من عليها فان  ، [الرحمن : 26] 0

وأشار الراغب الأصفهاني إلى أن الفناء من معاني الهلاك ، فقال: «بطلان الشيء من العالم ، وعدمه رأساً ، وذلك المسمى فناءً »( )

وقال ابن كثير في معنى الفناء في الآية السابقة : « يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض ، سيذهبون ويموتون ، وكذلك أهل السماوات ؛ إلا من شاء ، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم »( )

وقال ابن القيم : « الفناء المذكور في الآية : ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة - الصوفية - ، فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم»( )

وقد ورد لفظ الفناء ، في الحديث الشريف ، قال رسول الله -- : «لا تزول قدمـا عبد يوم القيامة ، حتى يُسئل عن عمره فيما أفناه000»( ) 0
وبهذا يكون معنى الفناء في القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة ، متطابقاً ؛ وهو الهلاك والذهاب بعد الوجود ، فهو مغاير للفناء عند الصوفية ، وليس من معانية ما يرمي إليه بعضهم ، ولا من مقاصده ما يصلون إليه من حلول واتحاد فوحدة وجود 0
المبحث الأول:الفناء عند الصوفية 0

كثيراً ما يتردد ذكر الفناء في مؤلفات الصوفية ، منسوباً إلى كبار مشايخهم ؛ ولهذا قال السهروردي : « واعلم أن أقاويل الشيوخ في الفناء ،والبقاء كثيرة »( ) 0
وفرق بعض الصوفية ، بين الفناء والبقاء ، فقال : «الفناء هو : التلاشي بالحق ؟! ، والبقاء هو الحضور مع الحق 0 وقال بعضهم : علم الفناء والبقاء يـدور على إخلاص الوحدانية ، وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة»( )0

 

وقد نبه بعض الصوفية ، لخطورة الزلل في الفناء ، وعدم التفريق بين فناء الأخلاق البشرية ، وبين فناء البشرية ذاتها 0
فقال الطوسي ،مبيناً ذلك : « أما القوم الذين غلطوا في فناء البشرية ، سمعوا كلام المتحققين في الفناء ، فظنوا أنه فناء البشرية ، فوقعوا في الوسوسة » إلى أن قال : « ولم تحسن هذه الفرقة الجاهلة الضالة أن تفرق بين البشرية ، وبين أخلاق البشرية ؛ لأن البشرية لا تزول عن البشر»( ) 0
وبين أن مراد من أشار إلى الفناء : « أراد به فناء رؤيا الأعمال والطاعات »( ) 0

وذكر الكلاباذي : أن من « الفناء فناء عن شهود المخالفات والحركات، قصداً وعزماً ، وبقاء شهود الموافقات والحركات قصداً وفعلاً ، وفناء عن تعظيم ما سوى الله ، وبقاء في تعظيم الله تعالى »( ) 0

وذكر القشيري ، أن الفناء عند بعض القوم ، هو:«سقوط الأوصاف المذمومة »( )
وبيّن أنه إذا قيل : « فني الإنسان عن نفسه وعن الخلق ؛ فنفسه موجودة والخلق موجودون ، ولكن لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودون ، ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير حاس بنفسه وبالخلق ، لكمال اشتغاله بما هو أرفع من ذلك »( ) 0

وقد بيّن الهجويري : « أن كل الأقاويل - في الفناء - من جهة المعنى قريبة من بعضها البعض ، ولو أنها مختلفة العبارة ، وحقيقة هذا كله هو أن فناء العبد عن وجوده ، يكون برؤية جلال الحق وكشف عظمته ، حتى ينسى الدنيا ، والعقبى في غلبة جلاله ، وتبدو الأحوال والمقامات حقيرة في نظر همته»( )0

 

 

فهذا هو الفناء عند الصوفية ، وما فيه من المحاذير ، وما قد يجر إليه من حلول ووحدة وجود ، وتعطيل للتكاليف الشرعية0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الفناء عند الصوفية 0

أدرك علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، ما قد يؤل إليه أمر الفناء ، ولهذا بينوا مخاطره ،وحذروا من المزالق الخطيرة ،التي قد يجر إليها الفناء ،بصورته التي يروج لها بعض الصوفية ، وما قد يفضي إليه من حلول واتحاد ووحدة وجود ، وهو مايشيرون إليه بفناء السوى ، وهو مزلق خطير يؤدي إلى اعتقاد فاسد 0

وذكر الذهبي أن أبا سعيد الخراز: أول من تكلم في علم الفناء والبقاء ، وبيّن أن أقواله أضحت مستنداً تشبث به كل ضال من الاتحادية0
فقال عن أبي سعيد الخراز : « يقال إنه أول من تكلم ، في علم الفناء والبقاء ، 000فولد أمراً كبيراً ، تشبث به كل اتحادي ضال به»( )0

وقال في ترجمة الهروي( ) : « قد انتفع به خلق ، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفية الفلاسفة والاتحاد ، يخضعون لكلامه في « منازل السائرين » وينتحلونه ، ويزعمون أنه موافقهم 0

 

كلا ؛ بل هو رجل أثري ، لهج بإثبات نصوص الصفات ، منافر للكلام وأهله جداً ، وفي «منازلة» إشارات إلى المحو والفناء ، وإنما مراده بذلك الفناء هو الغيبة عن شهود السوى ، ولم يُرد محو السوى في الخارج ، وياليته لا صنف ذلك ، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين( )، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس »( ) 0

ونهج ابن رجب نهج الذهبي في ترجمة الهروي فقال : «وله كلام في التصوف والسلوك دقيق 0
وقد اعتنى بشرح كتابه « منازل السائرين » جماعة ، وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبية ، واضمحلال ما سوى الله تعالى في الشهود لا في الوجود ، فيتوهم منه أنه يشير إلى الاتحاد ، حتى انتحله قوم من الاتحادية وعظموه لذلك ، وذمه قوم من أهل السنة وقدحوا فيه بذلك ، وقد برأه من الاتحاد شيخنا أبو عبد الله ابن القيم في كتابه الذي شرح فيه « المنازل » وبيّن أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زور وباطل»( ) 0
وعلق الذهبي على قول القرميسيني( ) : « علم الفناء والبقاء ؛ يدور على إخلاص الوحدانية ، وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة »( )
فقال الذهبي : « صدقت والله ، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية ، أطلقه بعضهم ، فدخل من بابه كل إلحادي ، وكل زنديق 0
وقالوا : ماسوى الله ؛ باطل فـانٍ ، والله تعالى هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثم شيء غيره »( ) 0
واستشهد الذهبي على ضلالهم ، بقول أحد شعرائهم :
وما أنت غير الكون بل أنت عينــــه
وقول الآخر :
وما ثَمَّ إلا الله ليس ســـــواه( ) 0
فانتقد هذا القول ، وبيّن ضلاله وانحرافه عن الهدى والاستقامة ، بقوله : « فانظر إلى هذا المروق والضلال ، بل كل ماسوى الله محدث موجود ، قال تعالى :  000خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام000  ، [السجدة : 4] 0
ثم بيّن مراد قدماء الصوفية بالفناء بقوله : « إنما أراد قدماء الصوفية بالفناء ، نسيان المخلوقات وتركها ، وفناء النفس عن التشاغل بالمخلوقات ورؤيتها ، والإقبال عليها ، وتعظيم خالقها »( ) 0

وأكد ابن أبي العز أن : « الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية،000هو درب خطر ، يفضي إلى الاتحاد »( )

وقال : « هذه النقول والعقول حاضرة ، فهذا كلام الله المنزل على رسوله -- ، وهذه سنة الرسول -- ، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول -- ، وسادات العارفين من الأئمة ، هل جاء ذكر الفناء فيها؟!000 وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين »( )

وأورد الذهبي كلام ابن الأعرابي( ) : « وكذلك علم المعرفة غير محصور ، لانهاية له ولا لوجوده ، ولا لذوقه»0

إلى أن قال : - وقد أحسن في المقال - : « فإذا سمعت الرجل يسأل عن الجمع ، أو الفناء ، أو يجيب فيهما ، فاعلم أنه فارغ»( ) 0

فقال الذهبي معلقاً عليه : « إي والله ، دققوا وعمقوا وخاضوا ، في أسرار عظيمة ، ما معهم على دعواهم فيها سوى الظن وخيال ، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر ، إلا مجرد خطرات ووساوس ، ما تفوه بعباراتهم صدِّيق ، ولا صاحب ، ولا إمام من التابعين ، فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك ، وقالوا: محجوب »( )

 

 

وذكر كذلك قول النوري : « سبيل الفانين الفناء في محبوبهم ، وسبيل الباقين البقاء ببقائه ، ومن ارتفع عن الفناء والبقاء فحينئذٍ لا فناء ولا بقاء » 0
وأورد ما دار بينه وبين القناد( ) من الأشعار0
فقال : « عن القناد، قال: كتبت إلى النوري وأنا حدث :

إذا كان كل المرء في الكل فانياً أبِنْ لي عن أي الوجودين يُخبر

فأجابه النوري لوقته:
إذا كنت فيما ليس بالوصف فانياً فوقتك في الأوصاف عندي تحير»( )

فقال الذهبي تعليقاً على ما سبق من القول والشعر: «هذا يحتاج إلى شرح طويل ، وتحرز من الفناء الكلي ، ومرادهم بالفناء ، فناء الأوصاف النفسانية ونحوها ، ونسيانها لاشتغالهم بالله تعالى وبعبادته ، فإن ذات العارف وجسده لا ينعدم ما عاش ، والكون وما حوى فمخلوق، والله خالق كل شيء ومبدعه ، أعاذنا الله وإيّاكم من قول الاتحاد فإنه زندقة»( ) 0

 

 

وقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية ، الفناء إلى ثلاثة أقسام :
«فناء عن وجود السوى ، وفناء عن شهود السوى ،وفناء عن عبادة السوى0
فالأول : هو فناء أهل الوحدة الملاحدة ، كما فسروا به كلام الحلاج - وهو أن يجعل الوجود ، وجوداً واحداً -0

وأما الفناء الثاني: وهو الفناء عن شهود السوى : فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين ، كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله ، وهو مقام الاصطلام ، وهو أن يغيب بموجده عن وجوده ، وبمعبوده عن عبادته ، وبمشهوده عن شهادته 000فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات ، إذا شهد قلبه وجود الخالق ، وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين0
ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ، ومنهم من يجعله غاية السلوك ، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية ، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور ، والمحبوب والمكروه ، وهذا غلط عظيم 000

وأما النوع الثالث : وهو الفناء عن عبادة السوى ، فهذا حال النبيين وأتباعهم ، وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه ، وبحبه عن حب ما سواه 000ويدخل في هذا ، أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله »( ) 0

وقال ابن القيم : « لم يرد في الكتاب ولا في السنة ، ولا في كلام الصحابة والتابعين ، مدح لفظ "الفنـــاء" ، ولا ذمه ، ولا استعملوا لفظة في هذا المعني المشار إليه ألبته »( )
هذه جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، تجاه الفناء عند الصوفية ، أوضحوا ما فيه من جوانب الصواب ، وما فيه من الخطأ والضلال ، وانتقدوا أخطاء القوم برؤية الناقد البصير ، مستمدين ردودهم من نصوص الشرع الحكيم ، ومقاصد الشريعة ، والدين القويم0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويتكون من : تمهيد ومبحثين :

التمهيد :تعريف العبادة ، لغة واصطلاحاً 0

المبحث الأول :جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه ، سقوط التكاليف الشرعية ، عند الصوفية 0
المبحث الثانـي : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجـاه البدع في الصلاة ، عند الصوفية 0
المبحث الثالث : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه البدع في الصوم ، عند الصوفية 0
المبحث الرابع : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه البدع في الحج ، عند الصوفية 0
المبحث الخامس : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه البدع في الدعاء ، عند الصوفية 0

 

 

 

 

 


التمهيد : تعريف العبادة ، لغة واصطلاحاً0

أولاً : تعريف العبادة لغــة :
هي « الطاعة مع الخضــــوع»( )

ثانياً : تعريف العبادة اصطلاحاً :
هي « اسم جامع ، لكل ما يحبه الله و يرضاه ؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة »( ) 0

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه سقوط التكاليف الشرعية ، عند الصوفية 0


المطلب الأول: سقوط التكاليف الشرعية ، عند الصوفية 0

سلك بعض الصوفية ، طرائق تؤدي بهم إلى القول بسقوط التكاليف الشرعية ، وتتمثل هذه الطرائق ، - بزعم - أهل الإباحية من الصوفية ، أن التكاليف الشرعية ، يمكن أن تسقط عن المكلف ، إذا وصل إلى مرحلة معينة ، متأولين قول الحق تبارك اسمه : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين[الحجر : 99]
قائلين: « إذا وصلت إلى مقام اليقين ، سقطت عنك العبادات»( ) «وأن العبد إذا بلغ غاية المحبة صفا قلبه من الفضلة ، واختار الإيمان على الكفر والكفران ، سقط عنه الأمر والنهي ، و لا يدخله الله بالنار بارتكاب الكبائر ، وبعضهم إلى أنه تسقط عنه العبادات الظاهرة ، ويكون عبادته التفكر ، وتحسين الأخلاق الباطنية »( )
وقال ابن عربي مبيناً طريقة الصوفية : « طريقتنا : محبة لا عمل»( )0
بل وزعموا أن : « العارف لا تكليف عليه »( )
ونقل السهروردي قول بعض الصوفية : « أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات ، من باب البر والتقوى إلى الله تعالى» 0
فقال الجنيد : «إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهذا عندي عظيمة ، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا»( )

وقال محمد أبو المواهب الشاذلي( ) ، في معنى قول بعض الصوفية :« يصل الولي إلى حد يسقط عنه التكليف ؛ المراد سقوط كلفة الأعمال ومشقتها »( )

وقد بيّن حال أولئك الطائفة من الصوفية ، القشيري فقال: « ثم اعلموا رحمكم الله ، أن أكثر المحققين من هذه الطائفة ، انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا ، من هذه الطائفة إلا أثرهم »0
ثم قال : « 000وقد حصل الضعف في هذه الطريقة ، لا بل اندرست ، وقد مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرهم وسنتهم اقتداء ، وزال الورع وطوى بساطة ، واشتد الطمع وقوي رباطة ، وابتعدت عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ، كما استخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة 000وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال 000وليس لله عليهم فما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم »( ) 0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، تجاه سقوط التكاليف الشرعية عند الصوفية 0

تعد دعوى سقوط التكاليف الشرعية ، عند بلوغ العبد المكلف درجة معينة من المعرفة والعبادة ، من أشد الدعاوى تطرفاً ، وأكثرها خطورة ، ومع ذلك فقد تبنى بعض الصوفية هذه الدعوى ، ولهذا تصدى لهم علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، بقوة وبينوا أن هذا القول ، يترتب عليه أمور عظيمة ، منها الخروج من الملة ، وخلع ربقة الإسلام 0
وبيّن شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ ، أن سبب غلط الغالطون في ذلك ، راجع إلى عدم تفريقهم بين الحقائق الدينية والحقائق الكونية 0
فقال : « وكثير ممن تكلم في الحقيقة ويشهدها ، يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية ، التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، وإبليس معترف بهذه الحقيقة 000
فمن وقف عند هذه الحقيقة ، وعند شهودها ولم يقم بما أُمر به من الحقيقة الدينية ، التي هي عبادته المتعلقة بإلهيته وطاعة أمره وأمر رسوله ، كان من جنس إبليس وأهل النار ، وإن ظن مع ذلك إنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق ، الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان ، كان من أشد أهل الكفر والإلحاد»( )
وقال : « وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون ، وكثر فيه الاشتباه على السالكين ، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ ، المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان ، ما لا يحصيهم إلا الله »( )

وقال ابن القيم عن الذين يزعمون سقوط التكاليف : «من هؤلاء من يسقط الأوامر والنواهي جملة ، ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ، ومصلحة العموم ، ومبادئ السير0 فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير ، فإذا جدَّ في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها ، ومنهم من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ، ووصل إلى مقام الفناء فيها ، فمن كان هذا مشهده : سقط عنه الأمر والنهي عندهم 0
وقد يقولون : شهود الإرادة يسقط الأمر، وفي هذا المشهد يقولون : العارف لا يستقبح قبيحة ، ولا يستحسن حسنة 000وهذا من أقبح الجهل»( ) ، وأشنع القول وأضله 0

وقال شيخ الإسلام عن القائلين بسقوط التكاليف : « وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين[الحجر : 99]0
وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة ، وقول هؤلاء كفــر صريح»( )؛ لأنه ينافي حقيقة الشرع ، والحكمـة من الخلق ، فتعالى الله عما يقولون( ) 0
مبيناً أن هـؤلاء : « يجعلون الأمـر والنهي للمحجوبين ، الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية ؛ ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي ، وصار من الخاصة»( )

وشارك الشاطبي بالرد على هذه البدعة وأصحابها ، فقال : « إن الشـريعة قد ورد طلبها على المكلفين على الإطلاق والعموم ، ولا يرفعها عذر ؛ إلا العذر الرافع للخطاب رأساً ، وهو زوال العقل ، فلو بلغ المكلف في مراتب الفضائل الدينية إلى أي مرتبة بلغ ، بقي التكليف عليه كذلك إلى الموت ، و لا رتبة لأحد يبلغها في الدين كرتبة رسول الله --، ثم رتبة أصحابه البررة ، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة إلا ما كان من تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى الآحاد ؛ كالزّمن لا يطالب بالجهاد ، والمُقعد لا يطالب بالصلاة قائماً ، والحائض لا تطالب بالصلاة المخاطب بها في حال حيضها ، ولا ما أشبه ذلك0
فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الدين - كما يقوله أهل الإباحية - كان قوله بدعة مخرجة عن الدين »( )

وقد بيّن ابن أبي العز ، أنه لا : « خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة ، ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً »( ) ، ولا بدعة وفجور أشد من زعم هؤلاء وأمثالهم سقوط التكاليف الشرعية عنهم ، إذا بلغوا حداً معيناً من المعرفة 0
وقد ذكر الشاطبي ، أن التارك للمطلوبات الشرعية ندباً أو وجوباً، يسمى مبتدعاً ، إن تركها : « تديناً فهذا الضرب من قبيل البدع ، حيث تدين بضد ما شرع الله ، ومثاله أهل الإباحية القائلين بإسقاط التكاليف ، إذا بلغ عندهم المبلغ الذي حدوه »( )
وقد نهج ابن كثير النهج نفسه ، في الرد على القائلين بسقوط التكاليف الشرعية ، وبيّن أن القدوة في عدم سقوط التكاليف الشرعية ، رسول الله -- وصحابته الكرام -- فقال : « ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  [الحجر : 99] ، على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتاً 000ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم ، وهذا كفر وضلال وجهل ، فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم ، كانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس مواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة ، وإنما المراد باليقين ههنا الموت»( ) ، لا ما يزعمه المبطلون الجاحدون 0

 

 

 

 


المبحث الثانـي : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه،البدع في الصلاة ، عند الصوفية 0

المطلب الأول : البدع في الصلاة عند الصوفية :
تتمثل بدع الصوفية في الصلاة ، في عدة أمور ، فإما يتركون الصلاة كلياً ، ولا يصلون الصلاة المفروضة ، أو يتهاونون في أدائها ، في أوقاتها ، أو لا يؤدونها مع جماعة المسلمين ، أو ابتداع صلوات غير مشروعة 0
فقد ذكر النبهاني ، عن أحد الصوفية ، أنه كان لايصلي ، وكان أمره مشهوراً بين الناس 0
فقال: « ولما جـاء العارف الكبير الإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهر وردي ، صاحب كتاب « عوارف المعارف» إلى دمشق ، 000فقال لأصحابه : أريد أزور علياً الكردي ( )، فقال له الناس : يا مولانا لا تفعل ، أنت إمام الوجود ، وهذا رجل لا يصلي ، ويمشي مكشوف العورة أكثر أوقاته ، فقال : لا بد من ذلك »( ) 0
وقال عن صوفي آخر : « فانعزل في بيته ، لا يخرج إلا للجمعة، عشر سنين »( )0


ونُقل عن إبراهيم بن أدهم أنه : « كان يقول : إني لأتمنى المرض ، حتى لا تجب علىّ الصلاة في جماعة »( ) 0

وقال الطوسي : « بلغني عن أبي عبد الله الصبيحي ( ): أنه لم يخرج ثلاثين سنة ، من بيت تحت الأرض »( )

وذكر النبهاني أن ابن دقيق العيد( ) ، اجتمع بالبدوي ، وقال له : «إنك لا تصلي ، وما هذا من سنن الصالحين ، فقال : اسكت وإلا أغبر دقيقك!
ودفعه فإذا هو بجزيرة متسعة جداً ، فضاق ذرعه ، حتى كاد يهلك ، فرأى الخضر ، فقال : لا بأس عليك ، إن مثل البدوي لا يعترض عليه!!»( )

 

 

وقال الطوسي عن طائفة من الصوفية : « وطائفة اعتزلت ودخلت كهوف الجبال ، وظنوا أنهم يهربون من الخلق أو يأمنون في الجبال والفلـوات من شر نفوسهم ، أو يوصلهم الله تعالى بالانفراد والخلوة ، إلى مـا أوصل إليه أولياءه من الأحوال الشريفة ، ولا يوصلهم إلى ذلك بين الناس » ( ) 0

وقد أحدثت الصوفية صلوات ، لم تكن مشروعة ، ولم يرد الخبر الصحيح بمشروعيتها ، وفي طليعة تلك الصلوات ؛ صلاة الرغائب ، فقد ذكر الغزالي صفتها ، والفوائد التي تعود على من يصليها ، فقال : « أما صلاة رجب : فقد روي بإسناد عن رسول الله -- أنه قال: « ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة اثنتي عشرة ركعة ، يفصل بين كل ركعتين بتسليمه ، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة ، وإنا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات ، وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة ، فإذا فرغ من صلاته صلى علىّ سبعين مرة يقول : اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله ، ثم يسجد ويقول في سجوده سبعين مرة : سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة : رب اغفر وارحم ، وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ، ثم يسجد سجدة أخرى ، ويقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى ، ثم يسأل حاجته في سجوده فإنها تقضى » ، قال رسول الله -- : "لا يصلي أحد هذه الصلاة إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ، وعدد الرمل ، ووزن الجبال ، وورق الأشجار ، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار" ( ) 0 فهذه صلاة مستحبة »( ) 0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه
البدع في الصلاة عند الصوفية 0

الصلاة عمود الإسلام ، وآكد أركانه بعد الشهادتين ، من تركها أو تهاون بها ، ناله الخذلان والخسران في الدنيا والآخرة ، وكانت آخر وصايا الرسول الكريم -- ، عندما فارق الدنيا ، الحث على التمسك بها والمحافظة عليها ، وكان فرضها في السماوات ، ومع هذه المكانة للصلاة في الإسلام ، نجد من الصوفية من تهاون بها ، بل وبعضهم تركها بالكلية ، كما أشار إلى ذلك علماء السلف 0

قال ابن كثير في ترجمة الصوفي إبراهيم القميني : «وربما كاشف بعض العوام ، ومع هذا لم يكن من أهل الصلاة ، وقد استتابه الشيخ تقي الدين ابن تيميه ، وضربه على ترك الصلوات ، ومخالطة القاذورات»( )

وقال الذهبي عن هذا الصوفي : « كان للناس في هذا اعتقاد زائد، لما يسمعون من مكاشفته التي تجري على لسانه كما يتم للكاهن 000كان يأوي إلى القمامين والمزابل التي هي مأوى الشياطين ، ويمشي حافياً ، ويكنس الزبل بثيابه النجسة ببوله ، وقد رأيت غير واحد من هذا النمط الذين زال عقلهم أو نقص ، يتقلبون في النجاسات ، ولا يصلــون»( )

وقد بيّن ابن كثير حال بعض الصوفية المنحلين ، الذين أفسدوا كثيراً من الخلق ، بتركهم للفرائض وارتكاب المحرمات ، فقال في ترجمة الحريري : «كان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمر الشريعة والتهاون فيها من إظهار شعائر أهل الفسوق والعصيان شيء كثير ، وانفسد بسببه جماعة كبيرة من أولاد كبراء دمشق ، وصاروا على زي أصحابه ، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار 000وترك الإنكار على أحد فيما يفعله ، وترك الصلوات ، وكثرت النفقات ، فأضل خلقاً كثيراً ، وأفسد جماً غفيراً »( )

وقال في ترجمة الصوفي ، علي الكردي : « قالوا : ما رآه أحد يصلي»( )

وقال الذهبي واصفاً الحريري : « كبير الفقراء البطلة »( )

وقال كذلك : « قرأت بخط السيف الحافظ : كان الحريري من أفتن شيء وأضره على الإسلام ، تظهر من الزندقة والاستهزاء بالشرع ، بلغني من الثقات أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله ، وكان مستخفاً بأمر الصلوات »( )

وقال ابن كثير ، مبيناً حال الصوفي ، إبراهيم الشاغوري( ): « الموله المعروف بالجيعانة ، كان مشهوراً بدمشق ، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل ، ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات » ، إلى أن قال : «وكان لا يصلي ولا يتقي نجاسة »( ) 0

وقال كذلك في ترجمة الصوفي، سليمان التركماني( ): «الموله الذي يجلس على مصطبته بالعليين 000وكان لا يتحاشى من النجاسات و لايتقيها ، ولا يصلي الصلوات ولا يأتيها000»( )

وقد تهاون بعض الصوفية ، في أداء صلاة الجماعة ، وكذا صلاة الجمعة ، فرد علماء السلف ، على باطلهم ، وبينوا أن ذلك من علامات الخسران 0

قال الذهبي في ترجمة الباجريقي( ): «الضال الزنديق 000حصل له حال وكشف ما ، وانقطع 0 فصحبه جماعة من الرذالة ، وهون لهم أمر الشرائع 000وحكي عنه التهاون بالصلوات »( )

وقال عن أصحاب الباجريقي ، بعد موته : « وكان أصحابه يقصدون قبره يوم الجمعة ، ويتركون صلاة الجمعة»( )

وبيّن ابن مفلح أن صلاة الجمعة : « فرض عين ،على المسلمين الرجال المكلفين »( )

بل إن الذهبي ، عد ترك صلاة الجمعة ، من دون عذر من كبائر الذنوب ( )
وقد بيّن ابن أبي العز ، ضلال وخطأ من ترك الجمع والجماعات، وتعبد بالرياضات والخلوات ، بقوله : « وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات ، ويتركون الجمع والجماعات ، فهم من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، وقد طبع الله على قلوبهم ، كما قد ثبت عن النبي -- ، أنه قال : « من ترك ثلاث جمع تهاوناً ، من غير عذر طبع الله على قلبه »( )
وذكر أن اتباع السنة هو المنجي ، ومن خالفها فهو من المغضوب عليهم إن كان عالماً ، وإلا فهو من الضالين ( ) 0
وأما موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، من صلاة الرغائب التي ابتدعها الصوفية ، فهو موقف الرافض لها ؛لأنها صلاة مبتدعة ، ليس لها أصل في الشرع 0

قال ابن كثير في ترجمة أبو الحسن الجهضمي ( ): «الصوفي المكي ، صاحب بهجة الأسرار ( ) ، كان شيخ الصوفية بمكة وبها توفي0

قال ابن الجوزي( ) : وقد ذكر أنه كان كذاباً ، ويقال إنه الذي وضع حديث صلاة الرغائب »( )

وقال الذهبي في ترجمة : « علي بن عبد الله بن جهضم ، الزاهد أبو الحسن ، شيخ الصوفية بحرم مكة ، ومصنف كتاب بهجة الأسرار ، متهم بوضع الحديث000اتهموه بوضع صلاة الرغائب »( )

وقال الذهبي في صلاة الرغائب :« 000الحديث موضوع، لا يُعرف إلا من رواية ابن جهضم ، وقد اتهموه بوضع الحديث »( )

 

وقال كذلك عن ابن جهضم : « ليس بثقة ؛ بل متهم ، يأتي بمصائب »( ) 0
وأكد شيخ الإسلام ابن تيميه ، أن صلاة الرغائب ، صلاة محدثة ، لا أصل لها في الشرع ، فقال: « وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها ، بل هي محدثة ، فلا تستحب ، لا جماعة ، ولا فرادى ، 000والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً»( ) 0

وقال أيضاً : «صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين ، لم يسنها رسول الله -- ولا أحد من خلفائه ، ولا استحبها أحد من أئمة الدين 000والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث »( ) 0

وقال ابن رجب في صلاة الرغائب : « فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة في شهر رجب كذب وباطل لا تصح ، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء 000وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة؛ فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها »( ) 0

وقال ابن القيم في صلاة الرغائب : « 000أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب ، كلها كذب مختلق على رســول الله- - »( )0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المبحث الثالث : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه ، البدع في الصوم ، عند الصوفية 0

المطلب الأول : البدع في الصوم عند الصوفية 0
لقد ابتدع الصوفية في الصوم ، كما ابتدعوا في غيره من العبادات، ومـن أظهر البدع ،التي تلبس بها ، بعض الصوفية في الصوم ، ترك الصوم كلياً ، وصوم الدهر ، والوصال0
فقد زعم بعض الصوفية ، أن الصوم قد حط عنه ، وأنه غير مطالب بالصوم ، مثل سائر الأمة 0
فقد ذكر الشعراني ، ذلك في ترجمته للشريف المجذوب ، فقال: « كان ساكناً تجاه المجانين بالمارستان المنصوري ، وكان له كشف ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه ، وكان يأكل في نهار رمضان ، ويقول: أنا معتوق أعتقني ربي ، وكان كل من أنكر عليه يعطبه في الحال»( ) 0

ومن الصوفية من يفطر في نهار رمضان ، دون عذر شرعي ، فقد أورد الهجويري : « عن أبي يزيد ، أنه كان قادماً من الحجاز ، فنودي في المدينة أن أبا يزيد قد جاء 0
فخرج الناس لاستقباله ، وأدخلوه المدينة بإكرام ، ولما انشغل بمجاملتهم ، تخلف عن الحق وتشتت ، فلما دخل السوق ، أخرج من كمه

 

رغيفاً ، وأخذ في أكله ، ـ وكان ذلك في شهر رمضان ـ ، فرجع الناس جميعاً عنه وتركوه وحده »( ) 0

وقد بيّن الهجويري أن هذه الحالة وأمثالها ، ليست حالة فردية بين الصوفية ، بل الأمر منتشر في عصره ، حين قال : « وأما من كان طريقه الترك ، ويختار ما يخالف الشريعة ، ويقول : إنني أسلك طريق الملامة ، فتلك ضلالة واضحة ، وآفة ظاهرة ، وجنون صادق ، ـ على نحو ما يوجد عليه كثيرون في هذه الأيام ـ »( )

أما البدعة الأخرى ، التي اعتاد بعض الصوفية فعلها ؛ صيام الدهر0
قال الشعراني : « كان ابن الصباغ( ) ، حافظاً للمذهب ، صائم الدهر»( )
وقال : « كان الإمام محمد النيسابوري ( )، يصلي طوال نهاره ، ويصوم الدهر »( )
والبدعة الأخرى ، التي درج عليها بعض الصوفية ، صيام الوصال، فقد أورد الطوسي حكاية عن سهل التستري : « أنه كان يأكل في كل خمسة عشر يوماً مرة ، فإذا دخل رمضان لم يأكل فيها إلا أكلة واحدة »( ) 0

وذكر حكاية أخرى ، عن صوفي آخر ، قريبة لما ذكر عن سهل التستري ، فقال :« حكي عن أبي عبيد البسري ( )، أنه كان إذا دخل رمضان ، دخل البيت وسد عليه الباب ، وقال لامرأته : اطرحي كل ليلة رغيفاً من كوة في البيت ، و لا يخرج منه حتى يخرج رمضان ، فتدخل امرأته البيت ، فإذا الثلاثون رغيفاً موضوعة في ناحية البيت »( )0

وقال الهجويري : « حين توفي العالم أبو محمد الباثغري( ) ، كنت حاضراً هناك ، وكان قد مضى عليه ثمانون يوماً لم يطعم فيها شيئاً »( )

وقال أيضاً : « رأيت درويشاً من المتأخرين ، لم يأكل قط مدة ثمانين يوماً »( ) 0
ثم بيّن الهجويري موقفه من صيام الوصال ، فقال : «والجهال يتمسكون بأن صوم الوصال غير جائز »
ثم قال : « اعلم أن صوم الوصال ، من غير أن يتأتى خلل في أمر الله ـ عز وجل ـ : كرامة »( )

 


المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه البدع في الصوم عند الصوفية 0

لاشك أن بعض الصوفية قد ابتلى بإحداث البدع ، ومخالفة النهج الصحيح ، ومما أحدثه الصوفية من البدع في الصوم ، ترك صوم شهر رمضان مع المسلمين 0

فقد بيّن ابن كثير حال بعض أولئك الصوفية ، عند ما قال في ترجمة الصوفي علي الكردي : « قالوا: ما رآه أحد يصلي ، ولا يصوم»( )

وقال الذهبي في ترجمة الصوفي يوسف القميني : « وقد رأيت غير واحد من هذا النمط 000لا يصلون ولا يصومون وبالفحش ينطقون»( )

وقـد شبههم الذهبي ، بمسيلمة الكذاب ، والأسود العنسي حيث قال : « فوالله ما ارتبطوا على مسيلمة والأسود إلا لإتيانهم بالمغيبات »( )

وقال ابن كثير عن الصوفي ، إبراهيم الشاغوري : « ولا يصوم مع الناس » ( )
واعتبر شيخ الإسلام أن هذا الفعل من كبائر الذنوب الموجبة لأقسى العقوبات ( )
وبيّن في موضع آخر أن من : « أفطر في رمضان مستحلاً لذلك ، وهو عالم بتحريمه استحلالاً له ، وجب قتله ، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره في رمضان ، بحسب ما يراه الإمام »( )

وأما ما يفعله بعض الصوفية من صوم الدهر ، فهو مخالف لهدي الإسلام ، وسنة خير الأنام ،- عليه أفضل الصلاة وأزكى سلام - ،وقد أشار ابن رجب إلى ذلك بقوله : « كان رسول الله -- ينكر على من يسرد صوم الدهر ، ولا يفطر منه ، ويخبر عن نفسه -- أنه لا يفعل ذلك»( )
ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي -- قال له : « أتصوم النهار وتقوم الليل » ؟! 0
قال : نعم 0
فقال النبي -- : « لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني »( )

وأوضح ابن رجب أن النبي -- قد أشار إلى الحكمة في ذلك من وجوه ، منها : قوله -- في صيام الدهر « لا صام ولا أفطر »( ) ، يعني أنه لا يجد مشقة الصيام ، ولا فقد الطعام والشراب والشهوة ؛ لأنه صار الصيام له عادة مألوفة ، فربما تضرر بتركه فإذا صام تارة ، وأفطر أخرى حصل ، له بالصيام مقصوده بترك الشهوات ، وفي نفسه داعية إليها ، وذلك أفضل من أن يتركها ونفسه لا تتوق إليها( ) 0
ومنها : قوله -- ، في حق داود -- : « كان يصوم يوماً ، ويفطر يوماً ، ولا يفر إذا لاقى »( )
يشير إلى أنه كان لا يضعفه صيامه ، عن ملاقاة عدوه ، ومجاهدته في سبيل الله 0
ومنها: ما أشار إليه -- ، بقوله : « إن لنفسك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حقاً حقه »( )
يشير إلى أن النفس وديعة عند ابن آدم ، وهو مأمور أن يقوم بحقها ، ومن حقها اللطف بها ( ) 0
وقال ابن مفلح : « يكره صوم الوصال ، إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق ، 000والكراهة كراهة تحريم»( )
وقد بيّن الشاطبي ، أن صيام النهار وقيام الليل- بصفة دائمة ومستمرة -، منهي عنه ، ومخالـف لهدي الرسول الكريم-- لما فيه من الشدة التي خففها الله عن أمة الإسلام( )

وأما صوم الوصال ، فقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيميه ، أنه مكروه، فقال : « وأما من تدبر أصول الشرع ومقاصده ، فإنه رأى الشارع لما أمر بالصوم ، أمر فيه بالاعتدال ، حتى كره الوصال ، وأمر بتعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود»( )0
وقال الذهبي ، في ترجمة الأبهري : « قيل إنه عمل له خلوة ، فبقي خمسين يوماً لا يأكل شيئاً 0

وقد قلنا - القائل الذهبي - : إن هذا الجوع المفرط لا يسوغ ، فإذا كان سرد الصيام والوصال ، قد نهي عنهما ، فما الظن ؟ وقد قال نبينا --: « اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع »( )

وقال ابن كثير : « كان الوصال في الصيام له - أي للرسول -  - مباحاً ، ولهذا نهى أمته عن الوصال ، فقالوا : إنك تواصل ؟
قال : « لست كأحدكم إني أبيت عندي ربي ، يطعمني ويسقيني»( )
فقطع تأسيهم به ، بتخصيصه بأن الله تعالى يطعمه ويسقيه »( )

 

وقال ابن مفلح : « يكره الوصال ، وهو أن لا يفطر بين يومين ؛ لأن النهي رفق ورحمة 000وقيل يحرم »( )

 

 

 

 

 

 

 

 

 


المبحث الرابع : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه، البدع في الحج ، عند الصوفية 0

المطلب الأول : البدع في الحج عند الصوفية 0
لقد استخف بعض الصوفية بالحج ، كما استخفوا بغيره من العبادات المفروضة ، فزعم بعضهم أن الكعبة تطوف به ، وزعم آخرون أن الطواف حول البشر يغني عن الطواف حول الكعبة 0

قال أبو يزيد البسطامي : « خرجت إلى الحج ، فاستقبلني رجل في بعض المتاهات ، فقال : أبا يزيد إلى أين ؟
قلت : إلى الحج 0 فقال: كم معك من الدراهم ؟
قلت : معي مئتا درهم 0 فقال : طف حولي سبع مرات ، وناولني المائتي درهم ، فإن لي عيالاً ، فطفت حوله وناولته المائتي درهم »( )
وقال النبهاني نقلاً عن ابن عربي : « إن الكعبة كلمته ، وكذلك الحجر الأسود ، وأنها طافت به ثم تلمذت له ، وطلبت منه ترقيتها إلى مقامات في طريق القوم ، فرقاها لها ، وناشدها أشعاراً وناشدته 000» ، فعلق النبهاني على هذا القول : «وحاشا أولياء الله أن يخبروا بخلاف الواقع »( )

وقال ابن عربي : « ولقد نظرت يوماً إلى الكعبة ، وهي تسألني الطواف بها »( )
وقال أيضاً : « وكانت بيني وبين الكعبة ، في زمان مجاورتي بها ، مراسلة وتوسلات ومعاتبة دائمة »( ) 0

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري، تجاه البدع في الحج عند الصوفية 0

استهزأ بعض الصوفية بالحج ، واستخفوا بما يؤديه الحاج من أعمال الحج في رحاب البيت العتيق والمشاعر المقدسة ، بل منهم من لا يرى أداء فريضة الحج ، ومنهم من يشبه الطائفين بالبيت العتيق بالحمير!0

نقل بن كثير عن الصوفي علي الكردي أنه : «مر يوماً على الخطيب جمال الدين الدولعي 0 فقال له: يا شيخ علي أكلت اليوم كسرات يابسة ، وشربت عليها الماء فكفتني ، فقال له الشيخ علي الكردي : وما تطلب نفسك شيئاً آخر غير هذا ؟ قال: لا 0 فقال : يا مسلمين من يقنع بكسرة يابسة يحبس نفسه في هذه المقصورة ، ولا يقضي ما فرضه الله عليه من الحج» ( ) 0
فهذا أيضاً من مزاعم الصوفية الباطلة ، فمنهم من لا يتورع عن مثل هذا القول ، ويستخف بما شرع الله من الدين ، وبلغة رسوله الأمين -- 0

وقال في ترجمة ابن سبعين : « كان إذا رأى الطائفين حول البيت ، يقول عنهم : كأنهم الحمير حول الماء ، وأنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت ، فالله يحكم فيه وفي أمثاله ، وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال و الأفعال »( )
وبيّن ابن أبي العز ، ضلال من ادعى من الصوفية أن الكعبة تطوف به، فقــال : « 000وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانـوا !! ، فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله -- حين أحصر عنها وهو يود منها نظرة ؟!» ( ) 0

فالرسول الكريم -- أكرم الخلق عند الله ، وصحابته الكرام -- ، هم أفضل الأمة ، ومع ذلك لم تطف بهم الكعبة المشرفة ، ولم تتوسل بهم ، كما يزعم ضلال الصوفية، المنحرفون عن الدين القويم ، والفطرة السوية ، وأضافوا إلى ذلك جراءتهم على الله - سبحانه - والكذب على رسوله -- 0

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس : جهود علماء السلف في القرن الثامن الهجري تجاه، البدع في الدعــاء ، عند الصوفية 0


المطلب الأول : الشركيات في الدعاء عند الصوفية 0
من أشهر البدع ، التي أحدثها الصوفية في الدعاء ، دعاء غير الله ، والتوجه بدعائهم إلى بعض الأشخاص الأحياء والأموات ، الذين يعتقدون أن في مقدورهم ، جلب المصالح ، ودفع المفاسد 0

قال الطوسي : « إن علماء نواحينا يتبركون بتربة أبي يزيد ـ رحمه الله ـ ، إلى يومنا هذا ، ويحكون عن المشايخ المتقدمين أنهم كانوا يزورونه ، وكانوا يتبركون بدعائه ، وهو عندهم من أجّل العبّاد والزهاد ، وأهل المعرفة بالله »( ) 0

ونقل الشعراني أن معروف الكرخي : « من جملة المشايخ المشهورين ، بالزهد والورع والفتوة ، مجاب الدعوة ، يستشفى بقبره»( )0

وذكر النبهاني عن الصرفندي ( ) : « رؤي الصرفندي في المنام ، وهو يقول: زوروا شيخي قبلي ، فإني لست بشيء إلا به ، والدعاء عنده مستجاب» ( )
ونقل عن الرديني ( ): « 000أن من أتى إلى قبره ، وكان عليه دين ، فيقول : اللهم بما بينك وبين صاحب هذا القبر ، عبدك الرديني ، إلا ما وفيت ديني ، إلا استجيب له »( )

وقالوا عن قبر نفيسة بنت الحسن( ) : « وقبرها معروف بإجابة الدعاء ، عليه مهابة ونور ، مقصود للزيارة من كل جهة ، وأراد زوجها نقلها إلى المدينة ، ودفنها بالبقيع ، فسأله أهل مصر في تركها عندهم للتـبرك»( ) 0

ومن البدع التي أحدثها بعض الصوفية ، في الدعاء ، اجتماعهم للدعاء بهيئة خاصة ، بشكل جماعي 0
نقل النبهاني عن ابن القضاعي( ) : « قال : كنا بكهف السودان عشية عرفة ، وقد اجتمعنا للدعاء ، وقد طابت النفوس وخشعت القلوب ، وإذا بشاب حسن الثياب والوجه على فرس حسن الشكل ، فجعل يلعب تحت المكان ، فلما رآه الجماعة شغلوا به عن الدعاء والذكر والخشوع ، فقلت لأصحابي : إني أخاف أن يكون هذا إبليس ، جاءكم يقطع عليكم عبادة الله ، وما استتم كلامه حتى غاص في الأرض بفرسه»( ) 0

كذلك ابتدع بعض الطرقية الصوفية ، أدعية لم تكن مشروعة ، في الدين الحنيف ، وإنما استهوتهم البدع ، فألفوا ما يريدون ، ومن هذه الأدعية التي ابتدعوها ، ختم الشيخ الأكبر السيد بهاء الدين الشاة نقشبند، وصيغته : « الاستغفار خمساً وعشرين مرة ، أو خمس عشر ، أو عشراً، أو خمساً ، ثم رابعة المرشد ، ثم الصلاة على النبي -- مائة مرة ، ثم تلاوة : ياخفي الألطاف أدركني بلطفك الخفي ، خمسمائة مرة ، ثم الصلوات الشريفة ، أيضاً مائة مرة ، ثم قراءة ما تيسر من القرآن»( )0

وبينوا أن من قرأ هذا الدعاء ، أو ما يماثله من الأدعية التي ابتدعوها: « قضيت له الحاجات وحصلت له المرادات ، ودفعت عنه البليات ، ورفعت له الدرجات ، وظهرت له التجليات ، ثم بعد قراءة الختم يطلب مقصودة ، ويسأل حاجته ، فإنها تقضى بإذن الله تعالى ، وجربه كثير ، وهو أعظم ركن( )؟!، وأفضل ورد مخصوص بالطريقة النقشبندية 000فإن أرواح المشايخ ببركة هذا الورد يعينون من استعان بهم»( )0

 

المطلب الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، تجاه البدع في الدعاء عند الصوفية 0

رأى علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، أن ما أقدم عليه الصوفية ، من التوجه بالدعاء إلى غير الله ، كالشيوخ وغيرهم ، هو من البدع المحدثة في الدين ، والتي لاتتفق مع نصوص الشرع الحكيم 0

فقد شدد ابن رجب ، على أن هذا العمل باطل ، ولا يجوز التوجه بالدعاء إلا إلى الله ، لأن دعاء الله هو المتعين ، وليس سواه ، فقال : «اعلم أن سؤال الله - عزوجل - دون خلقه هو المتعين ؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار ، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على رفع هذا الضر ، ونيل المطلوب ، وجلب المنافع ودرء المفاسد0
لا يصل الذل والافتقار ، إلا إلى الله وحده ؛ لأنه حقيقة العبادة»( )

وفرّق ابن أبي العز ، بين الدعاء المشروع والممنوع ، بقوله : « فإن قيل : فأي فرق بين قول الداعي : « بحق السائلين عليك » ، وبين قوله : «بحق نبيك » أو نحو ذلك 0
فالجواب : أن معنى قوله : « بحق السائلين عليك » ، أنك وعدت السائلين بالإجابة ، وأنا من جملة السائلين ، فأجب دعائي ، بخلاف قوله:


بحق فلان ، فإن فلاناً ، وإن كان له حق على الله بوعده الصادق ، فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل 0
فكأنه يقول: بكون فلان من عبادك الصالحين ، أجب دعائي!
وأي مناسبة في هذا ، وأي ملازمة ؟
وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء ، وقد قال تعالى  ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين  [الأعراف: 55] 0
وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة ، ولم ينقل عن النبي -- ولا عن الصحابة ، ولا عن التابعين ، ولا عن أحد من الأئمة -- ، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل ، التي يكتبها الجهال والطرقية »( )

وقد بيّن الشاطبي ، أن الدعاء بابه مفتوح ، ولكن يشترط فيه الإخلاص ، وإفراد الله به دون شريك ، فقال :« فالدعاء بابه مفتوح في الأمور الدنيوية والأخروية ، شرعاً مالم يدع بمعصية ، والعبادة إنما القصد بها التوجه لله وإخلاص العمل له والخضوع بين يديه ، فلا يحتمل الشركة» ( )

وذكر ابن أبي العز أن قول الداعي : « بجاه فلان عندك، أو يقول : نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده: لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة ، فأجب دعاءنا ، وهذا أيضـاً محذور فإنه لو كان هذا التوسل الذي كان الصحابة--، يفعلونه في حياة النبي --لفعلوه بعد موته ، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه ، ويطلبون منه أن يدعوا لهم ، وهم يؤمنون على دعائه 000»( )

وبيّن أن الإقسام على الله بحق المخلوق محذور أيضاً، فقال : فإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان ، فذلك محذور أيضاً ، لأن الإقســام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز فكيف بالخالق ؟»( )0
وأما بدعة الدعاء الجماعي ، التي أحدثها الصوفية ، فقد تصدى لها علماء السلف في القرن الثامن الهجري ، وبينوا أنها بدعة غير مقبولة 0

قال شيخ الإسلام ابن تيميه ، في إجابته عن سؤال : عن هذا الذي يفعله الناس بعد كل صلاة من الدعاء الجماعي 0
فأجاب: «000 وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة ، فلم ينقل هذا أحد عن النبي -- »( )

وعد الشاطبي الدعاء بهيئة الاجتماع من البدع ( ) ، وقال : « إن الدعــاء بهيئة الاجتماع دائماً ، لم يكن من فعل رسول الله -- كما لم يكن قوله ولا إقراره »( )

وقال شيخ الإسلام : « أما دعاء الإمام والمأمومين جميعاً عقيب الصلاة ، فهو بدعة ، لم يكن على عهد النبي -- بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة ، فإن المصلي يناجي ربه ، فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسباً 0
وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب ، وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور عن النبي -- عقب الصلاة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»( ) 0

وأما موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، مما أحدثه الصوفية من أذكار وأدعية بدعية ، فهو موقف المنكر لهذا الفعل والرافض له ، لأنه لا يستند إلى دليل شرعي يعول عليه 0

فقد رد الشاطبي على اختراع الصوفية لبعض الأدعية والأذكار ، فقال:إن « الدعاء أيضاً عبادة لا يزاد فيها ولا ينقص ، أعني الكيفيات المستعملة ، والهيئات المتكلفة التي لم يعهد مثلها فيما تقدم ، وكذلك الأدعية التي لا تجد مساقها ، في متقدم الزمان ولا متأخره ، ولا مستعمل النبي -- والسلف الصالح ، 000وهذا الموضع مزلة قدم للعوام وكثير من الخواص »( ) 0

ونقل ابن الإمام في رده على من يخترعون الأدعية ، ويبتدعونها، قول القاضي عياض( ) : « إن الله أذن في دعائه ، وعلّم الدعاء في كتابه لخليفته ، وعلّم النبي -- الدعاء لأمته ، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء ؛ العلم بالتوحيد ، والعلم باللغة ، والنصيحة للأمة ، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه -- ، وقد احتال الشيطان للناس في هذا المقام ، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية ، يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي --، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين»( )

وبيّن ابن أبي العز أن : « الدعاء من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها على السنة والاتباع ، لا على الهوى والابتداع»( )
وقال ابن الإمام : «000 أنكر الأئمة -- الإعراض عن الأدعية السنية »( ) 0
وقد ذكر الشاطبي أن جملة ممن ينتمون إلى طريقة الصوفية ، ابتدعوا عبادات وأدعية وأذكار ، يتربصون بها في أوقات مخصوصة ، غير ما وقته الشرع ، وبيّن أن ذلك العمل بدعة ، لأن أصلها غير مشروع ( ) 0

وقال شيخ الإسلام : « لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع ، لا على الهوى والابتداع ، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء 000وما سواها من الأذكار قـد يكون محرماً وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون فيه شرك ، مما لا يهتدي إليه أكثر الناس »( )

إلى أن قال : « وليس لأحد ، أن يسن للناس نوعاً من الأذكار والأدعية غير المسنونة ، ويجعلها عبادة راتبه 000بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله »( ) ، فالشرع مبني على الاتباع ، لا على الابتداع 0

 

ويتكون من تمهيد ، ومبحثين 0

 

التمهيد وفيه: تعريف الغلو ، والولي ، لغة واصطلاحاً 0

المبحث الأول : الغلو في الأولياء عند الصوفية 0
المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الغلو في الأولياء عند الصوفية 0

 

 

 

 

 

 


التمهيد : تعريف الغلو ، والولي ، لغة واصطلاحاً 0


أولاً: تعريف الغلو لغة واصطلاحاً 0

أ‌. الغلو لغة :
« غَلا غُلُواً ، وغَلاءً : زاد وارتفع ، وغلا : جاوز الحد ، فهو غالٍ، وغلا فلان في الأمر والدين : تشدد فيه وجاوز الحد وأفرط »( )


ب- الغلو اصطلاحاً :

« تجاوز الحد في اتباع الحق »( ) ، و «أن يتجاوز الحق ويتخطاه، بالإعراض عن الأدلة ، واتباع الشبه »( ) 0

ثانياً: تعريف الولي ، لغة واصطلاحاً :

أ- الولي لغة :

الوَليُّ : « كل من ولي أمراً أو قام به ، والولي النصير والمحب »( )
و« الوَلْـيُ : القرب ، والدنو ، والمطر بعد المطر »( )
ب- الولي اصطلاحاً :
« سمي الولي ولياً من موالاته للطاعات »( ) ، و« الولي ضد العدو، والولاية ضد العداوة ، وأصل الولاية المحبة والقرب »( ) ، «والولي : خلاف العدو ، وهو مشتق من الولي ، وهو الدنو والتقرب ، فولي الله هو : من والى الله بموافقته في محبوباته ، والتقرب إليه بمرضاته »( )0

 

 

 

 

 

 

 


المبحث الأول: الغلو في الأولياء عند الصوفية 0

غلى بعض الصوفية في الأولياء غلواً يصل -بعض الأحيان - إلى خلع صفات القدسية عليهم ؛ بل ومنهم من يصرف بعض العبادات إلى أوليائه من دون الله !!0
وقد وصل الحال ببعض الصوفية إلى هذا الحد من الغلو، لاعتقادهم العصمة لشيوخهم ، وأنه لا يجوز الاعتراض عليهم حتى ولو بالقلب ، وإنما يجب طاعتهم طاعة مطلقة وعدم منازعتهم ألبته 0
فهذا القشيري يوصي المريد الصوفي : « أن لا يخالف شيخه في كل ما يشير عليه »( )
وقال كذلك : « أن لا يكون له بقلبه اعتراض على شيخه »( ) و« من قال لشيخه لِمَ لا يفلح »( )

وزعموا : « أن مدح الشيوخ من أعظم القربات ، وأقرب الوسائل إلى الوصول ، إذ هم باب الله الأعظم ، ويد الله الآخذة بالداخلين إلى حضرة الله ، فمن مدحهم فقد مدح الله ، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله[الفتح : 10 الآية ] ، ومن ذمهم فقد ذم الله»( ) 0
وقال القشيري : « اعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء، دوام التوفيق للطاعات ، والعصمة من المعاصي والمخالفات »( ) ، ثم يبيّن أنه : « يجب على المريد أن يتأدب بشيخ ، فإن لم يكن له أستاذ ، لا يفلح أبداً» ،«و من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان »( ) 0

وقد صرف بعض الصوفية ، بعض العبادات ، الخاصة بالله العلي العظيم ، إلى أوليائهم ، ومن هذه العبادات النذر 0
نقل النبهاني : « أن الشيخ العلامة تقي الدين بن الصلاح جمعت المقادير الربانية بينه وبين ، الشيـخ علي الكردي، في مكان 0
فقال الشيخ علي : لا بد أن نضيف الشيخ تقي الدين اليوم بشيء بالفقيري ، فما تم كلامه إلا وقد مرّ قطيع غنم ، فقال لبعض أصحابه : قم هات هذا الرأس الذي هو خياره ، لعله يساوي مائة درهم 0
فقال الشيخ تقـي الدين في باطنه : هذا امتحان يريد الشيخ علي يطعمني الحرام وأنا لا أكله ، وحصل له هم كبير ، فلما استوى الطعام وهموا بمد السماط ، وهم الشيخ تقي الدين بقول غير صالح ، أقبل شخص سائلاً يقول : هل مرّ عليكم راعينا اليوم ؟
فقالوا : ما تريد ؟
قال : كان معه غنمي ، وفيها رأس صفته كيت وكيت ، وهو نذر للشيخ علي الحريري 0
فأجابوه أن نعم قد أخذناه ، وها هو يوضع بين يدي الجماعة سماطاً 0
فقال : الحمد لله الذي أوصله إلى صاحبه ، فنظر الشيخ علي إلى الشيخ تقي الدين ، وقال : ياسيدي وكيف العبد يتهجم على مولاه بما ظنه، فقال الشيخ تقي الدين : استغفر الله تعالى مما خطر لي ، ولم يكن عندي من التدبير ما يطلعني على الحق بوجه»( )0

ومن مظاهر غلو الصوفية ، بالأولياء الاستغاثة بهم ، فقد ذكر النبهاني من كرامات ، محمد بن علوي بن أحمد( ) ، إجابته لمن يستغيث به من دون الله ، فقال : « إن بعضهم ضلَّ في الطريق في البرية ، وأيقن بالهلاك ، ثم استغاث به ، ومشى فأحس بمن يقول هذه الطريق فإذا هو بالجادة »( )

ولم تقتصر استغاثة بعض الصوفية بالأحياء ، بل تعدوا ذلك إلى دعاء الأموات ، والتماس العون والغوث منهم ، عندما يواجهون بعض المصاعب0

فقالوا :« يدعو عند هذه القبور عند نازلة نزلت به أو بالمسلمين( )، ويتضرع إلى الله تعالى في زوالها وكشفها عنه وعنهم 0 وهذه صفة زيارة القبور عموماً ، فإن كان الميت المزار ممن ترجى بركته ، فيتوسل إلى الله به( ) ، وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت ممن ترجى بركته إلى النبي -- »( )
وأضافوا : « تحقق لذوي البصائر والاعتبار ، أن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار ، فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم ، والدعاء عند قبور الصالحين والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين 00ولا يعترض على ذلك »( ) ويزعمون زوراً وبهتاناً أن «كل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد مماته ، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض »( )

وهذا علم من أعلام الصوفية يلجأ إلى الأموات ، ويدعوهم ويستغيث بهم ، من دون الله تعالى ، بل ويجاور القبور حتى تحل مشاكلهم 0
قال : «وقد وقعت لي أنا علي بن عثمان الجلابي -الهجويري - واقعة ذات مرة ، وقمت بكثير من المجاهدة على أمل أن تحل تلك الواقعة ، فلم تحل ، وكانت وقد وقعت لي قبل تلك الواقعة من قبل ، فأقمت مجاوراً على قبر الشيخ أبي يزيد - البسطامي - إلى أن حلت»( )

ونقل النبهاني عن أبي الحسن علي بن صالح المعروف بالكحال( ):«أن من أصابه رمد وجاء إلى قبره وقرأ شيئاً من القرآن ، وقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، ويحسن ظنه ،ويمسح على عينه من تراب القبر فإنه ينفعه ذلك ، وقد جربه جماعة ووجدوا عليه الشفاء »( )
ولم يقتصر نفع أولياء الصوفية الأموات على أتباعهم - كما يزعمون زوراً وبهتاناً - بل تعدى ذلك إلى الحيوان ، فما على الوحوش التي تمرض ،إلا زيارة ضريح صوفي فتبرأ0

ذكر النبهاني عن أبي الحسـن( ) أحد أعلام الصوفية : «أن الوحوش كانت تأتي إلى قبره في مصر ، وبها الأوجاع فتبرأ»( )

وكان التبرك بأولياء الصوفية الأحياء والأموات ، هو المظهر الآخر من مظاهر الغلو فيهم ، فقد أكد الغزالي : أن «زيارة قبور الصالحين مستحبة ، لأجل التبرك »( )

وقال القشيري : « لم يكن عصر في الحكم الإسلامي ، إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة ، ممن له علوم التوحيد وإمامة القوم ، إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء ، قد استسلموا لذلك الشيخ وتواضعوا له ، وتبركوا به»( )

وبيّن النبهاني ولع الصوفية بالتبرك ، بقوله : « 000ثم إن الناس ازدحموا على الشيخ محمد ( ) ، يقبلون رأسه ويده ، ويتبركون به ، حتى كادوا يقتتلوا »( ) 0
ومن مظاهر غلو الصوفية في الأولياء ، تفضيلهم الولي على النبي ، فلم يقتصـر الصوفية على ما مر ذكره من مظاهر الغلو ، بل تعدوا ذلك، إلى تفضيل الولي على النبي 0

قال البسطامي : « خضت بحراً وقف الأنبياء بساحله»( )

وقال أبو الغيث بن جميل( ) : « خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله»( )

وقال الجيلي( ) : « 000قال المحمديون من الأولياء000معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب ، وأتينا ما لم تؤتوه »( )

وفضل ابن عربي الولي على النبي ، بتفضيله خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء ، وادعى أنه ذلك الولي الخاتم 0

 


فقال : « وإن كان خاتم الأولياء ( ) تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل ، كما أنه من وجه يكون أعلى !! ، وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر -- في أسارى بدر بالحكم فيهم ، وفي تأبير النخل ، فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء ،وفي كل مرتبة »
إلى أن قال : « 000ولما مثّل النبي -- النبوة بالحائط من اللبّن وقد كمل سوى موضع لبنة ، فكان -- تلك اللبنة ، غير أنه -- لا يراها كما قال لبنة واحدة ( ) ، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا ، فيرى ما مثله رسول الله -- ويرى في الحائط ، موضع لبنتين ، واللبن من ذهب وفضة ، فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما ، وتكمل بهما، لبنة ذهب ولبنة فضة ، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين ، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين ، فيكمل الحائط »( )
وأكد رأيه هذا شعراً فقال :
مقام النبوة في بـرزخ فويق الرسول ودون الولي( )
وقد فضل ابن عربي نفسه صراحة ، على نبي الله، و كليمه موسى -- بقوله :
ولما أتاني الـحق ليـلاً مكلماً كفاحاً وأبداه لعيني التواضع
وأرضعني ثدي الوجـود تحققاً فما أنا مفطوم ولا أنـا راضع
ولم أقتل القبطي لكن زجـرته بعلم فلم تعسر علـىّ المراضع
وماذبح الأبناء من أجل سطوتي ولا جـاء شــراً يبطش رافع
فكنت كموسىغيرأني رحمــة بقمي( )ولم تحرم علىّالمراضع( )

هذه مكانة رسل الله - عليهم الصلاة والسلام -، وصفوة خلقة ، عند بعض الصوفية ، يصرحون أنهم أفضل من أنبياء الله - عليهم السلام - الذين اختارهم لرسالاته وحمل وحيه ، فليس وراء ذلك من التنقيص والاستهانه بهم شيء ، نعوذ بالله من أصحاب هذه الأقوال ، فما تحويه من الباطل والكذب والتزوير والتجهيل ، من أشد البدع والمنكرات في الدين 0

 

 

 

 

المبحث الثاني : جهود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري، تجاه الغلو في الأولياء عند الصوفية 0

الغلو في الدين محرم شرعاً ، قال تعالى :  قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق000 [المائدة : 77]، ومن هذا انطلق علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، في الرد على الصوفية ، وغلوهم في الأولياء، وارتكز رد علماء السلف ، على نصوص الشريعة المطهرة ، وبينوا أن الرسول -- قد نهى عن الغلو في الدين ، وتجاوز الحد المشروع 0

فقد استدل ابن رجب بحديث الرسول الكريم -- ، الذي قال فيه: « لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم ، إنما أنا عبد الله ورسوله »( ) 0
وبيّن ابن رجب أن رسول الله -- ، كان ينكر على من لا يتأدب معه في الخطاب ، بهذا الأدب ، فقال -- : «لا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، بل قولوا : ما شاء الله ، ثم شاء محمد »( ) 0
فإن كان الغلو في حق الرسول الكريم _ _ محرماً ومنهياً عنه ، فمن باب أولى أن يكون أشد تحريماً في حق غيره من البشر 0

ولهذا أنكر ابن كثير ، على من يغلو في شيخه ، من الصوفية ، ويزعم أنه شريك لله ، فقال في ترجمة الشيخ عدي بن سافر( ) ، شيخ الطائفة العدوية : « 000 ثم انفرد عن الناس وتخلى 000، وبنى هناك زاوية ، واعتقده أهل تلك الناحية اعتقاداً بليغاً ، حتى أن منهم من يغلو غلواً كثيراً منكراً ، ومنهم من يجعله إلهاً أو شريكاً » 0

ثم رد عليهم ، وبيّن موقفه من ذلك الغلو ، فقال : «وهذا الاعتقاد فاحش ، يؤدي إلى الخروج من الدين جملة »( )

وشدد الذهبي على أن الطاعة المطلقة ، لا تكون إلا للمعصوم ، وطاعة الصوفية لأوليائهم ، لا تدخل ضمن ذلك ، لأن أولياءهم ليسوا بمعصومين ، فقال : «ينبغي للمريد أن لا يقول لأستاذه : لِمَ ، إذا علمه معصوماً ، لا يجوز عليه الخطأ ، أما إذا كان الشيخ غير معصوم وكره قول: لم ؟ ، فإنه لا يفلح أبداً 0
قال تعالى:  000وتعاونوا على البر و التقوى 000 [المائدة : 2] 0
وقال تعالى  000وتواصوا بالحق000 [العصر : 3] »( )

 

 

وقد استدل العطار( )، على حرمة ما يفعله بعض الصوفية ، من
مغالاة بشيوخهم ، بقول الإمام محي الدين النووي ، عندما سئل عن السجود الذي يفعله بعض الناس بين يدي المشايخ ونحوهم ، ما حكمه ؟
فأجاب على ذلك بقوله : « هو حرام ، شديد التحريم »( )

وقال الشاطبي رداً على دعوى الصوفية : « ما عهد بالتجربة من أن الاعتراض على الكبراء قاض بامتناع الفائدة ،مبعد بين الشيخ والتلميذ، ولا سيما عند الصوفية ، فإنه عندهم الداء الأكبر ، حتى زعم القشيري عنهم أن التوبة منه لا تقبل ، والزلة لا تقال »( )0

وقال ابن كثير ، في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلي : « كان فيه تزهد كبير ، 000ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات ، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً ومكاشفات ، أكثرها مغالاة »( ) 0

 

وذكر الشاطبي ، أن الصوفية كغيرهم من البشر، لم تثبت لهم العصمة حتى يطاعوا ، طاعة مطلقة 0
فقال : « فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة ، فيجوز عليهم الخطأ و النسيان ، والمعصية كبيرتها وصغيرتها»( )

وبيّن أن الغلو في الشيوخ من سمات بعض الصوفية ، فقال: « ومنها - أي من مآخذ أهل البدع في الاستدلال - رأي قوم من التغالي في تعظيم شيوخهم ، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه ، فالمقتصد منهم يزعم أنه لا ولي لله أعظم من فلان ، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا على هذا المذكور ، وهو باطل محض ، وبدعة فاحشة ؛ لأنه لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبداً مبالغ المتقدمين 000، والمتوسط يزعم أنه مساوٍ للنبي -- ، إلا أنه لا يأتيه الوحي ، بلغني هذا عن طائفة من الغالية في شيوخهم ، الحاملين لطريقتهم في زعمهم ، نظير ما ادعاه بعض تلامذة الحلاج في شيخهم ، على الاقتصاد منهم فيه ، والغالي يزعم فيه أشنع من هذا000»( )

وقال ابن كثير في ترجمة يوسف الأقميني ( ): « ولما مات هذا الرجل ، دفن بتربه بسفح جبل قاسيون 000 وهي مزخرفة قد اعتنى بها بعض العوام ممن كان يعتقده ، فزخرفها وعمل على قبره حجارة منقوشة بالكتابة ، وهذا كله من البدع »( )

وأما موقف علماء السلف ،في القرن الثامن الهجري، من صرف الصوفية بعض العبادات لشيوخهم ، والاستغاثة بهم ، ودعائهم والتبرك بهم ، فهو موقف المنكر لهذه الأفعال ؛ لأن هذه الأعمال من جنس العبادات ، التي لا يجوز التوجه بها إلا إلى الله العزيز الحكيم0

قال شيخ الإسلام : « وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثاناً ، تجدهم يستهزئون بما هو من دين الله وعبادته ، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء 000ومنهم من يذبح الشاة ويقول : باسم سيدي »( )
وقال كذلك : « أما الزيارة البدعية ، فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج ، أو يطلب منه الدعاء و الشفاعة ، أو يقصد الدعاء عند قبره ، لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء ، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة ، لم يشرعها النبي -- ولا فعلها الصحابة --لا عند قبر النبي -- ولا عند غيره ، وهي من جنس الشرك ، وأسباب الشرك »( )

وقد ذكر الشاطبي : « أن الصحابة -- ، بعد موته -- لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك - التبرك - بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبي -- ، بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق -- ، فهو كان خليفته ، ولم يفعل به شيء من ذلك ، ولا عمر -- 000ولم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف ، أن متبركاً تبرك به على أحد تلك الوجوه 000 فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء »( )

ونقل الشاطبي أن أصحاب الحلاج : « بالغوا في التبرك به ، حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته ، حتى ادعوا فيه الإلهية ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً »( )

وقال ابن كثير عن قبر السيدة نفيسة : «قلت : وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً ، ولا سيما عوام مصر فأنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك ، وألفاظ كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز ، 000والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات ، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها ، وقد أمر النبي -- بتسوية القبور وطمسها ، والمغالاة في البشر حرام ، ومن زعم أنها تفك من الخشب ، أو أنها تنفع وتضر بغير مشيئة الله ، فهو مشرك»( ) 0

واستدل ابن مفلح على كراهة السلف للتبرك بالأشخاص بقول الطيالسي( ) : « 000 عن علي بن عبد الصمد الطيالسي قال : مسحت يدي على أحمد بن حنبل ، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر ، فغضب غضباً شديداً وجعل ينفض يده ويقول: عمن أخذتم هذا ؟ وأنكره إنكاراً شديداً »( )

وقال الشاطبي : « كان مالك يكره المجيء على بيت المقدس ، خيفة أن يتخذ ذلك سنة ، وكان يكره مجيء قبور الشهداء ، ويكره مجيء قباء خوفاً من ذلك ، مع ما جاء من الآثار من الترغيب فيه ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه»( )

وقال ابن عبد الهادي : « فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم ، ولا يقصد أن يدعو مخلوقاً من دون الله ، ولا يجوز أن تتخذ مساجد ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم ، وهذا مشروع ؛ بل هو فرض على الكفاية متفق عليه بين المسلمين ، ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به ، كان هذا شركاً محرماً بإجماع المسلمين »( ) 0

وأما موقف علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، من تفضيل الصوفية الولي على النبي( ) ، فهو موقف الرافض لهذا الأمر ؛ لأنه ابتداع في الدين 0

قال ابن أبي العز ، شارحاً قول الطحاوي : « ولا نفضل أحداً من الأولياء على الأنبياء - عليهم السلام - ، ونقول : نبي واحد أفضل من جميع الأولياء »( )
قال ابن أبي العز : « يشير الشيخ -رحمه الله- إلى الرد على الاتحادية ، وجهلة المتصوفة ، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم، ومتابعة الشرع ، فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل - عليهم السلام - قال تعــالى:  وما أرسلنا مـن رسول إلا ليطاع بإذن الله000 [النساء: 64 الآية ] ، وقال تعالى :  قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم  [آل عمران: 31 ] 0
وكثير من هؤلاء يظن ، أنه يصل برياسته ، واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه ، إلى ما وصل إليه الأنبياء من غير اتباع ، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء !! ومنهم من يقول : إن الأنبياء والرسل ، إنما يأخذون العلم من مشكاة خاتم الأولياء !! ، ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء !! ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون ، وهو أن الوجود المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له ، ولكن هذا يقول : هو الله!! ، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية ، لكن فرعون في الباطن أعرف بالله منهم ، فإنه كان مثبتاً للصانع ، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق ؛ كابن عربي وأمثاله 0
وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره ، قال : النبوة ختمت ولكن الولاية لم تختم ! 0
وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة ، وما يكون للأنبياء والمرسلين ، وأن الأنبياء مستفيدون منها ، كما قال :
مقام النبــوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

وهذا قلب للشريعة ، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين ، كما قـال تعالى :  آلا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون [يونس : 62] 0
والنبوة أخص من الولاية ، والرسالة أخص من النبوة »( )
وقال الذهبي : « قال أحمد السلمي في « محن الصوفية » : أحمد بن أبي الحواري ، شهد عليه قوم أنه يفضل الأولياء على الأنبياء »( )
علق الذهبي على هذا بقوله : « إن صحت الحكاية فهذا من كذبهم على أحمد ، وهو كان أعلم بالله من أن يقول ذلك »( )
ففي دفاع الذهبي عن أحد الصوفية ، دليل قوي على عدل السلف ، في أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم على المخالفين ، فهم من أدق الناس في الأقوال والأفعال والأحكام ، ولهذا نجد الذهبي يكذب هذه الرواية المنسوبة إلى أحد الصوفية ، ويلتمس له المخرج منها ، مما يؤكد أن منهج السلف لا يقوم على الهوى و الميل ، أو العداوة والبغضاء ، أو المجازفة ، فرحم الله السلف ما أعدلهم وأنصفهم 0

وتحدث الشاطبي عن غلو بعض الصوفية ، في أوليائهم وزعمهم أن الولي هو النبي !
فقال : « حدثني بعض الشيوخ من أهل العدالة والصدق في النقل( ) ، أنه قال : أقمت زماناً في بعض القرى البادية ، وفيها من هذه الطائفة المشار إليها كثير ، قال : فخرجت يوماً من منزلي لبعض شأني، فرأيت رجلين منهم قاعـدين ، فتوهمت أنهما يتحدثان في بعض فروع طريقتهم ، فقربت منهما على استخفاء لأسمع من كلامهم - إذ من شأنهم الاستخفاء بأسرارهم - ، فتحدثا في شيخهم وعظم منزلته ، وأنه لا أحد في الدنيا مثله ، وطربا لهذه المقابلة طرباً عظيماً ، ثم قال أحدهما للآخر: أتحب الحق ؟ هــو النبي ، قال : نعم ، هذا هو الحق ، قال المخبر: فقمت من ذلك المكان فاراً أن يصيبني معهم قارعة »( )
وبيّن شيخ الإسلام أن : « لفظ "خاتم الأولياء " لفظ باطل لا أصل له ، وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي( ) ، وانتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء ، كابن حموية وابن عربي ، وبعض الشيوخ الضالين ، بدمشق وغيرها ، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي -- من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان ، وقد غلطوا ، فإن خاتم الأنبياء ، إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك ، وليس كذلك خاتم الأولياء ، فإن أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار»( ) 0

وقال ابن أبي العز : « قال ابن عربي أيضاً في "فصوصه " ( ) : ولما مثل النبي -- بالحائط من اللبن ، فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان هو -- موضع اللبنة ، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا ، فيرى مـا مثّله النبي -- ،ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين !! ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبينتين ، فيكمل الحائط ، والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين : أن الحائط لبنة من فضة ، ولبنة من ذهب ، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه من الأحكام ، كما هو آخذ عن الله في السر، ما هو في الصورة الظاهرة ، متبع فيه ؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه ، فـلا بد أن يراه هكذا ، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن !! ، فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إليه الرسول000»( )

ثم عقب ابن أبي العز على قول ابن عربي هذا بقوله : «فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب ، وللرسول -- المثل بلبنة فضة ، فيجعل نفسه أعلى و أفضل من الرسول 000 ، وكيف يخفى كفر من هذا كلامه ؟!» ( )
هذا مجمل ردود علماء السلف ، في القرن الثامن الهجري ، وموقفهم اتجاه غلو بعض الصوفية ، في أوليائهم ومشايخهم ، أسأل الله العون والتوفيق والهداية والرشاد 0

 

  • الاربعاء PM 05:27
    2026-02-11
  • 105
Powered by: GateGold