المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1884983
يتصفح الموقع حاليا : 202

البحث

البحث

عرض المادة

جهود_علماء_السلف_في_القرن_الثامن_الهجري_في_الرد_على_الصوفية التمهيد 2

التمهيد 2

أولاً تعريف السلف :

أ- تعريف السلف لغة :
قال ابن فارس( ) : السين ، واللام ، والفاء ، أصل واحد يدل على تقدم وسبق ، والسلف الذين مضوا ، والقوم السُّـلاف المتقدمون( )
و قال الزمخشري ( ): « سَـلَفَ القوم : تقدموا سُـلُوفاً، وهم سَلَفُ لمن وراءهم000وكان ذلك في الأمم السابقة، والقرون السوالف»( )
و قال ابن منظور ( ) : « سَـلَفَ يَسْلُفُ سَلَفاً :أي مضى، والقوم السُّـلاّف: المتقدمون ، والسلف أيضاً: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك ، الذين هم فوقك في السن والفضـل» ( )0

«وسَـلَفُ الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ؛ ولهذا سمي الصـدر الأول من التابعين السلف الصالح»( ) 0

ومما تقدم يتبين أن معنى السلف في اللغة : التقدم والسبق0

 

 

 

 

 

 

 


ب ـ معنى السلف في القرآن الكريم :
ورد ذكر لفظة ( السلف) في القرآن الكريم ثماني مرات( )، منها قوله تعالى: 000 فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله00 [البقرة : 275 الآية ] ، وقوله سبحانه :  ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف 00 [النساء : 22 الآية]
قال الراغب الأصفهاني( ) في المفردات :« السلف : المتقدم، قال : فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين  [الزخرف : 56 ] ؛ أي: معتبراً متقدماً 0
وقال  :  000فله ما سلف 000  [البقرة : 275 الآية ] ؛ أي : تجافى عما تقدم من ذنبه0
وقال تعالى :  000إلا ما قد سلف000  [النساء : 23الآية ] ؛ أي : ما تقدم من فعلكم ، فذلك يتجافى عنه، ويقال لفلان سلف كريم : أي آباء متقدمون»( ) 0

 

وقال القرطبي ( ) : « والسلف من تقدم من آبائك وذوي قرابتك »( ) 0
« والسلف المتقدمون يقال: سَلَفَ يَسْلُفُ سَلَفاً، مثل طلب يطلب طلباً، أي: تقدم ومضى ، وسلف له عمل صالح أي : تقدم ، والقوم السُّلاَف: المتقدمون ، وسلف الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف ، وسُلاَّف» ( )

وبعد الوقوف على معاني (سلف) في القرآن الكريم ، يتبين أنها جـاءت في المعنى اللغوي نفسه ، وهـو: السبق والتقدم ، وذلك حسـب ما ظهر لي من أقوال أهل العلم من المفسرين ، والله تعالى أعلم 0

 

 


ج ـ معنى السلف في السنة النبوية الشريفة:
وردت مادة «سـلف» ،في السنة النبوية ، ما يزيد على ثمانين مرة ( )
ويطلق السلف في السنة النبوية على عدة معاني منها :
ما جاء بالحديث الشريف ، قال  :« إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس000» ( )

وسلف في هذا الحديث ، تعني : تقدمكم وسبقكم ، من الأمم الأخرى ، من يهود ونصارى ( )0
وقوله-  - لأحد الصحابة-  - : « أسلمت على ما سلف من خير» ( ) ، أي على ما قدمت من خير0
وقال النـووي( ) : مبيناَ معنى السلف : « السلف : المتقدم»( ) 0

ويرى ابن حجر ( ) :أن السلف هم: « الصحابة فمن بعدهم»( )
وقال ابن الأثير( ) : سلف الإنسان : هو من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ؛ ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح( ) 0

وبهذا يكون معنى السلف ، في السنة النبوية المطهرة ، المعنى ذاته، الذي ورد في القرآن الكريم ، وهو : السبق والتقدم ، كما أشار إلى ذلك علماء السنة والحديث 0

 

 

د ـ السلف في اصطلاح العلماء :
انقسمت أقوال العلماء في تحديد السلف ، إلى عدة أقــوال:
القول الأول : من يــرى أنهم الصحابة -  - فقط( )
القول الثاني : من يرى أنهم الصحابة - - والتابعون( )
القول الثالث : من يرى أنهم أهل القرون الثلاثة الأولى( )
القول الرابع : من يرى أنهم من كانوا قبل الخمسمائة ( ) 0
والسلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين( ) :
الأول : حقبة تاريخية معينة تختص بأهل القرون الثلاثة المتقدمة لحديث: «خـير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم00»( )
على أن السبق الزمني ليس وحده كافياً في تعيين السلفي والحكم بأنه سائر على مذهب السلف ، ما لم يكن موافقاً للكتاب والسنة ، قولاً وفعلاً ، فمن خالف الكتاب والسنة ، فليس بسلفي ، وإن عاش بين الصحابة والتابعين( )

الآخر : الطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون ، ومن تبعهم بإحسان، من التمسك بالكتاب والسنة ، وتقديمهما على ما سواهما ، والعمل بهما على مقتضى فهم السلف0
فالسلفية بالإطلاق الأول تكون مرحلة تاريخية انتهت بموت رجـالها 0
وبالإطلاق الآخر: تكون منهجاً باقياً إلى يوم القيامة ، يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده لحديث : « لا تـزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك » ( ) 0

وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية ، إشارات متناثرة في مؤلفاته ، توضح مفهوم السلف عنده ، منها قوله : «000السلف من المهاجرين والأنصــار ، ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان 000» ( )
وقوله : « 000 عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم 000»( )
وقوله : « 000 السلف من الصحابة والتابعين 000»( )
والمراد بالسلف: الصحابة -  -وتابعوهم وأتباعهم من أئمة الإسلام العدول ، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم في الدين ، وعظم شأنهم فيه ، وتلقى المسلمون كلامهم بالرضا والقبول ، خلفاً عن سلف( ) إلى قيام الساعة0
وهذا التعريف هو ما اختاره ؛ لأنه يتحقق به الجمع بين السلفية الزمنية ، والسلفية المنهجية ، كما أنه يجمع بين الأقوال المتقدمة للعلماء في تعريفهم للسلف( ) 0
وينبغي الإشارة إلى أمر مهم ، وهو أنه « ليس معصوماً إلا الرسول -- ، أما غيره فإنه معرض للخطأ ، والسهو ، والزلل ، والهوى ، والضعف ، والتقصير والقصور ؛ فلذلك يجب علـى أهل العلم وطلابه ، بيان زلة العالم إذا حدثت ، دون الغض من قدره ، ولا الحط من شأنه ، بل يجب الاعتذار له ، وغمر زلته في بحر حسناته ومناقبه ، فإنه لم يسلم من الخطأ أحد من العلماء؛ وكثير من مجتهدي السلف ، وقع من أفرادهم ما يخالف السنة ، ولم يقدح ذلك في إمامتهم ، وأهل السنة إنما يتبعون الدليل ، ويدورون معه حيث دار ، ويقتدون بأئمة الهدى ويجلونهم ويعذرون المخطئ ولا يتبعونه فيما أخطأ فيه( )0
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : « كثير من مجتهدي السلف والخلف، قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ، ولم يعلمــوا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، وإمـا لآيات فهموا منها ما لم يرد منها ، وإما لرأي رأوه ، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم»( ) ، « فالذي يتجرأ - على أحد من علماء السلف - بالتجهيل والتضليل ، دليل على نقص عقله، وقله علمه ، وضعف إيمـانه ، إذ لو كان تقياً ، ذا علم وفضل، لعرف للعلماء فضلهم ومكانتهم ، وأن ما يكون من أخطاء ، يتلاشى ويتصاغر ، عند عظيم حسناتهم ، وفضائلهم »( ) 0

 

 

ثانياً : تعــــريف القرن
أ ـ تعريف القرن لغة :
قال ابن منظور : « القرن : أهل كل زمان 000والقرن من الناس أهل زمان واحد ، والقرن الوقت من الزمان وقيل مطلق الزمان » ( )
وقال الزمخشري : «قرن : هو : قَـرْنه في السن ، وقِرْنه في الحرب ، و القَرْن - بالفتح - مثلك في السـن ، -وبالكسر- : مثلك في الشجاعة ، وهم أقرانه وهو قرينه في العلم والتجارة وغيرهما 000» ( )
وقال الزبيدي ( ): « القرن زمن معين»( )

ويظهر مما سبق أن القرن في اللغة يطلق على أهل الزمان الواحد، وكذلك الأقران المتماثلون في أمر من الأمور 0

 

ب ـ معنى القرن في القرآن الكريم:

وردت مادة (قرن) في القرآن الكريم ثلاثاً وثلاثين مرة ( ) ، منها قوله تعالى:  كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص  [ص: 3 الآية ]0
وقوله تعالى:  وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً فنقبوا في البلاد هل من محيص  [ق : 36 الآية ] 0
والقـرن في الألفاظ القرآنية ( ): هم القوم المجتمعون في زمن واحد ، وجمعه قرون 0
قال : ولقد أهلكنــــا القرون من قبلكم لما ظلموا000 [يونس : 13 الآية ]
وقال: ألم يروا كم أهلكنــا من قبلهم من قرن000 [الأنعام: 6 الآية]0

والقرن هم( ): « القوم المقترنون في زمـن واحد 000 ، والقرن أمة بعد أمة » ، قــال : 000وقروناً بين ذلك كثيراً 000 [الفرقان : 38الآية ]0

وقال القرطبي في أحكام القـرآن : « القرن : الأمة من الناس ، والجمع قرون ، فالقرن كل عالم في عصره 000والقرن مدة من الزمن»( ) 0
ويظهر مما سلف : أن القرن يطلق في القرآن الكريم، كما يطلق في اللغة ، على أهل الزمان الواحد 0

 

 

 

 

 

 


ج ـ معنى القرن في السنة النبوية الشريفة( ):

ورد القرن في السنة النبوية في عدد من المواضع وبألفاظ متعددة ومن هذه الأحاديث قوله _ _ « خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم 000» ( )
قال ابن حجر في فتح الباري : إن القرن هم « أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل ، ويطلق على القرن مدة من الزمن»( )
وقال ابن الأثير ، في جامع الأصول : « القرون جمع قرن وهو الأمة في عصر من الأعصار ، كلما انقضى عصر ، سمي أهله قرناً ، سواء طال أو قصر » ( )
وقال أيضاً ، في النهاية : القرن « أهل كل زمان ، و هو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان ، مأخوذ من الاقتران»( )

 

تحديد القـرن زمنياً :
تعددت أقوال العلماء في تحديد القرن زمنياً ، وتحديد مدته من السنين ، إلى أقوال عدة ؛ أشهرها ما يلي :
قيل : إنه متوسط أقدار أعمار أهل كل زمان ، وقيل : إن القرن ، عشر سنين ، وقيل عشرون ، وقيل ثلاثون ، وخمسون ، وستون ، وسبعون ، وثمانون ، وقيل مائة ، وقيل مائة وعشرون سنة ( ) 0 والذي عليه أغلب أهل العلم ، والمشهور ، أن القرن مائة سنة ( ) 0
وعلى هذا يكـون القرن الثامن الهجري ، مجال البحث في هذه الرسالة ، من سنة سبعمائة وواحد ، للهجرة النبوية الشريفة ، وحتى سنة ثمانمائة هجرية ، فأي عالم من علمـاء السلف ، يقع تاريخ وفاته بين هذين التاريخين ، وله ردود على الصوفية ، وفق خطة الرسالة ، سوف أورد جهوده وردوده القولية و العملية ، على الصوفية ، من خلال مؤلفاته ، أو المؤلفات الناقلة لها( ) 0

 

ثالثاً ـ تعـريف الصــوفية
أ- تعريف الصوفية( ) لغة :
تعددت الآراء والأقوال ، عنـد الباحثين في الصوفية والتصوف، في أصل المصدر، الذي اشتقت منه هذه الكلمة، فمنهم من ربط هذا المصـدر بالسلوك ، الذي ينتهجه الصوفية ، ومنهم من ربطه بالمعنى اللغوي ، وللـوقوف على هذه الأقوال والآراء ، سأعرض فيما يلي أهم ما ذكر:


أولاً : أنها مشتقة من الصُّفة( ):

نظراً لما تميز به أهل الصفة ، من زهد وعبادة ؛ فقد حاول بعض الصوفية وغيرهم ، رد أصل تسمية (الصوفية)، إلى (الصفة) بدعوى الشبه بينهما .

 

فقد قال السهر وردي ( ) : « قيل سُموا صوفية نسبة إلى الصفة التي كانت لفقراء المهاجرين على عهد رسـول الله »( ) ، وليؤكد الشبه بين الفريقين يقـول: «لأن الصــوفية يشاكل حالهم حال أولئك لكونهم متآلفين متحابين لله وفي الله كأصحاب الصفة » ( )

وقال الهجويري ( ) في أصل هذه التسمية عند ما استعرض بعض الأقوال التي قيلت في ذلك : قالت طائفة :«إنهم سموا كذلك لأنهم يتولون أهـل الصفة » ( )
وقد قال آخرون :« إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله  » ( )

المناقشـة :
يلحظ المتأمل لحال أهل الصفة ،أن هناك تشابهاً في الظاهر ، بين ما كانوا عليه وبين الصوفية ، ولا يستطيع التفريق بينهما إلا من عرف حال هؤلاء وهؤلاء ، ودوافع كل منهما في فعله ، ومع ذلك فإن نسبة ( الصوفية) إلى (الصفة ) ، ليست قوية عند المناقشة؛ لأن كثيراً من العلماء والباحثين وجماعة من أهل التصوف ، ردوا هذه النسبة ولم يؤيدوها ، لعدم صحتها من حيث الاشتقاق اللغوي 0
قال الهجويري : « ... هذا الاسم ـ أي التصوف ـ على مقتضى اللغة بعيد عن هذه المعاني » ( )
التي منها النسبة إلى الصفـة ، فهو إذاً لا يرى هذه التسمية صحيحة من حيث اللغة ؛ « لأن اشتقاق هذا الاسم لا يصح على مقتضى اللغة » ( ).
وقال السهر وردي ( ) ، و القشيري( ) ( ) ، بمثــل ذلك0
ويرى شيخ الإسلام ابن تيميه _ رحمه الله _ أن هذه النسبة غير صحيحة، وذلـك حين قال : «وأما من قال هم نسبة إلى الصفة فقد كان حقه أن يقال صفّية » ( )

هذا عن القول بنسبتهم إلى الصفة فالواضح أنه لا يستقيم من هذا الوجه ؛ من حيث اللغة ، فهو إذن مردود.

ثانياً : أنها مشتقة من صوفة :

صوفة: قوم في الجاهلية كانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج، وحكي أنهم أفناء القبائل تجمعوا مع بعضهم حتى أصبحوا متشابكين كالصوف( ) .
«والصوفة كل من ولي شيئاً من عمل البيت ـ الحرام ـ وهم الصوفانة» ( ) 0
يقول ابن الجوزي( ) في هذه النسبة : « كانت النسبة في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإيمان والإسلام ، فيقال مسلم ومؤمن ، ثم حدث اسم زاهد وعابد ، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد ، فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في ذلك طـريقة تفردوا بها ، وأخلاقاً تخلقوا بها ، ورأوا أن أول من انفرد به بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل يقال له صوفه ... فانتسبوا إليـه لمشابهتهم إيـاه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى فسموا بالصوفية»( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عندما تكلم عن نسبة التصوف : « وقيل نسبة إلى صوفه بن بشر بن أد بن طابخة
من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ، ينسب إليهم النساك ...» ( ).

المناقشـة :
القول إن التصوف ، مشتق من صوفه ، لا يعدو أن يكون كسابقه ، من حيث ضعفه ، وعدم كفاية الأدلة على الأخذ به، بل إن الأدلة تشير إلى رده ، وعدم صحته ؛لأن « ... هؤلاء غير مشهورين ولا معـروفين ، عند أكثر النساك ؛ ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء، لكان هذا النسب في زمن الصحابة ، والتابعين وتابعيهم أولى »( ) 0

ولهذا فإن « احتمال أخذ التسمية ، من هذا القبيل ضعيف ومردود ، فصوفه خدم الكعبة في الجاهلية ، لم يكونوا مشهورين ومعروفين » ( ) .


ثالثاً أنها مشتقة من الصوف :

« الصـوف للغنم كالشعر للمعز، والوبر للإبـل والجمع أصواف » ( ) « ويقال كبش أصوف وصوف وصائف وصاف ، كل هذا أن يكون كثير الصوف»( ) ولإثبات هذه النسبة للصوفية وضع السراج الطوسي( ) فصلاً في كتابه اللمع بعنوان : باب الكشف عن اسم الصوفية ، ولِمَ سـموا بهـذا الاسم ، ولِمَ نسبوا إلى هذه اللبـسة 000ويجيب عن هذا قائلاً : «لأن الصوفية لم ينفردوا بنوع من العلم دون نوع ، ولم يترسموا برسم من الأحوال والمقامات دون رسم ، 000فلأجل ذلك ما أضفت إليهم حالاً دون حال ولا أضفتهـم إلى علم دون علم».وينتهي إلى تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى «ظاهر اللبسة لأن لبسه الصوف دأب الأنبياء عليهم السلام وشعار الأولياء والأصفياء » ( ) 0 حتى قال : « فكذلك الصوفية عندي والله أعلم نسبوا إلى ظاهر اللباس » ( ).

و يذكر الكلاباذي( ) قـول من قال :« إنما سموا صوفية للبسهم الصوف » ( ) ثم يعقب بقوله :« ومن لبسهم وزيهم سموا صوفية»( )

وقال :الهجويري إن جماعة قالت :« إن الصوفي يسمى بالصوفي؛ لأنه يلبس ثياب الصوف » ( )

وأما السهر وردي فيؤيد هذه النسبة بقوله : « كان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا وراحتها ، لشدة شغلهم بخدمة مولاهم ، وانصراف همهم إلى أمر الآخرة » ثم يؤكد أن هذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق ؛لأنه يقال: «تصوف إذا لبس الصوف ، كما يقال تقمص إذا لبس القميص»( )

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :« والنسبة في الصوفية إلى الصوف لأنه غالب لباس الزهاد » ( )
والصوفي :« من يتبع طريقة التصوف والعارف بالتصوف ، وأشهر الآراء أنه سمي بذلك ؛لأنه يفضل لبس الصوف تقشفاً»( )


المناقشــة :
« الدلائل تشير إلى أن أقرب الفروض إلى الصحة هو فرض نسبة التصوف إلى الصوف باعتباره شارة دالة في وقت معين على منهج خاص»( )0

وهذا ما أراه واختاره ، من تعريفات الصوفية والتصوف ؛ لأنه يوافق المعنى اللغوي وكذلك يعبر عن ظاهر الصوفية للبسهم الصوف ، والله تعالى أعلم 0
ب - التصوف في القرآن الكريم ، والسنة النبوية :

لم ترد كلمة (التصوف ) في القرآن الكريم ، ولا في السنة النبوية ؛ بل الوارد فيهما كلمة الصوف ، كما قال : 000ومن أصـــــوافها و أوبارها وأشعــــــــــارها أثاثاً ومتاعــــــــاً إلى حين  [النحل : 80 الآية ]

وكذلك في السنة ، لم ترد الكلمة - فيما وقفت عليه - إلا بمعنى الصوف المعـــروف( )0

ج ـ تعريف التصوف اصطلاحاً:

مع كثرة أقوال الباحثين في التصوف ، فإنك لا تصل إلى تعريف جامع مانع للتصوف ، ولم ينته الرأي فيه إلى نتيجة ، بالرغم من وجود أكثر من ألف تعريف للتصوف( ) ، وممن عرفه من الصوفية :

معروف الكرخي( ) : (ت200هـ)، إذ قال : « التصــوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق »( )

وقال بشربن الحارث( ) (ت227هـ):«الصوفي من صفا قلبه للـه »( )

وقال الجنيد( ) (ت298هـ)عندما سئل عن التصوف قال : « إن تكون مع الله بلا علاقة »( )

وقـال الحصري ( )(ت371هـ) : « الصوفي هو الذي لا تقله أرض ولا تظله سماء » ( )

وقد عرف ابن الجوزي التصوف بأنه:« طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ، ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص ، فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام ، لما يظهرونه من التزهد ، ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب »( )
وعرفه ابن خلدون( ) فقال:هو « العكوف على العبادة ، والانقطاع إلى الله تعالى ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يُقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد للخلوة في العبادة » ( ) 0
وعُرف التصوف اصطلاحاً أنه :« طريقة سلوكية ، قوامها التقشف ، والتحلي بالفضائل ، لتزكو النفس ، وتسموا الروح »( )0

وكما عُرف بأنه : « حركة بدأت زهداً وورعاً، ثم تطورت فأصبحت نظاماً شديداً في العبادة ، ثم استقرت اتجاهاً نفسياً وعقلياً، بعيداً عن مجراها الأول ، وعن الإسلام في كثير من أوجهها المتطرفة »( )

ولا يمكن ترجيح أي من التعاريف الاصطلاحية للتصوف عند الصوفية ؛لأنها تعاريف يكتنفها الغموض وتطغى عليهـا الإشارات والعبارات العامة ، غير الدقيقة ؛ ولأن « هذه التعريفات لم يقصد الصوفية بها تعريف التصوف تعريفاً علمياً شاملاً ،يستوعب كل صوره ؛ بل قصدوا بها التعبير عن أحوالهم الخاصة ، في لحظة معينة محدودة ، فهي تعبر عن مواجدهم وأحوالهم ومقاماتهم، التي يتدرجون فيها»( )، «فكل واحد منهم عبر عما وجد ونطق بحسب مقامه »( )
أما تعاريف التصوف عند غير الصوفية ؛ فهي تعاريف متقاربة في المضمون ، إلا أن تعاريف المتأخرين ، يظهر فيها بيان لانحرافات الصوفية، بخلاف التعاريف المتقدمة في الزمن ، والتي تبين التصوف في بداياته الأولى ، قبل أن ينحرف في مسائل الاعتقاد 0
ومع ذلك يمكن التفريق بين الصوفية ، المنحرفين في مسائل الاعتقاد ، والذين لم ينحرفوا ، وحتى يتبين من هم ، المقصودون بالرد والمناقشة ؛ لأن من الصوفية ، من هو محسن ، ومن هو مسيء ، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام بقوله :
«والصواب إنهم مجتهدون -أي الصوفية - في طاعة الله ، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده ، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين ، وفي كل الصنفين من قد يجتهد فيخطئ ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب 0
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه ، عاص لربه ، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ( )000» ( )

ولهذا فإن المقصودين بالرد والمناقشة هم : الصوفية ؛ أهل الأهواء( ) ، والبدع والزندقة ؛ المخالفون لمنهج السلف ، وهم الذين عناهم شيخ الإسلام 0

 

 

 

أولاً ـ حالة الأمة في القرن الثامن الهجري من الناحية السياسية :


الأمة الإسلامية ،كغيرها من الأمم ، يحفل تاريخها بأحداث جسام وتطورات عظيمة ، وغالباً ما تكون هذه الأحداث والتطورات ، هي التي تبين حال الأمة من ضعف وقوة ؛ لأن هذه الأحداث مرتبطة بالحالة السياسية التي تعيشها الأمة في أية فترة ، ولهذا قد تحدث بعض الأحداث الكبيرة و المؤثرة ، في فترة من الفترات ، يمتد أثرها إلى أجيال عديدة ، وحقب مديدة ، ولا تكتمل الصورة بأبعادها المختلفة إلا بالإشارة لها ، وهذا ما ينطبق علـى حال الأمة الإسلامية في القرن الثامن الهجري ، إذ حدثت لها وقائع جسيمة ، في النصف الأخير من القرن السابع، استمرت أثارها بارزة على كيان الأمة ، حتى القرن الثامن الهجري ، وقبل بيان تلك الأحداث الأليمة ، سأذكر الخلفاء والحكام في البلاد الإسلامية ، وأوضاعها الداخلية ، خلال هذه الحقبة من الزمن :

1-الخلفاء والسلاطين والحكام في العالم الإسلامي خلال هذا القرن:

تولى الخلافة خلال هذا القرن خمسة خلفاء من بني العباس هم : المستكفي بالله أبو الربيع سليمان انتهى حكمه في سنة 740هـ ، والواثق بأمر الله ، وانتهى حكمة في العام نفسه، والحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن المستكفي من 740 إلى 753هـ ، والمعتضد بالله أبو الفتح أبو بكر المستكفي من 753 إلى 763هـ ، وأخيراً المتوكل على

الله أبو عبد الله محمد من 763إلى 784هـ ( )
وأما باقي البلاد الإسلامية ، فكان ولاتها على النحو التالي:

أ- الديار المصرية والبلاد الشامية :
كانت بيد الملك المظفر ركن الدين بيبرس ، حتى خلع سنة 709هـ ، ثم عاد إلى السلطة ؛ السلطان الملك الناصر محمد قلاوون ، واستمر فيها ، حتى توفي 742هـ ، ثم تولاها المظفر أمير حاجي بن الناصر محمد قلاوون إلى سنة 748هـ ، ثم بويع أخوه السلطان الناصر حسن في العام نفسه ، وأما الظاهر برقوق فقد حكمها حتى خلع سنة 791هـ ، وتولى بعده الملك منصور حاجي بن الأشرف ( )0

ب- مكــة المكرمة :
كانت مكة المكرمة ، خلال القرن الثامن ، بيد الشريف أبي نميّ وقد اضطربت الأوضاع بها ، بعد وفاة الشريف أبي نمي ، ولم ينحصر النزاع حـول إمارة مكة على أبناء الشريف أبي نمي ، بل تعداهم إلى أولاد عمهم ، وقد أتاح هذا الصراع بين أشراف مكة ،الفرصة لدولة المماليك أن تتدخل في شؤون مكة لأول مرة ، فصارت دولة المماليك تتدخل في توليه إمارة مكة لمن تـريد ، من أولاد الشريف أبي نمي( ) ، واستمر الصراع بين الأشراف ، على إمارة مكة المكرمة، حتى آلت سلطتها إلى أبناء عجلان ، وذلك قبيل نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع الهجري( )0

ج _ المدينــة المنورة :
كانت بيد جماز بن شيحة ، حتى عمي ومات سنة 705هـ، ثم تولاها من بعده ابنه منصور بن جمـاز ، ثم وفد أخوه مقبل بن جماز على الناصر محمد بن قلاوون بالديار المصرية ، فأشرك بينهما في الإمرة والإقطاع ، ثم نشب بينهما صراع طويل ، فكل منهما يريد الاستئثار بالسلطة ، ونتيجة لذلك الصراع ، قام كبيشة بن منصور، بقتل عمه مقبل ، واستمر الصراع إلى أن أوشك القرن الثامن على الانتهاء ، فكانت إمارة المدينة المنورة بيد نعير بن منصور بن جماز ثم قُتل ، فوثب جماز بن هبة على إمارة المدينة واستولى عليها ، فعزله السلطان وولى مكانه ثابت بن نعير فبقي إلى آخر سنة أربع وثمان مائة( ) 0

د- اليمــن ( ):

كانت تحت حكم بني رسول ، وينتهي نسب آل رسول إلى محمد بن هارون ، أحد وزراء الأيوبيين بمصر ، وأول سلطان للرسوليين باليمن هو: المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول ، مؤسس الدولة الرسولية بتعز ، وقد كان حكام دولة بني رسول ، خلال القرن الثامن الهجري :
1- المؤيد داؤود بن يوسف 696-721هـ
2- المجاهد علي بن المؤيد 721 - 764هـ
3- الأفضل العباس بن مجاهد 764- 778هـ
4- الأشرف الثاني إسماعيل بن العباس 778- 803هـ
واستمرت دولة بني رسول في حكم اليمن ، إلى أن استولى عليها بنو طاهر ( ) 0

هـ ـ تونـس ( ) وأفريقية ( ):
كانت تونس وأفريقية ، بيد أبي عصيدة محمد، وبجـاية( ) من الغرب الأوسط بيد أبي البقاء خالد بن أبي زكريا ، فمات أبو عصيدة في ربيع الآخر سنة تسع وسبع مائة ، ولم يخلّف أبناء ، فبايع أهل تونس من بعده أبا بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص ، فزحف أبو البقاء خالد ، صاحب بجاية ، على أبي بكر بن عبد الرحمن صاحب تونس فقبض عليه واعتقله، ثم قتله بعد ذلك ، فعرف بأبي بكر الشهيد ، واستقل السلطان أبو البقاء خالد بملك تونس وبجاية وما معهما ، وتلقب الناصر لدين الله( )

و ـ غــرناطة( ):
كانت في القرن الثامن الهجري تحت حكم بني الأحمر،وقد أسس هذه المملكة ، محمد بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر ، وقد أنشأ السلطان محمد بن يوسف مملكته ، بعد انهيار سلطان الموحدين، فقد كافح ، كفاحاً بالغاً ، في سبيل تأسيس مملكته ، واستتباب الأمن في ربوعها ( ) ، وكغيرها من الممالك الإسلامية ، لم تخل هذه المملكة من الصـراع على السلطة ، ففي سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة ، تقاتل بنوا الأحمر على السلطة ، فقُتل بعضهم ، وأساء بعضهم السيرة في الرعية والجند( ) 0
وقد تولى حكم هذه المملكة في القرن الثامن الهجري ( ):
1- السلطان أبو عبد الله محمد 701- 708هـ
2- نصر أبو الجيوش بن محمد بن يوسف 708- 713هـ
3- إسماعيل بن فرج بن إسماعيل 713- 722هـ
4- السلطان إسماعيل بن فرج بن إسماعيل 722- 725هـ
5- محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل 725- 733هـ
6- يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل 734- 755هـ
7- محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل 755- 793هـ 0


2ـ دولـــة المماليك ( ):
بعد اجتياح المغول لبغداد ، وسقوط الخلافة الإسلامية سنة 656هـ ، انتقل الثقل السياسي للدولة الإسلامية ، إلى مصر وعندما حل مطلع القرن الثامن الهجري ، كان حكم مصر لا يزال بيد دولة المماليك ( )، وكان سلطان المماليك ، السلطان الناصر محمد قلاوون في ولايته الثانية ، التي امتدت من سنة 698-708هـ ، ونتيجة لتشديد الخناق عليه من قبل بعض الأمراء ، أصحاب النفوذ في الدولة ( ) ، انتهى الأمر بعزله وزوال سلطنته الثانيـة ، إلا أنه عاد في سنة 709هـ، وتولى السلطة حتى عام 741 هـ( ) ، وكـان أول ما فعله عقب تسلمه زمام الملك ، التخلص من المتآمرين عليه من الأمراء ( ) ، وتعتبر سلطنة الناصر الثالثة ،الفترة التي حـكم فيها بنفسه ، وتخلص من أعدائه ، وازداد تعلق الشعب به ، وتعد هذه الفترة ، من أزهى عصور مصر ، فقد كانت القاهرة حاضرة لدولة شاسعة متحدة ، امتد سلطانها من بلاد برقة ( ) غرباً إلى ساحل البحر الأحمر شرقاً ، ومن أسيا الصغرى( ) شمالاً ، إلى بلاد النوبة( ) جنوباً ، وبسطت نفوذها على بلاد اليمن والحجاز( ) ، وفي عهده تم القضاء على المغول في معركة مرج الصفر القريبة من دمشق سنة 702هـ ( )0
وبعد وفاة الناصر سنة 741هـ ، دخلت دولـة المماليك البحرية في طور جـديد من نظم الحكم ، وذلك بسبب كثـرة عدد السلاطين ، الذين اعتلوا العرش وصغر سنهم ( )، وبسبب ظهور نفوذ الأتابكة( ) بشكل جلي ، واشتداد التنافس بين الأمراء على النفوذ ، وجعلهم ألعوبة في أيديهم ، يعزلونه أو يبقونه على العرش حسب مشيئتهم ، وكان مصير أولئك السلاطين الخلع ثم النفي أو القتل ، وبذلك ضعفت دولة المماليك ، واضطربت أحوالها ، وكثرت الفتن والقلاقل في جميع أرجائها، وقد بلغ عدد أولئك السلاطين الذين تولوا العرش بعد وفاة الناصر محمد ، إلى نهاية دولة المماليك البحرية ، اثني عشر سلطاناً ، ثمانية من أولاد الناصر وأربعة من أحفاده ( ) ، وقد تدهورت السلطنة المملوكية ، في عصرهم تدهوراً كبيراً ، وازداد انحلال السلطة المملوكية ، نتيجة تولي سلاطين ، صغار السن لم يتجاوز بعضهم الحادية عشر من العمر ، وبذلك انتهت دولة المماليك البحرية ، وجـاءت مكانها دولة المماليك البرجية ( )، وأبرز مظاهر هذه الدولة ، الاضطراب الداخلي الذي ساء في عصرها ، لأن سلاطين هذه الدولة وصلوا إلى السلطة بعد فتنة وانقلاب سياسي ، فطبع عصرهم ، بطابع الفتن والثورات التي كانت تقوم بين الحين والآخر ، إلى أن تم سقوطها على يد الدولة العثمانية في سنة 923هـ ( )
3ـ الصراع الداخــلي :
تميز القرن السابع والثامن الهجريان ، بصراعات داخلية بين المسلمين ، كان لها أثار سيئة على الاستقرار السياسي للدولة الإسلامية ، فخلال الفترة من عام 648 إلى عام 792 للهجرة التي هي عمر دولة المماليك البحرية تولى السلطة فيها ما يقارب الثلاثين من الحكام ، ثلثهم قتلوا ، وثلثهم خلعوا ، والثلث الباقي عزلوا ، أو بقوا على سلطتهم حتى ماتوا ( ) ، ولم يقتصر الصراع على السلـطة ، على دولة المماليك ، وإنما امتد إلى بقية مناطق المسلمين ، ففي هذا القرن شهدت مكة

المكرمة، صراعاً مستمراً على السلطة، بين الأشراف أنفسهم ، وأصبح كل واحد منهم يخطب ود دولة المماليك ، لنصرته على خصومه، مما جعل دولة المماليك تبسط سلطتها على مكـة المكرمة ( ) ، وكذلك كان الحال في معظم البلاد الإسلامية ، كما مر بيانه 0

4- الحــروب الصليبية :
هجمة شرسة من الغرب تعرضت لها الأمة استمرت ما يزيد على قرنين من الزمن ، من عام 490 إلى عام 702هجري ( ) ؛ لأسباب عديدة ، فهناك من جعل دافع تلك الحروب الحالة الاقتصادية في أوربا ، واعتقاد الأوربيين أن البلاد الإسلامية هي بلاد الذهب والثراء ( ) ، وهناك من جعل أسبابها ، تخليص النصارى _ حسب زعمهم _ من سوء معاملة المسلمين ، وتخليص بيت المقدس من الحكم الإسلامي ، ولهذه الأسباب وغيرها ، انتهز البابا ( ) هذه الفرصة ، ودعا ملوك أوربا إلى غزو العالم الإسلامي ، وعلى أثر ذلك بدأت الحملات الصليبية ، والتي كان من آثارها الاستيلاء على عديد من ديار المسلمين ، ومن ضمنها بيت المقدس ، وعاثوا فيها فساداً وسفكوا فيها الدماء الكثيرة ، وغنموا الأموال الطائلة( ) ، ولم يدم الحال للنصارى طـويلاً ؛ لأن هذه الحروب قد أثرت على المسلمين تأثيراً بالغاً ،ومع ذلك فقد توحدت الصفوف واستعدت الجيوش ، و استيقظ المسلمون ، وأحيوا فريضة الجهاد ، وأخذوا يطهرون المدن الإسلامية من الغزاة مدينة إثر أخرى ، حتى استطاعوا تصفية الوجود الصليبي من بلاد الشام في سنة 690 هجرية( )
إلا أنهم - الصليبيين - اتخذوا من جزيرة أرواد( ) مقراً لهم ، وبنوا لأنفسهم سوراً عظيماً يتحصنون به من الغزاة ، ولكنهم ما فتأوا يغيرون على سكان المدن الساحلية في بلاد الشام ، مماجعل السلطان الناصر محمد يجهز أسطولاً بحرياً ويغزوها ، فتم له فتحها في سنة 702 هـ، وكانت من أضر الأماكن على أهل السواحل ، وكان فتحها من تمام فتح السواحل ،وأراح الله المسلمين من شر أهلها ( ) 0

5- هجــوم التتار( ):
في عام 656هـ تعرض العالم الإسلامي ، لهجوم شرس من جهة الشرق ، لم يسبق وأن تعرض لمثله ، إذ قدم التتار من الشرق قاصدين مقر الخلافة الإسلامية في بغداد ، فاستولوا عليها ، وقضوا على الخلافة الإسلامية فيها وقتلوا الخليفة ( )، وعدداً كبيراً من الناس ومنهم نخبة من العلماء ، وقيل إن عدد من قتل ببغداد في هذه الأحداث ، بلغ ثمانمائة ألف ، وقيل ألف ألف نفس ( )، ثم زحفوا غرباً واستولوا على دمشق ، دون قتال ومن غير ممانعة ولا مدافعة ، ثم واصلوا الزحف يريدون مصر ، لكن الله خيب مسعاهم ، إذ تمكن المسلمون من صد هم، وهزيمتهم هزيمة نكـراء ، في معركة «عين جالوت»( ) وعلى أثر ذلك فر التتار وطـاردهم المسلمون حتى أخرجوهم من دمشق وحلب ، وأخضعت بقية بلاد الشام لحكم المماليك ، وكانت أخر معركة مع التتار في سنة 702على مقربة من حمص ( ) 0

 

 

ثانياً ـ حالة الأمة في هذا القرن من الناحية الدينية والفكرية :

لقد عرف المماليك ما للعلم من قيمة ، فعملوا على تشجيع العلماء، وأجزلوا لهم العطاء ، فهبوا لإحياء العلوم بعد النكبة التي قضت على التراث العلمي ، يوم سقوط بغداد( ) ، فازدهرت المدارس والجوامع في كل من مصر والشام ( )، وغيرهما من بلاد المسلمين ، ورغم هذه النهضة العلمية ، وتوجه الناس لطلب العلم ، فقد استولت على المجتمع المسلم عدة أوهام وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف 0

 

 

 

 

 


فقد انتشر مذهب الأشاعرة( )بين الناس ؛ لأن بعض الولاة تبع هذا المذهب ، فعمل على نشره بين الناس بقوة( ) ، وكادت تندرس ، معالم مذهب أهل السنة والجمـاعة ، « إلى أن كان - في أواخر القرن السابع - من سني الهجرة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد 000بن تيمية الحـراني فتصدى للانتصار لمذهب السلف ، 000والرد على مذهب الأشاعرة ، وصدع بالنكير عليهم ، وعلى الرافضة( )000» ( )
ومن الرافضة من قتل في القرن الثامن الهجري ، لقيامة بسب الشيخين( )، وأصر على سبهم حتى حمل إلى نائب السلطان فأصر على سبهم وقوله إنهم على ضلال ، فحكم عليه بإراقة دمه( )0
كما أن أذى الرافضة لأهل السنة ، في هذا القرن ، لم يقتصر على هذه الحوادث ؛ بل تعداه إلى إجبارهم ، على اتباع مذهب الرفض ، في بعض بلاد الإسلام ( )
وكان للباطنية( ) أيضاً دور في إيذاء المسلمين في هذا القرن ، كما بين ذلك شيخ الإسلام ، حين قال : « ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية، إنما استولى عليها النصارى ، من جهتهم ، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين ؛ فهم مع النصارى على المسلمين ، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل ، و انقهار النصارى ، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار » ( ) 0
أما الصوفية قد انتشرت بطرقها المختلفة ، وأصبح لها مكانة في المجتمع ، وصارت الخوانق والربط( ) من دور التعليم( )، وأصبحت تنشر بدعها بكثرة وأصبحوا يؤذون أهل السنة والمتمسكين بمنهج السلف ، كما حصل منهم تجاه شيخ الإسلام ، فقد تعرض لأذى الصوفية القبوريــة ؛ لأنه ألف في بيـان ضلالهم وتحذير الناس من بدعهم ، وناظرهم حتى انقطعت حججهم( )
وكانت محنة شيخ الإسلام مع الصوفية في مصر ، بسبب تطرق الشيخ إلى جوانب عقدية تمس أحوال الصوفية وبدعهم ،
وكلامه في ابن عربي ( )؛ فقام نصر المنبجي ( ) وابن عطاء السكندري( )، و آخرون ، بإثارة أتباعهم من الصوفية ، فاجتمع خلق كثير منهم ؛ من أهل الخوانق والربط والزوايا، واتفقوا أن يشكوا الشيخ إلى السلطان ، فطلع منهم خلق كثير إلى القلعة ، وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم ، وذلك في شوال سنة 707هـ ( ) 0
ولم يسلم من أذاهم الإمام الشاطبي ، حيث اتهم بمعاداة أولياء الله لأنه بيّن أحوال هؤلاء ، وأظهر مخالفتهم للسنة ( ) 0
وكان بعض السلاطين يُعين على هذه الضلالات والانحرافات ، ببناء الأضرحة والقباب ، ليزورها الناس ويتوسلوا بها رجاء كشف الضر عنهم ؛ويلقب شيخ الصوفية في هذا القرن ، بشيخ الشيوخ ، وأصبح الناس يرجون بركتهم( )0
إلا أن بعض السلاطين كانوا يحاربون البدع وأهلها ، ولا يرضون بها، ولا يقرونها، ومن هؤلاء : السلطان الناصر محمد بن قلاوون، الذي وجه رسالة لأمير مكـة سنة700هـ ، يطلب منه منع الآذان الشيعي( ) من الحرم ، وكذلك منع الإمام الزيدي( ) من الصلاة بأتباعه في المسجد الحرام ، وقـد أجاب أمير مكة طلبه ( ) ، ومنع الآذان الشيعي في المسجد الـحرام ، وكذلك منع الإمام الزيدي، من إمامة طائفته بالمسجد الحرام 0
وإزاء هذه الحالة ، نشط علماء الأمة المتمسكون بمذهب السلف ، في مقارعة أهل البدع والضلال ، بالدعوة للدين القويم، والمذهـب السليم ، من خلال الدروس والمحاضرات والمناظرات والإفتاء ( )، ولم يبالوا بالسجن والأذى الذي لحق بهم من جراء مواقفهم الجهادية ، ومن أبرز هؤلاء العلماء ، شيخ الإسلام ابن تيميه ، ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي والحافظ عماد الدين ابن كثير والشاطبي وابن رجب وابن مفلح ، وغيرهم من أعلام السلف في هذا القرن ( )، فأثمرت جهودهم علماً غزيراً ونافعاً ، امتدت أثاره حتى العصر الحاضر فلله الحمد والمنة0


أهــل الذمة ( ) :
من اليهود والنصارى ، فقد كانت أحوالهم في القرن الثامن الهجري، تتفـاوت تبعاً للحاكم الذي يتولى السلطان ، وكذلك تصرفات أهــل الذمة أنفسهم ، تحدد نوعاً ما أُسس العلاقة بينهم وبين المجتمع الإســلامي ، وما ينعمون به من أمن وسلام ، وحرية العمل والعبادة ، فإذا أظهروا القوة والجبروت ، واحتقار المسلمين ، زاد عداء المسلمين لـهم ، وإن أظهروا التواضع والسكون سمح لهم المسلمون بحرية العباد والعمل( ) 0
وفي بداية القرن الثامن الهجري ، ونتيجة لتصرفات بعض أهل الذمة ، فرض عليهم عدم بناء كنائس جديدة ، والاكتفاء بما هو قائم من الكنائس القديمة ، و أُلزموا بلباس زي مغاير لزي المسلمين ، فكان زي النصارى العمائم الزرق وشد الزنار( ) في أوساطهم ، ومنعهم من ركوب الخيل ، وأُلزم اليهود بلبس العمائم الصفر ، وذلك حتى لا يختلط أمرهم على المسلمين ( ) 0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً ـ حالة الأمة في هذا القرن من الناحية الاجتماعية :
كل مجتمع من المجتمعات ، لا يخلو من طبقات متعددة، وهذا حال الأمة الإسلامية ، في القرن الثامن الهجري ، فقد كان المجتمع مكوناً من طبقات : الحكام ، والعلماء ، والتجار ، وعامة الناس0
ولاشك أن طبقة الحكام هي الطبقة الأقوى والمستأثرة بالنصيب الأكبر من خيرات الأمة ، أما طبقة العلماء فمنهم من يصدع بالحق ويأمر بالمعـروف وينهى عن المنكر ، غير مبالٍ بما يحصل له من العقاب ، ومنهم مـن آثر الراحة والسلامة ، ثم تأتي طبقة التجار التي تملك الأموال والأقوات ، وأخيراً تأتي طبقة العامة التي تتأثر بما يدور بين الطبقات الأخرى ، من صراعات وتتحمل العبء الأكبر من النتائج والآثار0
ثم إن هذا المجتمع قد تأثر بما مر به من أحداث عاصفة ، من حروب وهجرات واختلاط مع الأمم الأخرى ، من تتار ( ) ويهود ونصارى ( )، فدخلته عادات وأفكار جديدة ، نتيجة لاختلاطه بأجناس مختلفة ، كما انتشرت بعض المعاصي والمفاسد في هذا القرن ، وبعض المنكرات( ) وغلاء الأسعار ، والأمراض الفتاكة ، وحصول المجاعات الشديدة، حتى أكل الناس الميتة( ) 0


مقارنة هذا القرن بالقرن الذي قبله :
لعل في استعراض الحالة السياسية ، والدينية ، والفكرية،والاجتماعية، السابق ، ما يعطي بعض الملامح ، عن أحوال الأمة في القرنين السابع والثامن الهجريين ، ويمكن بيان أهم الملامح الرئيسة لهما في ما يلي :

أولاً القرن السابع :
تميز بحدثين كبيرين ، وهما استمرار الاحتكاك مع الصليبيين ، وهجوم التتار، وبالتالي سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد في 656 هـ، وزوال الأهميـة السياسية لبغداد ، ثم انتقال الخلافة الإسلامية إلى القاهرة ، التي أصبحت مقر الثقل السياسي 0

أما التصوف في القرن السابع فقد بلغ أوجه ، وظهرت له رموز كبيرة( ) وأُحدثت بعض الطرق التي لم تكن معروفة في القرون السابقة( )
وأما باقي الفرق فقد حاولت نشر مذاهبها وأفكارها ، حتى نتج عن ذلك بعض الصراعات ( )0

ثانياً القرن الثامن :
تميز عن القرن السابع بانحسار العدوان الخارجي ، وبكثرة الصراعات الداخلية على السلطة ، واستمرار الفرق( )المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، نشر آرائها الباطلة بين الناس ، وخصوصاً الصوفية، التي انتشرت وقويت ، وأصبح لها الكثير من الربط والزوايا ، واعتبرت هذه الربط والزوايا من دور التعليم ، وأصبح يزورها السلاطين والقادة ( )
واتخذت القبور والأضرحة للأولياء والصالحين وللمشايخ الصوفية ، أمكنة تزار وتشد لها الرحال وتمارس فيها شركيات كثيرة( )0
كما تميز القرن الثامن بالازدهار العلمي ، وكثرة المدارس والجوامع في كل من مصر والشام ، وغيرهما من بلاد المسلمين( )

أما الحالة الاجتماعية ، فهي متقاربة في هذين القرنين ، نتيجة لما مر به المجتمع من أحداث، وحروب، واختلاط مع الأمم الأخرى( ) 0

 

 

 

 

أولاً - نشأة التصوف :

إن الذين كتبوا في نشأة التصوف ، اختلفوا في تحديد العصر الذي ظهر فيه هذا المصطلح ، وتظهر اختلافاتهم في تحديد الفترة التاريخية لظهور هذا المصطلح ، هل كان موجوداً في الجاهلية ، وتجدد ظهوره مرة أخرى في الإسلام ؟ أم أنه لم يظهر إلا في الإسلام ؟ وكل فريق يورد من الروايات ما يسند رأيه ، و يستنبط من الأحداث ما يوافق وجهة نظره:
ويمكن بيان ذلك فيما يلي :

أ : موقف الفريق الأول ، الذي يذهب إلى أن التصوف عُرف قبل الإسلام :

ويمثل هــذا الفريق ، الرواية التي أوردها الإمام الطـبري( ) في تاريخه بسنده( ) : « كانت صوفة تدفع الناس من عرفة ، وتجيزهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر ، أتوا لرمي الجمار، ورجل من صوفة يرمي ، للناس ، لايرمون حتى يرمي ، فإذا فرغوا من رمي الجمار ، وأرادوا النفر من منى ، أخذت صوفة بناحيتي العقبة ، فحبسوا الناس وقالوا : أجيزي صوفة ، فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا ؛ فإذا نفرت صوفة ومضت خُلي سبيل الناس ، فانطلقوا بعدهم ، 000قد عرفت ذلك لها العرب ، وهو دَيْـن في أنفسهم ، من عهد جرهم( ) وخـزاعة( )000»( )

فالطبري - بما رواه - يرى أن صوفة هم ؛ جماعة من العرب معروفون في الجاهلية، يعتقد الناس ولايتهم ، فلم يكن الحجاج يرمون الجمار ، إلا بحضور رجل منهم ، ليتقبل الله منهم أعمالهم 0

وكذلك أورد ابن الجوزي بسنده( ) الرواية القائلة : « بأن قوماً كانوا في الجاهلية يقال لهم صوفة ، انقطعوا إلى الله -عز وجل - وقطنوا الكعبة فمن تشبه بهم فهم الصوفية »( ) 0
ويذكر أن هؤلاء القوم ينسبون إلى رجل في الجاهلية كان يدعى:(الغوث بن مــر ) .
ويورد ابن الجوزي رواية( ) أُخرى فيقول :« إن أم هذا الرجل كانت لا تلد إلا إناثاً فقالت : لله علىِّ إن ولدت غلاماً لأعبدنه للبيت ، ولما ولدت ( الغوث بن مـر ) ، ربطته عند الكعبة فأصابه الحر ، فمرت عليه وقد سقط واسترخى ، فقالت : ما صار ابني إلا صوفة فسمي صوفة»( )
ويرى ابن الجوزي أن في هاتين الروايتين دليلاً على أن أصل هذه التسمية كان موجوداً قبل الإسلام ومعروفاً عند عرب الجاهلية ،وأن من تعلق بالزهد من المسلمين فيما بعد وانقطع للعبادة ، فقد انتسب إلى هذا الرجل ، وهذه القبيلة .
ويورد السراج الطوسي رواية تؤيد قول من قال إن اسم التصوف عُرف قبل الإسلام ، فيذكر :« أنه قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد ، وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفيّ ، فيطوف بالبيت وينصرف »
ثم قال : « فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يُعرف هذا الاسم» ( )

المناقشــة :
يمكن الجواب عن ما ذكره الإمام الطبري ، والحافظ وابن الجوزي ، من خلال النقاط التالية :
أولاً : إن هذه القبيلة من العرب ، غير مشهورة ولا معروفة عند أكثر النساك ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ، ابن تيمية - رحمه الله - ( )
ثانيـاً : إن غالب من تكلم باسم التصوف ، لا يرضى أن يكون منتسباً إلى قبيلة في الجاهلية ، لا وجود لها في الإسلام ( ) ، وإن قَبِلَ الصوفية ذلك ، فهم منتسبون لما كان في الجاهلية ، وليس لما جاء به الإسلام 0

ثالثـاً : قال ابن الجوزي نفسه :« وهذا الاسم - أي التصوف - ظهر للقوم قبل سنة مائتين » ( ) ، وهذا يناقض قوله إن اسم الصوفية والصوفي قد عُرف قبل الإسلام ، وإقرار منه بأن هذا الاسم حادث ، ظهر قبل سنة مائتين هجرية .
أما السراج ، فلم يجزم بصحة الرواية التي أوردها؛ ولذلك فلا مرجح لتأكيدها ونفيها ، كما أنه أورد رواية أخرى ، تخالف ما ذكره هنا، وهي أن التصوف عُرف في زمن الصحابة ( )

ب : مــوقف الفريق الثاني :
لقد تبنى هذا الفريق الرأي القائل إن هذا الاسم حدث في عصر الإسلام ولكن اختلفوا في تحديد الفترة الزمنية لظهوره على قولين :
القـول الأول :
يـرى أصحاب هـذا القول إن هذا الاسم عُرف في القرن الأول من هجرة رسول الله  وفي مقدمة هؤلاء السراج الطوسي الذي أورد في كتابه (اللمع في التصوف) بعض الأقوال ، حاول أن يثبت من خلالها أن هذا الاسم وجد في القرن الأول ، وفي عصر الصحابة  ؛ فقال : « وأما قول من قال :إنه ـ أي التصوف ـ اسم محـدث أحدثه البغداديون ، فمحال؛ لأنه في وقت الحسن البصري ( ) كان يُعرف هذا الاسم وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله  وقد رُوي عنه أنه قال :« رأيت صوفياً في الطـواف فأعطيته شيئاً ، فلم يأخذه وقال: معي أربعة دوانيق( ) فيكفيني ما معي »( ) .
فالسراج الطوسي يريد أن يقول: إن ورود هذه الرواية عن الحسن البصري رحمه الله وهو من مواليد عام 20 هجرية . يدل على أن التصوف كان معروفاً في زمن مبكر من الإسلام .
ويُرد على هذه الرواية بأن الحسن البصري رحمة الله وإن كان قد ولد عام 20 من الهجرة ؛ إلا أنه عاش حتى عام (110) للهجرة 0

وبهذا يكون قد عاش عشرة أعوام في بداية القرن الثاني الهجري، فيحتمـل أنه رأى هذا الصوفي في آخر حياته ؛ أي في بداية القرن الثـاني الهجـري ، وليـس في القرن الأول للهجرة كما يريد إثبات ذلك السراج 0
وبهذا فلا مرجح لأحد الاحتمالين على الآخر؛ لأنهما متساويان( )

القـول الثاني :
يرى أصحاب هذا القول إن اسم التصوف ظهر في عهد الإسلام ، وخلاصة ما أثبتوه أن هذا الاسم ظهر في بداية القرن الثاني الهجري وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ،وقبله ابن الجوزي ( )، في أحد قوليه وكثير من العلماء، ومنهم بعض علماء الصوفية :
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - فيما يتعلق بظهور هذا الاسم أنه « في أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك-أي عن الزهـد والزهاد - بلفظ (الصوفي ) ؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد »( )
وقال القشيري : « ... فانفرد خواص أهل السنة ، والمراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوراق الغفلة باسم التصوف »إلى أن قال:« واشتهر هذا الاسم - أي التصوف - لهؤلاء الأكابر قبل المائتين الهجرية » ( )
وقد علق الهجويري على كلام أبي الحسن البوشنجي( ) الذي قال فيه: « التصوف اليوم اسم بلا حقيقة ، وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم » فعلق الهجويري قائلاً: « يعني أن هذا الاسم لم يكن موجوداً وقت الصحابة والسلف وكان المعنى موجوداً في كل منهم والآن يوجد الاسم ولا يوجد المعنى » ( ) .
ولا يـسلم له القول بأن معنى التصوف موجود في كل منهم؛ لأن الصحابة والسلف  ، كانوا زهاداً لا صوفية .
وقال ابن خلدون :إن « هذا العلم - أي علم التصوف - من العلوم الشرعية الحادثة في الملة »( ) 0إلى أن قال :«فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا،اختص المقبلون على العبادة ، باسم الصوفية والمتصوفة »( ) 0
أما المستشرق( ) نيكلسن ( ) فأكد هذا الاتجاه بقوله : «ترجع نشأة التصوف في الإسلام إلى حركة الزهد العظيمة التي ظهرت تحت تأثير المسيحية في القرن السابع الميلادي ( ) كما هـو واضح من كتب وتراجم الصوفية التي تفيض بأخبارهم وأقوالهم ، ومنهم كثيرون من كبار زهاد العصر الأول» ( ) ،

وللمستشرق ماسنيون( ) ، رأي مماثل لذلك ، إذ يقول : ورد لفظ الصوفي لقباً لأول مرة في التاريخ ، في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي ، أما صيغة الجمع الصوفية ، فظهرت عام 199هـ ، وكلمة صوفي كانت أول أمرها مقصورة على الكوفــة ( )( )

ونظراً لكثرة المؤيدين لهذا الرأي القائل :إن التصوف اصطلاح حادث ظهر في القرن الثاني الهجري ، ولقوة أدلتهم ، وقناعتي بذلك ، رجحت صواب هذا الرأي ، والله تعالى أعلم 0

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً :تطــور التصوف :
التصوف شأنه شأن أي فكر وسلوك ، في بداياته الأولى ، يبدأ بسيطاً غير منظم ، ثم يتدرج في مراحل وأطوار، حتى يصل إلى مرحلة النضج ووضوح المعالم ، التي تميزه عن غيره ، وهكذا كان التصوف ، في أول عهده ، كان على سمة السلف ، في العقائد والأصول، وكانت مخالفاته محصورة في بعض مظاهر التعبد والسلوك ، والمبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ، وأغلب ذلك منشؤه الجهل0

قال شيخ الإسلام واصفاً اعتقاد الرواد الأوائل من الصوفية : «وهذا الاعتقاد غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة والجماعة ، ولكنه مقصر عن ذلك ومتضمن ترك بعض ما كانوا عليـه ، وزيادة تخالف ما كانوا عليـه» إلى أن قال : « والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف ، وهذا هو الذي كان يجب أن يذكر»( )0

هذه حال أسلاف الصوفية الأوائل ، أما أتباعهم فلم يحافظوا على ذلك النهج ، بـل مع مرور الزمن تجارت بهم الأهواء ، حتى دخلتهم الرهبانية( ) ، وسلكوا مسالك الأمم الغابرة الهالكة ، ثم مازال الأمر ينمي حتى وصلوا إلى القول بأن للشريعة ظاهراً وباطناً ، ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ففسدت عقائـدهم ، وأحدثوا بالدين مـا لم يكن فيه ، فمن هؤلاء من قال : بالحلول ، ومنهم من قال : بالاتحاد، نسأل الله السلامة0
ففي أواخر القرن الأول ، وبداية القرن الهجري الثاني ، بدأت بذور الصوفية ، وبدأت طلائعها ، ويتمثل ذلك ، في ظهور الرهبانية ، والتشدد في العبادة ( ) ، ولهذا غالب ما يحكى في هذا الباب إنما هـو من عباد البصرة ، مثل حكاية من مات أو غشي عليه من سماع القرآن ، ونحوه؛ كقصة زرارة بن أوفى( ) ، قاضي البصرة ، فإنه قرأ في صلاة الفجر: فإذا نقر في الناقور [المدثر: 8]، فخر ميتاً ، وكذلك غيره ممن روي أنهم ماتوا باستماع قراءته ، وكان فيهم طوائف يصعقون ، عند سماع القرآن، ولم يكن في الصحابة  ، من هذه حاله ، فلما ظهر ذلك ، أنكر طائفة من الصحابة والتابعين  ( ) 0

وفي القرن الثالث بدأت طلائع الصوفية الطرقية ( ) ، والحلولية ، وعظمت الشطحات ( )الصوفية ، وأحوالها البدعية( )
ولهذا هجر الإمام أحمد بن حنبل( ) - رحمه الله - الحارث المحاسبي( ) لأنه تكلم في علم الكلام( ) ( ) 0
قال الإمام الذهبي : «المحاسبي كبير القدر ، وقد دخل في شيء يسير من الكلام ، فنُقم عليه » ( ) 0
وفي هذا القرن اتهم بعض الصوفية بالقول بالحلول والزندقة ، أمثال: أبي يزيد البسطامي( ) ، لأنه كان يقــول: أشياء عظيمة الشأن؛ منها « سبحاني» ، و « ما في الجبة إلا الله »
وهو القائل :
أريدك لا أريــدك للثواب ولكني أريـــدك للعقـاب
وكل ما مأربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب( )

ولما تكلم في ذلك رماه أهل عصره بالعظائم ونفوه ، سبع مرات0

وأبو الحسين النوري ( )، الذي قال عنه الطوسي :«وأبو الحسين النوري من الواجدين ، ومن أهل الإشارات اللطيفة ، وله كلام مشكل ، وأشعار كثيرة»( ) ، يشير بذلك إلى قوله :«أنا أعشق الله وهو يعشقني » وقوله عندما سمع أذان المؤذن : « طعنــة وشم الموت ، وسمع نباح الكلب ، فقال: لبيك و سعديك»( )
« وبالرغم من تحليل النوري ، لكلماته الصوفية ،وشطحاته الروحية ، على أساس من الكتاب ، إلا أنها تعتبر مدخلاً إلى مذهب الحلول»( ) 0

وفي القرن الرابع ، ظهرت الطرقية الضالة كما ظهرت من خلال التصوف المذاهب الإلحادية ، والحلول ، والاتحاد، ووحدة الوجود( ) 0
وذلـك من خلال بعض شخصيات التصوف ، أمثال :الحلاج( )، الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية :
« من اعتقد ما يعتقده الحلاج ، من المقالات التي قتل الحلاج عليها ، فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين ؛فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد ، لقوله : أنا الله ، وقوله : إله في السماء ، وإله في الأرض»( )

قال الشبلي( ) : « كنت أنا والحسين بن منصور الحلاج ، شيئاً واحداً ، إلا أنه أظهر وكتمت »( ) 0

 


« فالشبلي يعترف بالباطنية الصوفية»( ) ، «وحــرص كل الحرص ، على ألا يبوح بسره ، فلم يقتل ، مستخدماً مبدأ التقية ( ) »( )

إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يعتذر عن الشبلي في بعض زلاته ويقول:« وهذه من زلات الشبلي التي تغفر له لصدق إيمانه وقوة وجده وغلبة الحال عليـه ، فإنه كان ربما يجن ويذهب به إلى المارستان ، ويحلق لحيته ، وله أشياء من هذا النمط التي لا يجوز الاقتداء به فيها»( )

وفي هذه المرحلة من التصوف ، خُلط الزهد بعبارات باطنية ، وظهرت مصطلحات جديدة ، في كلام الصوفية ، مثل: الوحدة ( ) ، والفناء( )، والحلول ( )، والسكر( )، والصحو( ) ، والمقامات والأحوال( )، وغيرها من المصطلحات الجديدة 0

كما شاع بينهم التفرقة بين الحقيقة( ) والشريعة( )( )، وتسمية أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن ، فكانت هذه المرحلة بحق تمثل البداية الفعلية ، لما صار عليه التصوف حتى الآن( ) 0

وأما القرن الخامس ، فيعد امتداداً لأفكار القرون ، السابقة ، التي راجت من خلال مصنفات ؛ أبي عبد الرحمن السلمي( ) ، والتي قال عنها شيخ الإسلام ابن تيميه : « يوجد في كتبة من الآثار الصحيحة والكلام المنقول ، ما ينتفع به في الدين ، ويوجد فيه من الآثار السقيمة ، والكلام المردود ما يضر من لا خبرة له » ( )0
وما بين النصف الثاني من القرن الخامس ، وبداية القرن السادس ، حاول أبو حامد الغزالي ( ) ؛ تقريب التصوف إلى مذهب أهل السنة ( ) 0
وقد أثنى عليه شيخ الإسلام في مواضع ، وذكر من مزالقـه ، في مواضع أخرى ، فقد ذكر أنه يميل إلى الفلسفة( ) ، ولكنه أظهرها في قالب التصوف ، والعبارات الإسلامية ، وقال في موضع آخر :« وفي كلامه مـادة فلسفية كبيرة ، وكلامه في الإحياء غالبه جيد ، لكن فيه مواد فاسدة فلسفية ، ومادة كلامية ، ومادة من ترهات الصوفية ، ومادة من الأحاديث الموضوعة»( ) ( )0
وأما في القـرن السابع ،فقد ظهرت طرق جديدة ، وظهرت أعلام ورموز ، صوفية كبيرة ( )، وازدهر التصوف في الأندلس ، على يد ابن عربي أحد رؤوس الصوفية ورموزها الكبيرة ( ) ، والمعروف عند الصوفية ، بالشيخ الأكبر، وهو الذي أقام مذهب وحدة الوجود ، وجعل منه مركباً سبح به الصوفية في بحر لجي لا نجاة لراكبه ( ) ، حتى وصل -كما زعم - إلى أن الوجود واحد( )
ويعد ابن عربي المؤسس لمذهب وحدة الوجود بشكله الكامل ، وجميع الذين سبقوه كانت لهم اتجاهات متفرقة ، حول وحدة الوجود ، والذين أتوا بعده كانوا متأثرين به أو ناقلين عنه( )
وفي القرون التالية اختلط الأمر على الصوفية ، وانتشرت الفوضى بينهم ، واختلطت أفكارهم ، وبدأت مرحلة الدراويش ، وأهم ما تميزت به القرون المتأخرة ، ظهور ألقاب ، شيخ السجادة ، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية( ) ، وكانت هذه القرون ، بوجه عام امتداداً وتفريعاً وشرحاً لكتب الرواد الأوائل من علماء الصوفية ، ورموزها الكبار0

وقد لخص ابن الجوزي أحوال الصوفية ، وما مروا به من أدوار، فقال: فكلما مضى قرن زاد طمعه - إبليس - في القرن الثاني ، فزاد تلبيسه عليهـم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن ، وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم ، وأراهم أن المقصود العمل ، فلما أطفأ مصباح العلم ، عندهم تخبطوا في الظلمات ، فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا ، في الجملة ، فرفضوا ما يصلح أبدانهم ، وشبهوا المال بالعقارب ، ونسوا أنه خلق للمصالح ، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة ، غير أنهم على غير الجادة ، وفيهم من كان لقلة علمه، يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الضعيفة ( )، ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوسواس ، وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفـردوه بصفات ميزوه بها ( ) 0
ثم مازال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعاً ، ويتكلمون بواقعاتهم ، فسموا علمهم بالعلم الباطن وجعلوا علم الشريعة ، العلم الظاهر ، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة ، فادعى عشق الحق والهيمان ، ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ، ففسدت عقائدهم ، فمن هؤلاء من قال : بالحلول ، ومنهم من قال بالاتحاد ، وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع ، حتى جعلوا لأنفسهم سنناً( ) تخالف ما كان عليه سلف الأمـة ، وأتباعهم المتمسكون ، بالكتاب والسنة ، وارتضوا لأنفسهم ، طريقاً مبتدعاً ، فحادوا عن جادة الصواب ، وعرضوا أنفسهم لمتاهات الزيغ والضلال 0

  • الاربعاء PM 05:23
    2026-02-11
  • 110
Powered by: GateGold