المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1901653
يتصفح الموقع حاليا : 376

البحث

البحث

عرض المادة

هل الشيعة تقول بنقص القرأن

هل الشيعة تقول بنقص القرأن

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.

موضوعنا هذه الليلة هو حول امتداد لمناقشة قضية اعتقاد الرافضة أو الشيعة في مصادر الإسلام. سنقف هذه الليلة بالذات عند عقيدة الرافضة حول قضية الإجماع. فمعلوم أن الإجماع هو من أصول أهل السنة، الإجماع من أصول أهل السنة، وهو الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يعتمد عليه في العلم والدين. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة. من قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة. وأهل السنة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال مما له تعلق بالدين، وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة.

والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إجماع السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة. والشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعًا، يعني الإجماع معروف أنه معصوم، أن الأمة في إجماع معصومة عن الخطأ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، لن يجمع الله أمتي على ضلالة، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذا هو الأصل الثالث من أصول الإسلام. متى ثبت الإجماع، وهو أكبر مظنة لثبوت الإجماع، هو السلف الصالح أو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

والشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعًا، ولها في هذا الباب عقائد مخالفة. فنذكر فيما يلي أولًا: الشيعة تعتقد أن الحجة في قول الإمام لا في الإجماع. الحجة هي في قول الإمام وليس في الإجماع. فنقلت كتب الأصول عند أهل السنة أن الشيعة تقول: إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعًا بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة. يعني الإمام المعصوم إذا قال قولًا بنفسه منفردًا فهو حجة، كذلك الأمة إذا اجتمعت فإن الحجة لا تكون لأن الأمة اجتمعت، ولكن لأن في ضمن هذا الإجماع يشتمل هو على قول الإمام المعصوم، يعني ليس بحجة لأن ما زال الأمر يدور على الإمام، الحجة في زعمه.

وستطلع فيما يلي رأي الشيعة من مصادرها. يقول ابن المطهر الحلي: الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها فجمعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع. وبمثل هذا قال عدد من شيوخهم. إذا الإجماع ليس حجة عندهم بدون وجود الإمام الذي يعتقدون عصمته، فما دور حجية الإجماع؟ هو على قوله لا على نفس الإجماع.

فهم في الحقيقة لم يقولوا بحجية الإجماع، وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها. فقول ابن المطهر: الإجماع حجة عندنا، هذا لغو، هذا من لغو القول، إذ الأصل أن يقول: الإجماع ليس بحجة عندنا، لأن الحجة في قول الإمام المعصوم. فمن لغو القول أن يصدر كلامه بقوله: الإجماع حجة عندنا. لماذا؟ لاشتماله على قول المعصوم. فهذا كلام لغو لا قيمة له. لما يقول: الإجماع حجة، فحقيقة الأمر أن يقول: الإجماع ليس حجة عندنا، لأن الحجة هي في قول الإمام المعصوم. فهذا هو مقتضى مذهبهم.

فهم جعلوا الإمام بمثابة النبي أو أعظم، فهو عندهم ينكت في أذنه، يلهم في أذنه بما يقول، ينكت في أذنه ويأتيه الملك، بل يرى خلقًا أعظم من جبريل وميكائيل، إلى آخره. يعني نجد تفاصيل ذلك في معتقدهم في السنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فهم ليسوا بحاجة للإجماع والإمام حاضر بينهم، كما أن الصحابة ليسوا بحاجة للإجماع والرسول صلى الله عليه وسلم حاضر بينهم. فعندهم في كل عصر نبي يسمى الإمام، والحجة في قوله لا في الإجماع.

ولهذا قالوا: ونحن لما ثبت عندنا بالأدلة العقلية والنقلية كما هو مستقصى في كتب أصحابنا الإمامية أن زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم حافظ للشرع يجب الرجوع إلى قوله فيه، فمتى اجتمعت الأمة على قول كان داخلًا في جملتها، لأنه سيدها، والخطأ مأمون على قوله، فيكون ذلك الإجماع حجة. فحجة الإجماع عندنا إنما هي باعتبار كشفه عن الحجة التي هي قول المعصوم. والأرض لا تخلو من إمام، لأنه كما يزعمون لو خلت الأرض من إمام لساخت، لانهارت الكرة الأرضية لو خلت من إمام. فعندهم أن لابد في كل عصر من إمام معصوم.

فمعنى أنه لو خلت الأرض من إمام لساخت، ومعنى أن الحجة ليست في الإجماع وإنما هي في قول الإمام المعصوم، فهذا في الحقيقة هو استمرار تعطيل لمبدأ الإجماع، أنه سيبقى معطلًا. لماذا؟ لأن في كل عصر لابد من وجود إمام معصوم. وأنت إذا تأملت أقوالهم في الإجماع لا تكاد تلمس فرقًا بين مفهوم السنة عندهم والإجماع إلا باللفظ فقط، لأن أنت إذا أردت أن تعرف السنة فالسنة هي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. أما السنة عندهم فلها تعريف آخر، السنة هي قول المعصوم، والإجماع المعتبر عندهم هو الكاشف عن قول المعصوم.

ولك أن تعجب لماذا يعدون الإجماع أصلًا ويقررون في كتبهم الأصولية، وهو اسم بلا مسمى، حتى قرروا بأنه لا عبرة بأقوال فقهائهم ولو بلغوا المئة. يقولون: أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلت المئة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو كان في اثنين، يعني لو رأي اثنين واحد منهم هو الإمام، لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قول الإمام المعصوم. إذا معنى هذا أن الإجماع عند الرافضة لغو لا فائدة في القول فيه أصلًا، وإنما نهاية أمرهم أنهم سموا السنة باسم الإجماع.

يبدو أن هذا الاعتراض أثير على الشيعة في عصور متقدمة، فقد نقل بعض شيوخ الشيعة عن الشريف المرتضى أنه قال: إننا لسنا بادئين بالحكم بحجية الإجماع حتى يرد كونه لغوًا، وإنما بدأ بذلك المخالفون، وعرضوه علينا، فلم نجد بدًا من موافقتهم عليه، فوافقهم في أصل الحكم لكونه حقًا في نفسه، وإن خالفنا في علته ودليله. يعني أنهم قلدوا لمجرد التقليد والمحاكاة.

ويقول صاحب قوام الفضول أيضًا من الرافضة: تنعدم فائدة الإجماع لو علم حال شخص الإمام خروجًا أو دخولًا أو حال قوله تقية أو نحوها، لكن الذي يسهل الخطبة هو أن عقد باب الإجماع منهم دوننا كي يتجه علينا ذلك. ما دام أهل السنة اعتبروا هذا أصلًا، فلماذا تجارونهم وعقيدتكم في الإمام تناقض القول به أصلًا؟ يقول محمد رضا المظفر: إن الإجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم. يبقى الإجماع فقط يكون له قيمة إذا كان كاشفًا عن قول المعصوم بأن يكون متضمنًا ومشتملًا. فإذا كشف على نحو القطع في قوله، فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف. مش الإجماع، لا، الحجة مين؟ الإمام نفسه. فيدخل حينئذ في السنة، ولا يكون دليلًا مستقلًا في مقابلها، لأن السنة هي قول المعصوم، والإجماع ليس بحجة إلا في ذاته، وإنما لأنه يشتمل قول المعصوم. يبقى رجع الإجماع لمعنى السنة عندهم، أن السنة هي قول المعصوم، والإجماع أيضًا قول المعصوم.

ويقول رضا الصدر: وأما الإجماع عندنا مع الإمامية فليس بحجة مستقلة تجاه السنة، بل يعد حاكيًا لها، إذ منه يستكشف رأي المعصومين عليهم السلام. ويذكر شيخهم محمد جواد مغنية، وهو من شيوخهم المعاصرين، أن ثم تباينًا بين موقف متقدمي الشيعة وبين موقف متأخريهم في مسألة الإجماع، حيث اتفق المتقدمون من الشيعة على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلًا على كل أصل وكل فرع. وعدَّ المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر، ولكنهم أهملوه، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضمًا مع دليل آخر في أصل معتبر.

هذا الكلام ليس على إطلاقه، لأن من المتأخرين منهم من يعد الإجماع دليلًا مستقلًا. هذا وإمامهم انقطع ظهوره منذ القرن الثالث. نرجع للمشكلة العجيبة بتاعة الشيعة، لأن الإمام المعصوم الذي يقولون إن الحجة في قوله، سواء السنة أو الإجماع، انقطع ظهوره منذ القرن الثالث. فكيف الطريق للوصول لرأيه الكاشف عن حجية الإجماع؟ كيف نستطلع رأيه حتى يكشف لنا عن حجية الإجماع؟

يرى شيخهم الحر العاملي ومن سلك سبيله من الأخباريين أنه يتعذر الوصول لرأيه بعد غيبته، مش قادرين نوصله لأنه غاب الغيبة الكبرى، وبالتالي لا يثبت الإجماع لأنه لا يمكن تحصيل العلم بدخوله فيهم ولا يظن به بعد غيبته، فلا يدرى أفي البر أم في البحر، إحنا مش عارفينه فين، المهدي في البر ولا في البحر، في المغرب أم في المشرق. بينما يذهب الأصوليون إلى ثبوت الإجماع وإمكانية معرفة رأي الإمام. يقول شيخهم الهمداني في مصباح الفقيه: إن المدار على حجية الإجماع على ما استقر عليه رأي المتأخرين ليس على اتفاق الكل، بل ولا على اتفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس. والحدس هو الظن والتخمين.

إزاي بقى استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس والتخمين؟ من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة. لما نشوف علماء الشيعة الحافظين للشريعة بيفتوا بإيه، يبقى نخمن أن كلامهم أكيد ناشئ عن معرفة أو موافقة لقول الإمام المعصوم. وهذا مما يختلف باختلاف الموارد، فربما مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام وإن اتفقت فيها آراء جميع الأعلام، ورب مسألة يحصل فيها الجزم بالموافقة ولو من الشهرة.

إذا هذا الكلام يكشف عن أن طريق معرفة قول الإمام عندهم هي الحدس، الحدس: التخمين والظن. فانظر كيف يجعلون اكتشاف قول المعصوم عن طريق الحدس والظن هو العمدة، وإجماع السلف ليس بعمدة، إجماع السلف عندهم ليس بعمدة ولا حجة، لكن استكشاف قول المعصوم عن طريق الظن والحدس والتخمين حجة وعمدة. هذه مفارقات في غاية الغرابة. واتفاق جميع أعلامهم لا يحصل به الجزم بموافقة الإمام، ومجرد الشهرة يحصل بها الجزم ولو لم يحصل اتفاق. إنها مقاييس مقلوبة.

كما أنه اعتراف منهم بأن شيوخهم قد يتفقون على ضلالة، ومع إنكارهم حجية الإجماع في الحقيقة فقد أثبتوا العمل بقول طائفة مجهولة وترك ما تقوله الطائفة المعروفة. عللوا لهذا المسلك الشاذ بأن الإمام مع الطائفة المجهولة. يقول صاحب معالم الدين: إذا اختلفت الإمامية على قول، فإن كانت إحدى الطائفتين معلومة النسب ولم يكن الإمام أحدهم كان الحق مع الطائفة الأخرى، وإن لم تكن معلومة النسب. حتى اعتبروا وجود هذه الطائفة المجهولة شرطًا لتحقق الإجماع في عصور الغيبة.

قالوا: الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الإمام. كيف؟ وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم ويكون قوله رضي الله عنه مستورًا بين أقوالهم، وهذا مقطوع بانتفائه. فكل إجماع يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا هذا وليس مستندًا إلى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم، فلا بد أن يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة.

إذا أيضًا العمدة عندهم هو قول الطائفة المجهولة، وهذا عزيز الوجود، فمنذ ما يقارب عصر شيخ الطائفة الطوسي لم يطلع على مثل هذا، والإجماع الموجود هو الإجماع المنقول، وكأنه قبل عصر الشيخ قد وجد مثل هذا الإجماع. وهؤلاء الذين يرفضون إجماع الصحابة يبحثون عن قول طائفة مجهولة ليأخذوا به، ثم هم قد أصابوا في عدم الاعتداد بأقوال شيوخهم وإن اتفقت كلمتهم، ولكنهم ضلوا في إعراضهم عما أجمع عليه الصحابة والسلف.

وهم في وصولهم إلى ما يسمى بالإجماع عندهم يتخبطون أيما تخبط، حتى صارت إجماعاتهم المتعارضة كرواياتهم المتضاربة التي نلاحظها أثناء مراجعة كتاب كالاستبصار أو البحار أو غيرهما. بل إن العالم الواحد تتضارب أقواله في دعوى الإجماع. مثلًا ابن بابويه القمي صاحب “من لا يحضره الفقيه”، أحد الكتب الأربعة المعتمدة التي عليها مدار العمل عندهم، قالوا عنه إنه لا يدعي الإجماع في مسألة ويدعي إجماعًا آخر على خلافها، وهو كثير، إنه يتناقض: مرة يقول إجماع حصل على كذا، ومرة ثانية يقول إجماع حصل على عكس هذا الرأي، حتى قال صاحب جامع المقال: ومن هذه طريقته في دعوى الإجماع كيف يتم الاعتماد عليه والوثوق بنقله؟

بل ربما ادعوا الإجماع في أمر لا قائل به، أمر لم يقل به أحد أصلًا. يقول شيخهم النوري الطبرسي: ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع الإمامية على أمر وإن لم يظهر له قائل ولا واحد. ويُسمونه مع ذلك إجماعًا، كما ذكر شيخهم الطبرسي، وأكد على وجود الإجماعات المتعارضة من شخص واحد ومن معاصرين أو متقاربي العصر، ورجوع المدعي عن الفتوى التي ادعى الإجماع فيها، ودعوى الإجماع في مسائل غير معنونة، إلى آخره.

هذا قول الطبرسي، وهو الخبير المتتبع لكتبهم، واضطر ليكشف هذا لنصرة مذهبه الذي ألف “فصل الخطاب” من أجله ويرد دعوى الإجماع على خلافه، فاستفد من هذا الاعتراف غير المقصود لذاته لنبين اضطرابهم في هذا الأصل. ثم إنهم وهم يقولون بأن الإجماع هو ما يكشف عن قول المعصوم لا يطبقون هذا، بل يتتبعون اتفاق أصحابهم لا قول معصومه. ولهذا قال صاحب معالم الدين حينما ذكر ما قاله أحد كبار شيوخهم من أن العمدة هو كلام المعصوم لا اتفاق الفقهاء بدونه، قال: والعجب من غفلة الأصحاب عن هذا الأصل، وتساهلهم في دعوى الإجماع عند احتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن مجرد اتفاق الجماعة من الأصحاب، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من غير قرينة جلية ولا دليل على الحجية معتد به.

فيعني حقيقة الأمر أنهم لا يقولون بالإجماع، ومع ذلك يجعلونه من أصول أدلتهم، ثم ما يتناقضون في دعواه، ادعاء الإجماع وفي تطبيقه أيما تناقض، ولا شك أن القولين إذا تناقضا تساقطا، يبطل كل واحد منهما الآخر.

وحتى يتجلى لك الفرق جليًا بين مذهب أهل السنة في القول بحجية الإجماع وبين مذهب الشيعة في ذلك، فلك أن تتصور أنه لو صدر من إمامهم محمد الجواد، والذي قالوا بإمامته وهو من خمس سنين، لو صدر منه وهو في هذا العمر، قول أو رأي طفل عنده خمس سنوات، صدر عنه رأي أو قول أو نسب إليه عن طريق جماعة من الروافض أنه يقول في أمر شرعي بحكم أو قول، وخالفته في ذلك الأمة الإسلامية جميعًا، فإن الحجة في رأيه لا في إجماع الأمة. وقد جاء في “أصول الكافي” القول بإمامة الإمام ولو كان عمره ثلاث سنين، لو الإمام عمره ثلاث سنوات فقوله حجة وهو معصوم، في بعض الروايات ولو كان ابنًا أقل من ثلاث سنين، الحكاية يعني!

وأثر عن منتظرهم، لو جاء واحد جاب أي إسناد عن المهدي الذي في السرداب، الخرافة، لو أثر عن المنتظر المهدي قول ولو عن طريق حكايات الرقاع – بعضهم كان يدعي أنه يقابله ويجيب له فتاوى مكتوبة من المهدي المنتظر في السرداب – وخالفه في هذا القول أو ذلك الحكم المسلمون جميعًا، فإن القول قول هذا المعدوم الذي لم يوجد، لا عبرة بقول المسلمين جميعًا.

قال المفيد في تقرير هذا الأمر: فلو قال – يعني الإمام – قولًا لم يوافقه عليه أحد من الأنام لكان كافيًا في الحجة والبرهان. وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج إلى مناقشة. ولهذا قرر المفيد أن هذا مما شذت به طائفته، فقال: وهذا مذهب أهل الإمامة خاصة، ويخالفه فيه المعتزلة والمرجئة والخوارج وأصحاب الحديث.

هناك أمر خطير جدًا يعكس أهمية موضوع الإجماع عند الشيعة، مهم جدًا أن نلتفت إليه، أنه عند الرافضة قاعدة: ما خالف العامة ففيه الرشاد. ما خالف العامة ففيه الرشاد، يعني إذا احتُرت في مسألة فيها قولان مثلًا، فيقول لك – كما حكي عن أحد أئمتهم – فبيقول له: وأكون في بلد ليس فيها عالم من علماء الشيعة، شيعتنا، وأحتاج أني أستفتي، ما فيش قدامي غير مفتي من أهل السنة، سمونا إحنا العامة، أما هم الخاصة، شعب الله المختار. فالعامة دول بقى الغوغاء، علماء أهل السنة بيقول: أوجد في بلد وليس أمامي غير مفتي من أهل السنة، وسألته في المسألة فذكر لي رأيين. فعندهم – يعني زي ما عندنا إحنا أهل السنة – التعبد بمخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم، نتعبد نحن بمخالفة المشركين في أمور كثيرة جدًا، وأمرنا بذلك، هم عندهم يتعبدون بمخالفة أهل السنة.

يتعبدون بمخالفة أهل السنة. هو قال له إيه؟ قال له: استفته، فما قال لك اعمل بخلافه. لما مفتي أهل السنة يفتيك بفتوى، استفته، فاللي يقوله لك اعمل أنت بخلافه. قال: طب إن ذكر قولين؟ قال: ما يرجحه اعمل بخلافه. قال: إن ذكر قولين ولم يرجح؟ قال: انظر أقربهما من هواه فاعمل بخلافه.

ويمكن تلاحظون لو رحتم الحرم الشريف في مكة أو المدينة، تلاحظون – الناس اللي عندها وعي – تلاحظ أنه دايمًا بيتعمد يخالف الناس في الصلاة، يبقى الإمام ساجد وهو راكع، الإمام قائم وهو ساجد، في رافضة بيعملوا الأشياء دي، رأيناهم كثيرًا في الحرم المكي والمدني. ليه؟ لأن عندهم تعبد بمخالفة أهل السنة.

يقول الدكتور القفاري حفظه الله تعالى: الإجماع عند جمهور المسلمين ينظر فيه إلى إجماع الأمة، لأن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة. قال تعالى: “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين”. فمن خرج عن إجماع الأمة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين.

ولذلك عول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الاحتجاج على كون الإجماع حجة، وتحريم مخالفته، عول على هذه الآية الكريمة، وذلك بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: قوله تعالى “ويتبع غير سبيل المؤمنين” هذا ملازم للصفة الأولى “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى”، لأن مخالفة الرسول بعد تبين الهدى ملازمة لاتباع غير سبيل المؤمنين. وقد تكون المخالفة لنص الشارع – الكتاب أو السنة – وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علمت اتفاقهم عليه تحقيقًا كما علم من الدين بالضرورة، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم صلى الله عليه وسلم.

وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في هذا، ومن العلماء من ادعى تواترها. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس”. وروي عنه صلى الله عليه وسلم عدة روايات في أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. يقول الخوئي: هذا حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره.

هذا بالنسبة لجمهور المسلمين. أما فئة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثني عشر، يعني كمان الأمة بقى اللي بتجتمع أنهي أمة؟ هل هي الأمة المحمدية؟ لا. الأمة المجتمعة التي لابد أن يكون الذي يجمعها حجة هي أمة الشيعة، أمة الإمامية الاثني عشرية، مش أمة محمد عليه الصلاة والسلام. واضح ولا لا؟ يعني لما الشيعة يقولوا إن الإجماع حجة ما دام اشتمل على قول الإمام، إجماع الأمة حجة، الأمة يعني أمتهم هم، أمة الإمامية الاثني عشرية، طبعًا لأننا عندهم لسنا من الأمة، نحن كفار.

يقول: هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما طائفة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثني عشر، شرط أن يكون من ضمنهم الإمام أو يكون إجماعهم كاشفًا عن قول الإمام، ولا يلتفت إلى اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا عبرة على الإطلاق، حتى لو اجتمع كل أهل السنة علماؤهم المجتهدون على شيء لا حجة فيه، لكن الحجة إجماع الأمة، يعني أمة من؟ يكون معتقدًا بدين الشيعة والإيمان بالأئمة الاثني عشر.

بل الأمر أعظم من عدم اعتبار إجماع المسلمين، بل تعدى ذلك إلى القول بأن مخالفة إجماع المسلمين فيه الرشاد، يعني يتعبدون بمخالفة ما أجمع عليه المسلمون. وصار مبدأ المخالفة أصلًا من أصول الترجيح عندهم وأساسًا من أسس مذهبهم، وجاءت عندهم نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ وتدعو إليه. ففي “أصول الكافي” سؤال لأحد أئمتهم يقول: إذا وجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة – هناك حديثان أو خبران واحد منهم يوافق أهل السنة – إذا وجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة يعني أهل السنة، والآخر مخالفًا لهم، فبأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، ما خالف العامة ففيه الرشاد.

فقلت – الراوي بقى بيقول – جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا، الخبران موافقان للعامة؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعًا؟ قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.

طبعًا الكلام – كما تعرفون – بحث علمي راقٍ جدًا، وكله موثق من مصادرهم مباشرة. وذكر ثقتهم الكليني أن من وجوه التمييز عند اختلاف روايتهم قول إمامهم: دعوا ما وافق القوم، فإن الرشد في خلافهم. لما تحتار في حاجة ومش عارف تميز، والروايات مختلفة، فشوف اللي يوافق أهل السنة وخذ عكسه، لأن الرشاد والهداية فيما يخالفهم. وقال أبو عبد الله كما يفترون عليه: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم، وهم أهل السنة. وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح – يعني الإمام رضي الله عنه – هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا. فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء ويروى عنه خلافه، يعني جعفر الصادق تأتي رواية بشيء وتأتي رواية أخرى عنه بخلافه، فبأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم، الترجيح يكون بما خالف القوم إشارة لأهل السنة، وما وافق القوم فاجتنبه.

ويعللون الأخذ بهذا المبدأ بما يرويه أبو بصير عن أبي عبد الله قال: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، يعني ليه الهدى والرشاد في مخالفة أهل السنة؟ لماذا؟ يقول: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء. تمامًا زي ما عندنا مبدأ مخالفة المشركين. انظر إلى هذا التعليل الغريب. وطبعًا أبو عبد الله جعفر الصادق أبرأ خلق الله من مثل هذه الأكاذيب.

فينسب إليه أنه قال لهم معللًا هذا المبدأ، وهو أن الهدى والرشاد في مخالفة أهل السنة: ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء، ما هم من الإسلام في شيء.

ويغر هؤلاء الزنادقة الذين يبغون في الأمة الفرقة والخلاف بأولئك الأتباع الجهال الذين تعطلت ملكة التفكير عندهم بعدما شحنت نفوسهم بما يسمى محن أهل البيت، مظلومية أهل البيت، فخضعت عقولهم بما يقال لهم من ثواب كبير ينتظرهم بمجرد حب أهل البيت. غرر هؤلاء الزنادقة بأولئك الأتباع فقالوا إن الأصل في هذا المبدأ أن عليًا رضي الله عنه لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره، إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أتاهم جعلوا له من عندهم ليلتبس على الناس.

مع أن نفس الشيعة يقولون إن عمر كان يستشير عليًا في كل صغيرة وكبيرة ويأخذ بقوله ويعمل بفتواه، وإن الصحابة كانت ترجع إليه في المشكلات، لأن عليًا رضي الله تعالى عنه كان عالمًا عظيمًا من علماء الصحابة. فهم لما يحبوا يتكلموا على مناقب أمير المؤمنين علي يؤيدون كلامهم بأن عليًا رضي الله تعالى عنه كان عمر يستشير ويراجع، والصحابة كانت ترجع إليه في المشكلات العويصة من المسائل، وأن عمر قال: لا عشت في أمة لست لها يا أبا الحسن، لا عشت لمعضلة. فأي القولين نأخذ به ونصدق؟ لكن هذا هو دأب هؤلاء الوضاعين: التناقض.

وهذه ثمار الكذب. كما يوصون أتباعهم بالوصية التالية، وهي وصية تعمق الخلاف وتضمن استمراره وتكفر لهذه الفئة العزلة عن جماعة المسلمين. عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا رضي الله عنه: يحدث الأمر لا أجد بدًا من معرفته، يحدث الأمر تطرأ لي مسألة لابد من معرفتها، وليس فيه أحد أستفتيه من مواليك. قال: ائت فقيه البلد – يعني من أهل السنة – ائت فقيه البلد فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه. أحد شيوخهم يعلق على هذا النص فيقول: من جملة نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنه خلى بين الشيطان وبين علماء العامة فأضلهم في جميع المسائل النظرية حتى يكون الأخذ بخلافهم ضابطًا لنا. ونظيره ما ورد في حق النساء: شاوروهن وخالفوهن. وطبعًا هذا لا يصح إطلاقًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فبيقول، بيحاول يدور له على دليل يعني لهذا المسلك، بيقول زي ما بيقول: شاوروهن وخالفوهن، وإن الرشاد في مخالفة شورى النساء.

فهو يقول إن من جملة نعم الله على طائفة الإمامية الاثني عشرية أنه خلى بين الشيطان وبين علماء العامة – اللي منهم بقى للشيطان يعني، يؤيدون الشيطان – فالشيطان أضلهم في جميع المسائل النظرية حتى يكون الأخذ بخلافهم ضابطًا لنا، عشان نكون على يقين من أن مذهبنا على حق، يعني تركهم والشيطان يضلهم في كل المسائل النظرية التي يتكلمون فيها، عشان هذا الإضلال من الشيطان يكون ضابطًا لنا يضبط لنا أن احنا لا نوافقهم في هذا الضلال، فنلتمس الهدى دائمًا في مخالفتهم.

هذه النصوص في منتهى الخطورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد الكيد للأمة ودينها، وأراد أن يفتح للقوم بابًا واسعًا للخروج من الإسلام، حيث يتجهون إلى مخالفة كل أمر من الدين عليه أمة الإسلام. وكيف يدعو قوم هذه عقائدهم إلى التقريب؟ وكيف يزعمون إمكانية اللقاء مع أهل السنة الذين يكون الرشد في خلافهم؟

يقول: بالإضافة إلى ما ألمحنا إليه في أثناء العرض نوضح هذه المسألة أكثر، فنقول: أما ثبوت حجية الإجماع فقد تكفلت كتب الأصول ببيانه والاستدلال عليه بما يغني ويكفيه، والشيعة تقر بالإجماع اسمًا وتخالفه حقيقة. وقد نقل شيخهم المعاصر مغنية اتفاق شيعته القدماء على القول بالإجماع، وأن المتأخرين عدوه من أصول أدلتهم ولكن لم يعتمدوا عليه. وهذا يعني أنهم خالفوا الإجماع الذي عدوه من أصول أدلتهم، أو أن قدماء الشيعة قد أجمعوا على ضلالة، أو أن المتأخرين خالفوا الحق الذي أجمع عليه متقدمهم.

والحقيقة أن مآل الجميع إلى الإنكار، وإن كثر ادعاء بعضهم في هذا الباب، لا سيما في كتب الأصول عندهم، ذلك أن دعوى الإجماع عند التمحيص مجرد لغو لا حقيقة له. بالإضافة إلى ذلك فإن حيرتهم في الوصول إلى هذا الإجماع الذي يدعونه برهان جلي يدل على أنهم ليسوا على شيء، ومن أوضح الأمثلة على ذلك اشتراطهم وجود عالم مجهول النسب لتحقق الإجماع، على اعتبار أن يكون هو الإمام الغائب.

وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك من أعظم الجهل، حيث قال: رأيت في كتب شيوخهم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين، وكان أحد القولين يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله، فالصواب عندهم القول الذي لا يعرف قائله. قالوا: لأن قائله إذا لم يعرف كان من أقوال المعصوم. تخيلوا الغباء والجهل! يعني في قولين، واحد يعرف قائله قاله فلان ابن فلان، وواحد لا يعرف قائله، فالحجة في قول الذي لا يعرف قائله، لأن ده قول الإمام المعصوم! هل هناك جهل أعظم من هذا الجهل؟

وتعجب شيخ الإسلام وقال: من أين يعرف أن القول الآخر الذي لم يعرف قائله إنما قاله المعصوم؟ ولما لا يجوز أن يكون المعصوم قد وافق القول الذي يعرف قائله، وأن القول الآخر قد قاله من يدري من لا يدري ما يقول؟ بل قاله شيطان من شياطين الجن أو الإنس. فهم أثبتوا الجهل بالجهل، حيث جعلوا عدم العلم بالقائلين الجهل. أكملوا كلام شيخ الإسلام، الكلام الرائع، يقول: وهذه حال من أعرض عن نور السنة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يقع في ظلمات البدع، ظلمات بعضها فوق بعض.

انتقدهم شيخهم الحر العاملي صاحب الوسائل على هذا المسلك، ليه؟ لأنه من الأخباريين الذين لا يقولون بدليل الإجماع، فهو انتقدهم في هذا فقال: وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأي دليل دل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو حتى الظن به؟

وأمر آخر لا يقل عن هذا، وهو كيف يجعل قول طفل عمره خمس سنين لم يخرج عن طور الحضانة بمنزلة إجماع الأمة بأسرها، بل يرفض إجماع الأمة ويؤخذ بقول صبي أو معدوم؟ وهذا في غاية الفساد. قول صبي لأنه لو الصبي عنده خمس سنوات وقال قولًا وخالف إجماع كل الأمة المحمدية، فالحجة في قول هذا الصبي، أو مثله في الغباء أيضًا والجهل أن يؤخذ بقول شخص معدوم. على أقل الصبي ده وُلد، لكن المهدي اللي في السرداب في خيالهم لم يولد ولم يوجد، فهو معدوم. فهذا أسخف ما في عقولهم.

وإذا بحث عن إجماعهم الاسمي الذي يكشف عن رأي المعصوم كما يزعمون، لم تجد إلا روايات يعارض بعضها بعضًا، كما ترى ذلك في روايات “التهذيب” و”الاستبصار”. وقد صرح به شيخ الطائفة في مقدمة التهذيب، وذكر أن هذا من أسباب خروج الكثير من التشيع.

ثم يلحظ أن أهم مسألة عند الشيعة وهي مسألة الإمام قد تضاربت في تعيينه فرق الشيعة، واختلفت مذاهبهم واضطربت اتجاهاتهم حوله بشكل كبير، كما حفلت ببيانه وتفصيله كتب المقالات عند الفريقين. فأين تحقق الإجماع وأصل المذهب تنخر فيه الاختلافات وتدور في شأنه المنازعات؟ يعني أنت قضية الإمامة التي تجعلونها ركن الدين الأعظم، أنتم نفسكم اختلفتم اختلافًا شديدًا في شخصية الإمام، انقسموا حول الإمام، فالإجماع حتى يحسم لكم هذا الخلاف!

ترى كذلك أن دعاوى الإجماع عندهم متعارضة متضاربة، وما انفردت به الشيعة وشذت به من هدي علي رضي الله تعالى عنه كان علي رضي الله تعالى عنه مع الأمة في إجماع، لأن فيه الرشاد، لا في مخالفتهم كما تدعيه هذه الزمرة الحاقدة على الأمة والتي تبغي فيها الفرقة والشتات. ولهذا لم نجد إجابة عن موافقة علي رضي الله عنه للأمة إلا بدعوى التقية. لما تقول لهم: طب علي فعل كذا، علي أطاع أبا بكر وعمر، علي لم يعترض على كذا، فيقولون: لا دي كانت تقية. طيب تقية وهو ماشي واحد من الرعية، لكن لما بقى خليفة بقى في تقية برضه؟ بقى هو الخليفة، وما يقدرش يقول الحق؟

ولهذا لم نجد إجابة عن موافقة علي رضي الله عنه للأمة إلا بدعوى التقية، أي نفاق علي للصحابة، برأه الله مما يفترون، وهي دعوى تتناقض مع العقل والتاريخ فضلًا عن الشرع والدين. فلم يستطع شيوخ الشيعة – كما ترى – أن يثبتوا على علي تطبيقه لهذا الأصل المفتَرى، بل أقروا بموافقته للأمة على لسان شيخهم الشريف المرتضى. وحتى إبان خلافته وامتلاكه لزمام الأمور التي تنتفي معها التقية، لم يقدروا على إنكار موافقته للأمة.

يقول شيخهم نعمة الله الجزائري: ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا – لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه – كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة.

فثبت بنقل الفريقين أن أمير المؤمنين لم يفارق إجماع الأمة، وأن الإمامية قد خالفت سيرته حينما وضعت لنفسها مبدأ مخالفة الأمة، فليست له بشيعة، وليس لها بإمام رضي الله تعالى عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • الثلاثاء PM 03:25
    2026-04-21
  • 39
Powered by: GateGold