ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تعريف الشيعة لغة و اصطلاحا
تعريف الشيعة لغة و اصطلاحا
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى وآله المستكملين الشرفا.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فنشرع بإذن الله تعالى في دراسة التمهيد لهذا الكتاب القيم: أصول مذهب الشيعة. وهذا التمهيد يشتمل على التعريف اللغوي للفظ الشيعة، ثم استعمالات لفظة الشيعة في الكتاب وفي السنة، ثم لفظة الشيعة عند الجعفرية الاثني عشرية، ثم لفظ الشيعة في التاريخ، ثم تعريف الشيعة في كتب الاثني عشرية، ثم في كتب الإسماعيلية، ثم في المصادر الأخرى، ثم التعريف المختار للشيعة، ثم الكلام عن نشأة الشيعة وفرقها وألقابها، وبالذات فرق الاثني عشرية.
أما التعريف اللغوي لكلمة الشيعة، فيقول ابن دريد المتوفى سنة 321: فلان من شيعة فلان، أي ممن يرى رأيه. وشيعت الرجل على الأمر تشييعًا إذا أعنته عليه، وشيعت الرجل على الأمر مشايعة وشيعًا إذا مالأته عليه.
وقال الأزهري المتوفى سنة 370: الشيعة أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شيع وأشياع. والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويوالى النار تشييعًا إذا ألقيت عليها ما تذكيه به، ويقال: شيعت فلانًا أي خرجت معه لوداعه، ويقال: شيعنا شهر رمضان بست من شوال أي أتبعناه بها، وتقول العرب: آتيك غدًا أو شيعه، يعني اليوم الذي يتبعه. والشيعة التي يتبع بعضهم بعضًا، والشيعة الفرق الذين يتبع بعضهم بعضًا وليس كلهم متفقين.
وقال الجوهري المتوفى سنة 400: تشيع الرجل، أي ادعى دعوى الشيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة. قال ذو الرمة:
استحدث الركب عن أشياعهم خبرًا
يعني عن أصحابهم.
وقال ابن منظور المتوفى سنة 711: والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع وأشياع، جمع الجمع. وأصل الشيعة الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد. وقد غلب هذا الاسم على من يتولى عليًا وأهل بيته، حتى صار لهم اسمًا خاصًا، فإذا قيل: فلان من الشيعة، عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا، أي عندهم. وأصل ذلك من المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة. والشيعة قوم يرون رأي غيرهم، وتشايع القوم صاروا شيعًا، وشيع الرجل إذا ادعى دعوى الشيعة، وشيعه شيعًا وشيعه تابعه، ويقال: فلان يشايعه على ذلك، أي يقويه.
وقال الزبيدي المتوفى سنة 1205: كل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو له شيعة، وأصل الشيعة من المشايعة، وهي المتابعة، وقيل: عين الشيعة واو، من شوع قومه إذا جمعهم. فاصل الياء في مادة شيع أصلها واو، شوع قومه يعني جمعهم. وقد غلب هذا الاسم، الشيعة، على كل من يتولى عليًا وأهل بيته، وهم أمم لا يحصون، مبتدعتهم وغلاتهم، الإمامية المنتظرية، يسبون الشيخين، وغلاة غلاتهم يكفرون الشيخين، ومنهم من يرتقي إلى الزندقة. هذا كلام الزبيدي رحمه الله.
فالشيع والتشيع والمشايعة تدور حول معنى المتابعة والمناصرة والموافقة بالرأي والاجتماع على الأمر أو الممالأة عليه. ثم غلب هذا الاسم، كما يقول صاحب اللسان والقاموس وتاج العروس، على كل من يتولى عليًا وأهل بيته.
وهذه الغلبة محل نظر، لأنه إذا تأمل الباحث في المعنى اللغوي للشيعة، الذي يدل على المتابعة والمناصرة، ثم نظر إلى أكثر فرق الشيعة التي غلب إطلاق هذا الاسم عليها، يجد أنه لا يصح تسميتها بالشيعة من الناحية اللغوية؛ لأن الشيعة، كما قلنا، هي المتابعة والمناصرة والموافقة بالرأي والاجتماع على الأمر أو الممالأة عليه، ففي الحقيقة هؤلاء ليسوا شيعة أهل البيت، أو ليسوا شيعة علي وأهل بيته. لماذا؟ لأنهم في الحقيقة لا يتابعونهم ولا يوافقونهم، تمامًا كما ذكرنا من قبل في شأن اليهود مع موسى، يعني اليهود يظنون أنهم أسعد الناس بموسى عليه السلام، ثم موسى منهم ومن كفرهم براء، والمسيح عليه السلام، النصارى يزعمون أنهم أولى الناس بعيسى، وأنهم محبوه، وأنه كذا وكذا، وهو منهم براء، فنفس الشيء في حق علي وأهل بيته.
حينما نتكلم على المعنى اللغوي، المشايعة بمعنى المتابعة والمناصرة والموافقة في الرأي، فهم على الحقيقة ليسوا شيعة أهل البيت، ولا يستحقون هذا الوصف. لماذا؟ لأن هذه الفرقة غير متابعة لأهل البيت على الحقيقة، بل هي مخالفة لهم ومجافية.
ولأننا نشبه الأعاجم في الإلمام هنا باللغة في هذه العصور، فنحتاج إلى تتبع المادة في مصادر اللغة الأصلية، كما فعل الباحث جزاه الله خيرًا هنا، فالكلمة تدور حول المتابعة والمناصرة والموافقة بالرأي والاجتماع على الأمر والممالأة، فكل هذه المعاني لا تتوفر في هؤلاء؛ لأنهم في الحقيقة غير متابعين لأهل البيت. فهذا حكم هذا المذهب من حيث اللغة فقط، فما بالك بما يأتي من حيث الشرع؟
ولذلك شريك بن عبد الله لما سأله سائل: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًا. والله لقد رقى هذه الأعواد عليٌّ المنبر، يعني لقد رقى هذه الأعواد عليٌّ فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما، فكيف نرد قوله، وكيف نكذب؟ والله ما كان كذابًا.
إذًا هذا المعنى مهم جدًا، وهو يؤيد ما استنبطناه فقط من الناحية اللغوية. فشريك سأله السائل: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًا. من لم يفضل أبا بكر على علي فليس شيعيًا، ليس متبعًا عليًا على الحقيقة، وليس مشايعًا لعلي على الحقيقة. والله لقد رقى هذه الأعواد علي رضي الله عنه فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه، فكيف نرد قول علي؟ فإذا كان علي قال هذا، فكيف نرد قوله وكيف نكذب؟ والله ما كان كذابًا.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد روي عن علي هذا الخبر متواترًا، وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا رواه البخاري وغيره، بل إن هذا جاء أيضًا في كتب الشيعة كتلخيص الشافي.
فالإمام شريك لاحظ أن غير المتابع لعلي لا يستحق اسم التشيع، لأن معنى التشيع وحقيقته المتابعة. ولهذا آثر بعض الأئمة أن يطلق عليهم اسم الرافضة. بعض الأئمة يتحرجون من وصفهم بالشيعة، لأنهم عند التحقيق ليسوا شيعة، ليسوا شيعة علي، ولم يوافقوا عليًا، ولم يتشيعوا لما كان عليه علي في الحقيقة، ومن ثم لا يستحقون أن يوصفوا بأنهم شيعة علي وأهل بيته، وإنما هم الرافضة، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
يقول: وقد لجأ المتابعون لأهل البيت على الحقيقة، والذين كانوا يلقبون بالشيعة، يعني كان الناس الذين هم المتابعون لأهل البيت على الحقيقة، كما قال شريك، يشايعونهم التشيع المقبول، وهو تفضيل أبي بكر وعمر على علي، فالمتابع لأهل البيت حقيقة كانوا يلقبون أحيانًا بالشيعة، لجؤوا إلى ترك هذا اللقب لما غلب إطلاقه على أهل البدع المخالفين لأهل البيت. لما شاع لقب الشيعة وصار يطلق على المخالفين لأهل البيت، فمن ثم تركوا هذا اللقب حتى لا يوافقوا هؤلاء المبتدعة.
يقول صاحب التحفة الاثني عشرية رحمه الله تعالى: إن الشيعة الأولى تركوا اسم الشيعة لما صار لقبًا للروافض والإسماعيلية، ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة، لأن كلمة الشيعة صارت كلمة علامة على أهل البدع.
وهذه قاعدة معروفة، أن هناك بعض الأمور، حتى لو كانت في الأصل مباحة، لكنها إذا صارت شعارًا لأهل البدعة، فحينئذ ينبغي تجنبها لكي لا نوافق أهل البدع، مع أنها في الأصل على الأقل مباحة.
فمثلًا المثال الذي يحضرني: جماعة الفرماوية، وقد انقرضت ولله الحمد الآن، كانوا يهتمون جدًا باللون الأخضر بطريقة غريبة، حتى إنهم لا يلبسون إلا الأخضر: العمامة خضراء، والملابس خضراء، كل شيء أخضر. والغريب أن نسبة كبيرة منهم كانت عيونهم خضراء. كلام يعني لو فصلناه لتشعب بعيدًا عن الموضوع، يعني كلام كله كلام مخابيل.
يعني كان الفرماوي هذا يصعد على الجدار في الزنزانة، وينظر إلى أعلى ويقول: هات هات. طبعًا الشيطان كان يوحي إليه. ويرى أن أي حديث يصحح عن طريق أن يعرضه على قلبه، فهو قلباني بقى، مش الألباني. نعم، ناس ضلال ضلالًا مبينًا، وفيهم شيء من العته. كان ممنوع تقتل أي حشرة، وممنوع تسعى للرزق إطلاقًا، وسوف يأتيك رزقك ما دام مقدرًا... إلى آخره، أشياء غريبة جدًا.
المهم، في هذه الحالة مثلًا، إذا صار اللون الأخضر شعارًا لفرقة ضالة مثل هذه، ففي هذه الحالة هو قبل ذلك ممكن إنسان يلبس اللون، ما فيش مشكلة، لكن ما دام صار شعارًا يعرفون به، ففي هذه الحالة يفضل الإنسان أن يخالفهم، ولا يوافقهم، لأنه طرأ عليه ما يصرفه إلى غير الإباحة.
مثلًا عبارة كرم الله وجهه، العبارة ليست مشكلة أن تقول: كرم الله وجهه، لكن لما صارت شعارًا على الرافضة، فضّل بعض العلماء تجنب هذا الدعاء. لذلك يقول العلامة الجليل الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى، تحت عبارة كرم الله وجهه في معجم المناهي اللفظية:
كان الأصل، يعني الإمام السفاريني في غذاء الألباب ينقل كلام ابن كثير ويعلق على عبارة: صلى الله عليه وسلم على غير الأنبياء، فبعد ما نقل كلام ابن كثير قال: قد ذاع ذلك وشاع. قلت: قد ذاع ذلك وشاع، وملأ الطروس والأسماع. قال الأشياخ: وإنما خص علي رضي الله عنه بقولهم: كرم الله وجهه، لأنه ما سجد إلى صنم قط، وهذا إن شاء الله لا بأس به، والله الموفق.
انتهى كلام السفاريني، أن التخصيص عليه لأنه ما سجد إلى صنم قط رضي الله عنه. قلت، الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: أما وقد اتخذته الرافضة، أعداء علي رضي الله عنه والعترة الطاهرة، فلا. ما دام شعارًا للرافضة، رضي الله عنه، بأنهم يقولون: كرم الله وجهه، فهل يقولونها حينما يسمعون مثلًا أبا سعيد الخدري أو أبا هريرة أو أبا بكر أو عمر؟ يقولون أيضًا كرم الله وجهه؟ لا يقولون هذا، إنما خصوها بأمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه.
يقول الشيخ بكر رحمه الله: أما وقد اتخذته الرافضة، أعداء علي رضي الله عنه والعترة الطاهرة، شعارًا لهم، فلا، منعًا لمجاراة أهل البدع، والله أعلم. ولهم في ذلك تعليلات لا يصح منها شيء، ومنها: لأنه لم يطلع على عورة أحد أصلًا، ومنها: لأنه لم يسجد لصنم قط، وهذا يشاركه فيه من ولد في الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم، علمًا أن القول بأي تعليل لا بد له من ذكر طريق الإثبات.
نعود إلى الكلام على هذا. كما ذكرنا، يقول صاحب التحفة الاثني عشرية: إن الشيعة الأولى، اللي هم الشيعة الحقيقيون، تركوا اسم التشيع لما صار لقبًا للروافض والإسماعيلية، ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة. ولذلك نحن نعتبر نحن الشيعة، لأننا محبو آل البيت، وأنصارهم، وأتباعهم على الحقيقة. واضح؟ لأن هل أهل البيت، هل علي وبنوه وأهل بيته، يرضون بأن يعبدوا من دون الله؟ يرضون بالغلو الذي يحصل من الرافضة، سواء في حياتهم أو بعد مماتهم في قبورهم؟ هذا قطعًا أهل البيت بريئون من مثل هذا.
ثم يعرض بعد ذلك استعمالات لفظ الشيعة في القرآن الكريم، فيقول: مادة شيع وردت في كتاب الله العظيم في اثني عشر موضعًا، وقد أجمل ابن الجوزي معانيها بقوله: وذكر أهل التفسير أن الشيعة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الفرق، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾، أي فرقًا، ﴿لست منهم في شيء﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾، أي الفرق. وقال عز وجل: ﴿وجعل أهلها شيعًا﴾، يعني الفرق. وقال عز وجل: ﴿من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾. إذًا هذا استعمال للمادة بمعنى الفرق.
الاستعمال الثاني: الشيعة بمعنى الأهل والنسب، ومنه قوله تعالى: ﴿هذا من شيعته وهذا من عدوه﴾، يعني من أهله في النسب إلى بني إسرائيل.
أما الثالث فهو الشيعة أهل الملة، يقول تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة﴾، يعني أهل كل ملة. وقال عز وجل: ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم﴾. وقال: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾، يعني من أهل ملته، الإسلام.
أما الاستعمال الرابع، فهو أن الشيع يراد بها الأهواء المختلفة، كما قال تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾.
ويشير ابن القيم رحمه الله تعالى في نص مهم له إلى أن لفظ الشيعة والأشياع غالبًا ما يستعمل في الذم، الغالب عليه أنه يستعمل في الذم. يقول: ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كقوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيًا﴾، وكقوله: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾، وقوله: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل﴾.
ويعلل ابن القيم ذلك بقوله: ذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة، التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيعة إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
فطبعًا ابن القيم كلامه دقيق، يقول: الغالب في استعمال لفظ الشيعة الذم، الغالب، لكن في استثناءات، مثل قوله تعالى في حق نوح عليه السلام: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾، يعني من أهل ملته، الإسلام.
هذه ألفاظ الشيعة في كتاب الله ومعانيها، وهي لا تدل على الاتجاه الشيعي المعروف، وهذا أمر يدرك بداهة، ولكن الغريب في الأمر أن نجد عند الشيعة اتجاهًا يحاول ما وسعته المحاولة أو الحيلة أن يفسر بعض ألفاظ الشيعة الواردة في كتاب الله بطائفته، ويؤول كتاب الله على غير تأويله، ويحمل الآيات ما لا تحتمل، تحريفًا لكتاب الله وإلحادًا فيه.
فقد جاء في أحاديثهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾، والهاء تعود إلى من؟ في سورة الصافات إلى نوح، أقرب مذكور قصة نوح عليه السلام، ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾، ثم بعد ذلك قال تعالى: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾. قالوا: أي إن إبراهيم من شيعة علي. يفسرون الآية: ﴿وإن من شيعته﴾، يعني إن من شيعة علي إبراهيم.
فهذا طبعًا لا يستغرب، هم تحريفهم لمعاني القرآن بأساليب كالباطنية هذا معروف، سبق أن تكلمنا عنها بالتفصيل. فهذا من التمحل، لأن مذهبهم لا يوجد له أصل في القرآن، حتى أصل أصول الدين عندهم، وهو الإمامة، لا يوجد له ذكر. ولذلك يتمحلسون ويتنططون للإمامة من القرآن العظيم، لأن أهل السنة دائمًا يتحدون: أصل الدين عندكم، الذي من لم يؤمن به يعد كافرًا، هو إثبات الإمامة، فأين في القرآن الإشارة إلى الاعتقاد في الإمامة؟ فتجدهم يفسدون معاني الآيات ليخرجوا من هذا المأزق الذي يوقعهم فيه أهل السنة.
فمن هذا الضلال قولهم: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ أي إن إبراهيم من شيعة علي، يعني يذكروني بالشيوعيين لما كانوا في عهد عبد الناصر، يعني يقولوا: أبو ذر أول اشتراكي في الإسلام! أبو ذر أول اشتراكي في الإسلام! يعني منين أبو ذر، ومنين كلمة اشتراكي أصلًا؟!
فهذا مخالف لسياق القرآن وأصول الإسلام، وهو نابع من عقيدة غلاة الروافض الذين يفضلون الأئمة على الأنبياء. طبعًا كالعادة، كما قلت من قبل، إن أبا عبد الله، أو جعفر الصادق رحمه الله تعالى، الشيعة ظلموه ظلمًا بينًا، لأنه إمام جليل من أئمة المسلمين، ومقامه في العلم والفضل معروف جدًا، فهم يستعملونه كلوحة إعلانات في أعلى مكان في البلد، لوحة إعلانات مضاءة بالنيون مثلًا في وسط الظلام، ثم يعلقون عليها أي شيء يريدون أن يفتروه وأن يكذبوه، يقول لك: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله، يريدون به جعفرًا، جعفر رحمه الله تعالى.
فدائمًا أكثر أكاذيب الشيعة ينسبونها إلى أبي عبد الله، أو جعفر الصادق رحمه الله تعالى، فهم نسبوا هذا الكذب إلى جعفر الصادق أيضًا زورًا وبهتانًا وافتراءً، ودين جعفر وعلمه وورعه طبعًا يبرئه من مثل هذه الأكاذيب.
هذا نابع من عقيدة غلاة الروافض الذين يفضلون الأئمة على الأنبياء، غلاتهم يعتقدون أن الأئمة أفضل من الأنبياء، ومن ثم يجعلون من تابعًا لمن؟ إبراهيم عليه السلام تابعًا لعلي رضي الله تعالى عنه. فهذا التأويل أو التحريف يجعل خليل الرحمن، أفضل الرسل والأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم، يجعله من شيعة علي، وهو أمر يعرف بطلانه من الإسلام بالضرورة، كما هو باطل بالعقل والتاريخ، وهو من وضع وضاع لا يحسن الوضع ولا يعرف كيف يضع.
والذي قاله أهل السنة في تفسير الآية، والمنقول عن السلف، أن إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام، وعلى منهاجه وسنته. يقول الشوكاني رحمه الله تعالى معلقًا على أن هناك قولًا ضعيفًا في الآية نسب إلى الفراء بأن المعنى: وإن من شيعة محمد لإبراهيم، قال الشوكاني: ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق. والظاهر ما أشرنا إليه، وهو أنه يعود على نوح عليه السلام، وهو المروي عن ابن عباس وغيره، وقلما يقال للمتقدم: هو شيعة للمتأخر.
لأن الآيات التي قبل هذه الآية كانت في نوح عليه السلام.
ويلاحظ أن من مفسري الشيعة من أخذ بقول أهل السنة، وأعرض عما قاله قومه في تأويل الآية.
فماذا عن لفظ الشيعة في السنة الشريفة، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف استعمل؟
ورد لفظ الشيعة في السنة المطهرة بمعنى الأتباع، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في الرجل الذي هو ذو الخويصرة التميمي، بذرة الخوارج، الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لم أرك عدلت، لما قسم النبي عليه الصلاة والسلام بعض الأشياء، قال: أوَ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله؟ والعياذ بالله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه، أو روي أنه قال: «سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه». وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى صحاح. «سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه»، يعني أتباعًا. وهذا الحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وكذلك رواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الألباني: إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات.
فالشاهد هنا كلمة شيعة، «سيكون له شيعة»، يعني أتباع. «سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه».
كذلك الحديث الذي روي وأخرجه أبو داود في المكذبين بالقدر، وجاء فيه: «وهم شيعة الدجال»، والحديث ضعيف.
إذًا الشيعة هنا مرادفة للفظ الأصحاب والأتباع والأنصار.
فلم يستعمل لفظ الشيعة في السنة على الفرقة المعروفة بهذا الاسم إلا في بعض الأخبار الضعيفة أو الموضوعة، جاء فيها لفظ الشيعة كدال على أتباع علي، مثل حديث: «فاستغفرت لعلي وشيعته». يقول العقيلي: لا أصل له، يعني لا سند له. كذلك حديث: «مثلي مثل شجرة، أنا أصلها، وعلي فرعها، والشيعة ورقها»، وهذا حديث موضوع. كذلك حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «أنت وشيعتك في الجنة»، وهذا حديث موضوع.
ورد في بعض الأخبار أنه سيظهر قوم يدعون التشيع لعلي، يقال لهم الرافضة. وروى ابن أبي عاصم أربع روايات في ذكر الرافضة، مثل: «أبشر يا علي، أنت وأصحابك في الجنة، إلا أن ممن يزعم أنه يحبك قوم يرفضون الإسلام، يقال لهم الرافضة، فإذا لقيتهم فجاهدهم، فإنهم مشركون». قلت: يا رسول الله، ما العلامة فيهم؟ قال: «لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف». وهذا الحديث أورده الشوكاني في الأحاديث الموضوعة.
طبعًا تعرفون منهج أهل السنة في تنقيح الأحاديث وغربلتها، أنهم لا يتبعون الهوى، فممكن الحديث يوافق عقيدتهم أو يخدمها، لكنهم لا بد أن ينبهوا إلى أن هذا فيه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف الرافضة، فإن الأساس في ترجيح الروايات هو اتباع الهوى، فهم يرون ما لهم فقط. أما أهل السنة فيرون ما لهم وما عليهم بمنتهى الإنصاف، كما ناقشنا ذلك من قبل بالتفصيل.
فجميع الروايات التي جاء فيها أن في قوم يشايعون عليًا أو يدعون التشيع له يسمون الرافضة ضعيفة. وأخرج الطبراني بإسناد حسن – كما يقول الهيثمي – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا علي، سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت، لهم نبز يسمون الرافضة، قاتلوهم فإنهم مشركون»، وفيه الحجاج بن تميم وهو ضعيف.
نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة، لأن اسم الرافضة لم يعرف إلا في القرن الثاني الهجري، فهو كذب جميع الأحاديث التي فيها لفظ الرافضة. ويقول المصنف هنا: إذا صحت أسانيدها فستكون من باب الإخبار بما سوف يقع في المستقبل، كما أخبر عن الخوارج قبل ظهورهم.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى مناقشة لفظ الشيعة ومعناها في كتب الحديث الاثني عشرية، يعني في مراجع الشيعة، فيقول: وفي كتب الحديث عند الشيعة يتكرر في كثير من رواياتهم وأحاديثهم التي ينسبونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الإمام علي، والحسن، والحسين، وبقية أئمتهم الاثني عشر، لأن طبعًا السنة عند الرافضة، أو عند الاثني عشرية، ليست هي السنة عندنا. السنة عندنا الكتب الستة معروفة، مراجع الأحاديث، لكن عندهم السنة هي ما قاله الرسول أو الأئمة الاثنا عشر، لكن يشترط أن يأتي عن طريق الأئمة، لأنهم في زعمهم معصومون، أما من عدا ذلك فلا يحتجون بالأحاديث.
فيتكرر في مصادرهم لفظ الشيعة كمصطلح يدل على فرقتهم وعقيدتهم وأمتهم، لأن الشيعة يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي غرس بذرة التشيع، وتعهدها بالسقي حتى نمت وأينعت.
ففي أصول الكافي، في مسألة النص على الأئمة من الله ورسوله والأئمة كما يزعمون، ذكر ثلاثة عشر بابًا ضمنها أحاديث فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على الأئمة، بل وصل بهم الأمر في هذا إلى وضع روايات تدل على أن لفظ الشيعة كمصطلح يعبر عن طائفتهم معروف قبل زمن رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ليس فقط أن الرسول استعمل هذا اللفظ ليمدح الشيعة، لكنه موجود قبل نبينا صلى الله عليه وسلم.
فقد جاء في أحاديثهم تفسير قوله سبحانه: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾، أي أن إبراهيم من شيعة علي. بل بلغ بهم الزعم إلى القول بأن الله أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي، جميع الأنبياء أخذ الله عليهم الميثاق أن يوالوا عليًا، وأخذ عهد النبيين على ولاية علي، وأن ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، إلى آخر هذه الدعاوى، وسوف يأتي تفصيل الكلام في ذلك.
أما لفظ الشيعة في التاريخ الإسلامي، ففي الأحداث التاريخية في صدر الإسلام وردت لفظة الشيعة بمعناها اللغوي الصرف، وهو المناصرة والمتابعة، بل إننا نجد في وثيقة التحكيم بين الخليفة علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه ورود لفظ الشيعة بهذا المعنى، حيث أطلق على أتباع علي شيعة، كما أطلق على أتباع معاوية شيعة، ولم يختص لفظ الشيعة بأتباع علي رضي الله عنه.
جاء في صحيفة التحكيم كما رواها الدينوري والطبري في تاريخه:
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما. ومنها: وأن عليًا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص. هنا استعمال لغوي، استعمال لغوي يعني الأتباع والأنصار. ومنها: فإن مات أحد الحكمين فلشيعة صاحبه أن يختاروا غيره. وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يستخلفوا غيره.
وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا النص ليأخذ منه دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت. إذًا هذا استعمال لغوي صرف، من جنس ما أنسه أهل اللغة.
وجاء في التاريخ أن معاوية رضي الله عنه قال لبسر بن أرطاة حين وجهه إلى اليمن: امض حتى تأتي صنعاء، فإن لنا بها شيعة. هذا كلام معاوية رضي الله عنه.
إذًا لم يظهر مصطلح الشيعة دالًا على أتباع علي فحسب حتى ذلك الوقت، ويبدو أن بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع، وابتداء التميز بهذا الاسم، بدأ بعد مقتل الحسين رضي الله عنه. يقول المسعودي: وفي سنة خمسٍ وستين تحركت الشيعة في الكوفة.
يبقى هنا بقى، ده باسم الفرقة نفسها: تحركت الشيعة في الكوفة، وتكونت حركة التوابين، ثم حركة المختار الكيسانية، وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها، وأخذت تتميز بهذا الاسم.
من هنا يتضح أن اسم الشيعة كان لقبًا يطلق على أي مجموعة تلتف حول قائدها، وإن كان بعض الشيعة يحاول أن يتجاهل الحقائق التاريخية، ويدعي بأن الشيعة هم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة. في الحقيقة لا، كما ترون، تاريخيًا استعمل هذا اللفظ بمعناه اللغوي، وليس بمعناه الاصطلاحي، ويتناسى أن معاوية أطلق أيضًا على أتباعه كلمة الشيعة. ولكن الوقائع التاريخية تقول بأن لقب الشيعة لم يختص إطلاقه على أتباع علي إلا بعد مقتل علي رضي الله عنه كما يرى البعض، أو بعد مقتل الحسين كما يرى آخرون.
ثم ينتهي إلى تعريف الشيعة اصطلاحًا، وهذا أيضًا مهم في هذا البحث، فيذكر أولًا تعريف الشيعة في كتب الإمامية الاثني عشرية.
فشيخ الشيعة سعد بن عبد الله القمي، وهو عند الشيعة جليل القدر، واسع الأخبار، كثير التصنيف، ثقة، توفي سنة 301، وقيل 299، فهذا القمي يقول: الشيعة هم شيعة علي بن أبي طالب. لكن حينما نتعامل مع مثل هذا التعريف، لا بد أن نقول دائمًا: هم المدعون التشيع لعلي رضي الله عنه، مدعون، وليسوا هم شيعته على الحقيقة كما ذكرنا.
وفي موضع آخر يقول القمي: الشيعة هم فرق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بالانقطاع إليه، والقول بإمامته. ويوافقه على هذا التعريف شيخهم النوبختي، حتى في الألفاظ نفسها.
الجميل هنا في هذا البحث أنه يعرض التعريف من مراجعهم، ثم يناقشه. فيناقش هذا التعريف الأول للشيعة، الذي هو من كتب الشيعة، يقولون في تعريف الشيعة، أو القمي والنوبختي: الشيعة هم فرق علي بن أبي طالب، المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بالانقطاع إليه والقول بإمامته.
لكم ملاحظات على هذا التعريف، قبل أن نذكر كلام المصنف، كنوع من التدريب على النقد؟
لا، هذا غير واضح، لكن هي يمكن المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، هل في زمان النبي عليه الصلاة والسلام استعمل لفظ الشيعة للدلالة على هؤلاء الناس؟ لم يستعمل هذا، بل كانوا يستعملون استعمالًا...
-
الثلاثاء PM 02:51
2026-04-21 - 16



