ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
ما قولك في من حمي رأس النفاق و دافع عنه
ما قولك في من حمي رأس النفاق و دافع عنه
الشيخ خالد بن عثمان السبت
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمّا بعد:
فسلامُ الله عليكم ورحمتُه وبركاته.
ما زال الحديث، أيها الأحبة، في هذه المجالس متصلًا بهذا الموضوع الذي ابتدأنا الكلام عليه، هذا الأمر الذي التبس على بعض الناس. أسأل الله عز وجل الهداية للجميع، وأن يسدد ألسنتنا، وأن يعيذنا وإياكم من مضلات الفتن.
أوردنا أسئلة في الليالي الماضية في أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الليلة أذكر هذا الحديث المخرج في الصحيحين، وهو الحديث المعروف بحديث الإفك، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
وفيه مما يتصل بموضوعنا، قالت رضي الله عنها: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أُبي بن سلول، فقال:
«يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي».
فهذا في قذف عرضه صلى الله عليه وسلم، وبقي مدة تزيد على الشهر، وقيل: أربعون يومًا، لا يوحى إليه في ذلك، ثم قام على المنبر وقال ما قال.
فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه، وكان سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله.
فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يسكنهم حتى سكتوا.
لاحظوا هذا الموقف: مصيبة عظيمة، قذف عرض النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقوم رجل من سادات المسلمين يدافع عن رأس المنافقين.
فلو وقع مثل هذا في واقع من يتسرع في التكفير، لكان الحكم مختلفًا تمامًا.
لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قد تحصل للرجل موادة لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه ولا يكون كافرًا، كما حصل لسعد بن عبادة رضي الله عنه لما انتصر لابن أُبي في قصة الإفك.
فهذه موالاة ومودة وقعت منه، ومع ذلك لم يكفره أحد، لا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة، مع أن عبد الله بن أُبي رأس المنافقين.
فالنتيجة التي نريد أن نصل إليها: أن ما كل موالاة تخرج من الإسلام.
فإذا تقرر هذا، عاد السؤال: ما الذي يخرج من الإسلام من الموالاة، وما الذي لا يخرج؟ هذه مسائل تحتاج إلى علماء يميزون، وتحتاج إلى تحقق شروط وانتفاء موانع.
فمن الذي يستطيع أن يشق عن قلوب الناس ويقول: هذا في قلبه كذا، وهذا في قلبه كذا؟
ومن الذي خوّله أن يتتبع الناس ليكفّرهم؟
شاب في مقتبل العمر، قد لا يبلغ العشرين، يخوض في هذه القضايا الكبار، يحكم ثم ينفذ، ويكون هو أداة القتل، فيهلك نفسه، ويعق والديه، ويجلب العار لأهله، وهم منه براء.
بل يتمنى أهله لو مات بأي ميتة، ولم يمت هذه الميتة السيئة.
فهذه الأمثلة والشواهد تبين أن هذا الأمر ليس لك، فلا تُقحم نفسك في هذه القضايا العظيمة.
ثم أذكر مثالًا آخر:
حديث عائشة رضي الله عنها، في صحيح مسلم، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ليلًا، وتبعته، فلما رجع قال لها:
«أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟».
ثم قالت: قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟
قال: «نعم».
فهنا عائشة رضي الله عنها سألت: هل يعلم الله ما يكتم الناس؟ وهذا من مسائل الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك قبل، ومع ذلك لم تكن كافرة قبل علمها، لأن الجهل قد يُعذر به صاحبه حتى تقوم عليه الحجة.
فلو جاء إنسان يجهل بعض مسائل الاعتقاد، لا يُحكم بكفره مباشرة.
وهذا يبيّن أن ما يُسمى بـ"المعلوم من الدين بالضرورة" قد يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والأزمنة.
ثم في المسائل العملية:
حديث المسيء صلاته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«ارجع فصلِّ فإنك لم تصل»، ولم يأمره بقضاء الصلوات الماضية.
وكذلك حديث معاوية السلمي رضي الله عنه، لما تكلم في الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، ولم يأمره بالإعادة لما مضى.
وكذلك المرأة التي كانت تستحاض، لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما تركت من الصلوات.
وهذا يدل على أن من اجتهد وأخطأ، أو جهل، فإنه يُعذر.
وكذلك حديث الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لما قالتا:
«وفينا نبي يعلم ما في غد»، وهذا القول فيه خطأ عقدي، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، ومع ذلك لم يكفّرهما النبي صلى الله عليه وسلم، بل وجههما فقط.
وكذلك مالك بن عوف رضي الله عنه، لما أسلم حديثًا، قال في شعره ما يفهم منه علم النبي بالغيب، ولم يكفّره النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه حديث عهد بإسلام.
فكل هذه الشواهد تدل على أن المسألة ليست بالسهولة التي يتصورها البعض.
فلا تتعجل في الحكم، ولا تدخل في هذه المضايق، واطلب السلامة لنفسك.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يبصرنا وإياكم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من مضلات الفتن.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
-
الثلاثاء PM 04:26
2026-04-21 - 32



