ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
ما تقول في من شك في شيء من الأمور القطعية من الدنيا او أنكره ؟
ما تقول في من شك في شيء من الأمور القطعية من الدنيا او أنكره ؟
الشيخ خالد بن عثمان السبت
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
تحدثنا في الليلة الماضية عن جملة من الأحاديث، جاء في مضامين بعضها مدافعةُ من لا يُتَّهَم في إيمانه عن رأسٍ من رؤوس المنافقين، وحمايته، ولم يكن ذلك مخرجًا له من الملة، مع أن هذا الفعل نوع موالاة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
كذلك أيضًا ذكرنا أحاديثَ في أمور تتصل بخفاء قضايا من الإيمان، وهي من القضايا الكبار، على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما خفي على عائشة رضي الله تعالى عنها: هل يعلم الله تعالى ما يخفيه الناس في صدورهم؟ فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». وكذلك قول الجارية في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، وكذلك قول مالك بن عوف النصري: «ومتى تشأ يخبرك عما في غد»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعلم ما في غد إلا الله، وهذا من الخمس التي لا يعلمها إلا الله. فمن ادعى أن أحدًا يعلم ما في غد فقد كفر، ومع ذلك لم يُكفَّر أحد من هؤلاء بذلك. لماذا؟ لأن هذا لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ومن الذي يستطيع أن يحقق مثل هذه القضايا؟ هل هم صغار طلبة العلم، أو من لم يتعلموا العلم أصلًا، وما درسوا، وما حضروا مجالسه، وما تخرجوا على يد العلماء، ولا يُعرف عنهم ميزان فيه؟ ثم بعد ذلك يدخلون في مثل هذه المضايق، فيضرون أنفسهم ويؤذونها. والله الهادي إلى سواء السبيل.
وفي هذه الليلة أوجه سؤالًا أيضًا، وذلك يتعلق بالحديث المخرج في الصحيحين، الحديث المشهور: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا».
قال: «ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: خذي ما أخذت، فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك. فغفر له بذلك».
هذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن هذا الرجل لم يكفر كفرًا مخرجًا من أصل الإيمان؛ لأن الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
فدل على أن هذا دون الإشراك قطعًا.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، وظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان إذا تفرقت، كفر. يعني: وقع في أمرين؛ أن الله لا يقدر على إعادته، وأن الله لا يعيد الأبدان إذا حصل لها هذا التفرق. يقول: لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه، جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن، مخطئًا، فغفر الله له ذلك.
والحديث صريح في أن الرجل ظن أنه لا يعاد إذا فُعل به ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على من أنكره حُكم بكفره. لاحظوا: هذه قضية واضحة؛ رجل عنده شك، في أقل أحواله، في قدرة الله على إعادته، هذا إن لم يكن متيقنًا أن الله لا يعيده، وأن الله لا يقدر على إعادته إذا أحرق وسُحق ثم ذُرِّي في يوم عاصف.
وشيخ الإسلام له عبارات متعددة، أذكر جملًا من كلامه في هذا الموضوع؛ فهو يذكر أن غاية ما في هذا أنه كان رجلًا لم يكن عالمًا بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر، ويقول: وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك فلا يكون كافرًا، ومن تتبع الأحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا الجنس ما يوافقه، وذكر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حينما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن علم الله ما تكنه الصدور.
ويقول في موضع آخر: مثل هذا من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق فإن الله يغفر له خطأه، وإن حصل منه نوع تقصير فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر.
ويقول: فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يلزم أن يتنزل على الشخص المعين الذي فعل هذا. ومثال ذلك: اللعن المطلق، كقولنا: لعن الله النامصات. فإذا رأيتِ امرأةً نامصة، هل تستطيع أن تقول: هذه قد لحقها اللعن بعينها؟ لا تستطيع، لأن هذا متوقف على تحقق الشروط وانتفاء الموانع، لكن نقول قولًا عامًا: لعن الله النامصات.
يقول شيخ الإسلام: فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
ويقول، كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي قال: «إذا مت فاحرقوني...»: إن هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك أنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه من العلم ما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله، وبأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وخوف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.
ويقول: فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه.
وأما تكفير شخص عُلم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحاك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
«لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بالكفر فهو كقتله».
وثبت في الصحيح:
«أن من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».
وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإن ذلك أعظم من قتله، إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافرًا.
ويقول في موضع آخر: وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يدرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر.
ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول.
ولهذا جاء في الحديث: يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجًا، إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله. وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجًا، فقط يعرفون هذه الكلمة. ولما سئل راوي الحديث، وهو الصحابي حذيفة رضي الله تعالى عنه: ما تغني هذه الكلمة عنهم وهم لا يعرفون صلاة ولا صومًا ولا شيئًا من الشرائع؟ قال: تنقذهم من النار.
وهؤلاء نشؤوا في آخر الزمان حيث تندرس معالم الدين. ولا أقصد من هذا أن من يكتفي بقوله: لا إله إلا الله، يكون ناجيًا بإطلاق، لكن المقصود من هذا الكلام الوصول إلى نتيجة واحدة: أن هذه المسائل ليست بالشيء السهل. أنا لا أريد أن أحدد الآن ما الذي يخرج من الملة وما الذي لا يخرج، ولا أريد أن أنحو منحى الإرجاء أيضًا، فإننا لا ننكر المنكر بمثله، وكما قيل: لا يُغسل البول، أعزكم الله، بالدم. وإنما المقصود هنا بيان أن هذه المسائل ليست لكل أحد، بل تحتاج إلى رسوخ في العلم.
ويقول شيخ الإسلام: وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وذكر قصة الرجل. وفي نفس الحديث: «قال رجل لم يعمل حسنة قط»، يعني ما عمل ولا حسنة، وقال أولًا: «حرقوني». وجاء في بعض ألفاظه في الصحيح: أنه كان نَبَّاشًا للقبور، يسرق الأكفان ونحو ذلك.
ويقول شيخ الإسلام في موضع آخر، يتحدث عن قول القدرية والمعتزلة: إن أقوالهم هذه أقوال كفر وضلال، لكن تكفير المعين من هؤلاء ومن منكر بعض الصفات يتوقف على تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ثم يتحدث عن مسألة التكفير، فيقول: وتحقيق الأمر فيها أن الشخص المعين الذي ثبت إيمانه لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفرًا في نفس الأمر، بحيث يكفر بجحده إذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
وقد أنكر طائفة من السلف بعض حروف القرآن لعدم علمهم أنها منه، ولم يكفروا، مع أن من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر. لكن هؤلاء لم يكفروا. ويقول شيخ الإسلام: وعلى هذا حمل المحققون الحديث الذي قال فيه الرجل لأهله: إذا أنا مت فاحرقوني، فإنه كان جاهلًا بقدرة الله إذا فُعل به ذلك.
ويقول شيخ الإسلام: وليس كل جهل ببعض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم يكفر. ولهذا قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال إن الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفرون المعين الذي يقول ذلك؛ لأن ثبوت حكم التكفير في حقه متوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع، فلا يحكم بكفر شخص بعينه إلا أن يعلم أنه قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ولم يقبلها. ومن الذي يقيم عليهم الحجة؟
ويقول في موضع آخر: والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرًا، كما قالت الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يُرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كما تقدم.
كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة، أو استحل الخمر والزنا، متأولًا، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر.
يعني: قدامة بن مظعون رضي الله تعالى عنه من الصحابة، شرب الخمر وكان في البحرين، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سئل عن هذا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه، قال مستحلًا للخمر: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ إلى آخر الآية، يقول: فأنا آمنت وهاجرت وشهدت بدرًا، فأنا ممن آمن واتقى وعمل صالحًا، يعني أن الخمر يجوز شربها. فعلمه عمر، وبيّن له المعنى الصحيح للآية.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله فيمن استحل ما استحل في هذه الأمور: ففي غير ذلك أولى وأحرى، يعني مما قد يخفى مع أن الأمر فيه أوضح، ومع ذلك عُذر.
ويقول على هذا يخرج الحديث الصحيح في الذي قال: إذا أنا مت فاحرقوني، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حُرق.
ويقول في موضع آخر، اسمعوا هذا الكلام من هذا الإمام، يقول: هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى. وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية. كما أن شريحًا أنكر قراءة من قرأ: ﴿بل عجبت ويسخرون﴾، وهي قراءة متواترة، وقال: إن الله لا يعجب. فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، وكان عبد الله – يعني ابن مسعود – أعلم منه، وكان يقرأ: ﴿بل عجبت﴾.
وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه، وقالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين إنه مفترٍ على الله. وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك.
ويقول شيخ الإسلام: وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد.
لاحظوا أن هذا الكلام من شيخ الإسلام نفسه، فأين هذا ممن يطعنون في شيخ الإسلام من الطرف الآخر، الذين يقولون: لن نستطيع التخلص من هذا الغلو وهذه المصائب إلا إذا تخلصنا من ثلاثة: كلهم أحمد! يعني: محمد بن عبد الوهاب، وأحمد بن تيمية، وأحمد بن حنبل. والواقع – فيما أظن، أو يغلب على الظن – أن هذا لو لم يُمسك عند هذا الحد لارتقى حتى يقول: وأحمد الحاشر العاقب، صلى الله عليه وآله وسلم!
فهؤلاء يريدون التخلص من هؤلاء الأئمة، مع أن ما وقفت عليه من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكلام شيخ الإسلام، وما وقفت عليه من كلام الإمام أحمد، يدل على البراءة من هذه الانحرافات.
بل قال بعض الكاتبين، ونشر ذلك في صحيفة، إن أول من ابتدأ هذا الغلو والتكفير هو أبو بكر الصديق لما حكم على أهل الردة بالردة وحاربهم! كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
فهؤلاء الذين يطعنون في شيخ الإسلام ابن تيمية صباح مساء، ويقولون: إنه هو الذي جر هذه المصائب، والذين يطعنون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، هؤلاء الأئمة لهم كلام كهذا الذي تسمعون، وكلام كثير نظير هذا، وهم أبعد ما يكونون عن هذه الانحرافات. ولكن من الناس من يأخذ بعض كلامهم، كما يأخذ بعض الناس بعض الآيات.
والخوارج الذين ظهروا في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يحتجون ببعض الآيات، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». فهم يقرؤون القرآن، وما جاءوا به ليس من الإنجيل، لكنهم انحرفوا بفهمهم.
وكل الفرق كذلك: المرجئة أخذوا بعض الآيات، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة أخذوا بعض نصوص الوعيد وتركوا الشق الآخر، فوقَع عليهم الانحراف.
والواجب هو أن يؤخذ كلام العالم بمجمله، فيجمع كلامه المتفرق حتى يعرف وجه قوله ورأيه ومذهبه.
يقول شيخ الإسلام في موضع آخر: والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويله وإن كان مخطئًا. ويقول: وكنت دائمًا أذكر الحديث – وذكر حديث «إذا مت فاحرقوني» – ويقول: المتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من هذا.
وليست القضية فيمن نشأ ببادية بعيدة فقط، كما ذكرت في الليلة الماضية: عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم، والجاريتان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يحكم عليهم بالكفر.
ويقول في موضع آخر: والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل: الخبرية والعملية. يقصد بالمسائل الخبرية: القضايا الموقوفة على النقل والرواية فيما يتصل بصفات الله عز وجل وما إلى ذلك، والمسائل العملية مثل الصلاة والصيام ونحو ذلك.
ويقول: كما قد بسط في غير موضع، كما اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه. مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى لقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، ولقوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾.
ويقول في موضع آخر: وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يُرى، وفسروا قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح، وهذا في الواقع قول من أقوال المعتزلة، وهؤلاء ليسوا من المعتزلة، لكنهم أخطؤوا في التفسير.
ويقول: أو من اعتقد أن الميت يُعذب ببكاء الحي، أو اعتقد أن قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ يدل على ذلك، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف. أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات ليست من القرآن لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظًا من القرآن، كإنكار بعضهم: ﴿وقضى ربك﴾ فقال: إنما هي: ووصى ربك. وإنكار بعضهم قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ وقال: إنما هو ميثاق بني إسرائيل. وكذلك هي قراءة عبد الله. وإنكار بعضهم: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ وقال: إنما هي: أولم يتبين الذين آمنوا.
وكما أنكر عمر على هشام بن حكيم رضي الله عن الجميع، وقال: لم أره يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها. وكما أنكرت طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها، حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام. وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي، لاعتقادهم أن معنى ذلك أن الله يحبها ويرضاها ويأمر بها.
لاحظوا: بعض الأئمة الكبار من أئمة القراءات أنكر بعض القراءات المتواترة، لم تثبت عنده، هذا غاية ما يقال: لم تثبت عنده. بل نُقل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يرى أن المعوذتين ليستا من القرآن، وإنما هما رقية وتعويذ، وهو من أعلم الصحابة في القرآن، ولم يقل أحد إن ذلك يخرجه من الإيمان إطلاقًا.
فهذه المسائل لو عرضت على هؤلاء، ماذا سيحكمون فيها؟ ماذا سيحكمون على هذا الإنسان لو قال لهم: هذه القراءة «أفلم ييأس»، فقال: «أولم يتبين» مثلًا؟ أو قال: «وقضى ربك» لا، هي «ووصى ربك»؟ ماذا يفعلون بمثل هذا؟ يبين له أن هذا خطأ، ويبين له أن القراءة المتواترة هي هذه.
ويقول شيخ الإسلام في موضع آخر – ولم أذكر حديث الذي قال لأهله: إذا أنا مت – ويذكر قول الحواريين: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾، يعني: شيخ الإسلام حمله – على قول بعض المفسرين – على أنهم كانوا يشكون في قدرة الله على إنزال المائدة، مع أن بعض المفسرين قال غير ذلك، وليس الكلام هنا في بيان الوجه الراجح في معنى الآية، لكن المقصود: على قول بعض المفسرين أن ذلك كان جهلًا منهم، فكيف يُحكم عليهم؟
وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه. ويقول: وكثير من الناس لا يعلم ذلك؛ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنها كذب أو غلط.
ويقول في موضع آخر: وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، ولكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، لا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع. فإذا رأيت رجلًا يأكل أموال يتامى، هل تستطيع أن تقول: هذا يأكل في بطنه نارًا؟ الجواب: لا، لأن هذا موقوف على تحقق الشرط وانتفاء المانع.
يقول شيخ الإسلام: فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع.
ويقول: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد تكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها. فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه، كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية.
وهذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، بهذا الإطلاق الذي يذكره بعض الناس.
وشيخ الإسلام بحروفه يقول: ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين. يعني: يطلقون في النوع: من قال كذا فقد كفر، ولكن إذا جاءوا إلى المعين لم يكفروه.
ويقول: وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، ولكن ما كانوا يكفرون أعيانهم. فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه.
ومع هذا، فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم، ويعاقبونهم إذا لم يجيبوا، ويكفرون من لم يجبهم، حتى إنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وغير ذلك. ولا يولون متوليًا – يعني على قضاء أو ولاية – ولا يعطون رزقًا من بيت المال، يعني الرواتب وما إلى ذلك، إلا لمن يقول بذلك.
ومع هذا، الإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم. الخلفاء: المأمون – استدعاه ومات وهو في الطريق – ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ومع هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطؤوا، وقلدوا من قال لهم ذلك.
لاحظوا الآن: الخلفاء فرضوا القول بخلق القرآن، وعقائد الجهمية، على الطلاب في الكتاتيب، التلاميذ الذين يتعلمون القرآن، ولا يطلق الأسير، ولا يُولَّى، ولا يعطى أحد رزقًا إلا إذا أقر بذلك. وجاؤوا بالعلماء وامتحنوهم وعذبوهم وقيدوهم. ومات بعضهم وهو مقيد في السجن، كما وقع للبويطي، وهو من أعظم وأجل أصحاب الشافعي رحمه الله في مصر، ومات في الحبس، في قيوده الحديد في يديه ورجليه. وسجن الإمام أحمد وضُرب. وأخذوا يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأئمة كبارًا. وتوفي أحمد بن نوح رحمه الله، وكان مع الإمام أحمد في الطريق، وقد ذهبوا به إلى المأمون.
ومع ذلك، الإمام أحمد يترحم عليهم، وكانوا يكفرون من لم يقل بهذا، وكان ابن أبي دؤاد يفتي بكفر الإمام أحمد، ويقولون: دمه حلال. وهكذا بعض هؤلاء الخلفاء لما جيء بأحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله في أمر وقع، فقال له الخليفة العباسي الواثق: دعنا من هذا الذي قيل، ما تقول في القرآن؟ قال: أقول: كلام الله غير مخلوق. فقال: فإني أحتسب عند الله قتل هذا الكافر! ثم أخذ سيفًا أو صفيحة لعمرو بن معديكرب، فضربه، فأصاب عاتق الخليفة نفسه، فأخذها الحرس من يده، فأجهزوا عليه، فقطعوا رأسه، وصُلب بعضه في بغداد، وصُلب بعضه في سامراء، الرأس في بغداد، والجسد في سامراء، وعليه الحرس، لا يستطيع أحد أن يقترب من الجثة.
انظروا إلى هذه الفتنة العظيمة في القول بخلق القرآن. هل نتج عنها ردود أفعال عنيفة؟ هل أخذ كل واحد سلاحًا أو حزامًا ناسفًا وذهب إلى الخليفة أو إلى قصره أو إلى حرسه؟ لا.
مع أن المعتزلة – كما قال ابن القيم رحمه الله – خمسمائة من العلماء أفتوا بكفر من قال بخلاف خلق القرآن. وبنو العباس لم يقولوا بهذا فقط، بل حملوا الناس عليه، وعذبوا العلماء، ومنعوا الإمام أحمد رحمه الله من التدريس، فبقي في بيته لا يأخذ الناس عنه الحديث، وهو إمام الدنيا. ثم ماذا؟ ما نتج عن هذا أحزمة، ولا حمل أسلحة، ولا الحكم بتكفير المعين من الخليفة أو غير الخليفة.
وما يجري اليوم من أرباع المتعلمين، وأنصاف المتعلمين، بل وأخماسهم، من الشباب، يطلق كل واحد منهم القول بالكفر، أو يؤلف في مسائل الجهل والعذر بالجهل، كما يفعل بعض المجاهيل.
وأنا ما قلت: كل من كتب في هذا فهو مجهول. أنا قلت: كثير من الكتابات كتبها مجاهيل. يكتب اسمًا، نعم، ولكن لا يُعرف من هو، ولا يُعرف بتحقق علم.
اليوم المطابع جاهزة، ومن شاء ألَّف. وسمعت من بعض الناس في غير هذا الموضوع، يتصل بشخص يريد أن يؤلف رسالة، ويريد مراجع في الموضوع، وهو لا يعرف المراجع أصلًا، ولا مستواه يؤهله. وقال: أنا طالب في الثانوي. قيل له: تريد أن تؤلف رسالة؟ قال: نعم إن شاء الله! والذي يتعلم التأليف، أول ما يتعلمه أن يعرف المصادر والمراجع، وهذا لا يقف عليه، وتأتيه رسائل من عدد من الناس يقولون: أريد أن أؤلف في الموضوع الفلاني، ما هي المراجع؟ إذا كان لا يعرف المراجع فهو ليس بأهل للتأليف.
وبعضهم قلت له: أنت لم تتأهل، وأنت لا تعرف المصادر. قال: قد عزمت على هذا، واتفقت مع دار النشر! يعني هو مصرّ، فقط يريد أن يعرف المصادر حتى يكتب.
والتأليف والكتابة اليوم ميسران لكل أحد، وأما هذه الوسائل، الإنترنت ووسائل التواصل، فحدث ولا حرج. كل من شاء نثر ركاكته وجهله، ونادى على نفسه بالجهالة.
ولو كان يُعَمِّر به العمر، ويتقدم به العلم، والسن، والخبرة في الحياة، لربما عقل كثيرًا من القضايا. لكن المشكلة إذا ذهبت نفسه قبل أن يدرك، فمتى يفيق؟ أيفيق على أهوال القيامة؟ أو في البرزخ حينما يعاين الحقائق؟
وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
-
الثلاثاء PM 03:55
2026-04-21 - 36



