المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1901653
يتصفح الموقع حاليا : 376

البحث

البحث

عرض المادة

هل سمعت بالجيش الذي يغزو الكعبة

هل سمعت بالجيش الذي يغزو الكعبة

 

الشيخ خالد بن عثمان السبت

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمّا بعد:

فسلامُ الله عليكم ورحمتُه وبركاته.

أواصل الحديث، أيها الأحبة، في هذا الموضوع الذي ابتدأنا فيه منذ ليلتين أو ثلاث، فأقول: بعد أن ذكرنا في الليلة الماضية سؤالًا يتصل بحديث حاطب رضي الله تعالى عنه، وحاصله أنه وقع منه نوع موالاة للمشركين ومودة بنص الآية، وكان فعله ذاك هو سبب نزولها:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾.

فهذا الذي صدر عن حاطب رضي الله عنه، بصرف النظر عن الملابسات وما قام في قلبه أو الدوافع التي حملته على هذا الفعل، نخرج معه بنتيجة، وهي أن ما كل نوع من الموالاة يكون كفرًا مخرجًا من الملة، بل الموالاة أنواع. وما كان منها من الكفر المخرج من الملة فلا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

فمن الذي يستطيع أن يقدر النوع المخرج من الملة وغير المخرج منها؟ وما كان من قبيل المخرج من الملة، هل تحققت الشروط وانتفت الموانع في هذا أو ذاك أو لم تتحقق؟ ومن الذي ينقّب عن قلوب الناس ويبحث وراءهم لينظر: هل تحققت الشروط فيهم وانتفت الموانع من أجل أن يكفّرهم؟

هذا لم يُعهد في عمل علماء المسلمين فضلًا عن عامتهم.

ثم أيضًا، إذا تبيّن له ذلك – على فرض أنه من العلماء الراسخين – فمن الذي خوّله أن يقوم بتنفيذ حكم الردة في هذا المعيّن؟ مع أن هذه الأحكام من الردة أو الحدود قد تُترك لمصلحة راجحة أو لدفع مفسدة غالبة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل واحدًا من المنافقين، مع أنهم قالوا ما قالوا، كقولهم: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، وقول عبد الله بن أُبي: «سَمِّن كلبك يأكلك». ومع ذلك لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم.

بل لما مات، وجاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاه قميصه ليكفن فيه، وهو الذي قذف عرضه عليه الصلاة والسلام، ثم أراد أن يصلي عليه، فنهاه عمر رضي الله عنه، حتى نزل قول الله عز وجل:
﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾.

هذا رجل صدر منه من الكفر ما ترون، ومع ذلك لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الإمام الأعظم، دفعًا لمفسدة أن يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه.

فمن الذي يقدر أن هذا يكون ردة أو ليس بردة؟ وأن هذه الشروط تحققت أو لم تتحقق في زيد وعمرو؟ ومن الذي طُلب منه أن يفتش وينقب ويشق عن قلوب الناس ليعرف ما فيها؟

ثم بعد ذلك، من الذي خوّله تنفيذ الحكم المبني على ذلك؟

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم – على المشهور عند أهل العلم – لم يُقم حد القذف على عبد الله بن أُبي لما قذف عائشة رضي الله عنها، دفعًا لمفسدة أعظم، إذ كان يعلم أن الأنفة ستثور إذا أُقيم الحد عليه.

فهذا باب واسع، وأصل عظيم من أصول الشريعة، وهو أنها جاءت بتحقيق المصالح ودفع المفاسد.

فمن الذي يستطيع أن يقدّر المصالح الشرعية والمفاسد؟ إذا كان كل أحد يفعل ما يحلو له، مع حداثة سن، وقلة علم، وضعف ورع، وضعف عقل؟

وكما ترون، فإن ما يترتب على هذه الأعمال من الفساد العام والخاص عظيم جدًا.

نعود، أيها الأحبة، إلى سؤال آخر نوجهه إلى هذا الشاب، لعله يفيق ويتبصر قبل فوات الأوان، وذلك ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«
يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض – يعني أرضًا منبسطة واسعة – يُخسف بأولهم وآخرهم».

قالت: قلت يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟
قال: «يُخسف بأولهم وآخرهم، ثم يُبعثون على نياتهم».

وهو مخرج في الصحيحين.

في أعراف الناس اليوم، فإن هؤلاء الذين يأتون مع الجيوش من التجار ونحوهم يُعدّون دعمًا للجيش، ومع ذلك عمّهم الخسف، لكنهم يُبعثون يوم القيامة على نياتهم.

وفي بعض الروايات: «يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم».

فانظر: جاء هذا الجيش يغزو الكعبة، ومع ذلك لم يُحكم على جميع أفراده بحكم واحد في الآخرة، لأنهم يختلفون في نياتهم.

فمن الذي يستطيع أن يقدّر هذه الأمور؟ من الذي يعلم ما في القلوب؟

الله وحده.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لم يُؤمر أن يشق عن قلوب الناس.

ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: قد يقاتل الكفار المسلمين، وفيهم مؤمن يكتم إيمانه، لا يستطيع الهجرة، وهو مكره على القتال، ويُبعث يوم القيامة على نيته.

فهذا في جيش الكفار نفسه، ومع ذلك لا يُحكم عليه بالكفر.

فكيف يُطلق بعض الناس الأحكام إطلاقًا عامًا بمجرد شبهة؟

بل إن شيخ الإسلام رحمه الله، لما تكلم عن أهل قبرص – وكانوا في زمنه تحت حكم النصارى – وسُئل عن المسلمين الذين يقاتلون في جيشهم، جعلهم أصنافًا، ولم يكفّرهم جميعًا:
فمنهم كفار، ومنهم منافقون، ومنهم من ليس كذلك، لكنه على خطر عظيم.

وهذا الكلام ليس تهوينًا من خطورة هذه الأعمال، وإنما هو دعوة إلى التبصر والتفكر والتعقل، قبل أن يورد الإنسان نفسه موارد الهلكة، فيخوض في الدماء، فيخسر دنياه وآخرته، ويستحل ما حرم الله، ويتقرب إلى الله بقتل أهل الإيمان.

لنا حديث – إن شاء الله – في الليالي القادمة، نطرح فيه أسئلة أخرى كهذه، وأسأل الله عز وجل أن تكون سببًا في فتح القلوب والبصائر.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

 

  • الثلاثاء PM 04:32
    2026-04-21
  • 34
Powered by: GateGold