المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888686
يتصفح الموقع حاليا : 585

البحث

البحث

عرض المادة

سفراء المهدي في غيبته

تذكر نصوص الشيعة : أن النيابة في الغيبة الصغرى منذ ولادته كانت أولاً عند جدته، كما قلت لها : فأين الولد؟ قالت : مستور، فقلت : إلى من تفزع الشيعة؟ قالت : إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام [1].

ثم جاءت نيابة الرجال الأربعة : حيث أن الغائب كان يكتفي في غيبته الصغرى بمراسلة أتباعه، عن طريق أحد سفرائه الأربعة، الذين تولى كل واحد منهم السفارة بعد موت صاحبه، وهؤلاء السفراء - حسب ترتيبهم الزمني - هم :

الأول : عثمان بن سعيد العمري الأسدي (ت 280هـ) : (المشهور بالسمّان لأنه كان يبيع السمن) وهو أولهم، وكان وكيلاً للإمام المهدي، والإمام العسكري، ثم الإمام المهدي.

الثاني :ولده أبو جعفر، الحسين بن عثمان العمري : بقي في منصبه ما يقارب خمسين سنة (ت 304-أو305ﻫ).

الثالث :الحسين بن روح بن بحر النوبختي : (ت 326ﻫ).

الرابع :علي بن محمد السمري : (ت 329).

ولكن هذه النيابة انتهت : إذ « لما حضرت السمري الوفاة، سئل أن يوصي فقال : لله أمر هو بالغه، فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمري »[2]، « وفيها انقطعت اتصالات السفارة بين الإمام وشيعته »[3].

وهناك توقيع عن السمري منسوب إلى المهدي :

 « بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السّمري، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله (تعالى ذكره)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا »[4].

وقد كانت هناك دعاوى لوجود سفراء بلغوا العشرين، ولكن جاءت توقيعات جميعًا، وكل هذه التوقيعات باسم النواب الأربعة، تقول تلك التوقيعات، محمد بن علي بن بلال ملعون، الشلمغاني ملعون، العبرقائي ملعون.... إلخ وهكذا لُعن العشرون، وبقي الأربعة، الذين وجدوا من الشيعة من يصدقهم[5].

ادعاء لقاء المهدي في غيبته الكبرى :

جاء في توقيع عن السمري آخر النواب عن المهدي المنتظر يمنع اللقاء به بعد الغيبة الكبرى إذ يقول :

«... وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر »[6].

هذا نص صريح يمنع لقاء المهدي بعد الغيبة الكبرى، ولكن شيوخهم لم يستسيغوا هذا الانقطاع العام، فكثرت الدعاوى عندهم في الاتصال به ولقائه.

فها هو شيخهم ابن المطهر الملقب بالعلامة : يدّعي أنه التقى بالمهدي، وأنه نسخ له كتابًا في ليلة واحدة[7].

ويستدل هؤلاء على استمرار المشاهدة بما ورد في الكافي : « لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبته، ولا بد له في غيبته من عزله له، وما بثلاثين من وحشة[8].

ويفسر النوري الطبرسي هذا النص؛ فإنه : « في كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنًا وليًّا يتشرفون بلقائه »[9].

خلافهم في ميعاد خروجه :

وتختلف روايات الاثني عشرية في توقيت خروج مهديهم.

هناك رواية في الكافي تقول :عن الأصبغ بن نباته : »... فقلت يا أمير المؤمنين، وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين... فقلت : ثم ما يكون بعد ذلك، فقال : ثم يفعل الله ما يشاء، فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات »[10].

وهناك رواية تعلل اختلاف التاريخ بغضب الله تعالى على أهل الأرض :

عن أبي حمزة الثماليّ قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : « يا ثابت إن الله (تبارك وتعالى) قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين (صلوات الله عليه)، اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم، فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الشر، ولم يجعل الله بعد ذلك وقتًا عندنا و﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد :39][11].

ولأجل هذا التناقض بين الروايات جاءت رواية تتهم كل من يحدد ميعادًا لخروج المهدي بالكذب، عن عبد الرحمن بن كثير قال : « كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخل عليه مهزمٌ، فقال له : جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظر متى هو؟ فقال : يا مهزم كذب الوقاتون؟ وهلك المستعجلون ونجا المسلمّون »[12].

نيابة الفقهاء عن الإمام المنتظر وتطورها إلى نظرية ولاية الفقيه :

هناك روايات توضح للشيعة كيف يتصرفون بعد غيبة الإمام الكبرى، « أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله »[13].

وبالفعل صار المحدّثون والفقهاء يقومون بممارسة الإفتاء والإرشاد لأتباعهم، متخذين موقفًا سلبيّا من السياسة والقضاء ضمن الدول التي يعيشون في كنفها.

وفي رواية عن جعفر الصادق تقول : « إياكم أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عَرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضيًا، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضًا إلى السلطان الجائر[14].

والمقصود من الفساق : القضاة الذين نصبهم ولاة الأمور في ذلك الوقت[15].

ومع مرور الوقت، قويت شوكتهم في بعض الفترات التاريخية، حيث أعلن مذهبهم عند ظهور الدول الشيعية كـ (الدولة الصفوية)، فحينها أصبح لفقهاء الاثني عشرية منعة تمكنهم من فرض الأحكام بإلزام وقوة، فصار لهم (الولاية العامة)، فدخل الفقهاء والمجتهدون السياسة والقضاء من أوسع الأبواب[16].

جاء في (عقائد الإمامية) : « عقيدة تنافي المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والرادّ عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله »[17].

ولكن الفكر الشيعي لم يقف عند نيابة الفقهاء والمجتهدين فقط، بل وصل إلى فكرة ولاية الفقيه، وهي تركز السلطة في شخصية كبير الفقهاء، وهذه الفكرة أو النظرية انتصرت واقعيًا، هذه النظرية التي شكلت الزعامة الأساسية لدولة إيران المعاصرة على يد زعيم الثورة (روح الله الخميني) الذي كان يبشر بها قبل بدء الثورة في المراجع الشيعية.

فقد أصر الخميني على أن يتم الاقتراع على الدستورـ داخل المساجد، وتحت إشراف اللجان الثورية، وأن تظل الدولة تحت ولاية الفقيه الخميني في غياب المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر، على أن تنتقل منه إلى فقيه آخر، وفي حال تعذر العثور على فقيه تنتقل إلى لجنة من خمسة فقهاء، وقد منح الدستور الجديد الفقيه سلطات مطلقة، منها سلطة تعيين قائد القوات المسلحة، وحق إعلان الحرب، عقد السلم، وحق إلغاء انتخابات الرئاسة

 

[1] محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد (ج2/ ص760)، نقله عن الغيبة للطوسي (ص242).

[2] الطوسي : الغيبة (ص 241، 242).

[3] محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان(ص253).

[4] ابن بابويه القمي : إكمال الدين(ص516).

[5] النداف : مسائل الاعتقاد (ج2/ ص761).

[6] انظر : إكمال الدين لابن بابويه القمي (ص516)، وكذا الغيبة للطوسي (ص257).

[7] المجلسي : بحار الأنوار(ج51/ ص361).

[8] النوري الطبرسي : جنة المأوى(ج3/ ص320، مطبوع مع بحار الأنوار).

[9] المصدر نفسه.

[10] الكليني : أصول الكافي(ج1/ ص 397 كتاب الحجة، باب في الغيبة).

[11] السابق(ج1/ ص429).

[12] المصدر نفسه.

[13] ابن بابويه : إكمال الدين(ص451).

[14] الطوسي : تهذيب الأحكام(ج6/ ص303).

[15] الخميني : الحكومة الإسلامية(ص90).

[16] النداف : مسائل الاعتقاد(ج2/ ص769).

[17] المظفر : عقائد الإمامية(ص57).

 

  • الاحد PM 03:10
    2025-04-06
  • 569
Powered by: GateGold