المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888687
يتصفح الموقع حاليا : 571

البحث

البحث

عرض المادة

جهود الأزهر في الرد على الأدلة التي استدل بها الشيعة على عقيدة التقية

أولاَ : استدلالهم من القرآن الكريم :

استدل الشيعة على التقية بأدلة كثيرة، لكن آيتي آل عمران والنحل هما من أهم الأدلة عندهم ؛ نظرًا لتصريحهما بمفهوم التقية، لكن الاستدلال بهما كان في غير موضعه لأنهم لم يحترموا الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يريد أن يدلي بدلوه في القرآن بتفسير أو تأويل.

وهذا ما قاله الدكتور طه محمد محمد عيد[1] :

 « أما عن استدلالهم بالآيات القرآنية، فإن الآيات التي استدلوا بها هي نفس الآيات التي يستدل بها علماء السُنة، ولكن هنالك فرق كبير بين الاستدلالين، ومن ثم فإن القرآن حمّال أوجه، وطالما أن النص القرآني يقبل التأويل...، فلا لوم على المؤول إذا كان مجتهداً يريد من تأويله الوصول إلى الحق... ولكن هنالك شروط يجب أن تتوفر فيمن يريد أن يدلي بدلوه في القرآن بتفسير أو تأويل.

ذكرها علماء علوم القرآن يأتي على رأسها : معرفة أسباب النزول، المكي، المدني، أنواع القراءات، القواعد التي يحتاج إليها المُفسر كـ (الضمائر، التعريف، التنكير، الإفراد، الجمع، مقابلة الجمع بالجمع أو المفرد، معرفة ما يظن أنه مترادف وليس من المترادف... الخ)، المحكم، المتشابه، العام، الخاص، الناسخ، المنسوخ، المطلق، المقيد،... الخ.

وعلماء الشيعة لم يلتزموا بتلك الشروط السابقة : حين أرادوا استنباط حكم التقيّة من تلك الآيات، ومن ثم كان استدلالهم في غير محله، لأنهم جعلوا الخاص عام والمقيد مطلق، وكانوا في تأصيلهم لحكم التقيّة بمنأى عن فقه أسباب النزول، فقالوا بوجوبها، ذلك الحكم الذي ترتب عليه تلك الآراء الغريبة التي ملئوا مؤلفاتهم بها.

كقولهم : إن تسعة أعشار الدين في التقية، وأنها بمنزلة الصلاة والصيام وسائر الأركان. بل وصل الأمر بهم إلى أن قالوا : لا دين لمن لا تقيّة له، ولا يجوز تركها، ومَنْ تركها فقد ارتكب إثماً عظيماً يعاقب عليه عقاباً شديداً.

حتى وصل الأمر إلى : جعلهم تركها ذنباً لا يُغفر[2]، ونسوا أو تناسوا قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء : 48]. «

وهكذا أسسوا بناءاً على تلك الآيات مواطن الاستشهاد، أحكاماً في غاية الخطورة[3]. هذا بالإضافة أن التقية المذكورة في الآيتين استثناء وليست قاعدة وإنما جعلت عند الضرورة فقط لا أصلاً من أصول الدين على زعمهم.

وهاتان الآيتان هما ما اعتمد عليهما الشيعة في القول بأن التقية عندهم ليست شيئاَ جديداً، بل قد عرفه علماء أهل السُّنَّة واشتهر بينهم يقول محمد جواد مغنية « هذه هي التقية في حقيقتها وواقعها عند الشيعة، وما هي بالشئ الجديد، ولا من البدع التي يأباها العقل والشرع، فقد تكلم فيها الفلاسفة وعلماء الأخلاق..بعنوان هل الغاية تبرر الواسطة ؟... ﴿ لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران :28]

فالآية صريحة في النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا في حال الخوف واتقاء الضرر والأذى، واستدلوا بقوله تعالى ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ [ النحل : 106]، ثم ساق ما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية من إيذاء المشركين لعمار بن ياسر وإكراههم إياه على التلفظ بالكفر، وترخيص النبي ﷺ له في أن يعود إلى مثل ما قاله إن كرر المشركون إيذائهم له.[4]

أفهم من كلام جواد مغنية :أن الشيعة والسنة ينظران إلى التقية نظرة واحدة ويتفقان على أحكامها اتفاقاً تاماً، وهذا الأمر هو ما حاول مغنية إثباته.وهذا مايجرنا إلى معرفة الفرق بين التقية عند أهل السُّنَّة والشيعة في ميزان علماء الأزهر.

ثانياً : من السُّنَّة النبوية :أما استدلالهم بما نُسِبَ للرسول ﷺ من أنه قام بالصلاة على عبد الله بن أُبي بن سلول تقيّة، بدليل أنه دعى عليه باللعنة.

فقد فنَّد الدكتور طه محمد محمد عيد : في رد استدلالهم بهذا الحديث؛ حيث حكم أولاً على الحديث : إن النصف الأول من الرواية صحيح، أما نصفها الثاني فلا أقول ضعيفًا، بل ملفقاً من قِبَلِهم لترسيخ قولهم بوجوب العمل بالتقيّة، لأن الرواية الصحيحة التي أوردها علماء الحديث جاءت خالية من دعاء الرسول على ابن سلول باللعنة[5].

ثم يقول :وعلى كلٍ فإن حوارنا مع الشيعة يوجب علينا افتراض صحة ما نقلوه في هذا الصدد، ومن ثم يترتب على هذا الافتراض أن نسأل عن السبب الذي جعل الرسول ﷺيأخذ التقيّة في أمر دعائه باللعنة على عبد الله بن أُبي بن سلول في صلاة الجنازة، وأنه ليس هنالك سبب يمكن أن نقتنع به إلا أن يكون أحد احتمالات :أن الإسلام كان ضعيفًا، أو خوفه ﷺ من أقربائه ويأتي على رأسهم ابنه عبد الله أو أنه لم يصل عليه تقية.

أما الاحتمال الأول : فهو احتمال باطل، لأن الإسلام لم يكن ضعيفاً وقتئذ، بل أن عبد الله بن أُبي بن سلول (الأب) ومن كان معه من المنافقين؛ ما نافقوا إلا لأن الإسلام كان قوياً، فدخلوا في الإسلام طمعاً في فوائده الكثيرة، بل إنّه وفي وقت ضعف الإسلام، وكان ﷺ في حاجة إلى التقية لم يستخدمها.

وفي هذا رد على الشيعة بقولهم بوجوب التقية : حيث لمّا جاءه عمه أبو طالب، وأخبره أن زعماء قريش طلبوا منه أن يكف رسول الله ﷺ عن دعوته، قال له ﷺ : « والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته »[6].

هذا ما صدر من الرسول ﷺ يومئذ، مع أن المكان والزمان والحديث كان يجيز له أن يأخذ بالتقية لو كانت واجبة، كما قال الشيعة، ولكنه لم يفعل!!

فهل يعقل منه ﷺ الذي قال هذا الكلام بين الأكثرية من الكفار والمشركين في مكة المكرمة؛ بأن يحيد عنه في المدينة، وهو بين الأكثرية المسلمة، وأصبحت له دولة لها مكانها ومكانتها، بأن يأخذ بالتقية[7].

أما بالنسبة للاحتمال الثاني : فهذا لم يقله أحد قط، سواء كان كافراً أو مسلماً، بل إن عبد الله بن أُبي (الابن) لما بلغه ما كان من أمر أبيه في غزوة بني المصطلق، حينما قال والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وعلم بغضب الرسول ﷺ من والده، استأذن عبد الله بن أُبي من النبي ﷺ في أن يقتل أباه بنفسه إرضاءاً له، فلم يأذن له، وقال له الرسول ﷺ بل نترفق به ونُحسن صحبته ما بقي معنا[8].

ومن ثم لم يبق لنا سوى الاحتمال الثالث والأخير : وهو أنه ﷺ قام بالصلاة عليه ليس تقيّة، ولم يلعنه كما تقول الشيعة، بل دعا له بالمغفرة، وذلك من قبيل رحمته بأمته، وحرصه على أن يغفر الله له، أو إرضاءًا لابنه عبد الله؛ لكيلا يُعيّر به، أو رجاء إسلام عشيرته.

أما قول الشيعة أن الرسول ﷺ صلى على ابن سلول تقية، ودعا عليه باللعنة في صلاة الجنازة؛ فهذا كلام لا يليق، لأن الرسول ﷺ لم يُبعَث لعاناً أو سباباً، بل بُعِثَ رحمة للعالمين[9].

 

[1] الدكتور طه محمد محمد عيد (مدرس العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين بالديدامون شرقية، جامعة الأزهر) :

[2] هذا ما ذكره صاحب بحار الأنوار، حينما قال : يغفر الله للمؤمن كل ذنب يظهر منه في الدنيا ما عدا ذنبين : (ترك التقية، وتضييع حق الإخوان).انظر : المجلسي : بحار الأنوارج 75ص41

[3] طه محمد محمد عيد : عقيدة التقية عند الشيعة الإمامية وموقف أهل السُنة منها، ص2047، المجلة العلمية لكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، العدد العشرين، الجزء الثاني، ـ تاريخ النشر (2007 - 2008).

[4] مجلة رسالة الإسلام : (السنة الرابعة عشرة العدد 53، 54)ص39، 40

[5] أما الرواية الصحيحة كما ذكرها الإمام البخاري فهي : لما توفي عبد الله بن أُبي، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلي عليه، فأخذه عمر بن الخطاب بثوبه فقال : أتصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال : إنما خيرني الله، أو أخبرني الله، فقال : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (التوبة : 80)، فقال : سأزيدْ على سبعين قال : فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه : (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (التوبة : 84)، أنظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني كتاب التفسير، باب ولا تصل على أحد منهم مات أبداً، (ج8/ ص555). هذه هي الرواية الصحيحة التي ذكرها الإمام البخاري، شاركه فيها جمع من المحدثين، كما ذكر ابن كثير، مثل (الإمام مسلم، أحمد بن حنبل، الترمذي، النسائي) في غير موضع انظر : ابن كثير (ج2/ ص338، 339). وكل هؤلاء لم يذكروا في روايتهم للحديث أن الرسول ﷺ لعن ابن أُبي بن سلول سواء تقية أو غير تقية.

[6] سيرة ابن هشام(ج1/ ص265، 266، تحقيق مصطفي السقا وآخرون)، وقد ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث، راجع له السلسلة الضعيفة(ج2، حديث رقم 909).

[7] طه محمد محمد عيد : عقيدة التقية عند الشيعة الإمامية وموقف أهل السُنة منها(ص2049).

[8] صحيح البخاري : كتاب التفسير، باب قوله (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل).

[9] طه محمد محمد عيد : عقيدة التقيّة عند الشيعة الإمامية وموقف أهل السُنة منها(ص2048 وما بعدها).

 

  • الاحد PM 02:57
    2025-04-06
  • 587
Powered by: GateGold