المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888686
يتصفح الموقع حاليا : 562

البحث

البحث

عرض المادة

البداء ومكانته وكيف تسلل للشيعة وتأويلهم لعقيدة البداء

ومعناه أنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، ولا ريب أن هذا محال على الله سبحانه وتعالى.

مكانة البداء عند الشيعة

تعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الله تعالى تبدوا له الأشياء، وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يظهر له من البداء، وأنه ما عَلِمَ أنه يكون، ولم يطلع عليه أحد من خلقه فجائز عليه البداء فيه وما اطلع على عباده فلا يجوز عليه البداء فيه.

والحقيقة، أن (البداء) تعده الشيعة الإمامية من أصولها التي لابد من الإيمان والإقرار بها، فمما جاء فيه : « ما عبد الله بشيء مثل البداء »[1]، « وما عظّم الله عز وجل بمثل البداء »[2]، « ولو عَلِمَ الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه »[3]، « وما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله البداء »[4].

كيف تسلل البداء إلى فكر الشيعة؟

 قد تسلل البداء الي الفكر الشيعي من العقيدة اليهودية حيث أن اليهود نسبوا إلي الله تعالي أنه قد بدا له : « أن شعبه المختار شُرد في الأرض فحزن كثيرا وأخذ يبكي وينوح»، « وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ فِكْرِ قَلْبِهِ يَتَّسِمُ دَائِماً بِالإِثْمِ، فَمَلأَ قَلبَهُ الأَسَفُ وَالْحُزْنُ لأَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ.وَقَالَ الرَّبُّ : أَمْحُو الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالزَّوَاحِفِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي خَلَقْتُهُ. »[5].

قال البغدادي : « إن الذي بدأ بذكر هذا (البداء) من فرق الشيعة ليس الاثنا عشرية، بل المختارية، إذ يذكر أصحاب المقالات أن السبب الذي جوزت لأجله المختارية البداء على الله تعالى هو : أن (مصعب بن الزبير) أرسل جيشاً قوياً لقتال المختار وأتباعه، فبعث المختار إلى قتالهم (أحمد بن شميط) أحد قادته (قُتِلَ سنة 67ﻫ) مع ثلاثة ألاف من المقاتلة، وقال لهم : أوحي إلي أن الظفر يكون لكم، فهُزم ابن شميط، فقال له أتباعه : أين الظفر الذي قد وعدتنا؟! فقال المختار : هكذا كان قد وعدني ثم بدا لربكم، فإنه سبحانه وتعالى قد قال : ﴿  يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد : 39][6]. فالمختار كان يدعي علم الغيب وما يحدث بالمستقبل، فكان إذا وقع خلاف ما أخبر به، قال : قد بدا لربكم.

وإذا صح هذا الخبر، كان بمقدور الاثني عشرية أن يعلنوا براءتهم من لوثة البداء، كما تبرؤوا من دعوة المختار.

ولكنهم التصقوا بالبداء، وترددت أصداؤه بينهم[7].

مَنْ أول من قال بالبداء من الاثني عشرية؟

يقول الدكتور ناصر القفاري : أن الذي أرسى هذا المعتقد عند الاثني عشرية هو الملقب عندهم ﺒ (ثقة الإسلام) وهو شيخهم الكليني (ت 328 أو 329ﻫ)، حيث وضع هذا المعتقد في قسم الأصول من الكافي، وجعله ضمن كتاب التوحيد، وخصص له باباً بعنوان (باب البداء)، وذكر فيه ستة عشر حديثاً من الأحاديث المنسوبة للأئمة.

وجاء من بعده (ابن بابويه) (ت 381ﻫ)، وسجل ذلك ضمن عقائد طائفته، وعقد له باباً خاصّاً بعنوان (باب البداء)، وذلك في كتابه (الاعتقادات) الذي يسمى دين الإمامية، ومثل ذلك فعله في كتابه (التوحيد)[8].

ولعل الذي يطّلع على هذه العقيدة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، يندهش من كونها جزءًا لا يتجزأ من التوحيد عندهم، لأننا لم نر لها ذكرًا في كتاب ربنا، ولا على لسان نبينا محمد ﷺ، ففي هذا اتهام صريح له ﷺ بعدم التبليغ وهذا محال، وأعظم من ذلك أن (البداء) فيه نسبة الجهل إلى الله، وأنه لا يعلم حقيقة الأمور ومآلاتها سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

تأويل علماء الاثني عشرية لهذه العقيدة

موقف علماء الإثنى عشرية من هذه العقيدة :

ولما رأى الشيعة الإمامية هجوماً كاسحاً عليهم وخاصة من قِبَل علماء أهل السُنة في الرد على قولهم بالبداء، وخصوصاً لكثرة ورود الروايات التي ذكرت البداء، فإن بعض العلماء الإثنى عشرية عز عليهم اطّراح كل تلك الروايات، ولأجل ذلك التزموا تأويلها بمعان متنوعة [9].

أولاً : تأويلها بالنسخ :

يقول أصحاب هذا الاتجاه : إن التغّير حصل في المعلوم دون العلم، فالعلم الإلهي ثابت أزلاً أبداً، وهذا الاتجاه يجعل البداء من باب النسخ، فكما هناك نسخ فالبداء مثله، ويمثل هذا الاتجاه الصدوق والشريف المرتضى حيث أن البداء عندهم كالنسخ عند غيرهم [10].

قال المظفر : وقريب من البداء في هذا المعنى أنه تعالى قد يظهر على لسان نبيه أو وليه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولاً، مع سبق علمه تعالى بذلك كما في قصة - إسماعيل (عليه السلام) - لما رأى أبوه أن يذبحه، ومنه نسخ أحكام الشرائع السابقة لنبينا ﷺ بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا ﷺ [11].

ثانياً : تفسير البداء بالتفسير الحاصل في القضاء المعلق : في قوله تعالى : ﴿  يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [ الرعد : 39 ].

قال الطبرسي فيها ثمانية أقوال : قال في الرابع منها أنه عام في كل شيء، فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل كذلك، ويمحو السعادة والشقاوة، ويثبتهما عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وأم الكتاب : أصل الكتاب الذي اثبت فيه الحادثات والكائنات.

وروى أبو قلابة : عن ابن مسعود أنه كان يقول : « اللهم إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء فإنك تمحو من تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ».

وروى مثل ذلك عن أئمتنا في دعواتهم المأثورة، وروى عن عكرمة، عن ابن عباس قال : « هما كتابان، كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب لا يفيد منه شيء ».

ورواه عمران بن حصين : عن النبي ﷺ، وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال : سألته عن ليلة القدر، فقال : « يُنَزِل الله فيها الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من أمر السُّنَّة وما يصيب العباد، وأمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة، فيقدم منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ويثبت، وعنده أم الكتاب ». وروى الفضل، قال : سمعت أبا جعفر يقول : العلم علمان، علم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً يحدث فيه ما يشاء. وروى زرارة، عن أبي عبد الله، قال : هما أمران، موقف ومحتوم، فما كان من محتوم أمضاه، وما كان من موقف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء [12].

 

[1] أصول الكافي : كتاب التوحيد، باب البداء(ج1/ ص146)، ابن بابويه : التوحيد، باب البداء(ص332).

[2] السابق : (ج1/ ص146)، التوحيد لابن بابويه(ص333).

[3] أصول الكافي : (ج1/ ص148)، التوحيد لابن بابويه، (ص334).

[4] الموضع نفسه.

[5] سفر التكوين(5، 6، 7).

[6] البغدادي : الفرق بين الفرق (ص50-52).

[7] محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد عند الشيعة الاثني عشرية في ضوء مصادرهم الحديثية (ج2/ ص2728)، دار السلام، القاهرة، ط1، 1432هـ = 2011م).

[8] محمد صالح المازنداني : شرح أصول الكافي (ج4/ ص232، 233).

[9] محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد، ص735.

[10] المرجع السابق : ص736.

[11] المظفر : عقائد الإمامية، ص46، ط دار الغدير.

[12] لطبرسي : مجمع البيان، جـ13، ص186.

 

  • الاحد PM 02:39
    2025-04-06
  • 531
Powered by: GateGold