ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
عقيدة العصمة ليس لها صلة بمصادر التشريع الإسلامي
إن الاتفاق بين الشيعة والسنة على مسألة عصمة الأنبياء وحدهم لم يدم طويلاً، إذ انفرد الشيعة بالقول بوجوب العصمة للأئمة بعد النبي ﷺ، وهو انفراد خطير لم يتقبله علماء الأزهر، وحاربوه في رسائلهم وأبحاثهم العلمية بكل ما أوتوا من قوة.
إن أوائل مصادر التشريع في الأمة على الترتيب :(القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والقياس).
ويبرز الدكتور خفاجي : « أنه لا يوجد في القرآن والسنة نص يثبت هذا للأئمة عمومًا »[1].
أما عن (الإجماع)، فيذكر الدكتور العسَّال : أن الإجماع لم يكن إلا من عند أنفسهم دون سائر الأمة، والإجماع عندهم ليس بحجة إلا أن يدخل الإمام المعصوم في المجمعين، ودخول الإمام في المجمعين للدلالة على عصمته؛ هو كالنص منه على عصمته، وكلاهما باطل باتفاق[2].
أما عن القياس؛ سيفعلونه هنا في الاستدلال على العصمة : أنهم نواب الأنبياء ونائب النبي يكون معصومًا كالنبي.
وهنا يسأل الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان الشيعة لحجيتهم بالقياس على عقيدة العصمة : القياس ليس حجة عندكم فلم تستعملونه الآن دون أي وقت آخر؟
بل ويرد عليهم أيضًا في هذا القياس : بأن الأنبياء الذين تقيسون عصمة أئمتكم على عصمتهم كانت لهم خوارق ومعجزات تثبت نبوتهم وعصمتهم، وأنتم هنا مطالبون بإثبات معجزات لأئمتكم المعصومين لإثبات إمامتهم أولاً، ثم عصمتهم ثانيًا؛ حتى يمتنع الخلط والاختلاط بين هذا وذاك، إذ أن إدعاءكم بدون معجزات سيكون بمثابة باب يدخل منهم فرد بمثل ادعائكم، ولكن أنّى لكم أو لأئمتكم تلك المعجزات.
ولو سلمنا للشيعة بإمامة أهل البيت وأنهم نواب الأنبياء فلا نسلم أبدًا بأن هؤلاء النواب كانوا معصومين إذ لا يلزم أن يكون نائب الإمام معصومًا والقياس باطل إذ أن النبي ﷺ كان له نوابًا في حياته في اليمن والبحرين وغيرهما، ولم يقل أحد بعصمتهم، بل كان لعلي نواب في الولايات وكانوا يتصرفون في ولايتهم حسب ما يرونه ولا يرجعون إليه، وكانوا لا يدرون بما أمر به الإمام أو نهى عنه، ولم يقل أحد أنهم من المعصومين[3].
تناقض عقيدة العصمة مع الواقع
وحان الآن سؤالهم ما الحاجة إلى عصمة الأئمة بعد عدم وجود دليل ولا برهان؟
إن قالوا لحفظ الشرع : فقد فند علماء الأزهر هذه الدعوى تفنيدًا كاملاً في استدلالهم العقلي على مسألة العصمة وأثبتوا بطلانها.
وإن قالوا قطعًا للتشاجر والاختلاف على ولاية الأمر : هنا نقول إن ما حدث من اتفاق وصلاح ذات البين، وألفة ومودة في عصر أبي بكر وعمر وعثمان معلوم ومشهور، بل لم يحدث مثله في تاريخ المسلمين، وإنما كان ابتداء التنازع والتشاجر هو مقتل عثمان t مظلومًا شهيدًا.
وأما عليّ tوالحسن من بعده؛ فقد ابتلوا بأهل العراق، ولم تمنعهم عصمتهم من التنازع والتشاجر وسفك دماء آل البيت الأطهار في كربلاء بسبب خذلان أهل الكوفة لهم وغدرهم بهم [4].
ثم ماذا عن الأفعال التي صدرت عن الأئمة والتي تتناقض تمامًا مع العصمة؟
يقول الدكتور خفاجي للشيعة : « إن الأئمة باشروا كثيرًا من الأعمال والأفعال، فكانت أعمالهم وأفعالهم واضحة للناس بعضها صواب وبعضها خطأ، فلم يكن هناك مجال لادعاء عصمتهم، بل إنهم هم أنفسهم قد شهدوا باحتمال الخطأ منهم »[5].
فقد قال عليّ رضي الله عنه لأصحابه : « لا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست آمن أن أخطئ»[6].
ويزيد باحث أزهري : في بحثه من كتب الشيعة أنفسهم روايات تدل على وقوع بعض المعاصي من بعض أئمتهم :
ففي الكافي وتهذيب الأحكام عن محمد بن إسحاق بن عمار : « قلت للرضا عليه السلام : « الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤًا تساوي مائة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت، قال : لا بأس به قد أمرني ربي ففعلت ذلك ».
فهذه الروايات تجعل بعض الأئمة موكلين للربا عن طريق التحايل»[7].
وروى الكليني عن أبي كهمس، قال : « سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن العصير فقال : لي كَرْم وأنا أعصره كل سنة واجعله في الدنا[8]، وأبيعه قبل أن يغلي، قال : « لا بأس فإن غلي فلا يحل بيعه»، ثم قال : « هو إذاً نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يعصره خمرًا »[9].
وفي تهذيب الأحكام والاستبصار عن رفاعة بن موسى قال : « سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره قال : حلال، نبيع تمرنا ممن يجعله شرابًا خبيثًا»[10].
بل يذكر الدكتور محمود مزروعة : أنه نقل عن كثير من أئمتهم أنهم كانوا يخطئون بعضهم بعضاَ، كذلك الذي روي عن الحسين في تخطئته أخاه الحسن حين تنازل لمعاوية، وكان الحسين يقول في ذلك : « لو جدع أنفي كان أحبّ إليّ من تنازل أخي»، فاختلاف الرأي هذا بَيْن إمامين من أئمة الشيعة يدل بالضرورة على أن أحدهما مصيب، والآخر مخطئ، وبصرف النظر عن شخص المصيب أو المخطئ فإن ذلك ينفي العصمة قطعاَ عن واحدِ منهما[11].
ثم ينبه بعض الباحثين على هذا الموقف الذي يضرب دين الإمامية بعضه ببعض، حيث نسبوا إلى علي t العار والجبن مع وصفهم له بالشجاعة المطلقة والعصمة؛ ليس من المعاصي فحسب، بل من السهو والنسيان والخطأ، وذلك حينما ادعوا أن جعفرًا قال عن تزويج عمر من أم كلثوم بنت علي رضى الله عنهما : « إن ذلك فرج غصبناه »[12].
ومعلوم ما في هذا من تجويز الخطأ والجبن على معصومهم، وذلك لأنه زوّج ابنته من كافـر حسب اعتقادهم، وهـذا مُحَرَّم، وأيضًا عدم غيرته على عرضه وهو الأسد شجاعةعلى زعمهم [13]، فلماذا لم يصد عمر عن هذا، ولو كان فيه إزهاق نفسه [14].
وهنا لمحة ألمح إليها فضيلة الشيخ إسماعيل صادق العدوي، وهي حصرهم العصمة في الاثني عشر فردًا فقط، ينتقد فضيلته حصر هذه العصمة في الاثني عشر فردًا فقط في آل البيت، فإذا كانت العصمة للتسلسل؛ يجب العصمة لبقية النسل الشريف إلى يوم القيامة، إنما حصر العصمة في هؤلاء فقط؛هذا أمر يجب النظر فيه، فقد قسمنا آل البيت إلى قسم معصوم من الخطأ، وقسم يجوز عليه الخطأ، فهم حصروها في اثني عشر إمامًا، ظهر أحد عشر واحدًا، وبقي واحدٌ وهو المنتظر في آخر الزمن[15].
وبسبب هذا التهافت، وخطأ هذا القصور للعصمة، يوضح الدكتور خفاجي : أن بعض الشيعة المعاصرين فهموا خطأ هذا التصور للعصمة، فأكدوا على بشرية الأئمة في غرائزهم وطبائعهم وصفاتهم، وذهبوا إلى أن ما لدى الأئمة من سمو ومكانة إنما استحقوه ونالوه بالتزامهم بشرع الله عز وجل في الأوامر والنواهي[16] [17].
هل العصمة ولدت شيعية أم أن لها منابع سابقة؟
يذكر الدكتور خفاجي : بأن هذه الفكرة لم تكن من مقولات الشيعة الأوائل، بل ظهرت لدى الغلاة، ثم كانت موضعًا لإنكار زيد بن علي بن الحسين، ثم زاد القول فيها في أواخر الدولة الأموية، وكانت مسلكًا من مسالك الدعوة إلى آل البيت [18].
بينما يؤكد الدكتور عبد المنعم فؤاد محمود عثمان : أن العصمة الشيعية وإن ظهرت في الأوساط الشيعية منسوبة للإسلام، فلا يمكن أن يقال : إن منبعها إسلاميًا بحتاً، أو شيعيًا صِرفًا، بل هي دخيلة على الفكر الإسلامي من الأبواب الشيعية، ومصدرها أو منبعها أفكار فلسفية قديمة، أو ديانة يهودية مزيفة، أو مسيحية باطلة، أو بتعبير أدق هي مزيج من تلك الفلسفات والديانات ارتدت الثوب الإسلامي بلا وجه حق، وأعطت صفة العصمة لبشر أئمة بعد الأنبياء عليهم السلام [19].
وفي الديانة اليهودية : لا نجد عصمة للأنبياء في التوراة المحرفة، بل نجد لهم ذنوبًا تصل إلى حد الكبائر، كشرب نوح عليه السلام للخمر، وزنا لوط ببنتيه، ومصارعة يعقوب لله عز وجل، وتجارة إبراهيم بزوجته سـارة عليهما السلام، والأنـبياء لا شـك معصـومـون مـن كـل ذلـك، ولـكـن اليـهـود لا يعـتمـدون أساسًا على التوراة، ولكن لهـم اعتمادات أخـرى بجوار التوراة، ومن أهـم الكتب المعتمدة لديهم كتاب (التلمود)؛ الذي هو عبارة عن (المشنا)، و(الجمارا)، المشنا ألفاظ موسى الشفوية، والجمارا شرح علماء الديانة لهذه الألفاظ، وقد قدس اليهود هذا التلمود أيضا َوتأثروا برواياته ونسبوا العصمة لأصحابها وتزعمت طائفة الفريسين هذا المسلك.
يقول الدكتور أحمد شلبي : « لضمان تقديس اليهود للتلمود، أعلن الفريسيون أن للحاخامات سلطة عليا، وأنهم معصومون، وأن أقوالهم صادرة عن الله، وأن مخالفتهم هي مخالفة الله، ومن أقوالهم في ذلك : « ويلزم المؤمن أن يعتبر أقوال الحاخامات كالشريعة؛ لأن أقوالهم هي قول الله الحي»، وتبعًا لذلك فليس هناك اجتهاد عند الفريسين، وما الحاجة للاجتهاد إذا كان الحاخام مقدسًا ومعصومًا »[20].
ويقول ابن كثيرـ عن غلو النصارى، وادعائهم العصمة لغير الأنبياء، من أمثال بولس وغيره : « إن النصارى تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله، فنقلوه من خبر النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه»، بل قد غلو في أتباعه وأشياعه، فمن زعم أنه على دينه ادعوا فيه العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلاً أو ضلالاً أو إرشادًا أو صحيحًا أو كذبًا [21].
وهناك وجود للعصمة في المذهب الكاثوليكي، وهي عصمة منسوبة للبابوات فقط، تمامًا كما نسبها الشيعة إلى الأئمة فقط، « إن المذهب الكاثوليكي يخطأ عندما يقول بثبات عقائده، إذ قد نشأت فيه عقائد جديدة، كالعقيدة القائلة بعصمة البابوات »[22].
وبهذا يبطل اعتقاد الشيعة في العصمة إذ لا مجال لقبولها بمنطق الدين، ولا معصوم بعد رسول الله ﷺ، وهو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
[1] محمود أحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق : ص178.
[2] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم في التفسير : ص517، 518.
[3] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل(ص269).
[4] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي (ص102).
[5] محمودأحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص178).
[6] السابق : (ص178)، وانظر : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة(جـ11/ ص102، ط القاهرة، 1967م).
[7] المرجع السابق، وانظر : الكافي (جـ5/ ص205، كتاب المعيشة، باب العينة)، وتهذيب الأحكام للطوسي(جـ7/ ص53، كتاب التجارات، باب البيع بالنقد والنسيئة).
[8] وعاء ضخم يخمر فيه الخمر : انظر : المعجم الوسيط(جـ1/ ص299، دار الدعوة، تحقيق مجمع اللغة العربية).
[9] الحسن ياسر الحسن : النبي ﷺ وآل بيته : ص186، وانظر : تهذيب الأحكام للطوسي،جـ7 ص53.
[10] السابق : (ص186)، وانظر : الكافي، (جـ6/ ص429، أبواب الأنبذة باب النوادر).
[11] محمود مزروعة : دراسات في الفرق المنتسبة إلى الإسلام (ص 332).
[12] الكليني : الكافي(5ج/ ص346).
[13]وهو كذلك عندنا أهل السُّنَّة، فهو المشهور له بالشجاعة والمبارزة المباشرة مع رؤوس الكفر ومواقفه في بدر والخندق تشهد على ذلك.
[14] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي(ص126).
[15] إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة(ص36).
[16] ولكن وُجد العكس عند المعاصرين من الشيعة، أخذوا برأي المتأخرين منهم في دعوى العصمة المطلقة للأئمة، والذي يمثل نهاية الغلو والشطط، حيث إن هؤلاء يزعمون أن الأئمة لا يسهون ولا ينسون، وهذا المذهب كان في نظر الشيعة في القرن الرابع بمثل الاتجاه الغالي المتصرف. انظر: القفاري: أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية(ص113).
[17] خفاجي : دراسات في نشأة الفرق(ص178).
[18] المرجع السابق (ص179).
[19] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل بين الشيعة وأهل السُّنَّة(ص227) وما بعدها.
[20] راجع : أحمد شلبي : اليهودية، من سلسلة مقارنة الأديان، (ص227).
[21] المرجع السابق (ص227).
[22] انظر : مبادئ علم الاجتماع الديني (ترجمة د. محمود قاسم، مكتبة الانجلو المصرية، 1951م).
-
الاحد PM 02:33
2025-04-06 - 506



