المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1888686
يتصفح الموقع حاليا : 582

البحث

البحث

عرض المادة

ردود علماء الأزهر على استدلال الشيعة على عقيدتهم في الإمامة بالسنة النبوية

من الغريب حقًا أن الشيعة يرفضون كلام النبيّ ﷺ من طرق أهل السنّة في الحديث النبوي رفضًا تامًا قاطعًا، ولكنهم يرجعون إليها في شيء آخر... وهو أنهم يستفيدون من أحاديث التشيع وأحاديث المحبة، وأحاديث الفضل لسيدنا عليّ ولآل البيت من أهل السُّنَّة فيأخذونها في هذا المرجع وفي هذه الأصول.

أما الأحاديث الخاصة بالتشريع والأحكام فلا يأخذون بها، منطق لا يقبل؛ كيف تأخذ من مصدر واحد في جانب ولا تأخذ منه في آخر والمصدر واحد؟ أنت تسلم له ولا تسلم إليه، أنت تقبله ولا تقبله، أنت تمدحه ثم تقدح فيه!، إن هذا لشىء عجاب!!

يضاف إلى هذا أنه لم يثبت أصلاَ عن النبي ﷺ من طريق صحيح مباشر أنه أوصى لعلّيٍ من بعده، وإلاّ لكان الصحابة y أحرص الناس على تنفيذ وصيته ﷺ ولا حاجة لهذا الجدال الذي حدث.

يقول الشيخ إسماعيل صادق العدوي : « إن النبي ﷺ لم يخبر أصحابه في شأن الوصية لعلي وإلا كان أمرًا حتميًا أن يكون خليفته من بعده، فلا حاجة إلى الجدال حتى يستمر الأمر من الشيعة الاثني عشرية ».

ويضيف : « انتقل النبي ﷺ وهو راضٍ عن أصحابه جميعًا، وقد بشرهم بالجنة، وبشّر عشرةَ خواصًا بهذه النعمة؛ ومنهم عليّ t.

وأبو بكر t هو أحرص الصحابة على طاعة الله ورسوله ﷺ، وكذلك سيدنا عمر t، فعندما تمت المبايعة لأبي بكر الصديق t؛ لم يكن هناك اعتراض إطلاقًا على خلافته، فحدث (الإجماع اللفظي) على المبايعة، وحدث (الإجماع السكوتي)، و(الإجماع) مصدر من المصادر التي يرجع إليه المسلمون في أحكامهم؛ القرآن، السنة، الإجماع، القياس.

وبهذا يُرد على هؤلاء : أن التشيع له جذور ثابتة عن النبي ﷺ[1].

وبهذا نفهم : أن لو كان هناك أمراً مباشراً صريحاً من النبي ﷺبالتوصية لعلي من بعده لكان أكثر الناس استجابة إليه الخلفاء الثلاثة y وهذا ما لم يكن، لأنه لم يكن النص موجود على عليّ من بعده ﷺ.

بل ينبه الدكتور عبد المنعم البري : أن عليّا t نفسه حين تولى الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان t، كان يستدل على أحقيته للمنصب في خطابات أرسلها لمعاوية t وغيره، بأن المهاجرين والأنصار هم الذين اختاروه، ولم يُشر من قريب أو بعيد إلى موضوع التوصية، أو أنه الإمام الواجب اتباعه.

يقول في خطاب له لمعاوية t : « إن الله قلّدني أمر الناس عن مشاورة من المهاجرين والأنصار، ألا وإن الناس تبع لهم فيما رأوا »[2].

فإن قالت الشيعة أن عليًا لم يعلن الوصية تقيّة منه؟

يرد عليهم الدكتور عبد المنعم البري قائلاً : « ولا يجوز أن يظن بعليّ t أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت؛ وهو الأسد شجاعة، قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله ﷺ مرات، ثم يوم الجمل وصفين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين، وما الذي ألف بين بصائر الناس على كتمان حق عليّ ومنعه ما هو أحق به منذ مات رسول الله إلى أن قتل عثمان t؟ ثم ما الذي جلى بصائرهم في عونه إذا دعا إلى نفسه فقامت معه طوائف المسلمين عظيمة وبذلوا دمائهم دونه ورأوه حينئذ صاحب الأمر والأولى بالحق ممن نازعه فما الذي منعه ومنعهم من الكلام وإظهار النص الذي يدعيه الكذابون إذ مات عمر t؟ »[3].

فإن قالت الشيعة إنه أحجم عن مبايعة أبي بكر الصديق لظنه أنه أحق بها منه.

ويرد عليهم أيضًاقائلا : « أنه أحجم عن مبايعة أبي بكر كما جاء في رواية الطبري الثانية استجابة لدعوة زوجته فاطمة الزهراء التي وجدت على أبي بكر لما أنبأها أن هذا أمر النبي ﷺ بقوله : « نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة لم يحمله أبو بكر على المبايعة ولا عاتبه ولا لامه بل تركه وشأنه، حتى توفيت الزهراء ولم يجد بدًا من أن يتجه إلى الصديق فيبايعه ولماذا ينسى الذين يثيرون تلك القضية أن عائشة بنت أبي بكر نالها من الضرر مثل ما نال فاطمة؟ »[4].

والآن أنتقل إلى بعض الأحاديث النبوية التي استدل بها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية على وجوب الإمامة.

الحديث الأول : حديث المنزلة :

وهو من الأحاديث التي يتشبث بها الشيعة على أحقية عليّ في الخلافة وذلك لأن الرسول ﷺ قال فيه لعلي t : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي »، وجه الاستدلال على الإمامة هنا أن النبي ﷺ أوجب لعلي جميع منازل هارون من موسى إلا النبوة بالاستثناء، ومن هذه المنازل أن هارون كان خليفة لموسى على قومه فلو مات موسى وبقي هارون لاستمرت خلافة هارون وهذا بدوره ينطبق على عليّ t[5].

هذا الحديث كما ينقل الدكتور عبد المنعم البري عن الإمام ابن حزم الأندلسي : « لا يوجب فضلاً لعلي على غيره، ولا استحقاق الإمامة بعده لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى u وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.

وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل فقد صح كونه من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط وأيضًا فإنما قال له رسول الله ﷺ، هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون : « استقله »، فلحق عليّ برسول الله ﷺ، فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله ﷺ حينئذ : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى »[6].

إذن فالمقارنة بين النبي ﷺ وبين موسى عليهما السلام وبين هارون وعلي ليست ذي بال.

يقول الدكتور مصطفي مراد : « إن هذا أي استخلاف علي t على المدينة في غزوة تبوك مدة غياب النبي ﷺ عنها لو كان فضيلة فإن عليًا لم يختص بها، وإنما استخلف النبي ﷺ غيره، فقد استخلف ابن أم مكتوم، وعثمان، وبشير بن المنذر y، ويمكن أن يقال : إن الاستخلاف في غير تبوك أهم وأولى، لأن في تبوك كانت العرب حول المدينة قد دخلت الإسلام، أما قبل ذلك فكان يخاف ممن حول المدينة، لذلك كان ﷺ يخلف رجالاً بالمدينة، وقد شبّه النبي ﷺ في الحديث الصحيح أيضاَ أبابكرٍ وعمر بإبراهيم وعيسى؛ عندما أشارا عليه في أسارى بدر هذا بالفداء، وهذا بالقتل، ولا شك أن هذا أعظم من تشبيه عليّ بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكون بمنزلة أولئك الرسل»[7].

أما قول الشيعة : إن ما ذكر من سبب إيراد الحديث ليس بحجة؛ لأن الراجح في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحديث دل على عموم لفظه على أن عليًا من النبي كهارون لموسى ولم يستثن إلا النبوة دون الخلافة، فالقضية إذن موجبة كلية، وسورها الإضافة التي في الاستغراق بقرينة الاستثناء[8].

فيخطئهم الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان، بقوله : « إن الشيعة هنا يستخدمون القوانين المنطقية في نصرة مذهبهم وهذا هو ما نفتقده عندهم وليتهم على هذا النمط يسيرون دون استخدام لمنهج التأويل الملتوي. وبالمنطق هنا أيضًا نجادلهم قائلين : إننا لا نسلم أن الإضافة التي في الاستغراق بقرينة الاستثناء تصلح سورًا كليًا لأن السور الكلي هو كل، جميع وكافة وكل ما دل على الشمول، والعموم كالنكرة في سياق النفي مثلاً.

وما في الحديث شيء من ذلك ونحن هنا لم نذكر السبب كدليل حتى يحتج بعموم اللفظ بل كان ذكره على أنه قرينة؛ الهدف منها المساعدة على فهم المراد لأن لفظ الحديث لا يفهم منه بحال أن عليًا يثبت له جميع منازل هارون.

وكيف ذلك وهارون كان نبيًا مع موسى وعليّ لم يكن نبيًا مع محمد باتفاق؟ فلو كانت المنازل التي لهارون ما عدا النبوة ثابتة لعلي؛ لاقتضى أن يكون عليّ نبيًا مع النبي ﷺ، لأن النبوة مع النبي لم تستثن، وهي من منازل هارون، وإنما المستثني هو النبوة بعده لا معه، ألم تر أنه قال في آخر الحديث الوارد : « إلا أنه لا نبي بعدي »[9] ولم يقل معي.

ويضيف : « وأيضًا من جملة منازل هارون كونه أخا شقيقًا لموسى وأفصح منه لسانًا وعليّ ليس كذلك بالنسبة للرسول ﷺ، فالعام هنا قد تخصص بعد الاستثناء ولم يعد على عمومه فأصبحت القضية مهملة فيحمل الكلام على بعض غير معين يأتي تعيينه من الخارج على منزلة واحدة كما هو ظاهر التاء في قوله ﷺ : « بمنزلة هارون » التي هي الموحدة ويكون تعيينها بالمنزلة المعهودة حين استخلف موسى هارون على قومه فترة ذهابه إلى ميقات ربه؛ المدلول عليها بقوله : ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ﴾ [الأعراف : 142][10]، وبذلك يبطل استدلالهم بقاعدة العمومية.

وأفضل ما نختم به ما ننقله : عن رجل شيعي مثلهم؛ اطلع على المعتقدات الشيعية منذ نعومة أظفاره، ولما بلغ أشده واستوى؛ أنكر ما تأوله الشيعة تجاه الإمام عليّ، وهو العلامة (موسى جار الله) في كتابه (الوشيعة في نقد عقائد الشيعة).

يقول : « إن هذا الحديث ثابت في كتب الشيعة والسنة إلا أنه لا يدل على الخلافة العلوية من أية طريق بل يدل دلالة قاطعة على أن عشيرة النبي وعليًا وأهل البيت ليس لهم نصيب وسط الأمة، وليس لأحد منهم حق من جهة النسب، ولكن الله هو نصيبهم »[11].

وموسى جار الله، بذلك : نظر إلى الواقع الذي استمرت عليه حياة أهل البيت، و ببصيرة نيرة نظر أيضًا إلى الحديث ويشعر أنه بمثابة نبوءة محمدية للعالم الإسلامي على مر العصور تبين أن الخلافة لن تستقر لعلي وأهل بيته بعد الرسول ﷺ مباشرة، وهذا تكرمة لهم؛ لأن مكانهم الطبيعي في معية الله تعالى، فهو وحده نصيبهم.

ثانيًا : حديث الغدير وتأويله على الإمامة وردود علماء الأزهر على هذا التأويل :

الذي يظهر من ربط حديث الغدير بآيات القرآن الكريم؛ أن هناك علامات من الصنعة والحبك والافتراء، وما ذلك إلا لأن الشيعة لمّا لم يجدوا دلالة واضحة، أو تصريحًا باسم الإمامة في الحديث؛ حاولوا أن يربطوا بينه وبين القرآن كآية البلاغ البارزة في حديث الغدير.

 هذا الحبك والربط عبّر عنه الدكتورمحمد عمارة[12] بقوله : « قصّة (غدير خم) المصنوعة »[13].

 وفي نطاق رد الشيخ إسماعيل صادق العدوي على استدلال الشيعة بهذه الآية في حديث الغدير يشرح معناها الصحيح قائلاً : « والمعنى : يا أيها الرسول بلغ : أي استمر في التبليغ، كقوله تعالى في أول سورة الأحزاب : ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ [الأحزاب : 1]؛ أي : استمر في التقوى واستمر في عدم طاعة الكافرين والمنافقين.

ويحكم على السند الذي يذكر هذه الراوية بالإجمال قائلاً : «... وهذا السند مردود عليه »[14].

لكن يفصّل الدكتور العسال : « هذا السند الذي ذكره الواحدي بسنده عن عطية، عن أبي سعيد الخدري؛ أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب، فعطية هذا هو عطية العوفي؛ الذي كان يكني الكلبي بأبي سعيد اصطلاحًا لنفسه فيظن من بعده أنه الخدري الصحابي، فيصرح بذلك وهو لم يلق الخدري، وإنما كان يدلس بهذه الكنية للكلبي عليه، فعادت الرواية إلى الكلبي وأمره مشهور»[15].

وتكشف الباحثة آمال عبد القادر سيد كيلاني عن تأويلها الحقيقي البعيد كل البعد عن التأويل الشيعي قائلة : « يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتمّ القيام، لو كان محمد ﷺ كاتما من القرآن شيئًا لكتم هذه الآية : ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ [الأحزاب :37]. وقوله : ﴿ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ [المائدة : 67]، يعني : وإن لم تُؤد إلى الناس ما أرسلتك به ﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾، أي : وقد عَلِم ما يترتب على ذلك لو وقع، وقوله : ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾ [المائدة : 67]، أي : بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يُحْرَس، حتى نزلت : ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾ فترك الحرس[16].

بل إن سنة نزولها الحقيقي يسبق يوم الغدير بكثير، وهذا ما صرّح به الدكتور عبد المنعم فؤاد : « أن آية البلاغ عامة لكل المؤمنين، ولم تنزل في ولاية عليّ ووقت نزولها كما يجمع المفسرون، وعلى رأسهم ابن كثير ومعه السيوطي أثناء غزوة أنمار أو ذات الرقاع، وهذه الغزوة كانت سنة ثلاث من الهجرة وهذا زمن يسبق يوم الغدير بكثير »[17].

ويوضح الدكتور عبد المنعم فؤاد أن القول بأن النبي كان يخاف أصحابه ويخشاهم قبل نزول الآية فيه تهجم واضح على رسول الله ﷺ وأصحابه قائلاً : « فالرسول كان لا يخشى أحدًا إلا الله وكذلك كان الأنبياء لأنهم يدعون إلى الحق لا غير الحق ولذا قال في حقهم الحق جل في علاه : ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴾ [الأحزاب : 39]، وسيرة المصطفي في مكة، وشجاعته قبل الهجرة واضحة جلية، فقد دعا إلى الله وسط جهابذة الكفر، وهو وحيد فريد لا جيش يحرسه، ولا مدافع تؤمنه، وبعد الهجرة قاتل جموعًا غفيرة من المشركين والمنافقين في مواقع بدر وأحد والأحزاب وحنين رغم قلة العدد والعدة وإن كان هذا حال النبي ﷺ فإن أصحابه معه لا يخفي على أحد مشاركتهم له ﷺ في نشر الإسلام وما بذلوه في ذلك من أخطار »[18].

ويتدبر الدكتور العسال سياق الآيات ويكتشف به ما يبطل ما ذهبت إليه الشيعة، قائلاً : « فقبل الآية يجري الحوار في جدال منطقي مع أهل الكتاب ويستنكر عليهم قولهم بأن يد الله مغلولة، وبين لهم أنهم سماعون للكذب أكالون للسحت وما في الآيات من مخالفات، ولكن لما استمروا على ما طبعوا عليه من عناد، وعلم الله أن هذه المناقشة الهادئة لا تجدي مع هؤلاء كان لا بد من إعلان الحقيقة صريحة مدوية بأنهم ليسوا على شيء من الدين لأنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما جاءهم من التنزيل، بل لقد كفروا صراحة حيث قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وحيث قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وأخبر بأنهم لعنوا قديمًا على لسان داود وعيسى بن مريم، ولا شك أن هذا الإعلان بعد المهادنة يتطلب شجاعة المواجهة، وضمان الحفظ من كيد هؤلاء الخبثاء، فكان افتتاحه بالنداء الكريم :﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ [المائدة : 67]، أي قل ما أنزل مهما كانت النتيجة ﴿ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ أي لا ترجيء شيئًا من ذلك طمعًا في إسلامهم، فالله أعلم بحقيقة حالهم وإن كنت تخشى مكرهم فالله يحرسك ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾.

والدليل على ذلك؛ أن الآية التي تلي آية الأمر بالبلاغ قد صدرت بقوله : ﴿ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ [المائدة : 68].

الراوية الصحيحة لحديث الغدير كما وردت في صحيح الإمام مسلم :

عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله يومًا فينا خطيبًا بماء يدعي خُمّاً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال : « أما بعد : ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين[19] أولهما : كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به »، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال : « وأهل بيتي؛ أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي »، قال له حصين : ومن أهل بيته؟ قال : نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال ومن هم؟ قال : هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة، قال نعم »[20].

ويعلق عليه الدكتور مصطفي مراد بقوله : « وإذا تعارض حديث في الصحيحن مع حديث في السنن قدّم حديث الصحيحين، فكيف وحديث السنن قال كثير من أئمة الحديث بضعفه، والحديث واضح أنه أوصى بأهل بيته، وقد بين زيد بن أرقم في الحديث من هم أهل بيته، وليس فيه ما يدل على أن الخطبة خاصة بولاية عليّ وإمامته كما هو واضح »[21].

أما النَّص الذي تحتج به الشيعة في أنه ﷺ قال في عليّ : « من كنت مولاه فعلي مولاه »، فيبرز الدكتورمصطفي مراد : « أنه من المعلوم لغة وعقـلا فضلا عن الشرع ؛ أن الاستخلاف لا يكون بمثل هذه الألفاظ، لذلك قال الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب[22] كما يروي البيهقي؛ حينما قيل له : ألم يقل رسول الله ﷺ : « من كنت مولاه فعليّ مولاه »، قال لي : بلى والله؛ لو يعني بذلك رسول الله ﷺ الإمارة والسلطان لأفصح لهم بذلك، فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين، فكان يقول لهم مثلا : « يا أيها الناس هذا ولي أمركم، والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا »[23].

أما حقيقة هذه الالفاظ كما يقول الشيخ إسماعيل صادق العدوي : « أنها فقط فضل وكرم من الله على لسان رسول الله ﷺ وبشرى لعليّ، فيقول الحبيب ﷺ لسيدنا زيد بن حارثة : « يا زيد أنت أخونا ومولانا »[24].

وكذلك يقول في سيدنا سلمان الفارسي t عندما تكلم المهاجرون والأنصار فيه فقال الأنصار : « سلمان منا »، وقال المهاجرون : « سلمان منا ».

فقال ﷺ : « سلمان منا آل البيت »[25] [26].

أما زيادة : « اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله « فيحكم عليها الدكتورالعسال : « بالوضع بلا خلاف »[27].

ويضيف الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان : « أن لفظ مولى لا يفيد معنى أولى، إذ لم يثبت أئمة النحو أن مفعل تكون بمعنى أفعل تفضيل، وإذا جوز البعض كأبي يزيد اللغوي مجيء مفعل بمعنى أفعل متمسكًا في ذلك بقول أبي عبيدة في تفسيره ﴿ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ﴾ [الحديد : 15]، أي : أولى بكم فإن جميع أهل اللغة أعلنوا أنه مخطئ وإلا لزم أن يقال فلان مولى عنك بدلاً منك، وهذا باطل بالإجماع، وقول أبي عبيدة يقتضي أن وجود الكفار في الجنة حق إلا أن النار أحق بهم وأولى، فذلك من لوازم أفعل التفضيل.

ولو صرّح ﷺ بقوله : « ألستُ أولى بكم من أنفسكم، فمن كنت ناصره ومولاه فعلي ناصره ومولاه » ؛ لكان الكلام منتظمًا وحسنًا، أما أن يكون آخر « الحديث اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله » ؛ فهذا يقتضي أن يكون المولى بمعنى الناصر، لأن الموالاة هنا ضد المعاداة »[28]، فبذلك لا نجد هنا ما يدل على ولاية السلطة والإمارة والخلافة، بل ما يدل على ولاية النصرة والمحبة.

يقول الآلوسي : « لو كان في الحديث ما يدل على الإمامة ووجوبها لعلي بن أبي طالب لتقيد بلفظ بعدي، أي لقال ﷺ : « اللهم وال من ولاه بعدي »، لكن إطلاقه بدون تقييد يفيد إمكان اجتماع الولايتين معًا، موالاة رسول الله، وموالاة عليّ، فلا تكون الولاية إلا بمعنى النصرة والمحبة في جميع الأوقات »[29].

وبناء على ذلك فهذان الحديثان لا يناصران الشيعة في عقيدة الإمامة من قريب ولا بعيد.

يقول الشيخ العدوي : « إذا كان التشايع بالأحاديث؛ فسوف نقسم الصحابة إلى أحزاب وإلى من يشايعهم من الأتباع؛ فهذا حزب أبي بكر أو شيعة أبي بكر ــ، وهذا حزب عمر أو شيعة عمر ــ، وهذا حزب أبي عبيدة بن الجراح، وهكذا؛ نفصل الصحابة تفصيلاً، ونضع موازينهم على حسب الأحاديث الواردة في التشيع. فيطلب من المسلمين أن ينظروا إلى من هو أكثر أحاديث حتى يشايعوه، وحتى يكونوا في حفظه... هذه النظرة الأولى للشيعة هي نظرة خاطئة ونظرة مردودة »[30].

 

[1] إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة (ص9، 10).

[2] عبد المنعم البري : الشيعة في دائرة الضوء (ص249، 250).

[3] المرجع السابق : (ص250)، وانظر : ابن حزم : الفصل في الملل والنحل (ج4/ ص97).

[4] السابق : (ص251، 252).

[5] تفسير القمي : (ص268)، والحديث عند الإمام مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقاص يقول فيه : « خلف رسول الله ﷺ عليًا في غزوة تبوك فقال رسول الله ﷺ تخلفني في النساء والصبيان فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي «، انظر : صحيح الإمام مسلم : (باب من فضائل علي بن أبي طالب، ج7/ ص120)، والبخاري : (باب مناقب علي، ج4/ ص1870).

[6] عبد المنعم البري : الشيعة في دائرة الضوء، وانظر : ابن حزم الأندلسي : الفصل (ج4/ ص78).

[7] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ج1/ ص186، 187) بتصرف.

[8] البلاغي : آلاء الرحمن (ص290، 291)، العسال : الشيعة ومنهجهم (ص444).

[9] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل ( ص 224).

[10] السابق (ص224، 225).

[11] موسى جار الله : الوشيعة في نقد عقائد الشيعة (جـ3/ ص62، 65، 66، تحقيق وتعليق جماعة من كبار العلماء، نشر مكتبة الكليات الأزهرية القاهرية).

[12] محمد عمارة : ولد في مصر عام 1931م. حصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية سنة 1975 م من جامعة القاهرة، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، حصل على العديد من الجوائز والأوسمة منها جائزة أصدقاء الكتاب بلبنان عام 1972م، جائزة الدولة التشجيعية بمصر عام 1976م، ووسام التيار الفكري المصري القائد المؤسس عام 1998م. له مؤلفات موسوعية ضخمة.

[13] محمد عمارة : مقال بعنوان : من نظرية الإمامة الشيعية إلى ولاية الفقيه، جريدة صوت الأزهر (عدد 129، الجمعة غرة المحرم 1423هـ 15 مارس 2002م).

[14] الشيخ إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة (ص8).

[15] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم (ص420)، وانظر : الشوكاني : الفوائد المجموعة في الاحاديث الموضوعة، (هامش ص244، بتحقيق عبد الرحمن اليماني، ط 1380هـ).

[16] آمال عبد القادر : عبدالله بن سبأ وأثره في التفكير الإسلامي رسالة ماجستير بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنلت بالقاهرة (ص 169، 170)، وانظر : تفسير ابن كثير (ج2/ ص 78 - 80)، وأسباب النزول للسيوطي، بهامش تفسير الجلالين (ص 222 - 224).

[17] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل (ص229)، وانظر : تفسير ابن كثير (جـ2/ ص9)، وأسباب النزول للسيوطي (ص75، كتاب التحرير).

[18] المرجع السابق : (ص229) بتصرف يسير.

[19] الثقل متاع السفر وحشمه وكل شيء نفيس ومنه الحديث المذكور. انظر : القاموس المحيط (فصل الثاء، باب اللام).

(3) أخرجه مسلم : (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي).

[20] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم في تفسير القرآن (ص426) باختصار.

[21] مصطفي مراد : االفرق الإسلامية المعاصرة (ج1/ ص184) بتصرف.

[22] الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب المدني، تابعي، وهو عند الشيعة، ثقة مرضي، انظر : الاردبيلي : جامع الرواة (ج1/ ص 192، 193)، وعند أهل السُّنَّة : صدوق مات سنة سبع وتسعين، انظر : ابن حجر : التقريب (ج1/ ص165).

[23] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ص 184، 185) بتصرف، وانظر : البيهقي : الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص355، 356، دار الآفاق الجديدة، ط1، سنة 1401هـ = 1981م).

[24] صحيح البخاري : (كتاب بدء الوحي، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان وفلان بن فلان وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه).

[25] رواه الحاكم في المستدرك : (ج3/ ص598)، وقال الألباني (ضعيف جدًا) والطبراني (ج6/ ص261)، انظر : ضعيف الجامع (3272).

[26] إسماعيل صادق العدوى : نظرة في فكر الشيعة (ص10، 11).

[27] محمدالعسال : الشيعة ومنهجهم في التفسير (ص423).

[28] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل (ص231، 232).

[29] تفسير الألوسي (ج2/ ص315).

[30] إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة (ص6).

  • الاحد PM 02:19
    2025-04-06
  • 505
Powered by: GateGold