المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1927284
يتصفح الموقع حاليا : 233

البحث

البحث

عرض المادة

مفهوم الفتح في ضوء تحول الصراع العسكري إلى مفاوضات سياسية

د / احمد نصير

المحور الأول

مفهوم الفتح في ضوء تحول الصراع العسكري إلى مفاوضات سياسية

 

قال تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)

 

قوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (1) (إن) أداة تأكيد بأن قدوم البشري بفتح مكة هو أمر يقيني وقطعي ، والاختصاص بالجار والمجرور (لك) ، يستشعره هو نفسه r بتلك البشرى في الوقت الذي تلى غزوة الأحزاب وقد ضيقت عليه الأحزاب الخناق ، كذلك أعيد تأكيد "الفتح" بالمفعول المطلق (فتحًا) المشتق من مادة الفعل (فتح) ، ووصف الفتح بأنه (مبينا) مؤكد لطبيعة هذا الفتح ، بأنه فتح مؤكد وظاهر وبين ، مجزوم به ، ولا شك فيه ، فهي بشرى حق من الله تعالى يبشر عباده المؤمنين بالنصر والظفر والفتح المبين ، فماذا فُتح للمؤمنين حتى يستبشروا كل هذه البشرى ؟ إن الله لم يفتح عليهم من كنوز الدنيا شيئا ولا من سلطانها ولا مناصبها ولا من ملكوتها شيئا ، بل فتح لهم قلوب قريش أن تخلت – أولا -  عن تصميمها وأد الدعوة الإسلامية ، واتخاذ الخيار العسكري ضد المسلمين لتجنح إلى السلم وتتخذ أسلوب التفاوض والتحاور مع النبي r وأصحابه وهم في طريقهم إلى مكة قاصدين الحج والعمرة

 

قال أبو الليث السمرقندي (ومعنى الفتح الهداية إلى الإسلام)[1]،وقال ابن عاشور (المراد بالفتح "صلح الحديبية" تشبيها له بفتح مكة لأنه توطئة له ، فعن جابر بن عبدالله " ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية " يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد) [2]، وعن ابن شهاب (لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس) [3].

 

فلما رأى المسلمون أن النبي r قد صالح قريشا على شروط ظنوا - في أول الأمر - أنها لصالح قريش أكثر مما هي في صالح المؤمنين ساءت حالتهم المعنوية شيئا ، لا سيما وأنهم لن يُكملوا عمرتهم ، فظنوا أن في ذلك هزيمة سياسية لهم دون خوض غمار الحرب ، لكن الله تعالى أكد لهم بما قطع الشك أن ذلك نصر وفتح مبين وليس كما يظنون الدنية والضعف .

 

 والمثال الذي أثار حفيظة المؤمنين وحميتهم هو رفض النبي r إدخال أبا جندل بن سهيل بن عمرو في حمايته نزولا على شروط صلح الحديبية ، وذلك لما خرج مسلما من بين مشركي مكة وأتى النبي r ، وقد عاهد النبي والده وكان ممثلا لقريش على (أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) فقَالَ الْمُسْلِمُونَ (سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا) فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ –مندوب قريش - هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ –ابنه مسلم والأب لم يكن قد أسلم ومازال على الكفر - فَقَالَ النَّبِيُّ r  إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ r فَأَجِزْهُ لِي قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلَى فَافْعَلْ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ r فَقُلْتُ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ r وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قُلْتُ أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ قُلْتُ لَا قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ)[4] أي لا تستعجل الطواف بالبيت هذا العام ، فوعد النبي r حاصل ولكن ليس هذا العام .

 

فالصحابة في مثل هذه الظروف كانوا بحاجة إلى تأييد إلهي ، وبشرى بأنهم على الحق وأنهم منصورون ، فسمى صلح الحديبية "فتحا قريبا" باعتباره توطئة لفتح مكة عما قريب ، فهذا الصلح  أول بشائر النصر المظفر والفتح المبين الذي به يدخل الناس في دين الله أفواجا ، وبالفعل فقد فتح الله – بعد صلح الحديبية – على نبيه مكة .

 

والنبي r لم يدخل مكة عنوة وإنما دخلها وهو مطئطئ الرأس متواضعا ومتسامحا معلنا الأمن والأمان لكل من فيها ، ولم يكن بين صلح الحديبية 6 هـ وفتح مكة 8 هـ غير سنتين فقط ، استطاع خلالهما النبي r التحرك بحرية ليرسل الرسائل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وكسرى ملك فارس وقيصر ملك الروم ولملوك القرى المجاورة فأرسل برسالة إلى ملك اليمامة ورسالة إلى ملك عمان ورسالة إلى ملك دمشق ...الخ ، فكانت رسائل النبي r تجول هنا وهناك .

 وليس هذا فحسب بل إنه استطاع خلال هاتين السنتين أن يحقق استقرارا أمنيا داخليا عندما أدب يهود خيبر الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وكذلك القبائل الأخرى مثل "نجد" فخرج إليهم في غزوة "ذات الرقاع" ، وكما استطاع – بفضل الله وحده - أن يثبت أقدام المسلمين في شبه الجزيرة العربية كما استطاع كذلك – بفضل الله تعالى وعونه – أن يرد على إيذاء الروم الذي ضربوا عنق رسول رسول الله إليهم فبعث إليهم جيش من المسلمين في "مؤتة" مما كان له أكبر الأثر في حماية بلاد المسلمين من أي تهديد خارجي من أقوى امبراطورية كانت قائمة حينئذ وهي الروم ، ولم يبق له إلا فتح مكة الذي مَنَّ الله به علي رسوله ، ففتحها صلحا لا عنوة ، ونزل قوله سبحانه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .

 

قوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (3) التعليل للفتح المذكور بعدة أسباب تمثلت في ( المغفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب – إتمام النعمة – الهداية إلى الصراط المستقيم – النصر العزيز) تلك هي بشريات الفتح المبين .

 

فعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[5]

 

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)[6].

أولا : قوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ..) (2) : المخاطب به النبي r باعتبار أن التقصير سمة بشرية حتى وإن كان شخص النبي  r ، وذلك بترك الأولى ، كانشغال نبي الله سليمان بالخيل عن ذكر ربه – أذكار المساء – وكانشغال النبي r بدعوة المشركين عن عبد الله بن أم مكتوم ، فهذا يسمى ذنبا مجازا في حق أكمل البشر ، قال القاسمي (وتسميته ذنباً ، بالنظر إلى منصبه الجليل) وذلك في حق الأنبياء .

 

 كذلك فإن النقص في المخلوق حتم مؤكد ، ولن يقدر مخلوق ولا نبي مرسل أن يقدر الله حق قدره من العبادة ، قال تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر 67) ، فشرع الاستغفار لهذا التقصير .

 

قال ابن تيمية (وَالْعَبْدُ لَهُ فِي الْمَقْدُورِ " حَالَانِ " حَالٌ قَبْلَ الْقَدَرِ ، وَ" حَالٌ " بَعْدَهُ ، فَعَلَيْهِ قَبْلَ الْمَقْدُورِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَهُ ، فَإِذَا قُدِّرَ الْمَقْدُورُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ أَوْ يَرْضَى بِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ نِعْمَةٌ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .

 وَلَهُ فِي الْمَأْمُورِ " حَالَانِ " : حَالٌ قَبْلَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الِامْتِثَالِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَالٌ بَعْدَ الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ التَّقْصِيرِ وَشُكْرُ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ)[7].

 

فأكرم الله نبيه محمد r بأن غفر له ذنبه وخصه بذلك ابتداء ثم عمم هذا الفضل والكرم على جميع أصحابه فقال (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ..) (الفتح 5).

 

فلما علم النبي r بهذا الفضل والكرم استبشر ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ r عَلَيْهِمْ فَقَالُوا هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ)[8].

 

ولعل في ذلك إشارة إلى تخلي الصحابة عن حمية الجاهلية التي كانت لا تزال عالقة عند أذهان بعضهم ، فخصهم الله بهذا الفضل لالتزامهم الصلح مع قريش ، كدليل على الصفح والعفو والتسامح ونزع ما في صدورهم من غل ، كما في قوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)  (26) ، فمن أهم أسباب الفتح هو المسامحة والمغفرة وعدم العصبية والحمية والجاهلية ، فلو لم يملك المسلمون القوة النفسية القادرة على التسامح مع أهل مكة كما حصل في صلح الحديبية لما قدروا على الفتح وتحمل هذه المسئولية بعد ذلك

 

وقد جاء الخطاب للنبي r وإن كان الثواب يعمه وأصحابه لأجل أن بعضهم تلكأ في تنفيذ أمر النبي r في الصلح ونحر الهدي ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْحَرُوا وَاحْلِقُوا قَالَ فَمَا قَامَ أَحَدٌ قَالَ ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ r فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ)[9] .

فمعنى أن النبي r والصحابة يحلقون رؤوسهم وينحرون هديهم أنهم يتحللون من الإحرام للعمرة ، وأنهم لن يذهبوا لمكة لأداء شعيرة العمرة ، هذا ما فهمه الصحابة ، ولذلك تلكئوا وامتنعوا عن التحلل في أول الأمر  ، يعزى ذلك لأجل لظنهم أنهم أقدر علي غلبة قريش لو منعوهم من أداء العمرة ، فمن اليسير أن يقاتلوهم طالما أنهم منعوهم من دخول ديارهم وأوطانهم وممارسة شعائرهم الدينية ، لكن الأنسب كان كظم غيظهم والصفح عنهم حتى يبرموا اتفاق الصلح مع المشركين ، فقد سمعوا وأطاعوا ، وتحللوا تأكيدا على رجوعهم للمدينة مرة أخرى وعدم إكمال عمرتهم حتى لا يصطدموا مع قريش ، من هنا استحقوا بهذا الصفح فتحا قادهم فيما بعد إلى فتح مكة .

 

إذن العلاقة حتمية بين الفتح والقدرة على الصفح والعفو ، فإذا لم يقدر المسلمون على الصفح والعفو فلن ينالوا فتحا مبينا ، وإن جاز أن يصيبوا نصرا فأنى لهم أن يأتيهم الفتح حتى يقدروا على ذلك ، فلما دخل النبي r مكة جاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال أبو سفيان قال رسول الله r (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن) [10]

 

 معنى ذلك أن النبي r دخل مكة كي يهدي لا لينتقم ، (فالنبي r لما أتى الكعبة أخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون وما تظنون ؟ قالوا نقول بن أخ وبن عم حليم رحيم قال وقالوا ذلك ثلاثا فقال رسول الله r أقول كما قال يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام) [11] ، إن طاقة المسامحة والمغفرة للآخرين هي طاقة إيجابية تستمد من إيمان المؤمن بالله بأنه مكلف بأن يهدي قومه ، لا أن ينتقم منهم ويثأر لنفسه أو لأصحابه ، فذلك هو الفتح المبين الذي  يمن الله به على جنده وعبيده ، تلك الطاقة الإيجابية التي تعني التسامح والمغفرة ، وهكذا يؤخر الله تعالى فتح مكة حتى تشفي صدور المؤمنين من حمية الجاهلية

 

ثانيا : قوله (..وَمَا تَأَخَّرَ..) (2) أي المغفرة لما تأخر من الذنوب : وذلك أشبه بصك الغفران ، لكن الأمر ليس كذلك ، الأمر الذي أثار التساؤل عن  حكم من لو غفر الله له ما يفعله في مستقبله ثم ارتكب جرما شديدا أيسقط الغفران الذي استحقه ،  فمن المنطقي أن يكون الجزاء على ما فات من العمل ، أما أن يأخذ المرء صك غفران لما لم يقدم بعد من العمل هذا ما يحتاج لتفسير

 وللإجابة على هذا التساؤل يجب العلم أولا أن الحساب مع الله تعالى لا يجري بهذا المنطق ، فإذا قال الله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، فقد علم سبحانه – في علمه الأزلى - أن عبده قد صدق مع الله ، فإذا تقبله الله في الصالحين ، فإن الله يعلم أن من يدخل في الصالحين بالتوبة لا يخرج منها بالمعصية ، وضمن بذلك أن ينال الرضا على ما تقدم وما تأخر ، وذلك مثل ما رواه أبو هريرة عَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)[12].

 

قال ابن عاشور والمراد : (تعميم المغفرة للذنب ،... فلا يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب ، وإنما المقصود أنه تعالى رفع قدره رفعة عدم المؤاخذة بذنب لو قدر صدوره منه)[13] ، والمعنى أن الذي صدق مع الله تعالى سلم صدره من الغل والحسد وأخلاق الجاهلية وملك العفو عند المقدرة ، فإنه سوف يستحق الفتح الذي ينال به التمكين في الأرض ، وقد قال الله تعالى في شأن أهل التمكين (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج 41) ، أي لا خوف عليهم من أن يفسدوا ما أصلحوه بعد التمكين ، فهؤلاء الذين إن مُكنوا في الأرض - وقد غفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر - سوف يكونون على العهد ولن ينكثوا بعده ، أي أنهم سوف يفعلون من الطاعات بعد الفتح مثل ما كان يفعلونه قبل الفتح ، فعن المغيرة بن شعبة يقول:  كان النبي r يصلي حتى ترم أو تنتفخ قدماه فيقال له - غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر[14] - فيقول (أفلا أكون عبدا شكورا) [15] .

 

ثالثا : قوله (..وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) (2): ونظير ذلك قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، هذا يعني  (إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام قريش ، وخلاص بلاد الحجاز كلها للدخول تحت حكمه وخضوع من عانده وحاربه ، فذلك ما وُعد به الرسول r في هذه الآية وحصل بعد سنين)[16] ، فهذا منتهى أمل النبي ، يقول النبي r (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو بذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي) [17]، فهو أحرص الناس على نجاة قومه من النار ، وزاد القرآن توصيفا لحرص النبي r على قومه فقال سبحانه (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (8) .

 

رابعا : قوله (..وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (2) قال السهيلي إن قوله تعالى "ويهديك صراطا مستقيما" (نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله أعلم فأنزل الله على رسوله هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما في الدين ، وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة)[18]

 

وقال ابن تيمية (وهذه الهداية الخاصة التي أعطاه إياها بعد فتح الحديبية أخص مما تقدم فإن السالك إلى الله لا يزال يتقرب إليه بشيء بعد شيء ويزيده الله هدى بعد هدى وأقوم الطريق وأكملها الطريق التي بعث الله بها نبيه محمدا كما قال تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )[19] ، فالمسلمون يحتاجون بعد الفتح إلى استمرار هداية التوفيق من الله تعالى للاستمرار على درب التمكين والاستخلاف في الأرض والقيام بواجباته ، يقول ابن عاشور (وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبي r من وقت بعثته ،ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين ، مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم)[20] .

 

 فكم حلم المسلمون بإظهار دين الله تعالى ، فإذا ما أضحى الحلم حقيقة صار الخطر الذي يتهدد الدعوة من أصحاب الدعوة أنفسهم إذا لم ينتبه المسلمون في هذه المرحلة من الدعوى إلى مستجداتها ، ولم تكن لديهم القدرة على استيعاب المسلمون الجدد ، ولا استيعاب من يدخلون في رعايتهم من أهل الملل ، ولا ستيعاب تشغيل الموارد الجديدة ، ولا القدرة على تحدي المخاطر التي لم تكن في حسبانهم ، لاسيما تقسيم الغنائم وتعيين الولايات ، فهنا قد يحصل تنازع بينهم ، فهم في هذه المرحلة أحرى بالهداية على الصراط المستقيم ، يقول سبحانه (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (46) ، ويقول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)[21] ، فقد كانت الصعوبات قبل الفتح التي تعترض الدعوة من الخارج أي أن الخطر يتهدد المسلمين من أعداء الله المشركين ، أما بعد الفتح فالمسلمون - وفي هذه المرحلة –أحرى بالتماس أسباب الهدي من الله حتى لا يكونوا نموذجا مسيئا وغير مشرف لحمل راية الإسلام والتحدث باسمها والدفاع عنها.

 

خامسا : قوله (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (3) : أي نصرا يعز الله به الإسلام وأهله ، فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلي ، فلا يقدر الكفار علي فتنة المسلمين في دينهم وحملهم على الكفر كرها ، بل يأمنوا على أنفسهم حيث يظهرون عقيدتهم في الله للناس جميعا ، ويمارسون شعائرهم الدينية في علانية دون خوف من أن يصدهم صاد عن سبيل الله ، وقد مُنع النبي r عام الحديبية من أداء شعيرة العمرة ، ثم هو يعود –بعد ذلك - في فتح مكة ليأمر المؤذن أن يؤذن في بيت الله الحرام ويكبر المصلون ، ليعلن للعالم كله أن مكة هي مركز الدعوة الإسلامية العالمية ، يقول النبي r (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) [22] ، أي لا حاجة لهجرة المسلمين بعد فتح مكة ، فقد ولى زمن الاستضعاف ، قال ابن حجر (أي فتح مكة) قال الخطابي وغيره (كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا ، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة ، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو ، وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )[23] .

 

قوله (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ...) (4) لا تزال معية الله بالمؤمنين تحيط بهم ،  وتمدهم بمدد الإعانة والتوفيق والتثبيت التي يحتاجها المسلمون حتى يصلوا إلى مرحلة الفتح المبين .

 لاسيما وقد صدموا لما علموا باتفاقية الحديبية ، وقد خرجوا مع رسول الله r وبايعوه على عدم الفرار - في الوقت الذي تخلف عن الخروج معه كثير من المنافقين لظنهم أن النبي r وأصحابه لن يرجعوا مرة أخرى للمدينة نظرا للمواجهة المتوقعة مع قريش - لكن الصحابة ثبتوا مستعدين للقتال معه حتى الموت إن اضطروا لذلك ، فإذا بالنبي r يفاجئهم بقرار الصلح مع المشركين ووفق شروطهم التي اعتبرها كثير من المسلمين انتقاص من حقوق المسلمين الأساسية وحقوق إخوانهم الذين أسلموا حديثا ، فنزل الخبر عليهم كالصاعقة ، كيف بهم يستعدون للقتال والحرب ثم تنقلب الأحوال فجأة ويوجههم النبي r للصلح والسلم ، بل والتنازل عن بعض حقوقهم وحقوق إخوانهم الأسرى التي تتفق الآن جميع المواثيق الدولية على الاعتراف بها ، ومنها الحق في اللجوء السياسي .

 

 حيث جاء في صحيفة الحديبية (من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم) [24] ، وهذا معناه –في الظاهر - أن النبي r لن يقدر على نصرة من يسلم مستقبلا من قريش بغير إذنها ، ثم بعد ذلك يسمى القرآن ما تقدم  بالفتح المبين ، شتان بين من تهيأت نفسه للقتال ثم يُطلب منه أن يكبت هذه الطاقة المدمرة ويستبدلها بطاقة إيجابية تتسم بالصلح والعفو والمسامحة بل والتنازل أحيانا عن بعض الحقوق الأساسية  ، هنا وهنا وحسب لابد من أن ينزل الله سكينته على المؤمنين ، فتؤيدهم وتثبتهم على طاعة رسول الله r  ، فأنزل الله سكينته علي قلوب المؤمنين حتى يسمعوا ويطيعوا لنبيهم .

 

 ولذلك فإن كتب الحديث تحكي لنا ماذا حدث حينما عدل النبي r عن الحج والعمرة عام الحديبية نزولا منه على شروط قريش وأراد أن يحلق رأسه وينحر هديه إماءة منه إلى أنه لن يدخل مكة هذا العام ، قال الزهري : (لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله r لأصحابه ( قوموا فانحروا ثم احلقوا ) ، قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة – أم المؤمنين- فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة يانبي الله أتحب ذلك اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك – وهذا معناه التحلل من الإحرام للحج - ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما) [25]، هنا تبدل الغم والحزن إلى سكينة وثبات وثقة بنصر الله تعالى ووعد نبيه r بفتح مكة ، فازداد الصحابة إيمانا مع إيمانهم ، فهم في الأصل مؤمنون بنصر الله تعالى ، ولم يقل إيمانهم بهذا النصر لحظة واحدة ، ولكنهم بهذا التثبيت الإلهي ازدادوا إيمانا مع إيمانهم الذي وقر في قلوبهم من قبل ، فأضحى إيمانهم بالنصر راسخ ، لا يتزعزع ، بل أضحى جزء من عقيدتهم ، وما أصابهم في هذه الظروف ليس غير شيء من الدهشة لأنهم استعجلوا النصر ، ومن المعروف أن (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) [26] ، فتعلموا من الدرس معنى القوة المعنوية كعامل من عوامل النصر ، تلك التي تكمن في الثبات الانفعالي والتسامح ، فكان من نعمة الله أن أنزل السكينة على عباده المؤمنين وثبتهم ، يقول السعدي (الصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله r والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم)[27].

 

قوله (..وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (4) أي أن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس ، فهؤلاء يستعملهم لنصرة دينهم ، وتفريج الكربات عن الناس وقضاء حوائجهم ، قال رسول الله r (مَنْ كَانَ في حَاجَة أخِيه ، كَانَ اللهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَومِ القِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ)[28]، فإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس .

 

وفي ذلك تأكيد على أن النصر من عند الله ، واختصاص الله تعالى بأنه هو المسبب للأسباب ، ومسخر جنوده لإعانة المؤمنين ، ولولا أن الله يمدهم بمدده لما حصل لهم نصر ، كما في قوله (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ) (آل عمران/124) ، فليطمئوا للنصر وتأييد الله ومعيته لهم ، ويستبشروا باقتراب الفتح ، ودخول قومهم ومن حولها من القرى في دين الله أفواجا .

 

فإذا ما تحلى المسلمون بروح الصفح والعفو والتساهل مع الناس والقدرة على الحوار والتفاوض والتصالح ، هنا ينفتحون على الناس ، ويحبون لهم الهداية ، ويزداد التحاب في الله بينهم ، وهنا يغبطهم الأنبياء لمكانتهم من الله ، فهم أولياء الله الذي اختصهم الله بالمعية والولاية ، قَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ")[29].

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (4) قال ابن عاشور (عليم بأسباب الفتح والنصر وعليم بما تطمئن به قلوب المؤمنين بعد البلبلة ، قال الطبري (ولم يزل الله ذا عزّة، لا يغلبه غالب، ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع، لعظم سلطانه وقدرته، حكيم في تدبيره خلقه)[30] ، (وأنه حكيم يضع مقتضيات علمه في مواضعها المناسبة وأوقاتها الملائمة)[31] ، أي أنه سبحانه يعلم الوقت المناسب لهذا الفتح ، ويؤجله حتى تتحقق أسبابه وفق حكمته .

 

 قوله تعالى (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (5) فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ r عَلَيْهِمْ فَقَالُوا هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا ؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ حَتَّى بَلَغَ فَوْزًا عَظِيمًا )[32].

 

فالجنة ليست سهلة المنال كما يظن البعض ، وأن العبادة الحقة والإيمان الصادق لا يكون إلا بالجهاد تارة وبكظم الغيظ والانفتاح على الناس تارة أخرى ، فأعمال المؤمنين من صلاة وصيام وصدقة وحج قد لا يدركوا بها الجنة ما لم يقدموا لله تعالى ما ثبتون به تجردهم عن الدنيا وثباتهم على الحق ، قال سبحانه ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران /142) ، فإذا كان الله يخبرنا أن الابتلاء بأذى المشركين ومجاهدتهم هو المحك العملي لدخول الجنة ، فإنه سبحانه قال كذلك يبين لنا في موطن القوة والاستعلاء على الكافرين أن تلك المجاهدة تفقد فاعليتها متى ارتكنت لتلك القوة أو الكثرة ، يقول سبحانه (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة/25) ويقول النبي r (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [33] ، قال الحافظ بن حجر ( حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ..، وقيل إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم ، وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر ، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة )[34] ، قال النووي  في قوله ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ، فمعناه (ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشى المجاهدين في سبيل الله ، فاحضروا فيه بصدق واثبتوا) [35]، ولن يأذن الله بضرب السيوف إلا بعد أن يصل البيان للناس ويظل إعراضهم وصدهم عن سبيل الله قائم ، فإذا حصل فلا يجوز التولي يوم الزحف .

 

وقد بشرت الآية المؤمنات كما بشرت المؤمنين بدخول الجنة ، رغم أن السياق هو موطن الجهاد وليس على النساء جهاد مثل الرجال ، ولكن الآية اشركتهن في هذا الفضل تكريما لدور المرأة في الجهاد وإن لم يكن مباشر مثل الرجال ، فالمرأة التي تقر في بيتها تربي أبنائها هي تربي الرجال الذين يحملون الراية بعد آبائهم ، والمرأة وإن لم يكتب عليها الجهاد بالسيف ، فإنها تجاهد مع الرجال في الشدائد بمداواة المرضى وتجهيز المؤن وسقي المجاهدين ، فعن الرُّبيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ قالت: « كنّا نَغزو معَ النبيِّ r فَنسْقِي القومَ ونَخدُمُهم، ونَرُدُّ الجَرْحى والقتلى إلى المدينة » [36] ، وعن أم عطية الأنصارية قالت (غزوت مع رسول الله r سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى) [37]، فلا يعدم الدور المباشر للمرأة في أرض الجهاد كما لا يخفي دورها غير المباشر كذلك في تأمين الجبهة الداخلية ، وتأمين خطوط الإمداد والتموين .

 

قوله (..وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ..) (5) ضم الله إلى نعمة إدخالهم الجنة ، نعمة أخرى لاحقة على دخولهم الجنة ، وهيي تكفير الذنوب وتغطيتها عن المؤمنين والمؤمنات ، فجاء الترتيب على هذا النحو حتى لا ينغص عليهم العيش في الآخرة إذا ما تذكروا ذنوبهم ، يقول الشيخ الشعراوي (فيسترها الله عنهم وعن عقولهم فلا ينشغلون بالتوبة منها بعد أن كفرها الله عنهم)[38] .

 

قوله  (..وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (5) إشارة إلى أن ذلك أعظم مغنمًا للمسلمين ، وهو عند الله كذلك ، وليس بمقاييس الناس ، يقول سبحانه (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ، أي أن المسلمين لما أطاعوا الله تعالى ورسوله وارتضوا الصلح مع المشركين وتحللوا من إحرامهم للعمرة ، وذبحوا هديهم وحلقوا رؤوسهم ، فقد فازوا بإظهارهم قوة المسلمين ووحدتهم والتفافهم حول قيادتهم ، وحازوا بذلك خيري الدنيا والآخرة

 

 فقد فتح الله عليهم خزائن الملوك والأباطرة بعد ذلك ، فلم يكترثوا لها لاستغنائهم عنها ، يقول النبي r (من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا) [39]، وفي رواية (بحذافيرها) [40] ، فقد حازوا الدنيا بما جمع الله في قلوبهم من السكينة وإصلاح البال ، هذا في الدنيا ، وحازوا الآخرة بما منَّ الله عليهم من المغفرة وكفران الذنوب, فأنساهم كل هم وغم بعد أن أدخلهم الجنة ، فلا فوز أعظم من ذلك.  

 

 قوله (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (6) التفت السياق إلى فئة تعيش بين المسلمين الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى وهاجروا لنصرة دين الله ، تلبست بلباس الإسلام وليست منهم ، رغم أنها تعيش معهم ، ظهرت حين خرج النبي r إلى مكة يريد العمرة فرفضوا الخروج معه خوفا من بطش قريش ، وهؤلاء هم المنافقون وكذا معهم من المنافقات ما قد يحرضن أزواجهن على ذلك ، وفي ذلك دلالة على أن هؤلاء المنافقون يعيشون بين المسلمين مع أسرهم وعائلاتهم مثل المسلمين تماما دون أن يتحزبوا عليهم أو يتمالؤا ضدهم حتى هذه اللحظة  .

 

وكذلك ذكرت الآيات الحليف الأساسي لهؤلاء المنافقين ، وهم المشركين والمشركات ، فهم على اتصال دائم بالمجتمع المشرك سواء على المستوي الفردي أو الأسري أو المجتمعي ، ولذلك تجد وجه الشبه قائم بين أسرة المنافقين وأسرة المشركين ، فالأسرة التي لا تتحلى بالأخلاق الإسلامية تتخلق بالأخلاق الشركية ، حيث تجد عادات المشركين من مأكل وملبس وطريقة تحدث هي ذاتها عند أسر المنافقين ، يقول النبي r (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ) ، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال ( فمن) [41] ، قال ابن حجر : هم لاقتفائهم آثارهم وأتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم قوله قال النبي r فمن هو استفهام انكاري أي ليس المراد غيرهم

ولذلك قال الشاعر : - الشعر مثل الليل مسود  .. والضد يظهر حسنه الضد

 

قال الشنقيطي (بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه يجازي المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات بثلاث عقوبات وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم ، وقد بين في بعض الآيات بعض نتائج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) [طه:81], وقوله في اللعنة: (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) [النساء:52] وقوله في نارجهنم: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192][42].

 

قوله (..الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) ومحل الظن السيء هو ما تمنته أنفسهم بعدم عودة الرسول وأصحابه من الحديبية ، حيث تقابلهم قريش وتستأصل شأفتهم ، كما صرح بذلك في قوله (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ) (الفتح 12) ، وسوء الظن يؤدي إلى الحكم على الشيء على غير حقيقته ، فهم لا يثقون في نصر الله تعالى للمؤمنين ، فانحازوا سرا للفئة الثانية التي تجابه المسلمين وتقف ضدهم ، يقول سبحانه (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (15) .

 

وقد وقعوا في سوء الظن لأنه وافق أهواءهم وما كانوا يتمنونه في حق الذين آمنوا ، قال تعالى (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (120) ، ولذلك عاقبهم الله تعالى بأربع عقوبات مجتمعة عليهم خصهم بها على الوجه التالي :-

 

العقوبة الأولى : في قوله (..عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ..) (6) دعاء قصد منه الإخبار : بتوجيه للجماعة المؤمنة إلى وجوب رسم دائرة سوداء على هذه البقعة من الفتن التي إذا ما شُغل عنها المسلمون ستكون بؤرة لتصدير الفتن ونشر التشؤم بين أفراد الأمة ،(وكأن للسوء دائرة تُطْبِقُ عليهم فلا تفلتهم ؛ وتدور عليهم فلا تدعهم ، وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه) [43]، فهم محصورون في هذه الدائرة السوداء  ، وهي تدور عليهم وتقع بهم ...

 

 لاسيما وأن المقصود بهم أناس من جلدتهم أي من العرب ، بل وينفقون أموالهم في أوجه الخير من باب التقية ، ولكن ليس بنية الخير ، قال تعالى (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة 98) ، فينبغي تجهيز قوائم للتعريف بهؤلاء الفاسدين والمنافقين الذين هم على اتصال دائم بالمشركين من خارج أقطار المدينة المنورة ، يقول سبحانه (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة/14) .

 

العقوبة الثانية : في قوله (..وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..) (6) ذكرت الفاتحة المغضوب عليهم وأولها المفسرون بأن المقصود بهم اليهود لأنهم يعلمون الحق ويكتمونه ، وهنا في هذه الآية المغضوب عليهم المنافقون والمنافقات والمشركين والمشركات ، وذلك للعلاقة الباطنية التي بينهما ، أي لما اقترفوه من مداهنة للمشركين وإظهار الحب لهم والولاء والنصرة ولو بالقلب ، يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (51)

 

 وقد نزل النداء القرآني بنهي المؤمنين بالكلية عن التواصل مع المشركين لاسيما في السر من وراء المؤمنين ، يقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران 118) .

 

قال صاحب الظلال (النفاق صفة مرذولة لا تقل عن الشرك سوءاً ، بل إنها أحط؛ ولأن أذى المنافقين والمنافقات للجماعة المسلمة لا يقل عن أذى المشركين والمشركات ، وإن اختلف هذا الأذى وذاك في مظهره ونوعه)[44] .

 

العقوبة الثالثة : في قوله (..وَلَعَنَهُمْ..) (6) : أي طردهم من رحمته : فليس لهم فرصة أخرى للتوبة ، لأن جريمتهم لا تقتصر على ما يبطنونه من كره للمسلمين وحب وموالاة لغير المسلمين ، وإنما وقعوا في الخيانة العظمى لدينهم وبلادهم ، فيُيئسنا الله تعالى منهم حتى نتفرغ لغيرهم ونجمع قوانا لمن ينتفع بها لا من أضله الله تعالى ولعنه ، قال سبحانه (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) .

 

فما فعله المنافقون من موالاة المشركين ، واتخاذهم بطانة لهم دون المؤمنين هو ما استوجب غضب الرب عليهم ، ولا عذر لهم ، ولا ينفعهم الندم ، يقول سبحانه (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (52) ، أي يسارعون في التزلف والتقرب للمشركين لينالوا إعجابهم ورعايتهم وحمايتهم حتى يأمنوهم ظنا منهم أن الدائرة سوف تكون لهم وتكون الهزيمة للمسلمين ، بيد أن الله تعالى يؤكد أن الفتح للمؤمنين ، وهنا سوف يصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موالاة للمشركين نادمين ، ولكن هل ينفع الندم وقد طردوا حقا من رحمة الله تعالى ؟

 

العقوبة الرابعة : في قوله (..وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (6) جعل الله تعالى مصير المنافقين هو ذات مصير المشركين ، لهم ذات العذاب الأليم ، يقول سبحانه (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) ، فجعل لهم ذات العقوبة لأنهم اشتركوا معا في ذات المعتقد ، ألا وهو اليأس من رحمة الله تعالى وسوء الظن به ، يقول عز وجل (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (56) .

 

والآية تشير إلى أن النار موجودة الآن ، وقبل أن يلقى أهلها فيها ، خلقها الله لهم وقبل أن يحاسبهم وقبل أن يعذبهم بها ، يقول سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (65) ، يقول النبي r (إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم) [45] .

 

وقد علق الشيخ الشعراوي على ذلك ذات مرة ، فقال : لو أن استاذا يعرف مستوى طلابه في الفصل فوضع لكل واحد منهم الدرجة التي يستحقها دون أن يمتحنهم فإن الطلاب الذين رسبوا سوف يعترضون على ذلك ، ويحتجون عليه بأنه لم يمتحنهم ، ولذلك يمتحنهم ليقيم الحجة عليهم مع علمه مسبقا بأنهم سوف يرسبون ، وغيرهم سوف ينجحون وبعضهم سوف يتفوقون ، ولله المثل الأعلى ، فقد أعد لهم جهنم ولم يدخلوها إلا بعد أن اختبرهم وامتحنهم في دار البلاء ألا وهي الدنيا [46].

 

 قوله (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(7) تكرر ذكر ذلك في السورة ، وهنا يصف المولى سبحانه عباده المؤمنين الذين خصهم له بأنهم جنوده الذين يسلطهم على المنافقين والكافرين ويستعملهم لإحباط أعمالهم ومخططاتهم ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر 6) ، فالجهاد في سبيله ذروة سنام الدين ، فيستعمل الله عباده المؤمنين ليعذب بأيديهم المنافقين والمشركين الذين لا يتنازلون عن الخيار العسكري ضد المسلمين ويصرون على انتهاك حقوق الإنسان ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (73)

 

 وليس أعظم من ذلك شرف أن ينتسب المؤمن لربه ويتصف بأنه من جنده ، فالمسلمون في انطلاقهم من المدينة إلى مكة كانوا ينوون أداء مناسك شعيرة العمرة ، وكانوا على استعداد تام لأن يدخلوا معركة حربية مع قريش ، دفاعا عن حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية في أوطانهم التي طردوا منها ، ولذلك فإنه لم يخرج من أهل المدينة إلا من قد باع نفسه لله تعالى ، ولذلك جزاهم الله تعالى بأن وصفهم بأنهم جنوده وخصهم وحدهم بهذا الفضل وإن كان معهم من الجنود ما لا يعلمه إلا الله تعالى ممن خلق في السماوات والأرض ، فموقف الحديبية أظهر صدقهم في طلب الجهاد في سبيل الله والاستعداد للموت دفاعا عن هذا الدين .

 

والمسلمون قبل الحديبية قد دخلوا مع قريش عدة معارك حربية ، لم يكن لديهم علم بأن الصراع العسكري يمكن أن يتحول في لحظة إلى مفاوضات واتفاقات وصلح ، فلما حصل ذلك تعلموا أن الصلح ممكن ، وخيار متاح وبديل لأي الصراع عسكري مع المشركين ، فلا يستبعد عن الحسبان ، بل قد يتخذ أبعادا أكثر من ذلك كالتنافس الاقتصادي والتباري الفكري والثقافي ....... الخ ، وفي كل مجال من هذه المجالات يستعمل الله جنود له ينصرون الدين ويواجهون الكافرين ، وقد استظهرت سورة الفتح التفوق السياسي للجماعة المسلمة على جماعة المشركين والمنافقين ، وقد أعز الله المؤمنين بصلح الحديبية حيث هابتهم قريش وخشيت من مواجهتهم عسكريا ، فكان من حكمة الله تعالى أن جعل الصلح السياسي توطئة للفتح العسكري واستقرار الأمر للنبي r بعد ذلك وأصحابه.

 

وقد تخلت قريش عن خيارها العسكري في  حسم المواجهة مع المسلمين لا لأنها خشيت منهم عددهم ولا عتادهم ، ولكن لما رأت حبهم للنبي r والتفافهم حوله  ، يروي عروة بن مسعود حينما جاء للنبي r موفدا من قريش للتفاوض مع النبي r– فرأى من أصحاب النبي r ما يثير العجب ، حيث كان فظا مع النبي r وهو يحاوره وأخذ يمد يديه على لحيته ، فضرب المغيرة بن شعبة يده بنعل سيفه فردها ،  ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي r بعينه قال فوالله ما تنخم رسول الله r نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له .

فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد r محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدوا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها) [47] ، ولذلك سماهم الله تعالى جنوده  لما أظهروا حبهم لنبيهم وامتثلهم  لأمره ، وقد أحب بعضهم بعضا ، ولم تفرق بينهم دنيا ولم يتنافسوها .

 

 قوله (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (8) تحددت مهمة النبي r من الرسالة في ثلاثة أمور ، هي جميعا تلخيص لكلمة إقامة (الحجة) على البشر يقول سبحانه (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء/165) ، يشهد على ما بشر به من نعيم أعده الله للمتقين وما أنذر من جحيم أعده الله للمنافقين والكافرين جميعا ، فقد شهد على قومه أنه قد بلغهم الرسالة وقامت عليهم الحجة ، يقول سبحانه (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة/19) ، فقد تحددت المهمة الأولى للرسل بإقامة الحجة على البشر

 

 وقد أكد صلح الحديبية أن رسالة التي جاء بها النبي r هي الرحمة كما في قوله سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (107) فهو لم يأت معذبا ولا منتقما ، فالنبي r لم يأت ليسفك الدماء ، ولم يفرض الجهاد إلا لإعلاء مبدأ حرية الانسان في اختيار عقيدته ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في قوله (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)   قَالَ فِي التَّوْرَاةِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) [48] .

 

قوله ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ [49]وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (9) اللام للتعليل أي أن وظيفة النبي r التي تحددت بالبلاغ ، وتضمنت أسلوبي الترغيب بما عند الله من فضل ، والترهيب مما عنده من عذاب ، تتحقق عملا وتؤتي ثمارها بالإيمان بالله تعالى واتباع سنة رسوله ، وهذا الإيمان لا يقتصر على النطق بالشهادتين دون الجهاد والنصرة لدين الله ، ويستتبع ذلك توقير الله وسنة نبيه r ، بالتطبيق العملي لما شرع الله بما يحقق معنى البركة ، وتلك البركة تعني من وجه آخر التزام الذكر والتسبيح على كل حال ، فذلك هو دأب المجاهدين في سبيل الله ، وخلق الفاتحين .

 

فقوله (..وَتُعَزِّرُوهُ..) يؤكد أنه الإيمان بالله تعالى ورسوله لابد أن يصدقه العمل ، ومن العمل نصرة الله ونصرة النبي r ، والعمل على تأكيد دعوته ، فتعزير النبي يعني نصرته ، ونصرة دين الله تعالى ، فكلاهما واحد ،( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) فالترجمة الحقيقية للنطق بالشهادتين تكون بالجهاد في سبيل إعلاء هذه الكلمة ، وأول طريق الجهاد البيعة على السمع والطاعة ، فعن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ، وقال وبايعناه على أن لا نفر ، ولم نبايعه على الموت) [50]، قال الإمام النووي : قال العلماء هذه الرواية تجمع المعانى كلها وتبين مقصود كل الروايات فالبيعة على أن لا نفر معناها (الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل ، وهو معنى البيعة على الموت أى نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت لا أن الموت مقصود فى نفسه) [51] ، وهكذا عزر الصحابة نبيهم r ونصروه وآزروه.

 

والطاعة لدين الله تكون في المنشط والمكره ، ففي غزوة الأحزاب اشتد الحصار على النبي r وأصحابه وشغلوا به عن صلاة العصر ، ولم يفيقوا أن يصلوها حتى جمعوها مع المغرب ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ)[52]، ففي هذا الوقت العصيب كان النبي r بحاجة لأن يبعث عينا له من الصحابة تأتيه بخبر أعدائه ، فانتدب لذلك الزبير بن عوام ، فكان ذلك بمثابة تعزير لرسوله r ونصرة له ، فعن جَابِر يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ الْأَحْزَابِ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)[53].

 

فمفهوم تعزير دين الله يتحقق بنشر دعوته ، بتحرير الإنسان من عبادة غير الله وطاعته لغير الله ، وهو ما كان يؤكده النبي r في رسائله إلى جميع البلدان ، كما كتب لأهل نجران (أما بعد فإنى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد)[54] ،  فلما مات النبي r لم تنته بيعة الصحابة له ، بل استمرت بيعتهم لنصرة دين الله تعالى والمستضعفين ، حتى فتحوا البلدان كلها ، فانطلق الصحابة إلى فارس والروم والحبشة وجميع البلدان ، قال ربيعي بن عامر لرستم ملك الروم لما سأله (ما جاء بكم؟ قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه)[55] ، فهذا يؤكد علي استمرار فرضية الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة رسوله بعد وفاته ،  كما فهم ذلك صحابة رسول الله r .

 

 فبتلك الكلمات عبر ربيعي بن عامر عن عقيدة الإسلام بوضوح شامل ، بأنه دين لا يكتفي بإطلاق حرية الناس في إظهار معتقداتهم المستقرة في الوجدان دون أن يكون لها أثر ملموس في تغيير حياتهم ، وواقعهم ، فهذا المفهوم (النصرة) لدين الله ، هو الذي ألب المشركين على النبي r وأصحابه ، فلا إيمان بلا ابتلاء وصبر عليه ، يقول سبحانه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة/214)

 

قوله (وَتُوَقِّرُوهُ) ، فتوقير الله وتعظيمه ، وتعظيم شأن رسوله كلاهما مأمور به ، فطاعة الرسول من طاعة الله ، وتعظيم الرسول ، هو تعظيم لأمر الله ، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80) وقد مضى بنا الحديث عن توقيرهم له ، فعن المسور ومروان خرج النبي r زمن الحديبية فذكر الحديث وما تنخم النبي r نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) [56] ، وليس في ذلك مبالغة من الصحابة رضوان الله عليهم في توقير النبي r ، ذلك أن النبي r كله بركة حتى نخامته كانت منه بركة ، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان أبو ليلى يسمر مع علي ، فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف . فقلنا لو سألته . فقال إن رسول الله r بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر ، قلت يا رسول الله إني أرمد العين . فتفل في عيني  ثم قال ( اللهم أذهب عنه الحر والبرد ) قال فما وجدت حرا ولا بردا بعد يومئذ ، وقال (لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ) فتشرف له الناس ، فبعث إلي علي فأعطاها أياه) [57] ، نعم كان كله بركة r ، والعمل بسنته بركة ، ولا بركة إلا فيما بارك الله فيه من عمل وافق الشرع وكان على منهاج النبوة .

 

فإذا كان النبي r كله بركة ، والعمل بسنته بركة ، كذلك فإن العمل بسنته بإمضاء الجهاد إلى يوم القيامة بركة ، يقول النبي r (البركة في نواصي الخيل) [58]، فلو تخلى المسلمون عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة إخوانهم المسلمين فقد محقت منهم البركة .

 

قوله (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)  فالتسبيح أدب الفاتحين ، (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر 3) ، فهم لا يفتحون قرية أو بلدة ليدنسوها أو يمحقوا بركتها ، وإنما يدخلونها مسبيحين معلنين التوحيد لله رب العالمين ، قال الرازي (اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة)[59]، قال ابن عاشور (وهما  -أي ظرفي الزمان بُكْرَةً وَأَصِيلًا- كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح والإكثار منه، وقيل الصلوات الخمس)[60].

 

والتسبيح علامة على حصول البركة ، كلاهما من معجزات النبوة ، فعن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله r في سفر فقلَّ الماء فقال (اطلبوا فضلة من ماء) ، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال (حي على الطهور المبارك والبركة من الله) ، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله r)[61].

وعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً فَجَلَسَ النَّبِيُّ r عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا)[62].

 

ومن تتمة البركة أن يستشعر العبد تسبيح الكون من حوله ، فينسجم مع تسبيحه ، كما كانت الجبال تسبح مع داوود والطير ، قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ 10) ، وعن عبد الله (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) [63] ، فالتسبيح لغة تفهمها جميع الكائنات التي خلقها الله تعالى ، يقول في كتابه (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44)

 

والتسبيح بوابة قبول العبادة ، فهو علامة على التمكين في السماء كما أنه علامة على الفتح في الأرض ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : بينما نحن نصلي مع رسول الله r إذ قال رجل من القوم "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا" فقال رسول الله r من القائل كذا وكذا ؟ فقال رجل من القوم "أنا يا رسول الله" قال (عجبت لها ، فتحت لها أبواب السماء) ، قال ابن عمر (ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله r )[64] .

 

قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (10) مدح القرآن جماعة الصحابة التي مدت يدها لتبايع النبي r على الحق ويثبتونه عليه ، مؤكدين علي طاعته وصدق الاتباع له ، فكما أنهم نصروه في "بدر" فقالوا (يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا)[65] ، فهم في الحديبية لما خرجوا من المدينة إلى مكة ، جددوا البيعة مرة أخرى للنبي r .

 

وقد جعل الله تعالى تلك البيعة معه ، وليست بين النبي r وأصحابه وحسب ، قال ابن كثير أي: (هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله)[66] ، قال الإمام البيهقي (أَرَادَ تَعْظِيمَ أَمَرِ الْبَيْعَةِ)[67] ، أي شاركهم هذه البيعة فمد يده -سبحانه [68]- ليجعلها فوق أيديهم ، كناية على تأكيد هذه البيعة والرضى عنها ، يقول الرازي (كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء ، وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سبباً للحفظ على البيعة)[69].

قال الطبري وفيه تأويلان : (أنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه r ; والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله r)[70]

 

يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:  قال لنا رسول الله r يوم الحديبية (أنتم خير أهل الأرض) ، وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة)[71] ، فهذا العدد ليس بالكثير ، ويكفي أن الشجرة هو المكان الصغير الذي تجمعوا حوله ، قال الحافظ (هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة ، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة وبغيرهما )[72]، فقد كان الحذر يتملك الصحابة عند هذه البيعة ، وكانوا يخشون أن تباغتهم قريش بقتال ، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله r لما كان بالحديبية قال لا توقدوا نارا بليل فلما كان بعد ذلك قال أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم) [73] ، فأضحى المسلمون بعد صلح الحديبية لا يخشون قلة عددهم إزاء أعداد أعدائهم ، ولذلك قالوا يوم حنين "لا نغلب اليوم من قلة"[74] ، أي أن مشكلة المسلمين قبل صلح الحديبية بخلاف مشكلة المسلمين اليوم وبعد هذا الصلح ، فقد كانوا من قبل قلة مستضعفين في الأرض حتى أضحوا اليوم كثر ، لكن يبقى تأليف قلوبهم على قلب رجل واحد حتى تظل المهابة في قلوب أعدائهم منهم .

 

قوله (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) يحذر القرآن من مغبة النكوث في البيعة مع الله تعالى ، فقد قلنا أن المهابة تكون في قلوب أعدائنا منا عندما يرون حبا لبعضنا البعض ، فإذا ما تنافسنا على الدنيا فإن الله تعالى ينزع المهابة من قلوب أعدائنا منا ، وذلك هو علامة النكوث في البيعة ، يقول النبي r (لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن " فقال قائل يارسول الله وما الوهن ؟ قال " حب الدنيا وكراهية الموت) [75]  ، يقول النبي r (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) [76].

 

قوله (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) أي من تمسك بدينه ولم يشتر غير الآخرة فإنه أوفى بما عاهد عليه الله ، يقول الله عز وجل (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (23) ، أولئك هم الصادقون ، وأولئك يؤتيهم الله تعالى أجرا عظيما ، يقول النبي r (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) [77]

 

 فالبيعة تعني السمع والطاعة للقائد دون مساومة أو وعد بمنفعة ، ولا بقصد أن يبتغي لنفسه منصبا ولا سمعة ، بل على النقيض من ذلك تكون تلك البيعة دون أن يأبه المجاهد لشيء من الدنيا ، يقول النبي r (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه  يبتغي القتل والموت مظانه ، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير) [78].

 

 

 

 

[1] ) بحر العلوم ج4 ص 160

[2] ) التحرير والتنوير ج 1 ص 4055

[3] ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان

[4] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529

[5] ) رواه البخاري ج20 ص 8 رقم 5919

[6] ) رواه مسلم ج4 ص 169  رقم 1290

[7] ) مجموع الفتاوى ج8 ص 76

[8] ) رواه الترمذي ج11 ص 65 رقم 3186 وصححه الألباني : صحيح سنن الترمذي ج 3ص 107 رقم 2601

[9] ) رواه أحمد ج38 ص 377

[10] ) رواه مسلم ج 3 ص 1405 رقم 1780

[11] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 9 ص 118 رقم 18054 – انظر تحسين الألباني له في فقه السيرة ج 1 ص 376

[12] ) رواه مسلم ج12 ص 321 رقم 4953

[13] ) التحرير والتنوير ج26 ص 124

[14] ) روى البخاري هذه الزيادة ج 4 ص 1830 رقم 4556

[15] ) رواه البخاري ج 5 ص 2375 رقم 6106 

[16] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج26 ص 124

[17] ) رواه مسلم ج 4 ص 1790 رقم 2285

[18] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 108 ، بدائع الفوائد ج2 ص 252

[19] ) الجواب الصحيح ص3 رقم181

[20] ) التحرير والتنوير ج26 ص 125

[21] ) رواه مسلم ج13 ص 424 رقم 5030

[22] ) رواه البخاري ج 3 ص 1025 رقم 2631

[23] ) فتح الباري ج6 ص 38

[24] ) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 168

[25] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[26] ) فقه الواقع ج 1 ص 29 للإمام محمد نصر الدين الألباني

[27] ) تفسير السعدي ج1 ص 791

[28] ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ

[29] ) رواه أبو داود ج9 ص 404 رقم 3060 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 27

[30] ) تفسير الطبري ج22 ص 206

[31] ) التحرير والتنوير ج26 ص 128

[32] ) رواه الترمذي ج11 ص 65 رقم 3186 وصححه الألباني : صحيح سنن الترمذي ج 3ص 107 رقم 2601

[33] ) رواه البخاري ج 3 ص 1082 رقم 2804

[34] ) فتح الباري ج6 ص 156

[35] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص46

[36] ) رواه البخاري ج 3 ص 1056 رقم 2727

[37] ) رواه مسلم ج 3 ص 1444 رقم 1812

[38] ) تفسير الشعراوي ج ص

[39] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 112 رقم 300 وحسنه الألباني

[40] ) ، انظر السلسلة الصحيحة ج 5 ص 408 رقم 2318

[41] ) رواه البخاري ج 3 ص 1274 رقم 3269

[42] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج7 ص 395

[43] ) في ظلال القرآن ج4 ص67

[44] ) في ظلال القرآن ج6 ص 473

[45] ) رواه أبو داود في سننه ج 2 ص 641 رقم 4713 وصححه الألباني ومثله عند مسلم ج 4 ص 2050 رقم 2662

[46] ) سمعته بأذني في برنامج خواطره الذي كان يذاع يوم الجمعة على القناة الأولى في التليفزيون المصري

[47] ) رواه البخاري ج 2 ص 974 رقم 2581

[48] ) رواه البخاري ج 4 ص 1831 رقم 4558

[49] ) عَزَّرَه فخَّمه وعظَّمه فهو نحْوُ الضد والعَزْرُ النَّصْرُ بالسيف وعَزَرَه عَزْراً وعَزَّرَه أَعانَه وقوَّاه ونصره قال الله تعالى لِتُعَزِّرُوه وتُوَقِّرُوه وقال الله تعالى وعَزَّرْتُموهم جاء في التفسير أَي لِتَنْصُروه بالسيف ومن نصر النبيِّ r فقد نَصَرَ الله عزَّ وجل وعَزَّرْتُموهم عَظَّمْتموهم وقيل نصَرْتُموهم ،.. فتأْويل عَزَّرْتُموهم نصَرْتُموهم بأَن تردُّوا عنهم أَعداءَهم ولو كان التَّعْزيرُ هو التَّوْقِير لكان الأَجْوَدُ في اللغة الاستغاءَ به والنُّصْرةُ إِذا وجبت فالتعظيمُ داخلٌ فيها لأَن نصرة الأَنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دِينِهم وتعظيمُهم وتوقيرُهم قال ويجوز تَعْزِرُوه من عَزَرْتُه عَزْراً بمعنى عَزَّرْته تعزيراً والتعزير في كلام العرب التوقيرُ والتَّعْزِيرُ النَّصْرُ باللسان والسيف

انظر لسان العرب ج 4 ص 561

[50] ) رواه مسلم ج 3 ص 1483 رقم 1856

[51] ) شرح النووي ج13 ص 3

[52] ) رواه البخاري ج10 ص 80 رقم 2714

[53] ) رواه البخاري ج13 ص 17 رقم 3804

[54] ) سيرة ابن كثير ج4 ص 100

[55] ) تاريخ الطبري ج2 ص 401

[56] ) رواه البخاري ج 1 ص 94 رقم 238

[57] ) رواه ابن ماجة ج 1 ص 43 رقم 117 وحسنه الألباني

[58] ) رواه البخاري ج 3 ص 1048 رقم 2696

[59] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 4085

[60] ) التحرير والتنوير ج26 ص 132

[61] ) رواه البخاري ج 3 ص 1312 رقم 3386

[62] ) رواه البخاري ج11 ص 413 رقم 3312

[63] ) رواه البخاري ج 3 ص 1312 رقم 3386

[64] ) رواه الترمذي ج 5 ص 575 رقم 3592

[65] ) رواه مسلم ج 3 ص 1403 رقم 1779

[66] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 329

[67] ) الأسماء والصفات للبيهقي ج2 ص 133

[68] ) قال الزمخشري وأبو حيان (والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام) الكشاف ج6 ص 343 ، البحر المحيط ج10 ص 96

قال الكرمي : (وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها ،  قال وذهبت طائفة من أهل السنة إلى أنا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف) انظر أقاويل الثقات ج1 ص 65

[69] ) تفسير الرازي ج14 ص 136

[70] ) تفسير الطبري ج22 ص 210

[71] ) رواه البخاري ج 4 ص 1526 رقم 3923

[72] ) فتح الباري ج7 ص 443

[73] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 5 ص 268 رقم 8855 وصححه الألباني : انظر السلسلة الصحيحة ج 4 ص 63 رقم 1547

[74] ) مسند أبي عوانة ج4 ص 279

[75] ) رواه أبو داود ج 2 ص 514 رقم 4297 وصححه الألباني

[76] ) قال ابن حجر : والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش

[77] ) رواه البخاري ج 3 ص 1057 رقم 2730

[78] ) رواه مسلم ج 3 ص 1503 رقم 1889

  • السبت AM 10:28
    2026-03-28
  • 264
Powered by: GateGold