المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1927284
يتصفح الموقع حاليا : 232

البحث

البحث

عرض المادة

منطلقات الفتح الإسلامي في سورة الفتح

د / احمد نصير

منطلقات الفتح الإسلامي

في سورة الفتح

 

يبدو صلح الحديبية هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله سورة الفتح ، مما غلب عليها الطابع العسكري مثل سورة القتال (محمد) ، فقد خلتا من مقدمة ، وقد سميت بهذا الاسم (الفتح) ، رغم أن شروط هذا الصلح لم تكن – في الظاهر - لصالح النبي r بل على العكس من ذلك ، فقد ظن الصحابة فيه خذلانا وذلة للمسلمين ، وقد خطَّأ القرآن ظنهم وسماه فتحا مبينا باعتباره توطئة لكل فتح جاء بعد ذلك ، فبهذا الصلح اعترفت قريش لأول مرة بشرعية محمد r كرئيس لدولة المدينة المنورة ، وبدأت حوار سياسي معه بهذا الاعتبار ، فضلا عن تحول الصراع بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة من الصراع العسكري إلى السياسي ، فكان ذلك بمثابة  فتح عظيم تقدمت به الدعوة الإسلامية خطوة كبيرة في إطار نشر عقيدة التوحيد ، بل وأزيلت كثير من الحواجز دون دخول الناس لدين الإسلام بعد هذا الصلح .

 

 ومن جهة أخرى تطرقت السورة إلى حال المنافقين من هذا الصلح ، وموقفهم المخزي من الدعوة الإسلامية وعدم خروجهم مع النبي r إلى الحديبية حيث ظنوا أنهم سوف يواجه قريشا ، وأنهم لن يرجعوا بعد هذه المواجهة ، وأن قريش سوف تبيدهم وتستأصل شأفتهم فجزعوا وخافوا من الخروج مع النبي r ، فلما خاب ظنهم عادوا ليعتذروا للنبي r متذرعين بانشغالهم بإدارة شئون البلاد والتجارة وحماية أهلهم ، وأنهم لم يقدروا علي الخروج للجهاد لأنهم كانوا يقومون على إدارة اقتصاد البلاد وأمنها الداخلي ، لكن الله تعالى كشف حقيقة ما في صدورهم من كره للنبي r وأصحابه ومخالفة منهجه وسنته.

 

وقد طمع هؤلاء المنافقون في الخروج مع النبي r بعد صلح الحديبية لما لاحت لهم مغانم كثيرة كما حصل في غزوة "خبير" فطمعوا في تحصيلها وقد استشفوا أن تلك المغنم الكبيرة تلوح لهم ، لكن القرآن أدبهم ، وأعرب عن رفض النبي r مشاركتهم وعدم إجازته لجهادهم معه r بعدما فقدوا الثقة والأهلية لتلك المشاركة ، فغزوة خيبر ليست فرصة لتجديد الثقة بعد أن تخلفوا وقت الحاجة والضيق والشدة ، لكن الفرصة لتجديد الثقة سوف تأتي مرة أخرى ، ولذلك يضعهم القرآن في الاختبار الحقيقي عندما يلاقون الروم في غزوة تبوك فهو اختبار صعب تحدثت عنه سورة التوبة بالتفصيل ، فإن جاهدوا مع النبي r في مثل تلك الظروف فقد صدقوا وتجددت الثقة فيهم ، وإن تولوا كما تولوا في صلح الحديبية فلن يكونوا أهلا للثقة مرة أخرى ، إذ لا يلدغ مؤمن من جحر واحد مرتين .

 

وإزاء هذا الموقف المخزي للمنافقين يظهر المؤمنون في صورة مشرقة تؤكد صدقهم والتفافهم حول نبيهم في الهدف والمبدأ والمصير إذ يبايعونه تحت شجرة الرضوان نصرة دين الله حتى الموت ولا يبالون بانتقام قريش منهم ، عزموا ألا يرجعوا عن دينهم أبدا فثبتهم الله تعالى وأنزل السكينة عليهم ، واستعاض لهم بخيبر مغنما لهم بعد أن رجعوا عن مكة في صلح الحديبية دون أداء العمرة والحج وهم مكرهين ، فكان ذلك أول مغنم للمسلمين ينالوه من أعدائهم في خيبر ، وكف الله عنهم قريش بعد أن ظن المنافقون أنها سوف تفتك بالرسول r وأصحابه ، كما احتفظ الله لهم بفتوحات كثيرة ،قد وعدهم بها النبي r ، وصدَّقه الوحي ، من ذلك ملك كسرى وقيصر ، وقد استبعد المنافقون هذا النصر مستقبلا ، في الوقت الذي كان فيه الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون جيدا أن الصراع السياسي بين النبي r ومشركي مكة ليس لأجل إقامة دولة في مكة كما قامت في المدينة فحسب ، فقد كانت طموحات النبي r و كل أهل الحق تتعدى ذلك بكثير ، فالأمر ليس قاصرا على إقامة دولة إسلامية أو توسيع دائرة الإمارات الإسلامية ، وإنما اتسعت رؤية النبي r -والمؤيدة بالوحي- لأبعد من ذلك بكثير ، فقد كان يرى أن الدولة المسلمة سوف تنتصر لتصل إلى أكبر إمبراطورية في عصره وهي إمبراطورية الروم وكسرى وقيصر .

 

والسورة وهي تعرض أسباب هذا الفتح ، بينت لنا أنه لم يكن مجرد صدفة ، بل هو قدر الله وتدبيره ، فلولا أن الله كف أيدي المشركين عن المؤمنين ، وكف أيد المؤمنين عنهم لما أتى هذا الصلح ثماره ، والمسألة ليست مجرد خطأ سياسي وقع فيه المشركون ، فالذي حصل من الطرفين هو عين الصواب -حينئذ - ، فيخبرنا القرآن بأنه لو فُرض أن المشركين اختاروا خيارا آخر غير نقل الصراع من الإطار العسكري إلى السياسي ، واستمروا في سياسة الاضطهاد للنبي r وأصحابه محاولين النيل منه وقتله والانتصار عليه لما نجحوا في ذلك ، فالنتيجة – في هذا الفرض- سوف تكون مخزية لهم ، فلو واجهوا المسلمين حينها لولوا الأدبار ولسوف ينصر الله تعالى جنده وعبيده نصرا عسكريا مؤزرا .

 

ولكنها إرادة الله ومشيئته أن يستخرج من قريش أنفسهم مؤيدين وناصرين لهذه الدعوة ، وما فتح الله به على رسوله وصحابته ليس خاص بهم دون أمته من بعده ، وإنما هي سنة كونية سنها الله تعالى في كل زمان ومكان ، متى تحاب المسلمون وتبايعوا على الموت في سبيل الله ، فلن تقف أمامهم جيوش الكافرين ولو كثرت ، وستكون هذه لحظة الزحف الإسلامي لينشر الخير للعالم كله ، بل ويمن الله على المؤمنين بأن يزدادون بإقبال غير المسلمين عليهم فيدخلون الإسلام بعد أن كانوا محاربين (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة 7)

 

وقد منَّ الله على المؤمنين بهذا النصر كما منَّ على مشركي قريش بكف أيدي المؤمنين عنهم ، فليس أجمل من أن يعيش الطرفان في سلام مؤقت ، دون سفك الدماء ، ورغم أنهم آذاوا النبي r وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم دون وجه حق وطردوهم من أوطانهم وسلبوا ممتلكاتهم إلا أن لحظة السلم النهائي التي جاءت بعدها فتح مكة لم يفسد فرحتها انتقام أو شفاء للغليل ، فهنالك أعظم من ذلك ، وهو العمل على نشر الدعوة الإسلامية في كل الظروف رغم التضييق والاضطهاد والتشديد بين صفوف المشركين في السر وبلا حاجة إلى علانية ،لاسيما بعد أحداث غزوة الأحزاب ، فالضربات التي لا تقسم الظهر تقوي ، فقد آمن خلق كثير في السر في مكة قبل هذا الصلح ، ولم يكن يعلم بإسلامهم إخوانهم المسلمون ، لكن الله يعلمهم ، (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح 25) ، فكان في هذا الصلح حفاظا على دماء المسلمين الذين كانوا يسرون إسلامهم بين قريش ، واضطراد زيادة أعداد المسلمين بعد الصلح حتى جاء فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .

 

والمسلمون عندما خرجوا مع النبي r إلى الحديبية لم يكونوا ينوون قتالا وإنما خرجوا مسالمين لزيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحج والعمرة ، ولكنهم كانوا متجهزين للقتال في حال غدرت بهم قريش ، بيد أن المشركين سبقوا الأحداث ومنعوا النبي r وأصحابه من أداء هذه مناسك الحج والعمرة ، فلم يعاند النبي r معهم ، وإنما تحلل من إحرامه ، ونحر الصحابة ما معهم من الهدي الذي كانت نيتهم تتجه إلى ذبحه بمنى وتوزيع لحمه على أهل المكة ومن حولها كهدايا من المسلمين لأهل هذه البلاد ، ولكن الرد الذي قوبل به المسلمون من قريش كان فظا إذ منعوهم من دخول وطنهم لأداء مناسك شريعتهم ، ولولا هؤلاء المسلمون الذين يُسرون إسلامهم بين صفوف المسلمين لشاء الله تعالى أن يسلط المسلمين على هؤلاء الكفار المعاندين لإنزال العذاب الأليم بهم ، ولكن الله تعالى شاء الصلح وأنزل السكينة على المؤمنين أن يعمدوا للصلح رغم إعلان المشركين حميتهم للجاهلية والانتقام من المسلمين بسبب قتلهم لزعماء قريش يوم بدر ، فثبت الله قلوب المؤمنين علي كلمة واحدة ألا وهي الصلح لا الحرب ، والتزموها ولم يحيدوا عنها ، ما يعني أنه متى قدر المسلمون على كف اليد وهم قادرون على أن يمدوا أيديهم بالقتل لهؤلاء المشركين فإن أهدافهم سوف تتحقق وآمالهم تقترب .

 

 وقد وعدت الآيات المسلمين بأنهم سوف يؤدونون مناسك شريعتهم في مكة كما أرادوا قريبا بإذن الله تعالى مسالمين ومقصرين رؤوسهم ومحلقين ، فيظهرون أمام الناس وهم يؤدون هذه المناسك في هيئة تدل على السلام العالمي ، حيث يبدو المسلمون في تواضع وهم يحلقون رؤوسهم في الحج أو العمرة ، فإذا اطمأنوا وهم يؤدون مناسكهم وعباداتهم ، فذلك إيذان بقرب نشر دعوة الإسلام إلى العالم وظهور هذا الدين على الدين كله .

 

واختتمت السورة بذكر صفات أصحاب النبي r الذين استعملهم الله لينشر الله هذا الدين وإظهاره على الدين كله حتى تكون هذه أوصاف من يأتي من بعدهم ليحملوا أمانة هذا الدين كما حملها الأولون ، فهم يجمعون رغم الشدة في الجهاد الحب والرحمة لبعضهم البعض ، وكذلك يجمعون بين سعيهم إلى الرزق وطلب العيش الالتزام بالصلاة في أوقاتها واقفين بين يدي الله ركعين وساجدين ، فبتلك الصفات ينتشر الإسلام كما ينتشر الزرع في بقاع الأرض ويعم به الخير ، فإذا كان الله فتح على رسوله وأصحابه الدنيا ، فإنه سبحانه يفتح على من اتبع سنتهم الدنيا والآخرة بالأجر العظيم والمغفرة والرضوان ، يقول النبي r (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . ثم قرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) [1] .

 

 

 

 

 

[1] ) رواه البخاري ج 4 ص 1829 رقم 4553

  • السبت AM 10:11
    2026-03-28
  • 277
Powered by: GateGold