ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
المخلفون عن الغزو فقدوا أهليتهم للجهاد مالم يجددوا الثقة في موطن البأس الشديد
د / احمد نصير
المخلفون عن الغزو فقدوا أهليتهم للجهاد مالم يجددوا الثقة في موطن البأس الشديد
قال تعالى (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)
قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) (11) التفات إلى الذين ينكثون عهدهم مع الله ورسوله ، فتفضحهم الآية حتى تكون الجماعة المؤمنة على بينة من أمرهم وهم يتعاملون معهم ، وقد تخلفوا عن النفير في ظروف محفوفة بكثير من المخاطر ، فتبين أن أعذارهم واهية ، قال أبو حيان (هذا اعتلال منهم عن تخلفهم ، أي لم يكن لهم من يقوم بحفظ أموالهم وأهليهم غيرهم ، وبدؤا بذكر الأموال ، لأن بها قوام العيش؛ وعطفوا الأهل ، لأنهم كانوا يحافظون على حفظ الأهل أكثر من حفظ المال)[1]
لاسيما وأنهم لا يعترفون بذنب ؟ ولو اعترفوا لتاب الله عليهم ، ولكنهم أوتوا الجدل ، فإذا أراد الله بقوم سوءا ابتلاهم بالجدل ، ومنعهم العمل ، فقد برروا تخلفهم عن الخروج مع رسول الله r بذريعة أنهم كانوا مشغولين بإدارة أمور البلاد ، وأنهم هم القائمون على حماية الأمن الداخلي والأمن القومي والاقتصاد الوطني ، فاعتذروا للنبي r أنهم لم يخرجوا معه لما شغلهم من أمور لا تقل أهمية عما خرج إليه النبي r واستفر إليه جميع أصحابه r ، وكأنهم أحاطوا بما لم يحط به .
قوله (..فَاسْتَغْفِرْ لَنَا..) يطلبون من النبي r أن يعذرهم ويعاملهم بالعفو وأن يغفر لهم طمعا في ذات المعاملة التي لاقاها المسلمون لما نزلوا من جبل "أُحد" دون إذن النبي r ، حيث نزل فيهم قول الله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ولكن شتان بين هؤلاء المؤمنين الذي غفر الله لهم ، وهؤلاء المنافقين الذين لن يغفر الله لهم ، وقد قال في كتابه (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (6) ، فهم لا يعاملون باللين كما لان النبي r لأصحابه في أحد ، بل يعاملون بالغلظة والشدة ، كما في قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم/9) .
قوله (...يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ...) (11) يكذبهم الله تعالى ويعلمنا أنهم لا يعتذرون ولا يطلبون المغفرة ، فهم ينطقون بما لا يؤمنون به ، وقد خوت قلوبهم من الصدق ونطقت ألسنتهم بالكذب تلبيسا للحق بالباطل ، فهم لا يرجون إصلاحا في أهليهم ولا يهتمون لشئونهم ، لم يَصْدُقوا في أعذارهم كما لم يَصْدُقوا في الإخبار عن بسبب تخلفهم ، يقول الله تعالى (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 94)
قوله (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) (11) يلقنهم الله تعالى عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر ، إزاء الأمر الشرعي المفروض عليهم بالجهاد والنصرة ، ردا على أعذارهم التي أسسوها على حسابات مادية ظنوا بها أن الدائرة سوف تكون عليهم لو خروجوا مع رسول الله r (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة 52) ، فخافوا وأخافوا الناس من الخروج ، ولكن الصحابة ثبتوا ، فقد بايعوا النبي r على الموت (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) (آل عمران 173) ، (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
فالآية تبين أن أمثال هؤلاء لا يعتمدون على الله ، وإنما يعتمدون على تلك الحسابات المادية ، وتلك هي حسابات المنافقين ، يقول المولى سبحانه (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء 141) ، فتلك الحسابات لن تنفعهم بشيء ، ولن يحصلوا على شيء من الوقوف موقف المتربص من الفئتين ، بالجنوح تارة للمؤمنين وتارة للكافرين (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء 143).
فالقرآن يرد على هؤلاء المتقاعسين عن واجب النصرة بأنه لن يحول بينهم وبين قدر الله شيء ، فلا يغني حذر من قدر ، فسواء تخلفوا عن الرسول خوفا من بطش قريش ، وفضلوا جانب الأمان دون المجازفة ، فإنهم لن يفلتوا من قدر الله ، ولو أنهم علموا قوله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)(النساء78) لما خافوا من قريش مثلما تخاف الحمر من القسورة .
ولو أنهم صححوا عقيدتهم في القضاء والقدر لخرجوا مع النبي r متوكلين على الله ، ولكن الله ثبطهم لسوء نيتهم ، يقول سبحانه (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة 46) ، ولذلك سموا (مخَلَّفين) ، ولم يسموا (متخلفين) ، فهم لم يتخلفوا بمحض إرادتهم ، بل كان ذلك بسبب تثبيط الله هممهم ، لكرهه انبعاثهم بين المؤمنين .
قوله (..بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (11) تعقيب على ظنهم أنهم حين يستشفعون باستغفار النبي r لهم سوف ينطلي كذبهم على المسلمين ، بل ظنوا أنهم في مأمن بعد ذلك ، قال ابن عاشور ( ظنوا أن استغفار النبي r لهم يمحو ما أضمروه من النكث ، وذهلوا عن علم الله بما أضمروه..ولذلك عقب قولهم هنا بقوله تعالى كما في الآية).
قوله (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ..) (12) يكشف الله ما في قلوبهم من النفاق ، فأول ما دخل في قلوبهم من النفاق اليأس من رحمة الله ، وغاب عنهم تأييد الله للمؤمنين ، إذ ظنوا أنه لن ينصر عباده المؤمنين والدائرة سوف تكون عليهم ، والله يعاتبهم على هذا الظن السيء ، بقوله (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (الحج 15) .
وذلك بخلاف المؤمن الذي يثق في نصر الله ووعده (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر51) والقاعدة أنه (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (141) ، ويقول النبي r (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل) [2] قال الخاطبي (معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه) وقد اعترض على هذا التأويل المباركفوري لكنه أيده وهو لا يدري بقوله (فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له) [3]، ويؤيده حديث النبي r قال (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ)[4] ، قال العلماء: (معناه يبعث على الحال التي مات عليها) [5].
قوله (..وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ..) (12) يعني أن ظنهم السيء وافق أمنيتهم ، فالمنافق وإذ افتقر للثقة في نصر الله للمؤمنين وفي ظل حرصه على الدنيا وآيثارها على الآخرة ، فقد زُينت الدنيا في قلبه ، فإنه يبخل بنفسه وماله عن سبيل الله ، ظنا منه أنه لو انحاز لجانب المسلمين فإنه سيخسر نصيبه من الدنيا ، ولما كان المسلمون في مواجهة دائمة مع الكفار ، لقوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عند دينكم إن استطاعوا) فإنه ينحاز لجانب الكفار على حساب المؤمنين ، ويتمنى أن لو هلكوا على أيدي هؤلاء ، حتى يبطل الجهاد ، ويتفرغ المنافقون لمتاع الدنيا التي زينت في قلوبهم .
قوله (..وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) (12) شبه الله تعالى قلوبهم بالأرض البور الميتة لأنهم يئسوا من رحمة الله ، وأساءوا الظن بالله ، بعدما أساءوا العمل .
يقول صاحب الظلال (فالأرض البور ميتة جرداء ، وكذلك قلوبهم ، وكذلك هم بكل كيانهم بور لا حياة ولا خصب ولا إثمار ، وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله ? لأنه انقطع عن الإتصال بالله ? يكون بورا ميتا أجرد نهايته إلى البوار والدمار) .
قوله (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)(13) تعريض بمن يتخاذل عن الجهاد في سبيل الله ونصرة دعوة الإسلام بنفي الإيمان عنه ، بل ودخوله في حومة الكافرين ، لأنه لم يصدق على الشهادتين بالجهاد في سبيلها ، قال رسول الله r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)[6] ، والحديث وإن كان لا يستوجب النفاق الأكبر ، ويدل على النفاق العملي ، يقول سبحانه (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..) (14) ، فالإيمان الحق لا يكون بالانتساب للمؤمنين ، ولا بإطلاق تلك التسمية علي أنفسهم ، بل لابد من التدليل على ذلك بالعمل كما في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) .
أما هؤلاء الـمُخلفون عن الخروج مع النبي r وقد سنحت لهم الفرصة بأن يبايعوه على الموت في سبيل الله ويثبتوا صدقهم إيمانهم ، فقد خرجوا عن الإيمان جملة وعن الإسلام جملة وتفصيلا ، لأنهم في الأصل لم يدخلوا به، يقول سبحانه (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) (61) ، فإنهم لم يؤمنوا أصلا حتى يخرجوا من الإيمان ، وإنما دخلوا هذا الدين كافرين وخرجوا بالكفر كذلك دون أن يمس الإيمان قلوبهم ، ولذلك يتهددهم الله تعالى بعذاب السعير ويخوفهم لعلهم يرتدعون ويدخلون في الإيمان حقا وصدقا .
قوله (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) إذ قد يثور التساؤل لماذا يا رب لا تعذب هؤلاء المنافقين ؟ وأنت قادر على أن تعذبهم وقد استبان كذبهم ونفاقهم ، فيجيب سبحانه بأن له ملك السماوات والأرض ، فالله سبحانه يدبر ملكه بحكمته .
قوله (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ..)(14) يعني إطلاق المشيئة في أن يرحم من يشاء أو يعذب من يشاء ، يقول سبحانه (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99) ، وقد شاءت قدرته أن يغفر ويرحم من آمن ، ويعذب من لا يؤمن به ، قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) ، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير) .
والله حبب عباده في الجنة وخوفهم من النار باعتبارهما دالتان على قدرة الله تعالى وعظيم ملكه واستحقاقه للعبادة من هذا الوجه ، ولو لم يملك الإله أن يغفر أو يعذب فلن يكون مستحقا للعبادة إلا أن يملك العذاب والمغفرة ، وينفذ أمره بطلاقة دون أدنى قيد .
يقول النبي r (إن الله خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي) [7] ، قال المناوي (فالعبرة إنما هو بسابق القضاء الإلهي الذي لا يقبل تغييرا ولا تبديلا ولا يناقضه خبر إنما الأعمال بالخواتيم لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة غيب عنا والخاتمة ظاهرة لنا فنيطت الأعمال بها بالنسبة إلينا ، ومع ذلك فيتعين العمل ، لقوله (فأما من أعطى واتقى..) ،ولايغتر بإيحاء النفس أنه لا عبرة بالعمل بل بالسابقة أو الخاتمة فإنه تمويه وإضلال وغفلة عن وضع الأسباب للمسببات)[8] .
والذي يؤكد أهمية العمل أن الله تعالى يختبر بعض عباده – الذين لم يصلهم البلاغ - يوم القيامة فيقول لهم ادخلوا النار فمن أطاع وجدها جنة [9].
قوله (..وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (14) فالله تعالى يعاملنا بما هو أهله وليس بما نحن أهله ، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله r قرأ (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله * هو أهل التقوى وأهل المغفرة)(المدثر) قال : (يقول ربكم عز و جل : أنا أهل أن أتقى أن يجعل معي إلها آخر وأنا أهل لمن اتقى أن يجعل معي إلها آخر أن أغفر له )[10].
يقول النبي r (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت ؟ يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) [11] ، فالمداومة على العمل أحب إلى الله تعالى ومن مستجلبات رحمته ، ولذلك داوم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الجهاد مع النبي r ولم يتخلفوا عنه في عسر أو يسر ، فاستحقوا بفضل الله مغفرته ورحمته .
قوله (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (15) تحدث القرآن عن الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي r في الحديبية ، فيما استفر إليه أصحابه ، الذين لم تقبل أعذارهم وكانت حججهم واهية ، هؤلاء أيضا يريدون أن يلحقوا بالمسلمين في غزوات أخرى تلوح فيها الغنائم وتقل فيها المخاطر ، يقولون (ذرونا نتبعكم) ، يستسمحونهم أن يلحقوا بهم في تلك الغزوات التي يطمعون في المغنم منها ، والمقصود غزوة خيبر ، قال ابن كثير (يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي r في غزوة الحديبية ، إذ ذهب النبي r وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله r ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم ، فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا؛ ولهذا قال: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ)[12] .
ولم تحل الغنيمة لأحد قبل النبي r رخصة من الله لهذه الأمة ، فلم يكن نبي قبله يستحلها ، وقد أحلها الله سبحانه لهذه الأمة رحمة بها لتعويض المجاهدين بعضا مما فقدوه من المال لأجل الجهاد في سبيله ، يقول النبي r (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء ، وذكر منها ... وأحلت لي الغنائم ) [13] ، وذلك بعد أن تعلمت الأمة الفصل بين تصحيح النية وإخلاصها لله تعالى وبين الانتفاع من الجهاد ببعض الماديات دون قصد ذلك قصدا مباشرا وإنما كنتيجة عفوية لما يبذله المجاهدون من جهد في سبيل الله تعالى ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ)[14].
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[15]
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[16].
قال ابن حجر (فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء :-
- طلب المغنم
- وإظهار الشجاعة
- والرياء
- والحمية
- والغضب وكل منها يتناوله المدح والذم ، فلهذا لم يحصل الجواب بالاثبات ولا بالنفي
قوله (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) المراد بكلمة الله دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط ، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك .
ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك ، وبذلك قال الجمهور لكن يعارضه حديث أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ المتقدم ذكره)[17].
وقال ابن حجر (ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا)
وقال ابن حجر (واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه ، وكلها متلازمة) ، واستشهد بكلام بن بطال قال (إنما عدل النبي r عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله )[18] أي متى تجرد من حظوظ النفس ، وهذا ليس بالأمر الهين .
قال العلماء - ابن حجر وأبو العلا المباركفوري - (فتصير المراتب خمسا
- أن يقصد الشيئين معا
- أو يقصد أحدهما صرفا
- أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا
فالمحذور أن يقصد غير الاعلاء ، فقد يحصل الاعلاء ضمنا ، وقد لا يحصل ، ويدخل تحته مرتبتان .. ودونه أن يقصدهما معا ، فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أبي أمامة الباهلي
والمطلوب أن يقصد الاعلاء صرفا ، وقد يحصل غير الاعلاء)[19] ، قال وفيه مرتبتان أي وهما :-
- أن يقصد الإعلاء صرفا لكن يحصل غير الإعلاء عرضا أي يحصل المغنم بغير قصد
- أن يقصد الإعلاء صرفا ولا يحصل غيره ، وهنا يأخذ أجره كامل في الآخرة
ويشهد لهاتين المرتبتين الآخيرتين – وهما مطلوبتان وغير محذورتان – ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ)[20].
قال ابن حجر (ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه)[21] ، ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمنا لا يقدح في الاعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي حديث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوَالَةَ الْأَزْدِيُّ قال (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ r حَوْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا ، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا) فَقَامَ فِينَا فَقَالَ (اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ ، فَأَضْعُفَ ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ) ثُمَّ قَالَ (لَيُفْتَحَنَّ لَكُمْ الشَّامُ وَالرُّومُ وَفَارِسُ أَوْ الرُّومُ وَفَارِسُ حَتَّى يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْبَقَرِ كَذَا وَكَذَا وَمِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُعْطَى أَحَدُهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا)[22].
والظاهر من حديث عبد الله بن حوالة أن ابتغاء الغنيمة قد يكون هو في ذاته لأجل إعلاء كلمة الله ،وذلك في حالة محددة ، فيكون الباعث مشروعا متى احتاج إليها المجاهدون للتمول ، فكل ما يمدهم بالعون لأجل التقوي به على الجهاد هو عمل من أعمال الجهاد في سبيل الله .
فقوله (على أقدامنا) : أي راجلين ليس لنا مركب وهو حال من الضمير في بعثنا أي أرسلنا لنأخذ الغنيمة رجالا غير ركاب ، وهو يدل على افتقارهم للركب ، وأنهم بتلك الغارة التي يغيرون بها على أهل الحرب يكسبون مركبا ليتقووا بها على الجهاد .
قوله (وعرف الجهد) : أي المشقة والتعب ، أي ذلك دليل آخر على الحاجة للمغنم للتقوى على الجهاد
قوله (لا تكلهم) : من وكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه ، أي انقطعت عنهم أسباب التمول وليس معهم سبب غير التوكل على الله ، ولا ينفعهم الاتكال علي غيره .
قوه (فأضعف عنهم) : أي عن مؤنتهم .
قوله (فيعجزوا عنها) : أي عن مؤنة أنفسهم .
قوله (فيستأثروا عليهم) : أي يختاروا أنفسهم عليهم ، عدل عن قوله فيعجزوا إشعارا بأنهم ما يكتفون بإظهار العجز بل يتبادرون إلى أن يختاروا الجيد لأنفسهم والرديء لغيرهم.
قال الطيبي (المعنى لا تفوض أمورهم إليَّ فأضعف عن كفاية مؤنتهم ، ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها ، ولا تفوضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا ، بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد (أو على هامتي)[23]، ولهذا رخص الله للمجاهدين في الغنيمة لأجل انشغالهم بالجهاد عن العمل ، وحاجتهم للتمول منها ليستكملوا جهادهم في سبيل الله .
وقد فهم الصحابة هذا المعنى فتجردوا من الغنيمة بالكلية ، وكان ينفقون الكنوز كلها في سبيل الله ، يقول النبي r (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)[24] ، أي أن المسلمين سوف يحاربونهما لا لأجل مغنم ولا لأجل كنوزهما ،ولن يأخذوا منهما غنيمة ، بل سوف ينفقون كنوزهما في سبيل الله .
روي البيهقي لما فتح الله على عمر بن الخطاب كسرى قال (أين سراقة بن جعشم ؟ فأتى به أشعر الذراعين دقيقهما ، فأعطاه سواري كسرى فقال ألبسهما ، ففعل فقال قل الله أكبر قال الله أكبر قال قل الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج وجعل يقلب بعض ذلك بعضا ، قال الشافعي وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي r قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه (كأني بك قد لبست سواري كسرى) قال (ولم يجعل له إلا سوارين)[25] .
وعن الحسن : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم قال فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رءاهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يد سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج ثم قال اللهم إني قد علمت أن رسولك r كان يحب أن يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك ، فزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا ثم قال اللهم إني قد علمت أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب أن يصيب مالا فينفقه في سبيلك وعلى عبادك ، فزويت ذلك عنه نظرا منك له وخيارا ، اللهم إني أعوذ بك أن يكون هذا مكرا منك بعمر ثم قال تلي (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)[26].
أما هؤلاء المخلفون فإنهم لا يجاهدون إلا لأجل الغنائم وليس في سبيل الله تعالى ، فالمغنم عندهم غرض رئيسي وباعث حقيقي على القتال ، فأنى لهم أن يتبعوا المؤمنين في قتال لا يلوح منه مغنما ، فليس هم أهلا للاتباع إذا تمحض الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ، وتجرد من المغنم ، ولذلك يحكم الله تعالى في شأنهم بأنهم لن يخرجوا أبدا مع المؤمنين ، ويستبعدون من الجهاد لسلامة نيتهم فيه ، يقول سبحانه (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة 47) ، لأن الصراع والتنافس على المغنم يفسد الجهاد في سبيل الله ، ويوقع البغضاء بين الجند .
ولذلك يرد عليهم المؤمنون بما حكم الله تعالى (لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) ، وهذه السياسة الشرعية تسمى بسياسة تطهير الصف ، فلا يمكن تجديد الثقة فيمن خان الله ورسوله أو تخاذل عن نصرة هذا الدين في الوقت الذي تساند فيه الولايات والإمارات المجاهدين ليطبقوا شرع الله تعالى ، فهل يعقل أن ينال المرء مغنما دون أن يصيبه مغرما ؟
والمنافقون حينما يعاقبون بحرمانهم من الغزو لا يندمون على ما فعلوا بل يصرون على شق الصف ، ويكيفون عقوبة الاستبعاد التي وُقِعت عليهم بأنها نزاع شخصي دار بينهم وبين المؤمنين حملهم على توقيع هذه العقوبة عليهم حسدا منهم لهم ، (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) ويتركون القواعد الربانية والسنن الإلهية ، بأن الله يستعمل لنصرة دينه من هو أهل لذلك .
فتلك هي طريق تفكير المنافق حين يشعر بالخزي والهزيمة ، فيرد الله تعالى عليهم بدلا من أن يكلف المؤمنين معونة الرد بقوله (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ذلك أن المغنم الذي يغنمه المسلمون في ظاهره مغنم وهو في حقيقته اختبار ومسئولية ، كما في قول النبي r (والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) ، أي أن هذا المغنم وإن كان في الأصل محرما والإسلام نسخ التحريم وأبدل الحكم ليكون حلالا بعد ذلك ، لكن في المسألة فقه لابد وأن يفقهه المجاهدون ، وهو التجرد من المغنم وإن أصابوه عرضا ، نقص من أجرهم في الآخرة الثلثين ، ولم يبقى لهم غير الثلث ، هذا هو الفقه الذي ربى عليه النبي r أصحابه .
وانظر إليه r وهو يقسم على أصحابه رضوان الله عليهم بعضا من المال فيعطي هذا منه وهذا منه ، ثم إنه جاء ليعطي عمر بن الخطاب قال عمر رضي الله عنه (أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال رسول الله r (خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك) [27]، فهذا هو عمر يتعلم من رسول الله r كيف يأخذ المال ويتعلم كذلك فيما ينفقه ، إنه شرط على نفسه أن ينفقه في سبيل الله تعالى لمن هو أفقر منه ، ولذلك تحمل مسئولية البحث عن من هو أفقر منه ليوصل هذا المال إليه ، بذلك يكون النبي r قد قسم الغنائم على من يتحمل تلك المسئولية ، فإن لم يكن هو بحاجة لهذا المال للتمول ، فإنه يصرفه في سبيل الله ، ولكن المنافقين لا يفقهون من ذلك إلا شيئا قليلا كما أخبر النبي r وأنزله الله تعالى في كتابه .
قوله (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) (16) أتاح الله لهم فرصة لأن يجددوا ثقة النبي r فيهم ، فليست غزوة "خبير" محلا للاختبار ولتجديد الثقة ، بل هي مطمع ، فالاختبار يكون في غزوة يدعوهم الله إليها ، حيث يقاتلون فيها قوما أولي بأس شديد ، فإن اتبعوا الرسول r في تلك الغزوة فقد أصلحوا ما أفسدوه ، وأعادوا بناء وصلات من الثقة بعد أن تهدمت ، وهي غزو الروم ، أولا الغساسنة في "مؤتة" ثم الروم أنفسهم في "تبوك" تلك الغزوة التي كانت بين المسلمين والروم الأشداء - أعظم دولة في حينها - ، وكانت الروم تبعد عن المدينة المنورة مسيرة شهرين ، فجهد المسير إليها كبير وشاق ، ويحتاج لصدق النية ، فهي محك عملي لاختبار صدق التوبة وتصحيح النية للجهاد في سبيل الله تعالى ، يقول ابن خلدون (أمر النبي r الناس بالتهيؤ لغزو الروم : وكان في غزواته كثيرا ما يوري بغير الجهة التي يقصدها على طريقة الحرب إلا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدة الحرب وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلة الظلال وكثرة العدو)[28].
قوله (..تقاتلونهم أو يسلمون..) (16) ذكر القرطبي إلى أن (هؤلاء -الروم- لا تؤخذ منهم الجزية)[29] ، ذلك أنه لا ينبغي الصلح مع مجرمي حرب ، الذين تلوثت دماءهم بقتل الرسل الأبرياء المسالمين ، فكان حكمهم إما القتل أو الدخول في الإسلام ، فالصلح فغير جائز في حقهم إذ لا يؤمن غدرهم ، فكما غدروا من قبل) ، فإذا كان ذلك هو الظرف الذي يحيط بالمعركة التي سوف يخوضها المسلمون مع الروم ، فلا شك أنه اختبار يميز الصادق منهم من الذي لم يقدر بعد على تصحيح نيته ، والتجرد من الدنيا لأجل الله تعالى .
فقد قتل شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو أحد عمال الروم (الغساسنة) في الشام، الحارث بن عمير الأزدي، وهو رسول النبي محمد r ، حيث ذبحه بعد أن أوثقه، مما اعتبر جريمة شنعاء وإعلان حرب، وهو ما أدى إلى تجهيز النبي r لجيش غزوة مؤتة عام 8 هـ ، قال الماوردي (وَسَبَبُهَا أَنَّهُ بَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيَّ رَسُولًا بِكِتَابٍ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى ، فَلَمَّا نَزَلَ مُؤْتَةَ عَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ ، فَقَتَلَهُ وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ r رَسُولٌ غَيْرُهُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَنَدَبَ النَّاسَ ، فَأَسْرَعُوا وَعَسْكَرُوا بِالْجُرْفِ ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ)[30]
قوله (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا..) (16) جاء الخطاب القرآني صريحا معلنا لهم حق الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما ولا سبيل للمراوغة أو التحذلق ، فإما أن يطيعوا ويخرجوا مع النبي r لهذه الغزوة أي غزوة مؤتة ومن بعدها تبوك ، ويتحملوا المصاعب والشدائد التي لا يصبر عليها إلا للرجال المخلصين ، وإما أن يتولوا عن الخروج وينكثوا في عهدهم مرة أخرى كما تقاعسوا عن الخروج في صلح الحديبية وقصدوا التخلف عن عمد انتظارا منهم لخبر قضاء قريش على النبي r وأصحابه ، فلم يتحقق لهم ذلك ، ولكن الله فتح لهم باب الأجر والمثوبة ليجددوا ثقة المسلمين فيهم ، أو أن يثبتوا بأنفسهم أنهم ليسوا أهلا للثقة ولا ينبغي الوثوق فيهم أبدا .
قال القشيري : دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مُرْضية ، ثم تتغير للصلاح ، وأنشدوا :-
إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه ... فَرَجِّ له بعد الفساد صلاحا
قال ابن عجيبة ووجه الاستدلال : أن حضهم على الطاعة جاء بعد التخلُّف والعصيان ، فإن حصلت قُبلت منهم [31].
قوله (..وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (16) فالجهاد لم يكن يوما محببا لا لمسلم أو لغيره وقد ذكره الله تعالى في كتابه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (216) .
ولكن المسلم لا يفر منه ، لأنه يعلم أنه من كبائر الذنوب ، قَالَ رسول الله r (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)[32]
ولذلك بوب أبو داود بابا بعنوان التولي يوم الزحف ، وذكر بعده حديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَزَلَتْ (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَالَ(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) قَرَأَ أَبُو تَوْبَةَ إِلَى قَوْلِهِ (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ[33]
قوله (..يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (16) المقصود به عذاب الدنيا الذي يوقعه ولي الأمر على المخلفين تعزيرا [34]، لأن التخلف عن الغزو يعتبر جريمة معاقب عليها شرعا كما هو معاقب عليها عسكريا ، مثلما هو معاقب علي التخلف عن التجنيد أو عدم إطاعة الجند للأوامر العسكرية في القوانين الوضعية.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ (الْغَزْوُ غَزْوَانِ : فَأَمَّا مَنْ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ وَأَطَاعَ الْإِمَامَ وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الْإِمَامَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ)[35]، قوله ( فإنه لم يرجع بالكفاف ) أي (لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها بل يرجع وقد لزمه الإثم لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي آثم )[36]
قوله (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)(17) رفع الحرج عن أصحاب الأعذار الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي في الحديبية ، وهو تشريع لرفع الحرج عن مثلهم في حال الاستنفار العام ، واستثنائهم من إنزال العقاب الجنائي بهم لارتكاب جريمة الهروب من التجنيد أو عدم تنفيذ الأوامر العسكرية بالمعنى المعاصر.
وقد حصر الشارع الحكيم الأعذار المبيحة للتخلف في ثلاث (العمى والعرج والمرض) ، فالأعمي هو المصاب بعاهة مستديمة أثرت على حاسة البصر فلا يقدر على استشعار العدو من بعد ، والأعرج هو المصاب بعاهة مستديمة أثرت على أدائه الحركي بنسبة تحول بينه وبين ما يتطلبه الجهاد من أداء حركي بسرعة ورشاقة ، والمريض المعفو عنه هو هو الذي يصاب بداء يرجى برؤه لكن يحول دون قدرته على الجهاد ، فيعذر حتى يشفى ، بذلك ضيق الشارع الحكيم سبل الاعتذار عن الجهاد لتقتصر على تلك الحالات ، ويقاس عليها مثلها كمن كان وحيد أبويه الكهلين ، عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ) قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) [37]
وأصحاب الأعذار هؤلاء يشاركون إخوانهم المجاهدين في الأجر بصدق نيتهم لطلب الجهاد ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله r رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم) ، قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال (وهم بالمدينة حبسهم العذر)[38].
قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي فمن تجاوز الاختبار الذي ذكره الله تعالى من هؤلاء المخلفين ، ولم يتخلف في قتال أناس أولي بأس شديد المذكورين آنفا ، فقد أطاع الله ورسوله ، وتجددت ثقة المسلمين به ، وأضحى أهلا لأن يرضى الله عنه ويدخله الجنة التي لا تنال لمن آمن بالله ورسوله ، وتجاوز الابتلاء ، يقول سبحانه (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (142)
قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)أي فقد قامت عليه الحجة مرة أخرى ، واستحق بذلك عذاب الله تعالى الأليم يوم القيامة ، فضلا عن سخرانه الدنيا والآخرة ، يقول سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (11) .
[1] ) البحر المحيط ج10 ص 97
[2] ) رواه مسلم ج 4 ص 2205 رقم 2877
[3] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج5 ص 296 رقم 1619
[4] ) رواه مسلم ج14 ص 44 رقم 5126
[5] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج5 ص 296 رقم 1619
[6] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533
[7] ) رواه أحمد في مسنده ج 4 ص 186 رقم 17696 والطبراني في المعجم الأوسط ج9ص147 رقم 9375 وصححه الألباني ج 1 ص 264 رقم 2639 .
[8] ) فيض القدير ج3 ص 7
[9] ) رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه ج 16 ص 356 رقم 7357 ، وصححه الألباني ج 1 ص 89 رقم 883 واللفظ له قال r (أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئا و رجل أحمق و رجل هرم و رجل مات في فترة : فأما الأصم فيقول : رب لقد جاء الإسلام و ما أسمع شيئا و أما الأحمق فيقول : رب جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و الصبيان يحذفونني بالبعر و أما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام و ما أعقل شيئا و أما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما و من لم يدخلها سحب إليها)
[10] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 552 رقم 3876 وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ، ورواه ابن ماجة ج12 ص 355 رقم 4289 وحسنه الألباني لغيره : ظلال الجنة ج2 ص 185 رقم 969 قال : (حديث حسن وإسناده ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم ، وإنما حسنته لشاهد له) ، (إنما هو حسن لغيره لضعف سهيل ولأن له شاهدا من حديث عبدالله بن دينار قال سمعت أبا هريرة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقولون فذكره مرفوعا نحوه ، أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور
[11] ) رواه مسلم ج 4 ص 2171 رقم 2818
[12] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 337
[13] ) رواه البخاري ج 168 رقم 427
[14] ) رواه النسائي ج10 ص 204 رقم 3089 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 212
[15] ) رواه البخاري ج9 ص 382 رقم 2599
[16] ) رواه البخاري ج1 ص 209 رقم 120
[17] ) فتح الباري ج6 ص 28
[18] ) فتح الباري ج6 ص 28
[19] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 231
[20] ) رواه مسلم ج10 ص 12 رقم 3529
[21] ) فتح الباري ج6 ص 29
[22] ) رواه أحمد ج45 ص 471 رقم 21449
[23] ) عون المعبود
[24] ) رواه البخاري ج 3 ص 1135 رقم 2953
[25] ) رواه البيهقي في سننه ج6 ص 357 رقم 12712
[26] ) رواه البيهقي ج6 ص 358 رقم 12815
[27] ) رواه مسلم ج 2 ص 723 رقم 1045
[28] ) تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 465
[29] ) تفسير القرطبي ج16 ص 273
[30] ) الحاوي الكبير ج14 ص 125 ، ابن الأثير : أسد الغابة ج1 ص 216 ، الواقدي : المغازي ج1 ص 307
[31] ) البحر المديد ج6 ص 85
[32] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560
[33] ) رواه أبو داود ج7 ص 239 رقم 2275 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج7 ص 398
[34] ) كثير من المفسرين حمل المعنى على عذاب الدنيا إما قحط أو مصائب أو تسليط قوم عليهم ، منهم أبو بكر الجزائري في أيسر التفاسير ، وغيره انظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ج5 ص 4
والذي يؤكد المعنى أن التهديد بالعذاب ذكر في الآية التالية في مقابلة التشويق بالجنة ، فينصرف المقصود من العذاب إلي عذاب جهنم ، وينصرف المعنى في الآية الحالية إلى قصد العذاب بعقوبة تعزيرية ، بسبب عدم الانضباط العسكري ، وذلك لأن الإخلال بأداء الواجب العسكري يهدد البلاد والأمن القومي ، ولذلك وجب سن عقوبات رادعة للتخلف عن الانضباط في الصف العسكري عند الاستدعاء له .
[35] ) رواه أبو داود ج7 ص 37 رقم 2154 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 275
[36] ) عون المعبود ج7 ص 138
[37] ) رواه البخاري ج10 ص 188 رقم 2782
[38] ) رواه البخاري ج 4 ص 1610 رقم 4161
-
السبت AM 10:08
2026-03-28 - 254



