المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1927287
يتصفح الموقع حاليا : 227

البحث

البحث

عرض المادة

قتال الصادين رحمة بالمستضعفين دلالات تربوية على سورة محمد

د / احمد نصير

قتال الصادين رحمة بالمستضعفين

دلالات تربوية على سورة محمد

هذه السورة هي أول سور المفصل في القرآن الكريم ، وقد ذكر النبي  أن المفصل هو ما فضلت به أمة محمد  عن سائر الأمم ، ولما كانت هذه الأمة هي القائدة لكافة الأمم ، كان لابد أن تتربى على العفو والصفح زمنا طويلا قبل أن تتربى على الجهاد في سبيل الله ، وذلك لأجل أن يكون غضبهم لا لشيء إلا لله ولا يكون انتقامهم لأنفسهم ، بل لله وحده ، تقول السيدة العائشة رضي الله عنها (وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ  لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا) .

فالمحور الرئيسي لسورة محمد يدور حول التأكيد على التحول من مرحلة كف اليد عن الكافرين وتحمل أذاهم ، بل العفو والصفح عنهم كما في قوله (قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(الجاثية/14)، إلى مرحلة رد العدوان ، وفرض الجهاد في سبيل الله على المسلمين لإزالة قوى الظلم والطغيان ، والقتال بضراوة كما في قوله (فضرب الرقاب) ، بعدما طالت مرحلة كف اليد لسنوات وقد تربى الصحابة على كظم الغيظ والعفو والصفح والصبر قبل التربية علي الجهاد في سبيل الله ، وذلك بعد أن جردوا نيتهم من أي حظ للنفس ، وتأكد لديهم أن الجهاد لأجل الثأر لإخوانهم أو حتى لأنفسهم غرض ثانوي ، وليس شفاء الصدر هو الغرض الرئيسي للجهاد ، لاسيما وقد مضى زمن طويل ما يقارب ثلاث عشرة سنة ، وهم يعذبون ويقتلون في مكة ، ولا ينصرهم أحد ، ليخلص جهادهم لله ، فتكون غايتهم أن تكون كلمة الله هي العليا.

وأول الأمر في فرض الجهاد بدأ بأن ألمحت سورة النحل إلى جواز القصاص ، مع الندب إلى الصبر باعتباره هو أولى في هذه المرحلة ، وذلك في قوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل126) ، كما شرعت سورة الشورى إلى جواز القصاص كذلك ، مع إمكان العفو عن السيئة ، كما في قوله (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى41)

فلم يفرض الجهاد في العهد المكي وإنما نزل الأمر به في العهد المدني بعد تهيئة طويلة للمسلمين ، وذلك في قوله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..) ، وتأكد الأمر به في سورة النساء في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)(النساء 77) ، وكذلك في سورة البقرة حيث نزل الأمر صريحا بقوله (قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) .

أما الحديث عن القتال في هذه السورة فقد جاء ببيان أحكامه عند حصول اللقاء فعلا ، وقد حصل أكثر من مرة قبل نزولها ، ولذلك تناولت السورة أحكام القتال في قوله (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) للتأكيد على أن قسوته وشدته ، وأن الأمر به لابد وأن يُحمل محمل الجد ، فكلما اشتد القتال ضراوة كلما وضعت الحرب أوزارها في وقت أقل .

ولذلك سميت السورة أي سورة محمد بسورة القتال للتصريح فيها بقتال الكافرين ، فسبب هذه التسمية قوله تعالى (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) ، فحضت المؤمنين على قتال الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لكونهم جمعوا وصفين : الأول أنهم كفروا ، والثاني أنهم صدوا عن سبيل الله .

ولذلك جاءت سورة محمد أي (سورة القتال) بلا مقدمة تقليدية كالثناء أو التسبيح، لأنها تبدو كبيان عسكري وسياسي حازم يهدف للدخول المباشر في موضوع الصراع بين الحق والباطل، والتحريض على قتال المشركين، ووصف حال المؤمنين والكافرين، بأسلوب حاسم وصارم يناسب سياق المواجهة.

فاللافت للانتباه أنها لم تحض على قتالهم لمجرد كفرهم ، فليس ذلك هو حكم الإسلام في الذين كفروا ، إذ لا إكراه في الدين كما هو معلوم ، والواجب دعوتهم للإسلام بالحسنى ، وإنما شرع قتالهم حين يقترن كفرهم بالصد عن سبيل الله ، أي بصفتهم ظالمين مانعين الخير أن يصل للناس ، فكونهم غير معاهدين يعني أنهم ظالمون صادون عن سبيل الله .

ولذلك شنت السورة هجوما عنيفا من أولها إلى أخرها علي الصادين عن سبيل الله سواء أكانوا كفارا أو منافقين ، وأكدت في أكثر من موضع أنها تصب هجومها على هؤلاء النفر من الكافرين وليس كل الكافرين ، فعنيت بالصادين منهم عن سبيل الله تعالى ، أي الكافرون المحاربون ، كما عنيت بالمنافقين وخصت منهم الطائفة الرافضة لقتال الكافرين الصادين عن سبيل الله ، باعتبارهم الذين يخذلون المؤمنين عن رفع الظلم عن المظلومين ونصرتهم لهم ، وفي مقابل ذلك كله عنيت بالمؤمنين الذين يجاهدون في سبيل طاعة الله ورسوله، وأمرتهم بأن يتابعوا القتال فلا يهنوا ولا يستسلموا للكفار أبدا .

واللافت للانتباه أن العلاقة بين اسمي السورة "محمد" و"القتال" ، علاقة تضاد في الظاهر ، فمحمد رسول جاء بالرحمة ، بدليل قوله سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فالله أرسله ليكون رحمة للعالمين ، فكيف يتسنى أن تسمى السورة باسم نبي الرحمة ، وهي من أولها لآخرها تدعو لقتال الصادين عن سبيل الله ؟

كما أن لها اسما ثالثا وهو سورة "الذين كفروا" أخذا بما ورد في مقدمة السورة ، وهو الاسم الذي يربط الاسمين الأولين ببعضهما البعض ، أي أن النبي محمد  بعث ليقاتل الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله رحمة بالضعفاء والمظلومين ، كما ورد في الحديث (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) .

فالسورة قبل أن تأمر المسلمين بقتال الكافرين أوضحت العلل التي سردتها سردا لتبرر استحقاقهم للقتل ، أي لأنهم قد صدوا عن سبيل الله تعالى ، واتبعوا الباطل ، وكرهوا ما أنزل الله تعالى من قرآن ، ولأن غايتهم في الحياة الإسراف في الشهوات بلا ضابط ، حتى شبهتهم بالبهائم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام ، فلا يتحرون الحلال من الحرام ، ولا يراعون حقوق الله التي أحالها لعباده ، ولأجل تحقيق أهدافهم من ترف العيش يستقطعون ذلك من حقوق المستضعفين ، لاسيما وقد استطال عدوانهم بأن أخرجوا عباد الله من ديارهم ، وأخرجوا النبي  من قريته ،

فجمعوا إلى كفرهم أن صدوا عن سبيل الله تعالى ، وشاقوا الرسول وخاصموه وكادوا لقتله والتخلص منه أكثر من مرة ، أفبعد هذا ندعوهم للسلم ؟ ولذلك قال الله (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) ، وحتى تتحقق هذه الرحمة للعالمين لابد وأن يُقاَتل من يصد هذه الرحمة أن تصل للناس ، ويصد عن سبيل الله ، ولذلك قال شوقي : إن الحرب في الحق لديك شريعة ... ومن السموم الناقعات دواء .

والأمر الصادر للنبي  بالقتال لا يعني إكراه الناس على الإيمان بالله ، بل هو يكشف أمر واقع لا محالة ، وهو رفض الذين كفروا لدين الإسلام رفضا قاطعا حملهم على الصد عن سبيله ، فليس من المتصور أن يرفضوا الإسلام ولا يدينون به ، ثم هم يقفون موقف المحايد المسالم للذين آمنوا ، فلا يحاربون أهل الإسلام ولا يقاتلونهم ، بل قد أثبت الواقع أنهم يصدون عن سبيل الله إما باضطهاد المستضعفين من المسلمين في بلادهم وردهم عن دينهم أو بالمكر والحيلة والخديعة للمسلمين إن كانوا أقوياء ولهم شوكة ، حيث يقلبون الأوضاع ويُمكنون للمنافقين ليكونوا عونا لهم في إحداث فتن داخلية في ديار المسلمين ، قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)(البقرة 217) ، فالحديث المتقدم ذكره يتفق مع معه هذه الآية ، ودلالة كلاهما أن الناس لا يزالون يصدون عن سبيل الله ما لم يقروا بلا إله إلا الله .

يعزى هذا الاستنباط إلى أن من لا يقر بألوهية رب العالمين ، فإنه يؤله نفسه وهواه (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) ، وبالتالي ينتزع لنفسه صفة الكبر والعظمة وهما ليستا له ، بل هما لله وحده ، من هنا يحدث الظلم والاستقواء بالباطل ، فأهل الباطل يؤلهون أنفسهم ، ثم يؤلهوا فرعون باعتباره رب الأرباب ، كما أله فرعون نفسه ، ولهذا يعثون في الأرض فسادا ليقصي كل متأله منافسه ، ويحظى بمحبة متبوعه الذي هو أعلى منه درجة ، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران 64) ، وهكذا يؤله البشر بعضهم بعضها حتى يصيروا جميعا عباد للشيطان ، الذي يسمونه بالمهندس الأعظم شركا بالله ، فيطلب كل تابع من متبوعه المال ويسأله الجاه ويلتمس عنده العزة والسلطان ، والكون لا يتسع لإلهين اثنين ، قال تعالى (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (النحل 51) ، فكيف وهم يتنازعون جميعا ويتنافسون على ذلك ، وقال تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون 91) ، وهكذا يفعلون فيعلوا بعضهم على بعض ظلما وعدوانا .

أي أنه - وبالفرض الجدل - أن للكون أكثر من إله ، وذلك عند التسليم بأنه كل إنسان عبد لهواه ، فعندئذ لابد –وفقا للتفكير العقلي - أن يعلو كل متأله على الآخر ، فلا يقبل العقل أن لا يتنازعا ، ما يستتبع أن يعلو أتباع هذا الإله على أتباع الإله الآخر ، وينتصر أحدهما على الآخر ، وهذا بالفعل هو الذي يحصل ، ولذلك قال الله تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء 76) .

أي لابد من يحصل تضارب في المصالح بين أتباع كل آله وآخر حال التعدد ، الأمر الذي يعني نشوء صراعات دموية بين أصحاب المصالح المتعارضة ، من هنا ينشأ الفساد في الأرض ، قال تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الأنبياء22)

مما سبق نفهم حتمية أن يدين الكون لله الواحد الأحد ، الأمر الذي يعني بالضرورة أن يجاهد أصحاب الحق لكسر الأصنام التي تُعبد من دون الله ، حتى يدين الكون كله لإله الواحد الأحد ، فإن أبى الناس عبادة الله ، وظلوا يعكفون على أصنامهم ، فالإسلام لا يكرههم على أن يؤمنوا به ، ولكنه يضع من الضمانات ما يكفل لقومهم أن يدخلوا في الإسلام دون أن يكرههم أحد على الكفر ، فيزيل بالجهاد كل عقبة أمام حرية الناس في الإيمان بإله واحد ، فالإسلام ولا شك الدين الحق ، الذي لو خلا الطريق بينه وبين الناس لانشرحت صدورهم له ، متى تخلصوا من الكبر .

ومن ضمن العقبات التي يزيلها الجهاد الصادين عن سبيل الله ، وهم الأسياد الذي يحولون دون وصول الدعاة لأراضيهم ، الذين يسميهم القرآن أئمة الكفر ، كما في قوله (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (التوبة 12) ، وهنا كان لابد من عهد يضمن ذلك ، أي عهد بين المسلمين وبين دار الكفر يضمن للمسلمين ممارسة حق الدعوة ونشر الدين في أرضهم ، ولكن هيهات أن يحصل ذلك ، فلا ضمان لأن تمارس حرية الاعتقاد وأن يمارس الناس شعائر دينهم إلا في كنف الإسلام ، أي بعهد الله وذمته ، من هنا شرع عهد الذمة وعهد الاستئمان ، قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة 29) ، فإذا دخلوا في عهد الإسلام وذمة الله ورسوله ، فلهم عهد الله ورسوله ، ولهم حقوقهم التي أقرها الإسلام ، ومنها حمايتهم من أي عدوان .

إذن الغاية من قتالهم ليست إكراههم على الإسلام ، ولكن الغاية هي تحرير الناس من كل طوق أو قيد يحول بينهم وبين وصول دعوة الإسلام لهم ، ولذلك فرض الإسلام الجزية على من لا يريد الدخول في الإسلام لأجل أن تكون هي الضامن لاستمرار تبعيهم لعهد الله ، وذمته فلا يتحدوا أو يميلوا لفئة تحارب المسلمين ، وذلك هو معنى الصغار الوارد بالآية ، لأنهم لو تكبروا لنكثوا أيمانهم ، وخانوا العهد بينهم وبين المسلمين .

فضلا عن أنه بأداء الجزية يعفي المعاهد نفسه من أن يحارب مع المسلمين ضد أهل ملته ، أي أنها الضامن لأن يظل على الحياد ، وفي مقابل ذلك يستفيد من حماية المسلمين له ، فإن عجز المسلمون عن حمايتهم وهم في كنفهم ، فإن سقوط الجزية في هذه الحالة واجب حتما على التفصيل الذي يمكن الرجوع إليه في سورة التوبة .

إذن مناط دفع الجزية أمرين ضمان عدم الانحياز ، في مقابل أن يمن عليه المسلمين بالحماية العسكرية ، ومن يرفض أن يدخل في حماية المسلمين ، ويتعهد بعدم الانحياز لأعداء المسلمين ، ويظن أنه يستطيع أن يحمي نفسه - رغم إعلانه بعدم الإنحياز لأهل ملته الذين يحاربون المسلمين - يتبقى عليه أداء واجب حتى يقبل منه ما يقول ، وهو أن يخلي الطريق بين المسلمين وإيصال الدعوة للإسلام في داره أي دار الكفر ، وهذا فرض نظري غير متصور عملا ، فإن أبى هذا أو ذاك ، فلابد أنه سوف يميل إلى أهل ملته لينقلب على المسلمين في اللحظة المناسبة ، وهؤلاء الذي يصدق في حقهم قول الحق سبحانه (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فالقرآن يكشف واقعا يحدث ، وليس يفرض نظرية بعيدة عن واقع الناس وحياتهم .

وقد عقدت السورة عدة مقارنات بين هؤلاء الصادين عن سبيل الله ، ومن يقابلهم من المؤمنين الصادقين الذين ينصرون هذا الدين بأنفسهم وأموالهم ، كما في قوله (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله..) ، وقوله (مثل الجنة التي وعد المتقون ..كمن هو خالد في النار...) ، وبينت عاقبة الفريقين ، فبينما لم تختلف عاقبة المحاربون لله ورسوله عن عاقبة من سبقوهم من الأمم ، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (10) فإن عاقبة المؤمنين بالآخرة الجنة وراحة البال ، وفي الدنيا ولاية الله لهم ، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) (11) وهكذا.

وقد عنيت السورة بطائفة المنافقين ، حيث لا يعدم المنافقون وللمسلمون شوكة ، يقاتلون بها أعداء الله تعالى ، فالمنافق ليس له هم في الدنيا غير أن يرتع ويلعب ويمرح ، شأنه شأن الأنعام تأكل وتمرح بلا ضابط ولا حساب ، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) ، يعيشون الحياة بصورتها المادية وحسب ، ولا ينشغلون بأن يقدموا لدينهم ما عليهم من واجب وحق لله رب العالمين ، ولا يفقهون شيئا عن حقوق الغير .

وقد بينت السورة أحوال المنافقين مع النبي  وأصحابه ، وهم يعيشون في كنف المسلمين ، ويختلطون بهم ، بل ويسمعون النبي  وهو يحدثهم وأصحابه لعلهم يفقهون شيئا ويتعظون بشيء مما يقول ، لكنهم لا يفقهون شيئا ما يقوله النبي  ، فهم كالصم لا يسمعون ، طُبع على قلوبهم ، صرفهم الهوى عن الهدى إذ اتبعوه ، ولذلك أكثروا الجدال بشأن آيات القتال ، وكأنهم يريدون أن تحذف هذه من القرآن ، تلك هي حقيقتهم ، وإن كانوا يزعمون أنهم أبطال حرب ورجال يقفون في المعارك ولا يخافون ، ويظهرون أنهم يتمنون اليوم الذي يلاقون فيه أعداء الله تعالى ، فإذا حدث من يتحدثون عنه ، وأضحى القتال أمرا واقعا مفروضا ترى فيهم الخور والجزع ، وترى الخوف في أعينهم والفزع ، وتجدهم أول الفارين من أعداء الله تعالى ، فأين ما كانوا يقولون من قبل ؟ (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ)
فوبختهم وكشفت خيانتهم ، وأظهرت خسة أنفسهم ، وكيف أنهم لا يرغبون في الذود عن أوطانهم وبذل دمائهم في سبيل الله والمستضعفين ، يريدون إسلاما مستأنسا ليس فيه قتال لأعداء الله تعالى .

فحياة المنافق ليست إلا إفسادا في الأرض وتقطيعا للأرحام ، (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) ، من هنا كانت دعوة القرآن للتدبر في كتاب الله تعالى الذي أنزله وشرعه لنتعبد لله به ، لكن أنى لهم أن يفهموا الحكمة من قتال الكافرين الظالمين الصادين عن سبيل الله تعالى ، وأنى لهم أن يدركوا الرحمة من ذلك .

فهم حين ينكرون فريضة الجهاد فقد أنكروا معلوما من الدين بالضرورة ، ومن ينكر ذلك فقد كفر بإجماع علماء المسلمين ، قال الشيخ أبو اسحق الحويني ذلك أن (المعلوم من الدين بالضرورة لا نحتاج إلى إظهار الحجة عليه، لأن معنى (معلوم من الدين بالضرورة) أنه ليس هناك جهلٌ به) ، ولذلك سماهم الله تعالى بالمرتدين ، فقال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) ، لماذا ؟ لأنهم إن لم يكونوا مؤمنين بالجهاد فإنهم ليسوا فريقا آخر عن الكافرين ، بل هم مثلهم لأنهم والوا الكفار ، فكرهوا معا شرع الله ، واتبعوهم فيما أسخط الله ، وكرهوا رضوانه فأحبط الله أعمالهم ، تماما مثلما أحبط أعمال الكافرين ، ولذلك عرَّفهم الله لنا بسيماهم حتى يتسنى لنا الحذر منهم واتقاء شرهم وغدرهم فيعرفهم المسلمون من لحن قولهم .

وكما بدأت السورة بإعلان ضلال أعمال الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ، وإحباط سعيهم ومؤامراتهم ، فقد أكدت – للمرة الثانية - على ضلالهم وأن خططهم ومخططاتهم سوف يحبطها الله تعالى (الآية30) ، وأكدت – في المقابل- على ضرورة ثبات المؤمنين على الجهاد والإخلاص لله تعالى ، كما أكدت - للمرة الثالثة – علي ضلال الكافرين مبينة مصيرهم في الآخرة (الآية34) ثم ربطت على قلوب المؤمنين وقد أعيتهم مجاهدة الكافرين ، ناصحة لهم بعدم الضعف والاسترخاء والركون إلى الدنيا وترك الجهاد ، وعدم الالتفات إلى مصائب الدنيا التي خلفها الجهاد في سبيل الله ، وضرورة التجرد من الدنيا أثناء الجهاد ، وإنما عليهم الانشغال بالفداء وبذل كل غال ورخيص في سبيل الله تعالى ، واليقين بأن دين الله تعالى منتصر سواء بهم أو بغيرهم إن هم تولوا ولم ينصروه (35-38) .

في الأخير يمكن القول بأن السورة من أولها لآخرها عنيت بالمؤمنين باعتبارهم أنهم هم المعنيون بالقتال في سبيل الله ، وهم الذين آمنوا بالله سبحانه واتبعوا نبي الرحمة ، وعملوا بمنهجه فاتبعوا الحق دون جدال ، ونصروا دينه دون تلكؤ ، الذين ابتلاهم الله بالجهاد في سبيله (الآية 31) ، قد ثبتهم الله على الحق وزادهم هدى على هدى ونصرهم وبين أن عاقبتهم الجنة لا محالة ، الآيات من (4-7)، وشوقهم إليها بذكر ألوان الشراب وكل الثمار (الآية 15) .

وقد خاطب القرآن الكريم الطائفة المؤمنة التي التزمت شرع الله وأطاعت رسوله وقاتلت معه ، آمرا لهم بالاستمرار في طاعتهم لله ولرسوله دون تردد أو جدال وهددهم بإحباط أعمالهم لو ترددوا فيما أمرهم الله من وجوب قتال الكافرين أو الركون للظالمين ، ونهتهم عن محاولة عقد سلم أو صلح معهم خوفا من بطشهم أو استضعافا لموقف المسلمين (الآيات 31-35) ، فذلك لا يستقيم مع تأكيد المولى سبحانه لهذه الطائفة المؤمنة أنها الأعلى وبحق ، وأن الباطل هو الزاهق فالباطل ليس إلا خيالات (35) ، فالصلح لا يجوز اللجوء له خوفا من عدو أو استصعابا لطريق الجهاد في سبيل الله ، وإنما له مآلاته في ضوء السياسة الشرعية لولي الأمر بما يتفق مع مقاصد الدين.

من هنا كان لابد وأن يصير أهل الحق أهله حقا حتى تتحقق لهم العزة على الكافرين ، فأهل الحق هم الذين يضحون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله دون تردد ، أولئك الذين يستعملهم الله تعالى ولا يستبدل غيرهم بهم (الآية 38 خاتمة السورة) .

وعليه فإن محاور السورة ثلاثة :-
المحور الأول : عقد مقارنة بين "أهل الولاية" و "أهل الباطل"
المحور الثاني : "حال المنافقين مع المؤمنين"
المحور الثالث : " الدعوة ماضية بالجهاد إلى يوم القيامة رغم صد الكافرين وبخل بعض المسلمين أو المنافقين"


المحور الأول
مقارنة بين أهل الولاية وأهل الباطل

قال تعالى (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (15) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (14)

قوله (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (1) هذا الأسلوب خبري تقريري ، كشف عن ضلال أعمال الكافرين المتآمرين علي محاربة الله ورسوله ، المنشغلين بالصد عن سبيل الله ، محاولين إيقاف الدعوة ووأدها في كل مراحل نموها وتطورها ، إما تحريضا كما في قوله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت 26] .
وإما باستعمال القوة المادية كمنع إقامة شعائر الله كما في قوله (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الحج 25] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) (البقرة 114)
أو بجمع الأموال لحرب المسلمين ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) ، فأخبرت المؤمنين بأن أعمال الكافرين جميعا إلى هباء ، ومخططاتهم سوف تبوء بالفشل ، قال القرطبي (والله مبطل كيدهم وتدبيرهم ومكرهم) ، فالأموال التي ينفقونها للصد عن سبيل الله سوف تكون عليهم حسرة ، ثم يغلبون رغم ما يقدمونه من بذل وعطاء في سبيل الطاغوت "الشيطان" .

روي ابن كثير (أن قريشا لما أُصيبوا يوم بدر ، ورجع أبو سفيان ببعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا) ، لكن الله أضلهم فلم ينتفعوا بشيء من أعمالهم شيء ، بل حاق المكر السيء بأهله ، فلم ينالوا خيرا في معركة " أُحد" خرج إليهم النبي  من المدينة ، ولم يستطيعوا أن يدخلوها فرجعوا خائبين .

-كذلك- دلت الآية –بمفهومها - على إحباط أعمال الذين كفروا في الآخرة ، وإن قُصد بها وجه الخير ، ذلك أن عقيدة الكفر لا تزن شيئا عند الله ، ولن يُرجى منهم خيرٌ طالما أظهروا عدائهم لدين الله ، فهم يفعلون الخير بقصد التباهي أمام الناس ، كما قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة 19) ، فلا تشفع لهم هذه الأعمال شيئا في الآخرة كما في قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور 39)

أي أن قريش رغم أنها اشتهرت بالكرم وأنها تفعل من مكارم الأخلاق ما تميزت به عن سائر القبائل من سقاية الحجاج والمارين وعابري السبيل وتقديم الطعام لهم ، واهتمامها بعمارة المسجد الحرام –من باب التباهي-، فإن ذلك كله لا يقارن بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر والجهاد مع المؤمنين في سبيل الله تعالى ، يقول سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) .

قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (2) التفت الخطاب عن الكافرين مخبرا عن حال المؤمنين الذين قرنوا الإيمان القولي بالعمل الصالح ، وكُرِر لفظ "آمنوا" مرة أخرى ليخص الذين آمنوا بما نُزِّل على محمد ، أي آمنوا بالله واتبعوا سنة نبيه ، فكان الاتباع دليل الإيمان حقا ، فكما أن الله لا يقبل من الكافرين عمل صالح لفساد عقيدتهم ، فذلك لا يغني إيمان المسلمين دون تصديق بما أنزل عمل بما شرع وتسليم لأمره ، فالإيمان لابد وأن يصدقه العمل .

وتغدو أهمية ذكر الاتباع للنبي  أن سياق السورة يحض على الجهاد في سبيل الله ، ما يعني أن اتباعهم سبيل النبي  في الجهاد في سبيل الله هو حقيقة الإيمان ، كما في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) ، ولا شك أن الجهاد شاق على النفس ، وسبل الجدال في أسبابه كثيرة ، لكن المسلم لا يتملص عن أوامر الشرع تذرعا بعدم معرفته الحكمة من الأمر حال وضوح علته ، فعلة الجهاد رفع الظلم عن الناس لتكون كلمة الله هي العليا ، فلا يصد عن سبيله أحد ، ولذلك فإن أهل الحق يتبعون أوامر الشرع سواء عرفوا الحكمة منه أم جهلوها ، لعلمهم أنه الحق من ربهم ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ولذلك جاء التعقيب القرآني بجملة اعتراضية (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ، أي أنك إذا عرفت أنه الحق فماذا يضيرك ألا تعرف حكمته ؟ وقد آمنت بالله تعالى وعلمت أنه الحق من ربك ، فإذا علمت علة الجهاد في سبيل الله ، فإن وقت فرضه وكيفية ذلك يختص به الإمام وفقا لحكمة معينة ، فليس عليك غير الاتباع دون بحث مناسبة الجهاد في هذه الآونة أم لا , فذلك عمل الإمام وليس مكلف ببحث الحكمة كل جند مسلم من أهل الجهاد

ومن السياق يتضح المعنى أكثر وأكثر ، فالأمر بقتال الذين كفروا كثيرا ما تتلجلج النفس قبل الانصياع له ، كما في قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216) ، فالمؤمن عندما يعلم أن هذا هو الحق من ربه يذعن له ولا يتردد في قبوله ، بينما الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يلحنون في القول ويتذرعون بحجج واهية حتى لا ينفروا للقتال مع المؤمنين حالما يدعوهم الإمام للجهاد .

قوله (.. كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (2) (مدح الله هؤلاء الذين أذعنوا للحق ولحقوا بالنبي  لقتال الكافرين) بأن الله قد كفَّر عنهم سيئاتهم ، وذلك في مقابل إحباط أعمال الكافرين ، أي أن الله تعالى لم يقبل من الكافرين شيئا من أعمال الخير ، بينما غفر للمؤمنين وكفر عنهم سيئاتهم ، فشتان بين هذا وذاك .

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال النبي  (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال (وإن زنى وإن سرق) ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال (وإن زنى وإن سرق) ، قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال (وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر) ، وهو ما يدل على الفارق الشاسع بين الإيمان والكفر ، فبالرغم من أن الكافر قد يتظاهر بحسن الخلق وتقديم الخير للناس ، وبالرغم من أن المسلم قد يقع في المعصية وتزل قدمه فيها ، فإن الله تعالى لا يقبل عمل الكافرين ، ويقبل توبة المؤمنين ، من هنا ولأجل هذا الفضل لابد وأن يقاتل المسلمون للحفاظ على دينهم .

قوله (..وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (2) قال ابن عاشور "والبال" : كلمة دقيقة المعنى ، (تطلق على الحال المهم) ، كما ورد في الحديث (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع أو أجزم) ، ما يعني انشغال الفكر والخاطر بما هو أهم وأنفع ، ذلك أن البال هو الخاطر ، فهو موضع الفكر ، ومحل الفكر العقل وإحساس القلب ، فالذي يصلح الله باله يصلح تفكيره ومشاعره ، فلا ينشغل بالدنيا ويكون همه هما واحدا وهو الآخرة ، قال رسول الله  (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ ،كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ) ، قال ابن جزي (وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب ، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله ، فالمعنى إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى) ، وذلك كله كناية عن الرضى وعدم السخط .

فإصلاح البال نتيجة نفسية وحتمية مترتبة على النهوض للجهاد في سبيل الله ، لأن الذي يجاهد في سبيل الله يضحي بنفسه وماله لله ، فلا ينشغل باله بشيء من الدنيا ، وقد وترها من قلبه ، فالمجاهد في سبيل الله قد يبتليه الله بمصيبة الموت في أي وقت أو فيمن حوله من أحبائه وأقربائه وأصدقائه ، وقد يبتليه بفقد ماله وعياله ، ويبتليه بترك الرغد في العيش ، ورغم كل ذلك يصلح الله باله ، وكأن كل ما أصابه من ابتلاءات - التي هي من قدر الله -كأنما هي مجرد عطسة عطسها فحمد الله ، فجزاه الله إصلاح البال بتخليه عن الدنيا لأجل رضاه ، فعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) ، قال العلماء (الدعاء بإصلاح البال حكمة جامعة لصلاح شأنه كله، وهي من باب الجزاء على دعائه لأخيه بالرحمة) .

كذلك العكس صحيح ، فالانشغال بالدنيا يجلب الهموم ، وبه يسوء البال ، فالهموم إذا تكالبت سخط الإنسان ، وساء حاله ، قال ابن القيم (السخط باب الهم والغم والحزن وشتات القلب وكسف البال وسوء الحال والظن بالله خلاف ما هو أهله ، والرضى يخلصه من ذلك كله ، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة) ، فالذي يشغل نفسه بالجهاد لا يهتم بفوات الدنيا كلها وإن فاتت ، وهذا هو المقصود من إصلاح البال .

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) (3) تعليل للبون الشاسع بين الإيمان والكفر ، ولماذا يقبل الله حسنات المؤمنين ويرد أعمال الكافرين ، فتجيب الآية بأن العبرة في الاتباع ، فالكافرون يتبعون الباطل أينما ذهب ، فهم في النهاية إلى باطل سواء تلبست أعمالهم في الظاهر بلباس الخير وأعمال القربات أو ظهر وجههم القبيح بالصد عن سبيل الله ، بينما الذين آمنوا يتبعون الحق ، فنيتهم قصد الحق سواء غفلوا عنه أولا أو تلكئوا أو قصروا في اتباعه ، فالحق غايتهم ، وهم مصيبون حيثما ابتغوه ، من ذلك نفهم حقيقة البون الشاسع والاختلاف في العاقبة والجزاء والمصير بين الفريقين ،(فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)(الشورى 7).

قوله (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) لما ذكر الله الفريقين إما كافر أو مؤمن ، ذكر أنه ضربهما كمثلين للناس ليقيسوا عليه أنفسهم ، فريق في الجنة وفريق في السعير ،(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)(الروم 14) فليس ثمة فريق ثالث يقيسون عليه أنفسهم ، فإذا قال قائل هناك فريق ثالث من المنافقين مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما سماهم الله تعالى في سورة التوبة ،فإنه يُرد عليه بأن هؤلاء المنافقين قد وسمتهم سورة محمد وعلمتهم بسيماهم حتى نعرفهم من لحن قولهم ،ولم تفرقهم عن الكافرين باعتبارهم أولياءهم وأتباعهم ولو في بعض الأمر وليس كله ، فوصفتهم بالردة كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي أنهم سوف يطيعون الكافرين في أمر كف أيدي المؤمنين عنهم ، بتعطيلهم عن الجهاد ، وعدم الانضمام لصفوف المجاهدين في سبيل الله ، فوصموا بالردة لأجل ذلك .

قال ابن عاشور والمعنى: (كهذا التبيين يبين الله للناس أحوالهم ، فلا يبقوا في غفلة عن شؤون أنفسهم محجوبين عن تحقق كنههم بحجاب التعود ، لئلا يختلط الخبيث بالطيب، ولكي يكونوا على بصيرة في شؤونهم، وفي هذا إيماء إلى وجوب التوسم لتمييز المنافقين عن المسلمين حقا، فإن من مقاصد السورة التحذير من المنافقين) .

قوله (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)(4) هذه الآية صريحة في تحديد طريقة قتال الكفار المحاربين حال لقائهم في ساحات القتال ، كما في قوله (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) ، والمقصود بهم نوع مخصوص من الكافرين وهم الصادون عن سبيل الله ، فتشير إلى وجوب حمل أمر قتالهم محمل الجد ، وذلك بإمعان القتل فيهم ، كقوله (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي استحر القتل فيهم حتى تُيتم أولادهم وذراريهم ، قال الزجاج (خص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها ، ولم يقل فاقتلوهم لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة) .

فالآية بمثابة رسالة عسكرية من الله تعالى إلى جنده وعبيده ليفتكوا بأعداءه سبحانه ، فعن علي رضي الله عنه قال (كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله  فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه) ، والعلة من ذلك واضحة ، فالقتال الشديد يختصر الوقت والجهد ويمنع القتال الطويل الذي يؤدي إلى سفك كثير من الدماء ، فهو أشبه بكي الجراح ، فالكي أحيانا يكون رحمة وشفاء ، فكلما كان الكي قويا كلما كان إلتئام الجرح أسرع ، يقول النبي  (الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ) ، والنهي عن الكي من باب الكراهة ، لكنه جائز عند الضرورة ، وكذلك قتال الذين كفروا فمع أنه مكروه لما فيه من ضياع فرصتهم في التوبة إلا أن فيه خير كثير لضرورة كالكي يلجأ إليه عند الضرورة ، وذلك عندما لا تنفع شربة عسل ولا شرطة محجم ، فالجرح الملوث إذا لم يكتوِ يبتر ، والكي أفضل من البتر ، وكذلك الجهاد في سبيل الله تعالى فإنه رحمة بالعالمين ، باستئصال أئمة الكفر الذين لا أيمان لهم ، فتحصل التخلية بين أهل الدعوة والناس ليعرفوا دين الله دون حواجز تصدهم عنه .

وقد جاء الأمر بضرب الرقاب لهؤلاء الكافرين وعدم جواز أخذ أسرى منهم طالما لم تضع الحرب أوزارها ، قال الماوردي (والمقصود بأن تضع الحرب أوزارها إلقاء السلاح) ، قال الشيباني (وإنما يريد هنا حتى تضع الحرب ما يحملونه عليهم من السلاح ، ويمتنعون عن القتال) ، (فالمراد انقضاء الحرب بالكلية) وقال الجلال: " حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ": أي (أهلها)، قوله "أَوْزَارَهَا" أي: (أثقالها من السلاح وغيره، بأن يسلم الكفار أو يدخلوا في العهد، وهذه غاية للقتل والأسر) ، والمعنى أنه طالما أن الجرح لم يلتئم بالكي فلا حاجة لوضع الأدوية والمراهم ، فالجرح غائر ولابد وأن يغلق بعد تطهيره بالحياكة والكي ، قال تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فلا حاجة للمسلمين –كأصل عام - بالأسرى وما يزال الكافرون يقاتلون المسلمين ولا تزال لهم شوكة ، قال ابن كثير (عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ) ، إذ الأمر أمر قتال وليس أمر مفاوضات أو مكاسب سياسية أو مادية ، فطلب فداء الأسرى ولم تضع الحرب أوزارها من باب الوهن المنهي عنه ، في قوله (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد 35) ، بل قد يكون تكئة لأعداء الله لاستمرار عدوانهم ، قال سعيد بن جبير (لا يفادى أسيرهم ، ولا يمن عليهم حتى يثخن فيهم القتل) ، فالإثخان كناية عن وصول عدوهم لحالة من الضعف لا يكون لهم بعدها قوة للرد ولا شوكة لإيذاء المسلمين .

والواقع شاهد علي أن الكافرين - بوجه عام- لن يضعوا أسلحتهم –بالكلية- في كل بقاع المسلمين إلا بعد أن تقتل هذه الأمة الدجال ، لقوله  (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال) ، فإن وضعوها في جهة فذلك بصفة مؤقتة ، وتجدهم في ذات الوقت يقاتلون في جبهة أخرى ، ولذلك أول ابن كثير قوله (حتى تضع الحرب أوزارها) فقال (حتى ينزل عيسى بن مريم) ، أي أنها سوف تضطر للجهاد وقتال الذين كفروا ولن تقف الحرب حتى حصول هذه الأحداث ، وإن جاز أن تقف الحرب عند بعض الكفار ، لكن في المجموع ستظل إلى هذه الأيام .

وهذه الصورة لقتال الكافرين وإن كانت فيها شيء من الفظاظة في الظاهر إلا أن الغرض منها هو ردع من لم يستسلم منهم بعد عن قتال المسلمين ، وهذا بالطبع يستثنى منه من أعلن إسلامه قبل قتله ، فيؤخذ أسيرا حتى يتبين صدقه وحسن إسلامه ويؤمن غدره ، وقد فعل ذلك النبي  مع عمه العباس بن عبد المطلب ، حيث أسره وطالبه بفداء نفسه ودفع الفداء ، ومشروعية هذا الاستثناء أن النبي  وبخ أسامة لما قتل محاربا أسلم قبل قتله فلم يصرفه ذلك عن أن قتله ، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول بعثنا رسول الله  إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي  فقال (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله) ، قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) .

وأخذ الأسير –بدون إثخان- يدل على نية العزوف عن الاستمرار في القتال والركون إلى الدنيا وحياة الدعة ، والرغبة في وضع السلاح والإلتجاء إلى السلم ، ولكن هذا الوقت ليس وقت سلم ووضع السلاح الآن ، متى ظل للكفار الصادين عن سبيل الله تعالى شوكة يؤذون بها المسلمين ، فإذا استطاع المسلمون أن يخضدوا هذا الشوك بإثخان التقتيل فيهم ، حتى يضحى جيشهم ضعيفا لا يقدر على النهوض من جديد ، ورد الصفعة بصفعتين ، ولذلك أمارات مثل استسلامهم وتسليم سلاحهم وانسحابهم من ساحات القتال والنزول على شروط المسلمين ، فهنا – وعندئذ وحسب - يجوز أخذ الأسرى منهم ، لماذا ؟ لأن الحرب قد وضعت أوزارها بعد إثخان المسلمين التقتيل فيهم ، حيث تؤمن مهاجمتهم لنا وقد أثخنتهم الحرب ، أي أرهقتهم ماديا ومنوا بخسائر بشرية كثيرة ، فلا يُسمح بأسر جنودهم إلا بعد أن يضعوا أوزارهم ويسلموا أسلحتهم ، وهو ما دل عليه لفظ "حتى" الذي يفيد الغاية في قوله (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)

فإذا سلموا أسلحتهم يكمن عندئذ الحديث على حقوق الأسرى كما في قوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ، والحديث عن اتفاقيات تسليم الأسرى وغير ذلك من أمور تتعلق بتسوية آثار الحرب .

وقد يثور التساؤل عن جواز أخذ الأسرى من العدو دون أن ينتهي القتال بينهما في ظروف الهدنة ووقف القتال مؤقتا أو في أحوال استجلاب مصلحة أكبر من قتل الأسير منهم ، وذلك إذا أمسكوا بأسرانا وأراد الإمام مفاداتهم بمن معنا من أسراهم ، هنا ينظر في المسألة باعتبارها من المسائل المستحسنة التي يكون باب الاجتهاد فيها واسعا ، فكما قال أهل العلم (كان الله قد حرم الأسر بقوله (مَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ) فأباح بهذه الآية (فشدوا الوثاق) أسرهم إذا أثخناهم بالجراح وغيره , وبين أن أمرهم إلى الإمام , فإن شاء منَّ عليهم بإطلاق من غير فداء, وإن شاء فادى, وإن شاء قتل, على ما يراه الأصلح للإسلام والمسلمين) .

وعن عائشة قالت: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم – الذين أسروا في بدر - بعثت زينب – بنت رسول الله  - في فداء أبي العاص– زوجها - بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها -كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص - ، قالت : فلما رآها رسول الله  رق لها رقة شديدة وقال " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها " فقالوا نعم " ، فرغم أن المشركين بعد غزوة بدر كانت لا تزال لهم شوكة إلا أن رسول الله  أقرهم على فدو الأسرى متى كان للمسلمين في ذلك مصلحة ، كفداء أسرانا مقابل فداء أسراهم ، وقد بوب ابن قدامة المقدسي بابا بعنوان (يجب فداء الأسرى المسلمين إذا أمكن) ، ونقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومالك واسحاق ، وذكر حديثا فعن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال غزونا مع أبي بكر هوازن على عهد رسول الله  فنفلني جارية من بني فرارة من أجمل العرب عليها قشع لها ، فما كشفت لها عن ثوب حتى أتيت المدينة ، فلقيني النبي في السوق فقال : (لله أبوك هبها لي ) فوهبتها له ، فبعث بها ، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين كانوا بمكة) .

قوله (..فَشُدُّوا الْوَثَاقَ..)(4) أي فإذا ما جاز أخذ الأسرى من أعداء الله تعالى ، فالله يأمرنا بأن نشد عليهم وثاقهم ، وذلك لضمان عدم هروبهم ، وذلك بقدر الحاجة لذلك ، كما يتضمن معنى آخر وهو أنه يجب عدم معاملتهم بشيء من الترفيه ، بل يجب التشديد عليهم لأجل أن يضطر أهلهم مفاداتهم ، وإلا فإن رؤيتهم لأسراهم عندنا وهم منعمين يؤدي إلى عدم اكتراثهم بقاءهم عندنا أطول مدة ، وليس ذلك هو مقصود الشارع من المن أو الفداء حتى تضع الحرب أوزارها ، أما بالنسبة لشد الوثاق فهو بقدر الحاجة إليه ، فعن مقسم قال لما أسر العباس في الأسارى يوم بدر سمع رسول الله  أنينه وهو في الوثاق جعل النبي  لا ينام تلك الليلة ولا يأخذه نوم ففطن له رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إنك لتؤرق منذ الليلة فقال العباس أوجعه الوثاق فذلك أرقني قال أفلا أذهب فأرخي عنه شيئا قال إن شئت فعلت ذلك من قبل نفسك فانطلق الأنصاري فأرخى عن وثاقه فسكن وهدأ فنام رسول الله ) .

وقد كان تأثر النبي  لأنين العباس نابع من إعانة العباس له وهو في مكة وقبل أن يعلن إسلامه ، قال ابن الأثير (حيث شهد مع رسول الله  بيعة العقبة، لما بايعها الأنصار، ليشدد له العقد، وكان حينئذ مشركاً وكان ممن خرج مع المشركين إلى بدر مكرهاً، وأسر يومئذ فيمن أسر، وكان قد شدّ وثاقه، فسهر النبي تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال: " أسهر لأنين العباس " ، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه فقال له رسول الله  "ما لي لا أسمع أنين العباس " ؟ فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه فقال رسول الله  "فافعل ذلك بالأسرى كلهم" .

وهو أيضا ما يدل على عدم جواز استئمانهم ، حتى لو أظهروا موالاتهم لنا فلا يؤمن غدرهم ، ومن ثم يؤجل القول في أمرهم حتى يتم القضاء في أمرهم إما بالمنِّ وإطلاق سراحهم مجانا أو بالفداء بأن يشترط عليهم المسلمون أن يفدوا أنفسهم بالمال أو مبادلة أسرى منا بأسرى منهم ، ولذلك لم يقبل النبي  من العباس إلا أن يفدي نفسه رغم أنه ادعى دخوله في الإسلام قبل أسره ، فعن بن عباس قال : كان الذي أسر العباس بن عبد المطلب أبا اليسر بن عمرو وهو كعب بن عمرو أحد بني سلمة فقال له رسول الله  كيف أسرته يا أبا اليسر قال لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل هيئته كذا هيئته كذا قال فقال رسول الله  لقد أعانك عليه ملك كريم ، وقال للعباس يا عباس افد نفسك وبن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث وحليفك عتبة بن جحدم أحد بني الحرث بن فهر قال فأبى وقال إني قد كنت مسلما قبل ذلك وإنما استكرهوني قال الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقا فالله يجزيك بذلك ، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك ، وكان رسول الله قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب ، فقال يا رسول الله احسبها لي من فداي ، قال لا ذاك شيء أعطاناه الله منك ، قال فإنه ليس لي مال ، قال فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل وليس معكما أحد غيركما ، فقلت إن أصبت في سفري هذا ، فللفضل كذا ولقتم كذا ولعبد الله كذا قال (فوالذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها وأني لأعلم أنك رسول الله) ، وقد حاول بعض الأنصار أن يثنوا رسول الله  عن موقفه تجاه فداء العباس لكنه رفض رفضا قاطعا ، فعن أنس بن مالك : أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله  فقالوا ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه قال (والله لا تذرون منه درهما) .

ولا يجوز قتل الأسرى المسلمين – الذين انخرطوا في صفوف المشركين - في الفرض أنه ليس لهم شوكة ، واستبان إسلامهم ، لاسيما إذا وضعت الحرب أثقالها أي (انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال ) ،فعن سالم عن أبيه قال (بعث النبي  خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي  فذكرناه فرفع النبي  يديه فقال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ، مرتين .

قوله (..فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)(4) من هنا يستبين ضرورة فهم الآيات التي تحض على قتل الكافرين أينما وُجدوا فهما صحيحا في ضوء الأمر بشد وثاق الأسير الذي مفاده إمكان عدم قتلهم ، والاكتفاء بأسرهم ، فقوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) ، وقوله سبحانه (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، وقوله سبحانه (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) كل ذلك ينصرف فيه الخطاب إلى حال كون القتال دائر بين المسلمين والكفار ولم تضع الحرب أوزارها بعد ، أما بعد إثخان القتل فيهم وبعد أن تضع الحرب أوزارها ، هنا يُشد الوثاق على الأسرى ليكون حكمهم دائر بين أحد أمرين لا ثالث لهما (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) ، فبجواز أخذ الأسرى منهم في الفرض المتقدم يكون وفقا لشروطه المحددة مع مراعاة الدقة في تطبيق كل حالة على حدة ، فيكون المنُّ أو الفداء بحسب حال الأسير وما إذا كان يرجى منه خير أو لا ، ومرجعه إلى تقدير الإمام ، شريطة أن يأمن عدم حصول ضرر للمسلمين منهم .
فعن أبي هريرة قال : بعث النبي  خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له "ثمامة بن أثال" فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي  فقال (ما عندك يا ثمامة) ، فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت ، فترك حتى كان الغد فقال (ما عندك يا ثمامة) ، فقال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد ، فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك فقال (أطلقوا ثمامة) ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب دين إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله  وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل صبوت قال لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله  ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي  .

كذلك ثبت أن النبي  منَّ على الأسرى عند اتفاق الحديبية وأطلق سراحهم لغرض إمضاء اتفاق الصلح وتلك الهدنة مع أهل مكة ، فعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ  وَأَصْحَابِهِ فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)

ومن الأسرى من أمر النبي  بقتله بعدما ثبت ضرره للمسلمين ، فقد مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ  عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَلَّا يَعُودَ لِقِتَالِهِ فَعَادَ لِقِتَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَأُسِرَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَتْلِهِ ، فَقَالَ اُمْنُنْ عَلَيَّ فَقَالَ (لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ) .
قَالَ الشَّافِعِىُّ (وَكَانَ مِنَ الْمَمْنُونِ عَلَيْهِمْ بِلاَ فِدْيَةٍ أَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِىُّ تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ  لِبَنَاتِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ لاَ يُقَاتِلَهُ فَأَخْفَرَهُ وَقَاتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ  أَنْ لاَ يَفْلِتَ فَمَا أُسِرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ امْنُنْ عَلَىَّ وَدَعْنِى لِبَنَاتِى وَأُعْطِيكَ عَهْدًا أَنْ لاَ أَعُودَ لِقِتَالِكَ. فَقَالَ النَّبِىُّ  « لاَ تَمْسَحُ عَلَى عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنَ » ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ) .
وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب قال : أمن رسول الله  من الأسارى يوم بدر أبا عزة عبد الله بن عمرو بن عبد الجمحي وكان شاعرا وكان قال للنبي  يا محمد إن لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن ففعل وقال أبو عزة أعطيك موثقا أن لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدا فأرسله رسول الله  فلما خرجت قريش إلى أحد جاءه صفوان بن أمية فقال اخرج معنا فقال إني قد أعطيت محمدا موثقا أن لا أقاتله فضمن صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قتل وإن عاش أعطاه مالا كثيرا فلم يزل به حتى خرج مع قريش يوم أحد فأسر ولم يؤسر غيره من قريش فقال يا محمد إنما أخرجت كرها ولي بنات فامنن علي ، فقال رسول الله  أين ما أعطيتني من العهد والميثاق لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين قال سعيد بن المسيب فقال النبي  إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين يا عاصم بن ثابت قدمه فاضرب عنقه فقدمه فضرب عنقه)

وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ ، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ  (فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)

قال الماوردي (فَإِذَا ثَبَتَ خِيَارُهُ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ بَيْنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ تَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ وَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِيهِمْ :-
الأول : القتل ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ قُوَّةَ بَأْسٍ وَشِدَّةَ نِكَايَةٍ وَيَئِسَ مِنْ إسْلَامِهِ وَعَلِمَ مَا فِي قَتْلِهِ مِنْ وَهَنِ قَوْمِهِ قَتَلَهُ صَبْرًا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ
الثاني : الاسترقاق، وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَكَانَ مَأْمُونَ الْخِيَانَةِ وَالْخَبَاثَةِ اسْتَرَقَّهُ لِيَكُونَ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ
الثالث : المن بإطلاق سراحه ، وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ مَرْجُوَّ الْإِسْلَامِ أَوْ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَرَجَا بِالْمَنِّ عَلَيْهِ إمَّا إسْلَامَهُ أَوْ تَأْلِيفَ قَوْمِهِ مَنَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ
الرابع : الفداء بالمال أو بتبادل الأسرى ، قال : وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ ذَا مَالٍ وَجَدَّةٍ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ خُلَّةٌ وَحَاجَةٌ فَأَدَّاهُ عَلَى مَالٍ وَجَعَلَهُ عُدَّةً لِلْإِسْلَامِ وَقُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ) .

قوله (..حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)(4) قال أبو السعود "أوزارُ" الحربِ (آلاتُها وأثقالُها التي لا تقومُ إلا بَها من السلاحِ والكُراعِ ، وأُسندَ وضعُها إليها وهو لأهلِها إسناداً مجازياً)
قال الأعشى : وأعددت للحرب أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا

والمَعْنى (أنَّهم لا يزالونَ على ذلكَ أبداً إلى أنْ لا يكونَ مع المشركينَ حربٌ بأن لا تبقى لهم شوكةٌ ، وقيلَ بأنْ ينزلَ عيسى عليه السلامُ) ، أي أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة.
قال الرازي (المقصود من قوله (حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا) الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزباً من أحزاب الإسلام)
قال ابن عجيبة يعني : (حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم ، بأن يُسلموا جميعاً ، والمختار : أن المعنى : أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان ، ويؤمن أهل الكتاب ، طوعاً أو كرهاً ، ويكون الدين كله للّه ، فلا يحتاج إلى قتال) .
قال ابن عاشور (والغاية المستفادة من "حتى" في قوله (تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) للتعليل لا للتقييد، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها، أي ليكف المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال.. والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهن العدو فيتركوا حربكم..، والتقدير: فضرب الرقاب، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها، فيكون واردا مورد التعليم والموعظة) .

فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الْحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ اللهِ  فَتْحًا فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، سُيِّبَتِ الْخَيْلُ وَعُطِّلَتِ السِّلاحُ ، وَقَالُوا : قَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَلاَ قِتَالَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ  كَذَبُوا ، الآنَ جَاءَ الْقِتَالُ لا تَزَالُ أُمَّتِي ظَاهِرَةً عَلَى النَّاسِ ، يُزِيغُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلُوبَ أَقْوَامٍ يَجْعَلُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا وَبَلاغًا حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "عُقْرَ دَارِ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ" وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ)

قوله (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)(5) قال ابن كثير (شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم) ، فالجهاد يدل على صدق توجه القلب لله ، وأنه دخل دين الإسلام وليس بحاجة لاكتساب مصلحة مادية أو معنوية ، وإنما جاء التزام المؤمن بهذا الدين حتى ولو ظن أن فيه هلكته في نفسه وماله وكل من أحبه ، ولذلك قال ابن كثير (ذكر الله حكمته في شرعية الجهاد في سورتي "آل عمران" و"براءة" في قوله (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران : 142] .

فلو شاء الله لأهلك أعداءه جميعا بغير حاجة لأن يقاتلهم المؤمنون كما فعل مع قوم نوح عليه السلام ، بحيث لا يبقى على الأرض إلا مسلم ، ولكنه لم يفعل ذلك ، وإنما أراد الله أن يبلو المؤمنين بالكافرين، فيجعلهما يتصارعان ، ويكون كل منهما فتنة لبعض ، قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) ، ذلك أن الإسلام ليس مجرد دينا يكتسب منه فضائل الأخلاق ويحسن بشعائره العبادات ، بل هو دين يحض -كذلك – على العمل التبرعي المحض ، فهو يحض على البذل والتضحية والعطاء بأغلى ما يملكه الإنسان وهي نفسه ودمه وجسده وروحه وكل ما يملك ، وعبادة الجهاد هي التي تدل على ذلك ، يقول النبي  (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) .

قوله (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (4) بين سبحانه عاقبة المؤمنين الذين استشهدوا في القتال بنفي ما ذكره في شأن الكافرين الذين أضل أعمالهم لإظهار المقارنة بين الحالين ، فيظهر علو المؤمن على الكافر حتى وهو مقتول في سبيل الله ، يَقُولُ النبي  (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) .
وقد توهم أهل الكفر أن قتلى المسلمين خسروا الحياة في الدنيا ، قال ابن إسحاق (إن أبا سفيان حين أراد الانصراف – يوم أحد - أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته : إن الحرب سجال يوم بيوم بدر : اعل هبل ، فقال رسول الله  قم يا عمر فأجبه فقل) :الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) ، فالقرآن صحح مفهوم القتل في سبيل الله ، بأنهم عملوا أعمالا حصلوا بها على رضاه ، وكفى ، يقول النبي  (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين : قطرة من دموع في خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله ، وأما الأثران فأثر في سبيل الله ، وأثر في فريضة من فرائض الله) ، أي أنه لا سواء بين قتلى المسلمين وقتلى الكافرين ، فقتلاهم في ضلال ، أما شهداء المسلمين فقد هداهم الله إلى الجنة ، فكل قطرة دم تهراق من الشهيد لن تضيع سدى ، فإذا كان ثمن تلك القطرات التي أهرقت في سبيل الله ، وتلك الآثار التي خطت في سبيل الله ، هو تحصيل رضى الله تعالى ، فلن تضل أعمال الشهيد بموته ، فلا يقارن شيء في مقابلة رضا الله.

ولو تأملت في حال المجاهدين وهم يودعون أبناءهم حسبة لله ، لعلمت قدر ابتلاء الله لهم ، وكيف أنه سبحانه وفى أجورهم ولن يضل أعمالهم ، قَالَ رسول الله  (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) .

قوله (..سَيَهْدِيهِمْ ..) أي يهديهم إلى ما يحبه ويرضاه ، فيقصد العبد سبيل الشهادة الذي يحبه مولاه ، أوليست الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ؟ فالمؤمن الذي يقدم روحه في سبيل الله تعالى قد أصلح الله باله ، بأن كفاه هم دنياه لينطلق ويمرح في متاع آخرته ، إن الشغل الشاغل للمؤمن هو طريق الجهاد في سبيل الله ، ولذلك فهو مرتاح البال ، لأنه يعرف وجهته جيدا ، وتلك الوجهة هي التي ترضي ربه ، فرضي الله عنه واختار له الشهادة في سبيله كي يموت وهو مرتاح البال، يَقُولُ النبي  يَوْمَ الْأَحْزَابِ : (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا نَحْنُ وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا) .

قوله (..وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) أتبع الله تعالى فضله على المؤمنين المجاهدين بحسنة أخرى ألا وهي إراحة البال ، ذلك أن الذي يتبع الحق ولا يتذرع بحجج واهية قد أراح الله باله مؤنة التفكير والانشغال بالأسباب ، ذلك أنه يعلم ويوقن أن الخير كل الخير في اتباع أمر الله ، والشر كل الشر في الابتعاد عن منهج الله ، يقول النبي  (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) .


قول (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) يرى الشهيد مقعده من الجنة عند أول دفعة من دمه ، فيهون عليه في سبيلها الموت ، قال رسول الله  (للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور - العين - ويشفع في سبعين من أقاربه) ، فهو يعيش هذا الفضل منذ لحظة موته ، فيتجاوز سؤال القبر إلى نعيم رؤية مكانه في الجنة ، ولذلك لما سئل النبي  (مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ قَالَ كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً) .

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (7) المنادّي هو الله سبحانه والمنادَى هم المؤمنين ، والمراد من النداء استعمالهم لنصرة دينه ، فإن لم يستعملهم فإنه يستبدلهم ، وقد تضمن النداء تأكيد على قاعدة وسنة ربانية تتمثل في أن النصر لن يأتى لهم إلا بعد أن يقدموا لله ما ينصرون به شرعه ودينه ، يقول سبحانه (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، يقول الشيخ الألباني قائل هذه العبارة ( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم) ، هي كلمة حق تضمنت حكمة بالغة ، وهي خلاصة ما يلقيه من محاضرات .

ولا يتحقق النصر بمجرد التمسك بهذا الدين قولا دون فعل يصدقه أو بفعل بعض وترك بعض ، بل يجب على الأمة تحقيق فروض الكفاية التي عليها حتى لا يعاتبوا كما عوتب أهل الكتاب في قوله (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ) ، فلا يغني الإيمان بآيات الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وترك آيات الجهاد والقتال في سبيل الله ، بل الواجب الإيمان بكتاب الله تعالى جملة وتفصيلا ، يقول سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) ، فالتأكيد على أنهم هم الكافرون حقا معلل بأنهم فرقوا بين بعض آيات القرآن فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها .

أما المؤمنون حقا فهم الذين لم يفرقوا بين آيات الحض على الصلاة وآيات الحض على القتال ، فكلاهما من أمر الله ، قال تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ، فإذا آمن المؤمنون حقا ونصروا دين الله تعالى بكلمة الحق تارة وبالجهاد في سبيله تارة والموت في مواجهة العدو تارة أخرى ، فإن الله تعالى يكافئهم من جنس ما قدموا ، (يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ، فينصرهم علي عدوهم ،وعلى شهواتهم وأهوائهم قبل ذلك ، ويثبت أقدامهم في المضي في الجهاد حتى يهديهم جنته .

ففي قوله (..وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (7) يقول الطبري أي : (ويقوّكم عليهم، ويجرّئكم حتى لا تولوا عنهم، وإن كثر عددهم وقلّ عددكم) ، فمن أكبر الكبائر التولي يوم الزحف ، وقد عدها النبي  من السبع الموبقات ، كما أن طريق الجهاد شاق ، فالجهاد ليس معركة واحدة وحسب ، بل معارك وجولات وصولات ، وليس النصر حليفا للمسلمين في كل معركة ، فقد انتصر النبي  في بدر وهُزم في أحد ، إذن لابد للمجاهدين أن يعلموا أن حياتهم كلها لله ،فلا يكتفي المجاهد بمشاركة إخوانه في معركة ثم يتخلف عن أخرى ،فهو في جهاد حتى الاستشهاد.

والتثبيت من عند الله ، كما كان النبي  يدعو فيقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، قال المناوي (في هذا إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ودفع توهم أنهم يستثنون من ذلك) ، فقالت له أم سلمة لما رأته يكثر الدعاء بهذا الدعاء ، فقال  لها (يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ ، فَتَلَا مُعَاذٌ (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَقَالَ (إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا) .
وعن النبي  قال (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) .
فهذا هو تثبيت القلب بأن يهوى القلب لما يحبه الله ورسوله ، يليه توفيق الجوارح لعمل القلب ، ومنها تثبيت الأقدام في ميدان الجهاد ، فيثبت الله عباده المخلصين ولا يثبت المرائين وأهل السمعة ، فباب الجهاد زلت فيه كثير من الأقدام .

وتأمل قوله (.. فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) (النحل )، وذلك في معرض قوله تعالى (وأوفوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ..)(النحل ) ، فقد نهى الله عز وجل المؤمنين أن ينقضوا بيعتهم وميثاقهم لنصرة هذا الدين ، وإلا فسوف تزل أقدامهم عن طريق الإسلام بعدما انزلقت عن طريق الجهاد ، فيخرجوا من هذا الدين بنقضهم العهد مع الله ، فإذا عقد المؤمنون أيمانهم على نصرة دين الله ، فعليهم الوفاء بعهدهم عملا بالجهاد في سبيله ، والله ناصرهم ومثبت أقدامهم على المضي قدما في سبيله والتضحية بأنفسهم وأموالهم لله ، فيثبتهم ، فلا يتخلفون عن جهاد ، ولا يولون أدبارهم في قتال .

كما أن النصر في جولة على الصادين عن سبيل الله ليس نهاية الصراع بين أهل الكفر وأهل الإيمان ، بل لابد أن يستتبع النصر عدم الزهو به ، فقد دخل النبي  مكة منتصرا وهو مطئطئ الرأس تواضعا ، يصف ابن اسحق دخول النبي مكة منتصرا فيقول أنه (ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه-لحيته - ليكاد يمس واسطة الرحل) ، يقول الأستاذ سيد قطب (كثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء ، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء ، وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر ،ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن) .

قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (8) بينت الآية الحالة النفسية التي يعيشها الكافرون ، ولخصتها في كلمة واحدة (فتعسا لهم) بمعنى لم يرض بما أعطي ، لأنهم يسعون وراء المال والسلطان ، وقد قال رسول الله  (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) ، فالكافر يعيش في تعاسة وشقاء لكفره بنعم الله وآياته ، وينعكس ذلك على حالته النفسية في قتاله للمؤمنين ، فيزداد خوفا ورهبا ، يقول سبحانه (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) .

فالمعركة بين أهل الإيمان وأهل الكفر لابد وأن تحسم لأهل الإيمان متى صدقوا الله في القول والعمل ، ولابد وأن تحسم لصالحهم كما آشارت بذلك دلالة الآية ، ولن تميل الكفة للطرف الأقوى عدة ولا الأكثر عددا ، لأنه كذلك متى أخذ المسلمون بأسباب القوة والنصر ، ولو يقصروا في التماس أسباب التمكين ، ولم يركنوا لها ، بل وثقوا في الله وتوكلوا عليه .

يعزى ذلك إلى أن الكفار يقاتلون لأجل الدنيا ، فطبيعي تراهم يجزعون عندما يصيبهم ضر وأذى من القتال ، بينما المؤمنون يرجون من الله الأجر والمثوبة ، فيتحملون الألم ولا يتحمله الكافرون ، كما قال تعالى (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فإن طال القتال وكثرت الدماء فإن صبر الكفار ينفذ إذ لا تحتاج الدنيا إلى كل هذه التضحية ، بينما الآخرة تحتاج لمزيد ومزيد من البذل والعطاء والتضحية .

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (9) علل الله سبب شقاء الكافرين ، بحالة الاشمئزاز عند سماعهم لكلام الله سبحانه ، فهم في شقاق مع كتاب الله ، وعداء لأحكامه ، فالكافر يكره تعاليم الإسلام وشرعه ، قال تعالى (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر45)
والسؤال لماذا يكره الكفار دين الله تعالى وما أنزله الله من وحي في كتابه الكريم وما أنطقه على لسان رسوله  في السنة المطهرة ؟ فعند البحث والتقصي يتبين لنا أنهم يكرهون الإسلام لأنه يأمر بالعدل والخير والمساواة ، ولو طبقت هذه المبادئ عليهم لنقصت في ظنهم حظوظهم من الدنيا ، فهم يريدون أن يحتكروا لأنفسهم السلطة والقوة والنفوذ والمال ، ويستشعرون أن الإسلام يهددهم بخسارة نفوذهم وقوتهم وسطوتهم وكنوزهم إذا ما قبلوه دينا لهم ، ويستنكفون الوقوف مع بلال الحبشي وصهيب الرومي وضعفاء المسلمين في صف واحد للصلاة لله رب العالمين ، وهؤلاء – وبكل صراحة – محقون بأن الإسلام يصطدم مع مصالحهم النفعية المحضة ، لأنهم يسعون في الأرض فسادا بسلب الممتلكات ، ونقل الثروات والمواد الخام واحتلال الأراضي وابتزاز الشعوب بفروق أسعار العملة ....الخ ، فضلا عن تجارتهم بالمخدرات والخمور والبشر التي أساس اقتصادهم السري ، فلابد وأن نفهم أن هؤلاء يتسترون بستار الدين في لإخفاء وجوههم القبيحة ، وابتزازهم الناس لأجل مصالحهم غير المستحقة.

والإسلام لا يقرهم في ذلك بل يعلن حربه عليهم لإزالة المنكر الذي فعلوه وفسادهم الذي يدعون إليه ، لأن جريمتهم ليست ضد المسلمين وحسب ، بل ضد البشرية جمعاء ، ضد حقوق الإنسان ، بل ضد قوانين الطبيعة وسلامة البيئة ، يقول سبحانه (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، فلأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله تعارضت مصالحهم المادية مع مصالح المسلمين ، بل والسلام العالمي ، من هنا نشأ كرههم لهذا الدين ، فما كان من المسلمين إلا أن يضطروا إلى مجاهدتهم وقتالهم لإزالة الصادين منهم عن سبيل الدعوة الإسلامية حتى يتحرر البشر – لاسيما المستضعفون- من طغيان فئة المفسدين والضالين الذين أفسدوا الحياة بالربا والاستغلال والزنا ونهب مقدرات الشعوب....الخ ، كما في قوله (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم 41) .

قوله (...فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) تفسير لقوله (فتعسا لهم) أي أنهم يشعرون بالتعاسة الدائمة لأن أعمالهم دائمة خاسرة ، لا نفع فيها ، ولا فائدة منها ، فهذا هو حكم الله عليهم ، أي بالتعاسة والشقاء ، وإحباط كيدهم ومخططاتهم ، يقول سبحانه (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ، وَأَكِيدُ كَيْدًا ، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) ، وهذا نوع من الصغار ، فكل محاولة يحاول من خلالها أعداء الله استعادة أوضاعهم السابقة على جهادهم للإخلال بميزان الكون يحبطها الله ، قال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس81).

فضلا عن هذا النوع من الإحباط لأعمالهم ، فإن الله سبحانه لا يقبل منهم ما يفعلونه من الخيرات ، قال سبحانه (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، كما صور المولى سبحانه أعمالهم كسراب فقال عز وجل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، فمهما عمل الكافر من أعمال الخير ، فإنه لن ينال الأجر ولا مثوبة ، بل يجعلها الله يوم القيامة هباءا منثورا ، فلا ينتفع منها بشيء تماما مثل الظمآن الذي يظن السراب ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، يقول النبي  (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ) ، فلا ينتفع بشيء من حسناته في الآخرة .
قوله (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (10) يؤكد التاريخ حقيقة مطردة ، وهي أن سنة الله في الذين كفروا وسنته في الذين آمنوا لا تتغير ولا تتبدل ، فالقرآن يدعو هؤلاء الكافرين أن يقرأوا التاريخ قراءة جيدة ومتدبرة ليتعلموا منه كيف كان مصير الذين من قبلهم من الأمم التي كرهت ما أنزل الله من آيات ، فطغت علي شرعه ، وتغطرست على عباده ، فدمرها الله تعالى تدميرا ، ولم تذكر الآية هؤلاء السابق لتضرب به المثال مثل قوم نوح أو عاد وثمود ، لتكون العبرة من التاريخ المعاصر لمن يقرأ القرآن مثلما كانت العبرة من التاريخ الماضي حين نزل القرآن ، فعقبت على ذلك بأن (لِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) ، أي أن مصير كفار اليوم مثل مصير كفار الماضي كلاهما حق عليهم التدمير والهلاك ،كما في قوله (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ..)(الرعد 6).

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) (11) جعل سبحانه ولايته لمجرد الإيمان ، ونفاها لمجرد الكفر ، معللا هلاك الطغاة والمتغطرسين من الأمم السابقة بأن ذلك يرجع إلى رجاء المؤمنين في الله ، بينما الكافرون ليس لهم رجاء عند الله ، ولذلك قال العلماء أن هذه الآية هي (أرجى آية في القرآن) ، وكذلك تكون الولاية ، فالله ولي المؤمنين ، قال إسماعيل حقي (ليس للكافرين من يدبر أمرهم ، وأما المؤمنون فالله تعالى وليهم ومدبر أمرهم) ، قال تعالى (وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (يونس 31) ، فعن أنس بن مالك: قال رسول الله  لفاطمة : ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)

وولاية الله سبحانه للمؤمنين لا تنفك عنهم حتى في أضيق الظروف وأحلك الأحوال ، ففي غزوة أحد قال أبو سفيان أفي القوم محمد ثلاث مرات ، فنهاهم النبي  أن يجيبوه ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا ، فما ملك عمر نفسه فقال كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت أحياء كلهم ، وقد بقي لك ما يسؤوك ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز اعل هبل اعل هبل ، فقال النبي  (ألا تجيبونه) ، قالوا يا رسول الله ما نقول ؟ قال (قولوا الله أعلى وأجل) ، فقال أبو سفيان : إن لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال النبي  (ألا تجيبونه) ، قال قالوا يا رسول الله ما نقول ؟ قال (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم) .

ولو حللنا نتائج غزوة أحد عسكريا لعلمنا أن المشركين لم ينالوا شيئا من النبي  ، فلم يكسبوا أرضا ، ولم يثنوه عن أمر الدعوة ، بل ازداد نفوذ النبي  بعد (أحد) حتى فتح مكة ، وتعلم الصحابة الدرس ، وما أصاب المسلمون في غزوة (أحد) لم يعدُ أن يكون أذى في سبيل الله ، ومضى ، لكن المحصلة الحقيقية هي أن شهداء المسلمين في الجنة وقتلى الكافرين في النار ، ولذلك جاءت الآية التالية لتؤكد أن مصير أهل الولاية الجنة .
قوله (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (12) التعبير بلفظ المسند إليه (الله) ، ولفظ الفعل (يدخل) المسند ، والتأكيد عليه بـ (إن) واختصاص المفعول به الأول (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ، والثاني (جنات) ، أجمل تعبير في وصف الجنة ذكر في القرآن ، كما في قوله (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (6) حيث ظهر كرم الله سبحانه وتفضله على المؤمنين حال إدخالهم الجنة بنفسه عز وجل ، وقد خص لهم الجنة وحدهم ، حيث نعيم الآخرة ، بما يدل على رضاه عنهم ، وقد رضوا عنه ، ما يدل على فوز المؤمنين بما كانوا يسعون إليه في الدنيا ، ولم يكن لهم هم غيره ، وهو إرضاء الله سبحانه

كما أن وصف الجنات بأن تحتها الأنهار تروي الجنة حيث الزرع والثمار والنماء ، فتكون سبب نعيم أهل الجنة بإذن الله ، كما كانت أعمالهم الصالحة التي روت بذرة الإيمان في قلوبهم، سبب تفضل الله عليهم بالرحمة لدخول الجنة.

قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)(12) مقابلة حال المؤمنين في الآخرة ببيان حال الكافرين في الدنيا ، وليس لهم حظ في الآخرة ، فقد جعل الله لهم الدنيا متاع الغرور ، فيصورهم في صورة الأنعام تحتاج لمراعي كثيرة لتأكل منها ، فلا يكفيها مرعى واحد ، وليست لهم حسنة يدخرونها للآخرة كما في الحديث (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا) ، قال ابن عاشور والمقصود (بيان البون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المقرر) ، والإسلام يحض المسلمين على فهم هذه المقارنة لأجل ألا يغر المؤمنين تقلب الذين كفروا في البلاد (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .

بالإضافة إلى ما تقدم فإن الإسلام يدفع المؤمن لأن يتأمل الفارق بين حاجته في الدنيا وحاجة الكافر منها ، فيستنتج قلة مؤنته وكفايته بالقليل ، بينما زاد الكافر ليس بالقليل ، فحاجته من الزاد تزيد عن حاجة المجاهد في سبيل الله بكثير ، بل إن حاجاته متزايدة وكأنه لا يشبع وإن أراد الشبع ، والدليل على ذلك قول النبي  (المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) ، قال الإمام النووي (قيل المراد بالسبعة سبع صفات الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد والسمن) ،..(فالكافر الذي يأكل في سبعة أمعاء كثير الحرص شديد الشره لا مطمح لبصره إلا في المطاعم والمشارب) .، فإذا تلاقيا في الحرب ، فالذي هو أقل مؤنة أكثر صبرا وأقوى جلدا ، ومن كان أكثر صبرا فالنصر حليفه لا محالة .

وهي إشارة قرآنية إلى الأسباب المادية الدائمة لتفوق المسلمين على الكافرين ، ذلك أن المسلمين يستهلكون سُبع ما يحتاجه الكافرون من الإنفاق العام حتى يمكن إشباع احتياجاتهم الأساسية ، قال العلماء (مقصود الحديث التقليل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة ، فقلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل وكثرة الأكل بضده) ،وقيل المراد بـ "المؤمن" المقتصر على سد خلته ، فيقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه يشبع من قليل ، ولذلك يقول النبي  (طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة) ، وهكذا يواسي المسلمون بعضهم بعضا ليكون كل واحد منهم عونا لأخيه على أعداء الله تعالى ، وفي رواية (وطعام الأربعة يكفي الثمانية) .

قوله (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) (13) علمنا البون الشاسع بين حياة المؤمن وراحة باله وتعاسة الكافر ، كذلك قلة زاد المؤمن ، وعدم شبع الكافر ، ترتب على ذلك شعور الكافر بالغيظ الشديد والضيق في الصدر ، رغم أنه يتمتع ويأكل كالأنعام ، وفي المقابل شعور المؤمن بالرضا رغم قلة مؤمنته ، هنا يقرر الكافر إخراج المؤمن من قريته وإبعاده عن وطنه حسدا وغيظا ، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) ، ولذلك طُردوا النبي  من بلده مكة ، وكان وقع ذلك شديد عليه حين غادرها ، وكان يقول (أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك) ، وعن بن عباس قال قال رسول الله  : لما أخرج من مكة (إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله اليه وأكرمه على الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك)
فلما كان شأن الكفار أنهم عاجزون عن التعايش السلمي مع أهل الإيمان كان حتما ولابد أن يطبق الله عليهم عدله بإهلاكهم ، فالأية تضمنت تهديد شديد لهؤلاء القوم أن أخرجوا نبيهم من قريتهم ، كما في قوله (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) (الزخرف42) ، فعاقبتهم ذات عاقبة من قبلهم من الأمم السابقة ، حيث الهلاك والتدمير، فهل ينتظر كفار اليوم أن يكون مصيرهم مثل كفار الأمس؟

قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (15) الهمزة للاستنكار أن يكون هؤلاء أمثال هؤلاء ، فلا مثلية بينهما وهما علي نقيضي الطريق ، فهذه مقارنة أخرى بين المؤمن والكافر ليظهر تميز الأشياء ، وليستبين وضوح طريق المؤمن بأنه ابتغي رضاء ربه ، وعليه فيه دليل من الوحي ، بينما طريق الكافر زينه له الشيطان ، وليس عليه دليل غير هواه ، فيستنكر المولى عدم إدراكهم أيهما أحق بالاتباع ؟ كما في قوله (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) أليس الأولى بالاتباع من هو على ثقة ويقين في منهجه وعبادته لربه ، أم هذا الذي زُين له سوء عمله فرأي المنكر معروفا والمعروف منكرا ، واتبع هواءه فأضله الله تعالى على علم وختم على قلبه ؟! .

فإذا اختلفا في الغاية والمنهج والسلوك ، فمن الطبيعي أن يختلفا في الثواب والجزاء ، قال عز وجل (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) ، ولذلك تضرب الآية التالية المثال بجزاء الفريقين في الآخرة.

قوله (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) (14) أراد الله تعالى أن يصور شيئا من نعيم الجنة لأهل الإيمان والتقوى ، رغم أن نعيم الجنة لا يقارن بشيء من الدنيا ، لكنه يضرب الأمثال بما نعلم ليقرب الصورة لأذهاننا فيما لا نعلم ، ولذلك يقول (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) فهذا الذي يتلى عليكم ليس هو هو عين ما في الجنة ، وإنما هو مثال لما يقاربه ويماثله حتى تتشوق القلوب لهذا النعيم وتزهد فيما يليهها عنه من متاع الدنيا وزينتها ، فيقارن الله تعالى الشبه بالشبيه.

وذكرت الآية خمسة أصناف من نعيم أهل الجنة ذكرتها الآية وعلى رأسها نعمة سادسة ، فهي تذكر الصنف تبين مقداره بـ (أنهار) من ماء (أنهار) من لبن (أنهار) من خمر (أنهار) من عسل ، قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) ، فكما أن الحياة في الدنيا لا تستقيم بلا ماء فكذلك في الآخرة لابد وأن تجري الأنهار من تحت الجنة لتستمر الحياة فيها إلى حياة الخلود التي لا فناء فيها أبدا .

وصف أنهار الجنة بأن ماءها (غير آسن) وهذا أشبه بخير ماء الدنيا "ماء زمزم" ، فهو ماء محتفظ بصفته لم يتغير ريحه ولا لونه ولا طعمه ، ولا يعتريه ما يسوءه ، وإنما ظل ماءا عذبا صافيا صالحا للشرب ينعم به المتقون ، يقول رسول الله  (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم) ، فلو لم يكن في الجنة غير هذا الماء لضمن الله تعالى لأهل الجنة بقائهم أحياء دون ضعف فيها أو وهن ، قال سبحانه (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ).

أما اللبن فهو خير طعام على وجه الأرض ، يقول النبي  (إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شىء يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن) ، فالإشارة في الآية إلى اللبن بقصد ذكر مصدر البركة ، لاسيما وأن المؤمن يأكل في معن واحد .

كما أشارت الآية إلى ألذ شراب يشربه أهل الجنة ، حيث حرمهم الله منه في الدنيا ، وهو الخمر ، فامتثلوا لأمره ، فيجزيهم الله خيرا ويمتعهم بشربها في الجنة بلا سكر ولا نزف ، يقول النبي  (ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة) .
فإذا شرب المؤمن ما يقويه على العيش (الماء) وما يطعمه من الجوع وينشذ عظمه ويقويه (اللبن)، وما يستلذ به من الشراب بلا ضرر (الخمر)، بقي أن يشرب ما يقيه من الأمراض وما يستقوى به للإمداد بالطاقة الصافية ، فذكر الله (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) ، حيث أوضح القرآن ما للعسل من قوة مضادة للأمراض وشفاء لها جميعا ، إذ يقول سبحانه (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، فكان العسل أفضل دواء يتداوى به الناس للوقاية أو للعلاج ، ولذلك قال النبي  الشفاء في ثلاثة ، وعد أولها (شربة عسل) ، فعن أبي سعيد: أن رجلا أتى النبي  فقال أخي يشتكي بطنه فقال ( اسقه عسلا ) ، ثم أتاه الثانية فقال (اسقه عسلا ) ، ثم أتاه الثالثة فقال ( اسقه عسلا ) ، ثم أتاه فقال قد فعلت ؟ فقال ( صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا ) ، فسقاه فبرأ) .

فإذا انتهت الآية من ذكر أصناف الشراب الأربعة المفضلة في الدنيا عند الناس ، انتقل الحديث إلى الثمرات ، فجمعتها الآية كلها لما بين الثمرات من تكامل يصعب تفضيل بعضها على بعض ، فقال سبحانه (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ،وهي إشارة قرآنية إلى استحباب الأكل من كل الثمرات دون تفضيل بعضها على بعض لما بينها من تكامل.

والسياق هنا اكتفى بذكر أربعة أنواع من الشراب وضم إليها الثمرات ، بينما في آيات أخرى ذكر المولى سبحانه اللحم من طعام أهل الجنة ، فقال سبحانه (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ، بل كان التشويق لأكثر من ذلك فقال سبحانه (وَحُورٌ عِينٌ) ، بيد أنه في هذا الموطن لم يذكر هذا ولا ذاك ، واكتفت الآيات بذكر بعض نعيم أهل الجنة الذي يماثل ما في الدنيا من هذه الأصناف الخمسة وحسب ، فالناظر في السياق الذي جاءت فيه هذه المقارنة يجد أنه سياق قتال وجهاد لأعداء الله تعالى ، والمسلم في هذا الوضع يكون على عجلة من أمره إذ يصعب عليه وهو في حال الجهاد أن يزرع ويحصد زرعه ،فهو مضطر لأن يعيش في الصحراء والجبال والمرتفعات ، فكان أغلب طعامه إما الماء أو اللبن من الأنعام التي ترعى معه في الجبال كما في حديث النبي  (يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) ، وفي رواية (يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم يتبع بها شعف الجبال أو سعف الجبال في مواقع القطر يفر بدينه من الفتن) ، فإذا اتبع المسلم شعف الجبال كان من البركة أن يشرب عسل النحل الذي جعل الله تعالى الجبال بيوتا لها ، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) ، فإذا حصل على الماء من السماء كما أخبر بذلك النبي  ، وهو أصفى ماء الأرض ، وحصل على اللبن من خير ماله (الغنم) ، وشرب العسل من الجبال تقوى على الجهاد ، أي أن القرآن يذكر المجاهدين بمدد الله لهم بما يثبت أقدامهم
أما الخمر فلا يشرب ولا يقربه ، يقول النبي  (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحولة إليه) ، وإنما هو شراب أعداء الله تعالى يسكرون به عن جهادنا
وأما الثمرات فهي رزق الله تعالى يرزقه لعباده المتقين من حيث لا يحتسبون ، استجابة الله تعالى لدعوة نبيه إبراهيم عليه السلام إلى يوم القيامة ، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) .

ثم تأتي النعمة السادسة التي ينعم الله بها على أهل الجنة (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) فليس ثمة نعمة خير للعبد من ذلك ، فتحصيل رضوان الله وغفرانه الذنوب هو أعظم نعمة ينعم بها على عباده في الآخرة ، فعن النبي  (إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة ؟ فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم ؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وهذا يدل على أنه فى ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان الذي لا يتعقبه سخط أبدا ، ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط) .

قوله (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) انتقلت الآيات من الإخبار بعاقبة المتقين بما يصبرهم على الجهاد في سبيل الله تعالى في الدنيا ، لتخبرنا عن عاقبة الكافرين يوم القيامة ، فهي نقلة مفاجئة ، باستخدام أسلوب المفاضلة والمقارنة ليستبين الفارق بين المتقين والكافرين ، فهي مقارنة من ذات جنس المقارنات السابقة ، فكما قارن الله بينهما في الغاية والمنهج والسلوك ، فإنه يعقد ذات المقارنة في العاقبة والثواب والجزاء ، ليستبين البون الشاسع بينهما ، وقد أوجز الله ذلك كله بقوله (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) ، بذلك يلخص ما ينغص عيش أهل النار وما يذوقونه من ألم شديد وعذاب عظيم ، وذلك في مقابلة شراب أهل الجنة وألوان النعيم والثمرات فإن أهل النار يشربون من الحميم فيقطع أمعاءهم .

ولماذا ذكر أمعاءهم بالذات ؟ ألم تتذكر أنهم كانوا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ، ألم تتذكر أنهم كانوا يأكلون في سبعة أمعاء ، فكان حتما أن يكون الجزاء من جنس العمل ، فكأن كل بطن تشبع بغير حق هي في الحقيقة تقطع بالحميم يوم القيامة .



المحور الثاني
حال المنافقين مع المؤمنين

قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)

بعد أن تناولت الآيات الحديث عن الذين كفروا والذين آمنوا أفردت هنا حديثا طويلا من الآية 16 حتى الآية 31 خصصته للحديث عن المنافقين ، وعدتهم من فئة الكافرين ، فهم مثلهم سواء بسواء ، قال ابن عاشور (هذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة فلذلك ذكر فيها الفريقان من الكفار) .

قال المباركفوري (والمنافق إما حقيقي وهو النفاق الاعتقادي أو مجازي وهو المرائي وهو النفاق الملي) ، ولذلك سردت الآيات الأسباب التي دعت إلى إلحاقهم بهم رغم أنهم يظهرون الإيمان ، لكن الكفر قد بدا من لحن قولهم.

قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ..) (16) أي صنف آخر من الكافرين غير متميزين عن معسكر المؤمنين ، بل هم أناس يجلسون مع المسلمين وكأنهم منهم ، ويستمعون لأحاديث النبي  فيظنهم أصحابه أنهم مثلهم ، رضي الله عنهم ، لكن الله لم يرض عن هذا الصنف المتلبس في الظاهر بالإسلام ، وليسوا من أصحابه ، بل هم كافرون ، لأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، قال ابن عاشور (وهذا صنف آخر من الكافرين الذين أسروا الكفر وتظاهروا بالإيمان، وقد كان المنافقون بعد الهجرة مقصودين من لفظ الكفار) .

قوله (..حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا..) (16) بينت الآية أول علامة من علامات النفاق ، وهي عدم الفهم لما يتلى عليهم من الكتاب وما يسمعونه من أحاديث وأحكام ، يقول النبي  (خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت ولا فقه في الدين) ، قال المناوي (وحقيقة الفقه ما أورث التقوى وأما ما يتدارسه المغرورون فبمعزل عن ذلك) .
وقال (فالمنافق قد يقصد سمت الدين من غير فقه في باطنه ، وقد يحصل الإنسان علم الدين ويغلبه هواه فيخرج عن سمت الصالحين ، فإذا اجتمع الظاهر والباطن انتفى النفاق، لا يستوي سره وعلنه في العلم) .

فعن عكرمة رضي الله عنه قال : كانوا يدخلون على رسول الله  فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس رضي الله عنهما : ماذا قال آنفا ؟ فيقول : كذا وكذا) ، قال ابن جزي (كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين : إما احتقاراً لكلامه ، كأنهم قالوا : أي فائدة فيه ، وإما جهلاً منهم ونسياناً لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه) ، والوجه الثاني هو الأرجح لتوصيف غالب حالهم لأنهم يتحدثون مع ابن عباس ، فسؤالهم له لضعف في التحصيل والفهم لعدم إقبالهم على النبي  بالكلية ، ولوجود هوى في صدورهم حال بينهم وبين طلب العلم ، فآفة العلم الهوى .
كذلك لا يمتنع حصول الاستهزاء والاحتقار منهم ، لأنهم لو كان شأنهم غير ذلك لبالغوا في السماع من أول مرة ، ولكنهم ولأنهم مكرهين على السماع لأجل التقية والمداراة والمداهنة والنفاق ، فإنهم يتداركون ما فاتهم منه بسؤال عبد الله بن مسعود وابن عباس لكي لا يكون الكلام حجة عليهم فيحاسبهم النبي علي ما قال ، وهم لا يدرون ماذا قال.

قال ابن القيم : والأصل أن (الكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الآذان والقلب وتعلق بهما ، فسماع لفظه حظ الأذن ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب ، فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن) ، فقال تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنفال 23) ، فالمنافق أبعد الناس عن مرتبة الإسماع بمراتبها الثلاثة : (سماع الأذن ، ووعاء القلب ، وإقبال الجوارح) ، قال ابن القيم (مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه ، لا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه ، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه (ماذا قال آنفا ..) ، والفرق بين مرتبة الإسماع ، ومرتبة الإفهام أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن ، ومرتبة الإفهام أعم فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه ، ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلقاته وإشاراته ، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ، ويترتب على هذا السماع سماع القبول ، فهو إذن ثلاث مراتب سماع الأذن وسماع القلب وسماع القبول والإجابة ) .

وتلك هي عقوبة الله لهم ليكشف لنا زيغهم عن الحق ، قال تعالى (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) (الإسراء 46) ، أما أهل الحق فإنه يتعلمون ما ينفعهم ، ويعملون بما يعلمون ، فهم الذين يتعظون بما يسمعون كما في قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق 37) قال العلماء : أي (يستمع وقلبه شاهد لا يكون قلبه مكاناً آخر) ، وعن مجاهد في قوله "أو ألقى السمع " قال : لا يحدث نفسه بغيره " وهو شهيد " قال : شاهد بالقلب .

قوله (..أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (16) أي عن فقه الخطاب (فلم تسمعه القلوب ولم تعه ، واتبعوا أهواءهم يعني أباطيلهم وظنونهم الكاذبة) ، والمعنى أنهم سمعوا الكلام ولم يفقهوا معناه ، أي حال بينهم وبين الفهم حائل الكبر واتباع الهوى ، كما في قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)

قال الآجري (ختم الله عز وجل على قلوب قوم وطبع عليها ، ولم يردها لعبادته وأرادها لمعصيته ، فأعماها عن الحق فلم تبصره ، وأصمها عن الحق فلم تسمعه وأخزاها ولم يطهرها) ، ذلك أنهم لما صدوا عن سبيله ، صدهم الله عن الهدى جزاء صدهم عن السبيل ، فكان الجزاء من جنس العمل ، فهم الذين قال الله فيهم ، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة 15) ، قال العلماء (اتباع الهوى عن طبائع القلب ، وطبائع القلب عن عقوبة الذنب ، وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب ، أما سمعته يقول (لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) .

قوله (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (17) فعلى النقيض من حال المنافقين ترى المؤمنين الذين هداهم الله للإيمان ينشطون لطلب العلم وينصتون للعلماء ، فيستمعون لهم بشغف وقلوبهم منشرحة لتلقي العلم ليزدادوا به هدى على هدى ، روي البخاري (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) ، وإيتاء التقوى -هنا- مستعار لتيسير أسبابها ، يقول النبي  (العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم من أخذه بحظ وافر ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة) ، وهكذا يعلم المؤمن أنه إن لم يكن في زيادة من أمر دينه فهو في نقصان ، ولذلك فهو حريص على تحصيل الزيادة ، فهو دائم التردد على مجالس العلم يستزيد ويتعلم ويتزكى ويتفقه ، وقال رسول الله  (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) .

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتناوبون في طلب العلم حتى يجمعوا بين العلم وطلب الرزق من المعاش ، فعن عمر بن الخطاب قال )كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على رسول الله  ينزل يوما وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك) ، هذا من حرص الصحابة على حضور مجالس النبي  ونقل ما يقال فيها لبعضهم البعض بعد إسلامهم من قبيل طلب زيادة الهدى على الهدى الذي هم عليه ، ولذلك آتاهم الله تعالى تقواهم وجعلهم سادة الأمم ، يقول سبحانه (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فالإيمان يزداد وينقص ، يزداد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ومن الطاعة العلم بالشريعة ، وطريق العلم بها سنة النبي  المفصلة لمجمل الوحي - القرآن - ، والمؤكدة لمعانية ، والمبينة لبيانه ، والمخصصة لعمومه ، ومقيده لمطلقه ، فلا غنى لأحدهما عن الآخر .

قوله (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) (18) يتهكم القرآن كعادته علي الكفار والمنافقين ماذا ينتظرون حتى يؤمنوا حقا ؟ أينتظرون الساعة أن تأتيهم بغتة ؟ أيؤجلون توبتهم حتى يلتهموا من الدنيا ما يشبعهم وقبل أن تقوم الساعة يتوبون ؟ لو كانوا يعلمون وقتها لأمكنهم ذلك ، لكن الساعة لا تأتي إلا بغتة ، أي أنهم مهما تحسبوا لقربها فإنهم جاهلون وقت الإيذان بها وقيامها ، ولكل واحد منا أجل ، فمن حان أجله قامت قيامته .

قوله (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) أي علاماتها ، كلما ظهرت علامة دل ذلك على اقتراب الساعة ، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال (رأيت رسول الله  قال بإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام (بعثت أنا والساعة كهاتين) ، وقال  (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا) ، وفي رواية (وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) ، قال الحافظ : قيل سببه أن الفتن تكثر فيكثر القتل في الرجال لأنهم أهل الحرب دون النساء ، إذن لن تقام الساعة والناس في خير ، وإنما تقوم والناس في هرج ومرج ولا تقام إلا على شرار الخلق الذين كفروا وكذبوا وصدوا عن سبيل الله.

يُعرِّف المولى سبحانه المؤمنين علامات الساعة حتى لنتبهوا لفقه المرحلة الدعوية التي يعيشونها ، فيعملوا بشرع ربهم الذي أنزله بحسب مقتضيات الزمان والمكان الذي هم فيه ، من ذلك ما روي عن حذيفة عن النبي  قال : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) .
قوله (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) أي فأنى لهم التذكر ، وقد فاتهم ذلك عند قيامها ، فإذا جاءت وهم على هذا الحال من المعصية ، فلن تنفعهم توبة وقد أغلق باب التوبة حال قيام الساعة ، يقول النبي  (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها فذاك حين (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) .

قوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (19) يدل المولى سبحانه المؤمنين إلى ضرورة العلم عن الله تعالى ودراسة علم التوحيد ، وذلك من خلال أمرين التعرف على الله بأسمائه وصفاته ، وتنزيهه عن الشبهات سبحانه ، وهذا يعرف بالفطر السليمة دون حاجة إلى دراسة معينة ، ولذلك لما سئل أعرابي عن الله فقال (إن البعر –أثر فضلات البهائم- ليدل على البعير وإن أثر الأقدام ليدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير) ، فالأعرابي إن جاز أن يعرف ربه بفطرته السليمة ، فإنه بحاجة للاستزادة من معرفته بدراسة أسمائه وصفاته والرضاء بأفعاله ، فيزداد هدى على هدى ، وذلك بالتأمل في قدر الله وتدبيره الملك ، والإذعان لقضائه ، وذلك يحتاج لكثير من الوقت والدربة ليرتقي في مقامات المعرفة بربه ، أما من تغيرت فطرته فإنه يحتاج لمن يعيده للحق ويعرفه على خالقه من جديد .

والثاني هو علم الرد على الشبهات ، وأهل الفطر السليمة ليسوا بحاجة لهذا العلم ، لأنهم ينزهون الله عن كل شبهة ونقصية ،ويعظمونه ويبجلونه ، فأي شبهة لا تفتنهم ، لأن قلوبهم أصبحت كالصفا بيضاء نقية لا تضرها تلك الشبه ، بينما يحتاج من ضل عن الطريق بسبب تلك الشبهات إلى من يعيده للحق بإزالة الشبهة من صدره ، وذلك هو مجهود علماء التنظير والمتخصصون في علم الأديان المقارنة .

وتعزى أهمية دراسة التوحيد إلى أنه أصل هذا الدين ، وعليه مدار الأمر وإليه دعت الرسل ، فإن أول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فدل على أهمية علم العبد بأسماء خالقه الحسنى ، والتعرف على بديعه صنعه وأفعاله وتدبيره ، وقال هنا (فَاعْلَمْ) ، فدل على أن التوحيد كلمة تنطق بالقول ، وتطبق عملا ، فهي قول وعمل ، ولا يغني أحدهما عن الآخر ، أي التلفظ بها يكون عن علم بمعناها ، والعمل بها يكون بإخلاص ، والدعوة إليها يكون بتجرد وتوكل على الله ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان العلم قبل القول والعمل وصدره بهذه الآية ، لأن التعرف على الله أسمائه وصفاته في علم التوحيد هو طريق للزيادة في الهدى على الهدى ، ولذلك قال (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) .
وليس المقصود من دراسة التوحيد دراسته دراسة أكاديمية شديدة التعقيد لا يفهمها إلا الأكاديميون ، فدين الله يسر ، قال تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، وإنما أمر الله بتعلم علم التوحيد حتى يؤخذ هذا الدين من العلماء ، ولا يؤخذ جيلا عن جيل بجهل ، فيتبدل الدين نتيجة البعد عن العلماء والأخذ عن غيرهم من مدعي العلم وليسوا كذلك ، يقول النبي  (سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة ، قيل وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه في أمر العامة) .

إذن التقوى تحتاج لنوعين من الهداية ، الأولى أن يسلم المرء قلبه وجوارحه لله تعالى فيكون على هدى حيث يطلب العلم من العلماء فيرشده الله تعالى إليهم ، الثانية أن يجتهد في تحصيل العلم من العلماء فيزداد هدى على هدى ، أما المنافق فلأنه لم يكن على هدى من قبل فإنه لن يهتدي إلى العلماء وإنما يكون مع الرويبضة فيضل بضلالهم .

والأمر بالعلم بالتوحيد جاء في سياق قتال الذين كفروا ، وذلك خير شاهد على أن القتال شرع لأجل تحرير الناس من العبودية للخلق ليعبدوا الخالق رب الناس أجمعين ، فلا يكون أحد مكرها على دين ، فالإسلام لا يقبل شهادة إلا إذا كانت صادرة عن قبل مخلص لله ، فعن أبي هريرة : أن رسول الله  قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويفتح الله عليه قال عمر بن الخطاب ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فدعا رسول الله  علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار علي ثم توقف يعني فصرخ يا رسول الله  علام أقاتل الناس ؟ قال قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) ، وقال رسول الله  (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) ، فشهادة أن لا إله إلا الله هي مدار الأمر كله ، أي إذا وجب القتال بسبب صدهم عن سبيل الله ، فلا يقف القتال إلا إذا شهدوا بالإسلام ، لتعذر الاتفاق معهم على السلم .

ولما كان الأباطرة والملوك يمنعون أن تصل هذه الكلمة لآذان الناس ، شرع قتال ملوكهم وأباطرتهم لأجل تخلية الطريق إلى شعوبهم ، وإنما القصد إزالة الصادين عن سبيل الله من طريق الدعوة فلا يمنعوا أحدا من دخول دين الإسلام ، وليس لإجبارهم على الإسلام ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ  قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) ، فلفظ (ادعهم) يفيد أن الدعوة بالحسنى ، ولفظ (فإن هم أطاعوا) يفيد أن الأمر متروك لاختيارهم ، ولفظ (فأعلمهم) جاء مرة لإخبارهم بفريضة الصلاة ، ومرة بفريضة الحج ، وفي أحاديث أخرى بفريضة الهجرة ...الخ وهكذا يتعلمون الإسلام شيئا فشيئا ، أما التوحيد فهو مبدأ الأمر كله وأخره ، وعليه مداره كله .

قوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) جاء الأمر من الله تعالى للنبي  وهو المعصوم بأن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات ، قال ابن كثير (هذا تهييج للأمة على الاستغفار) ، ذلك أن كل وقت يغفل فيه المؤمن عن ذكر الله وتحصيل العلم والازياد منه هو تقصير في تحصيل مراتب أعلى من الهداية التي يفتحها الله بها على الذين آمنوا ، ولذلك قال النبي  عن نفسه : (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ، فها هو رسول الله  يحتاج للاستغفار من الذنب رغم أنه معصوم ليجلي الذي يعلو علي قلبه لو لم يستغفر ، قال النووي : قيل (المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه ، فإذا فتر عنه أو غفل عد ذلك ذنبا واستغفر منه) ، قال رسول الله  (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) ، فالأمر الوارد بالآية إشارة قرآنية إلى وجوب الاستغفار والمداومة عليه ، لاسيما حال تعلم العبد عن الله تعالى ، فكلما زاد علما بالله كلما علم بتقصيره في حق ربه فزاد في استغفاره .

فالمسلم مطالب بأداء واجب الشكر لله على نعمه ، ولكنه غير قادر على أن يحصي على الله نعمة واحدة ، فهو عاجز عن أداء واجب الشكر وإن حاول ذلك ، فإنه يتعين عليه أن يستغفر الله من ذلك ، ولكن الشارع خفف عليه التكليف ، فجعل الاستطاعة مناط التكليف ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، فلما كانت رحمة الله قد تجلت في تخفيف التكليف عن العباد ، فعلي العبد أن يستغفر الله إذا فرغ من التكليف .

وخير الاستغفار هو سيده ، فعَنْ النَّبِيِّ  (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .

بيد أن بعض الصحابة أراد المبالغة في ذلك وعدم الاكتفاء بالذكر والاستغفار ظنا منهم أنهم مطالبون بالعمل فوق الطاقة والقدرة ، فعن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون ، قالوا إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر –أي نريد أن نزيد عما يقوم به رسول الله  من أعمال الطاعات -، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه – لأن من يزيد عن سنته فقد أساء - ثم يقول (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) ، أي يجب على العبد ألا يزيد عما هو مقرر في السنة ، فلن يزيد عما كان يفعله رسول الله  ، ولن يبلغ علم رسول الله  ولا تقواه ، وليقف عند ذلك ، فإذا أراد الاستزادة من العمل فليستغفر الله ، فالإسلام شرع الاستغفار والذكر بلا حد ، كما قال  لمن سأله (إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ أَتَثَبَّتُ بِهِ فَقَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) .

قوله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (19) أي يعلم متقلبكم في الدنيا والجهاد فيها ، ومثواكم في الآخرة ، والمقصود إيكال تصنيف الناس إلى مؤمن وكافر إلى الله تعالى ، والإخبار بأن عاقبة الناس إلى الله تعالى وحده ، فهو الذي يعلم متقلبنا ومثوانا .

فهناك أناس يتقلبون في أرض الجهاد ، ويقيمون شعائر الله في كل مكان ،كما قال النبي  (مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ) .

وهناك آخرون تتقلب قلوبهم ، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وهم كذلك مشمولين ضمن الخطاب ، يعني الله أعلم بما في صدورهم من قبول الإسلام طواعية أم مكرا وخديعة ، كما ورد في الحديث المتقدم قوله (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) ، فالله تعالى يعلم كل شيء ، ويعلم إلى أي مكان يتقلب قلب المرء ويتبدل حاله ، وبقدر تقلبه يكون مثواه وعاقبة أمره .

والمعنى الوارد في الآية أعم وأشمل من ذلك كذلك ، فسياق الآية في إطار العلم عن الله سبحانه ، فاعلم أنه لا إله إلا الله ، ومهما علم المسلم عن الله تعالى فلن يدركه حقه ، وإنما غاية علم العبد عن الله تعالى أن يعلم أن الله تعالى رقيبه وأن مثواه عند مولاه ، ولا علم له بعاقبة أمره إلا بما يُعلمه الله إياه ، ولذلك كان النبي  يقول (والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي) ، فهذا من إشفاق النبي  على نفسه ،ودليل خوفه من الله تعالى رغم ما وعده الله تعالى من البشرى ، ثم قال النبي  بعد ذلك (أنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر) ، قال الحافظ جمعا للحديثين : (يحمل الإثبات في ذلك على العلم المجمل ، والنفي على الإحاطة من حيث التفصيل) .

قوله (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) (20) تستطرد الآيات في وصف حال المنافقين من قضية الإيمان موضحة أنهم يعترضون على ما حكم الله به في كتابه وأنزله وشرعه بما فيه خير ولكنهم يحسبونه شرا ، فالآية تعرض هذه المسألة بأسلوب عقد المقارنة ، حيث تعرض لهفة المؤمنين أن ينزل الله تعالى حكمه ويقضي بقضائه وهم في شغف أن يختارهم الله تعالى لأداء هذه الأمانة ، فقد مل الصحابة رضوان الله عليهم من استضعاف المشركين لهم ، وقد طالت عليهم مرحلة كف اليد لثلاث عشرة سنة ، وأرادوا الجهاد في سبيل الله ، لكن الله سبحانه لم يأذن لهم بعد ، كي تتربى نفوسهم على الإخلاص لله في طلب الجهاد ، وتتخلص من الانتقام والتشفي ممن آذاهم ، حتى أنزل الله سبحانه هذه السورة المحكمة وأمر في مطلعها بقتال الذين كفروا ، فهو أمر لا مجال فيه للتأويل أو التعطيل لحكم القتال ، فالقرآن ذكرها صراحة بلفظ (القتال) دون حاجة لأن يُكنِّي أو يُعرِّض ، وإنما ذكر القتال بلفظ محكم قاطع الدلالة حتى يدحض شبهات المنافقين لتأويل آيات القتال على غير معناها ، بل ودلل عليه بفعل (قطع الرقاب) حتى لا يكون ثمة من ينحرف باللفظ عن مدلوله ، كمن يؤول الجهاد الأعداء بجهاد النفس ويقصره على ذلك لحنا منه في القول.

فلما علم المنافقون نزول هذه السورة وقد جاء الأمر من الله تعالى بقتال الذين كفروا انتابتهم مشاعر القلق والخوف والفزع وكأن هذا الخبر قد أصابهم بالإغماء وغشي عليهم من هول الصدمة ، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً )، ذلك أن هؤلاء المنافقون ابتلوا بحب الدنيا ، وفتنوا بها حتى أضحى كلام الله تعالى الذي يأمرهم بالموت في سبيله كأنه حكم إعدام يفارقون به أحب ما اطلعت عليه أنظارهم من الدنيا ، وليس للآخرة مكان في قلوبهم ، فذلك هو سبب عزوفهم عن الجهاد ، وفزعهم منه ، والله تعالى يقول (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) .

قوله (فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) قال ابن الجوزي (أولى لهم أن يفضلوا طاعته على معصيته ) إذ لو علموا أن الجهاد خير لهم لأطاعوا ، قال تعالى (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(البقرة/216) ، فالآية تذكرنا بموقف بني إسرائيل مع نبيهم حين أمرهم بالجهاد في سبيل الله فقالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، فمنافقون الأمس هم هم منافقو اليوم لا يطيعون نبيهم ، ولا يطيعون ولاة أمرهم ، فلا يقولون لهم قولا معروفا حين يأمرهم بالقتال في سبيل الله .

لكن صحابة رسول الله  أطاعوه وأجابوه بما سره ، فعن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) ، ولكن امض ونحن معك ، فكأنه سري عن رسول الله  ، وفي رواية : (ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك) .

قوله (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (21) أي إذا وقع القتال وخرج الأمر من حدود التنظير والتأصيل والتقعيد إلى إطار الواقع المرئي المشاهد ، ولا دافع حينئذ عن القتال ، فقد تجاوز الأمر عرض الآراء والاختلاف في الأفكار ، عندئذ وجب الإذعان للقتال ، فلا مجال للعودة إلى الوراء ، وتقرير جدوى القتال أو عدم جداوه وقد بدأ الاشتباك فعلا .

فكان أولى لهم -عندئذ- أن يطيعوا الأمر ، وقد وقع فعلا ، وأولى لهم أن يَصْدُقُوا في قتالهم ليكون في سبيل الله حقا ، بيد أنهم –عندئذ- يتخلفون عن الجهاد في سبيل الله ، فيقعون في جريمة أخرى هي التخلف يوم الزحف فضلا عن سبق مجادلتهم في الأمر بغير حق ، وعندئذ تجدهم يلحنون في القول –مرة أخرى- ليصرفوا الناس عن الجهاد والاستمرار في القتال ، ثم هم يتخلفون عن ميدان القتال فعلا ، ما يدل على أن هؤلاء المنافقين لا يفقهون شيئا من واجباتهم الوطنية ، وحقوق الإنسان ، وفقه الواقع الذي يتشدقون به ، ولا تخرج آراءهم عن الجهاد غير فذلكة مائعة.

قوله (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) هذا اتهام قرآني صريح بأنهم ليسوا صادقين مع الله تعالى ، ولو صدقوا الله في طلب الجهاد لكان خيرا لهم ، كما في قوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة 46) ، يقول النبي  (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) .

إذ لا غرو أن يحتدم الجدال ونتبادل الآراء ووجهات النظر المختلفة ، لكن طالما خرج الأمر عن إطار القول إلى العمل كان الواجب عليهم أن ينتهوا عما هم فيه من اضطراب قولي وعدم اتزان نفسي ليلتحقوا بصفوف المجاهدين في سبيل الله تعالى ، بيد أن هذا الأمر كان بعيدا عنهم .

قوله (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) هذه الآية ترد على شبهات أثارها المنافقون ، إذ قد يقول قائل منهم أين يكمن الخير في القتال ، لاسيما وقد وقع القتال بين محمد وقريش ، وهم أهله وعشيرته ، فكيف يكون قتال الأهل والعشيرة خير ؟ أليس ذلك من قبيل الإفساد في الأرض ، لما فيه من إزهاق الأرواح وسفك الدماء وتقطيع الأرحام وتضييع الحرمات ؟ هنا يرد القرآن على أمثال هؤلاء المنافقين قبل أن يصدروا كلامهم لضعاف العقول فيلتبس عليهم الحق بالباطل .

فعلى سبيل المثال قد انخزل -انسحب- عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ بِثُلُثِ النّاسِ –في غزوة أحد قبل بدء المعركة عندما كان الجيش بين المدينة وأحد - وَقَالَ (مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ) قال أبو اسحق (فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ) ، والحقيقة أن الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام يأتي من التولي والتخاذل عن نصرة دين الله تعالى وليس سببه – كما يدعي المنافقون – القتال في سبيل الله تعالى ، فالتولي عن القتال يؤدي إلى مفاسد أكبر من المفسدة المتوقعة من قتل العدو ، فالإحصائيات لا تكذب ، فعدد قتلى المشركين في كل غزوات رسول الله  لا يزيد عن سبعة في المائة ، فغزوة بدر الكبرى سميت بذلك لأنها أكبر غزوة انتصر فيها المسلمون على المشركين ، حيث قُتل سبعون مشرك من أصل ألف منهم ، في حين غدر الكفار بسبعين من قراء القرآن غداة واحدة في واقعة بئر معونة ، وكادوا يغدون بالنبي  وأصحابه أكثر من مرة ولكن الله شاء أمرا آخر ، فالحقائق يغفل عنها المنافقون فلا يرون الحق ويرون الباطل بدلا منه ، وها هم أصحاب الأخدود يقتلون غداة واحدة ليستريحوا من شقاء الدنيا بنعيم الآخرة .

ومن جانب آخر لو نظرنا إلى الكفار علام يقاتلون لوجدناهم يقاتلون بشراسة لأجل السلطة أو المال ، ولا يبالون بأن يهلكوا الحرث والنسل لأجل ذلك ، يقول سبحانه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ..) ، بل إن المنافقين ليشاركونهم ذلك الهدف إذا تولوا أمر الرعية وأصبحوا سادتها فإنهم لا يزالون يهلكون الأنفس ويقطعون الأرحام لأجل الحفاظ على المال أو السلطة ، قال رسول الله  (فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ) .

والنبي  يحذرنا من متابعتهم في ذلك ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله  (يهلك الناس هذا الحي من قريش) ، قالوا فما تأمرنا ؟ قال (لو أن الناس اعتزلوهم) ، قال ابن حجر : أي (بسبب طلبهم للملك من أهله تقع الفتن والحروب بينهم ويتخبط الناس وتضطرب أحوالهم) ، وقوله  (لو أن الناس اعتزلوهم) قال العلماء : أي لا تداخلوهم ولا تقاتلوا معهم .

وتقديم الآية للإفساد في الأرض علي تقطيع الأرحام ، من باب الإجمال ثم التفصيل ، ذلك أن نهاية الإفساد في الأرض تقطيع الأرحام ، فليس بعد ذلك فساد أشد ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال : (خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال له مه قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت بلى يا رب قال فذاك ) ، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) ، فالقتال في سبيل الله يصل الله به الأرحام ويرحم به الضعفاء ، أما القتال في سبيل الدنيا فإنه يؤدي إلى الإفساد وإلى تقطيع الأرحام ، يقول سبحانه (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)

والعكس صحيح فليس أشد من تخاذل المنافق عن نصرة المستضعفين ، وليس صورة لتقطيع للأرحام أخزى من ذلك ، فالرحم وفقا للمفهوم الإسلامي أوسع من مفهومه الضيق عند المنافقين والذي يقتصر بالكاد على الأسرة والعشيرة ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء 1) ، ويقول النبي  (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ) .

قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (23) قال الإمام البيهقي (جعل قطع الأرحام من الإفساد في الأرض ثم اتبع ذلك الإخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه لعنته ، فسلبه الانتفاع بسمعه وبصره فهو يسمع دعوة الله ويبصر آياته وبيناته ، فلا يجب الدعوة ولا ينقاد للحق ، كأنه لم يسمع النداء ، كأنه لم يقع له من الله بيان ، فهو كالبهيمة أو أسوء حالا منها ) ، قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179)

قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24) (إشارة قرآنية إلى أن تدبر القرآن يعالج القلوب المريضة ، فالخطاب للمنافقين) ، فالمنافق إذا كان سبب نفاقه هو العجلة وعدم التدبر ، فإن أمره سوف يعالج بشيء من التدبر للحكم الإلهية ، لكن ذلك غير ناجع على من أضحى قلبه مغلقا بأقفال الكبرياء والآنفة وحب الدنيا .

وهذه الدعوة وإن وجهت أصلا للمنافقين فإن المؤمنين أولى بإجابتها منهم ، فقد بين سبحانه أن الذي يحول بين المرء وقلبه انغلاق القلب بأقفال الجهل والتعصب والتحزب والمنافسة على الدنيا ونسيان الآخرة ، فمن تلكأ عن الاستجابة حرم من الإجابة ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/24) (حذرهم من التخلف والتأخر عن الأستجابة الذي يكون سببا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم) ، أي (إياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم) .

فالتأمل في آيات الله الكونية والتاريخ والتدبر في آيات الله المنزلة وحيا يزيل التعارض والشبهات التي يلقيها هؤلاء المنافقون ، فهي دعوة لكشف الحواجز النفسية التي يضعها هؤلاء المذعوريون لأنفسهم ، ولو أنهم أزالوها بشيء من التدبر والفهم لعلموا أن الخير كل الخير فيما أمر الله وفرض ، قال قتادة (إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك)

فعبادة القتال وإن كانت مكروهة للنفس لكنها بشيء من التدبر يدرك فيها العبد خيرا كثيرا ، يقول سبحانه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) إذن لابد من التدبر والقراءة والتأمل ثم محاولة الفهم بتكرار القراءة مرة ثانية والتأمل في الثالثة والتدبر في الرابعة فإن آيات الله تعالى حاكمة وسوف تُظهر كل أمر يرتاب فيه القلب ، ولسوف يرتاح هذا القلب حينما يعلم أن الله تعالى قد اختار لنا الخير حتى ولو لم نعلمه ، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .

قوله (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (26) قال الضحاك والسدي : (هم المنافقون قعدوا عن القتال) ، يؤكد المولى سبحانه أن جريمتهم تعدت توليهم يوم الزحف وتخلفهم عن الجهاد مع المسلمين ، وبالرغم من أن ذلك من أكبر الكبائر إلا جريمتهم فاقت ذلك حتى عدهم القرآن ضمن المرتدين عن الإسلام ، وقد تبين لهم الهدى ، وقد أقروا باختيارهم الحر الإسلام دينا لهم ، أفبعد أن فاضلوا بين الإسلام والكفر يرتدون عن الإسلام ويدخلون في الكفر العملي أو الاعتقادي والعملي - بحسب حال كل واحد منهم- ، وتلك ثالث جريمة وقعت منهم ، بعد أن أنكروا الجهاد في الإسلام ، إما عملا أو اعتقادا ، وكأنهم حين أسلموا لم يسلموا عن اقتناع كامل بالإسلام ، وإنما اختاروا من هذا الدين ما وافق أهواءهم ، فإذا ما خالف القرآن أهواءهم غلبوا الهوى على أمر الله .

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَهُ وَعْكٌ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا) قال النووي (لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه الا من ثبت ايمانه ، وأما المنافقون وجهلة الاعراب فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون الأجر في ذلك كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك أقلني بيعتي) ، قال العلماء إنما لم يقله النبي  بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الاسلام ولا لمن هاجر إلى النبي  ) .

قوله (..الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (26) أي أن هذا الصنف من الناس الذين لم يصبروا على مشقة الجهاد ، فاعترضوا عليه (واتبعوا أهواءهم) ، (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء:77] ، سبب ردتهم أن متاع الدنيا شغلهم عن الإقبال على الآخرة وقد زينها الشيطان لهم ، فسول لهم الدنيا وزين لهم قبيحها وحبب إليهم المعصية وسهل لهم ارتكابها ، كما مد لهم الأمل حتى ظنوا أن أعمارهم سوف تدرك تقصيرهم ، فغرهم وخدعهم ، يقول سبحانه (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)(الحديد 14).

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) (27) علل الله ردتهم –ثانيا-بكشف العلاقة الباطنية التي بين المنافقين والكافرين ، وبيان لطبيعتها وقد اتسمت بطابع أشبه إلى الولاء لهم ، فهي ردة حقيقية لا مجازية ، ذلك أنهم يداهنون أعداء الله لاسيما وقت إعلان الإمام الحرب عليهم ، بل ويتفقون معهم سرا ، ويتخلون عن قتالهم ، ثم هم يطيعونهم في بعض الأمر من باب السياسة معهم والمداراة ، فالمنافق ليس له انحياز لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، إنما ينحاز لمصلحته المادية ، ولذلك تجده دائما في منتصف المسافة بين الطرفين ، لا يعلن انحيازه الكامل ، ولذلك اختار ألا ينحاز بالكلية للكافرين ليضمن الانحياز للمؤمنين إذا ما انقلبت الكفة لهم .

وأول شأن المنافقين في طاعة الكافرين إسقاط فريض الجهاد من الإسلام ، أو تثبيط المسلمين عن المضي في هذا الطريق ، ويدخل في ذات المعنى استوراد حلول أجنبية لمشاكل المسلمين رغم ما في كتاب الله تعالى وسنة نبيه من حلول لهذه المشكلات ، ففي رواية عن رسول الله  قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع )، فقيل يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال (ومن الناس إلا أولئك) .
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا ، فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) .

قوله (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) تعريض بأن ما يبطنونه بخلاف ما يعلنونه ، وأن هناك أسرارا بينهم وبين هؤلاء الكفار لا يزال لم يكتشفها المؤمنون ، ولعل ذلك إشارة إلى قوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ، فإذا كان هذا شأنهم مع الكفار في بعض الأمر وقد أدى إلى ردتهم ، فماذا لو أطاعوهم في كل الأمر ؟ يقول النبي  (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ) ، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال ( فمن؟) ، قال الحافظ (والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم وأتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم) .

قوله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) (27) يتهدد الله المنافقين بشر موتة وبسوء الخاتمة ، فكما أنهم ارتدوا على أدبارهم ، وأدبروا وفروا من الزحف ، وأقبلوا بوجوههم على الكفار وأطاعوهم في بعض الأمر فإن الملائكة تضرب هذه الوجوه والأدبار ، وذلك حال قبض الملائكة أرواحهم (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) ، ذلك أن بالموت تقطع الآمال وتنتهي الأماني ولا يكون إلا الجزاء من جنس العمل .

قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (28) علل المولى سبحانه سبب إهانة الملائكة لهم ، وتلك هي العلة الرابعة ، فأي شر أشد ممن يتبع ما أسخط الله ؟ وأي شر أشر ممن كره رضوان الله ؟ وأي خير يرجى منهم بعد ذلك ؟ ولذلك أحبط الله أعمالهم ، فهم بين الإقبال والإدبار ، أقبلوا بوجوههم على الكفار متبعين سننهم ، وأدبروا بظهورهم عن رضوان الله تعالى وكرهوا الجهاد في سبيله ، فكان حكم الله فيهم أن عدهم من المرتدين ، وحكم بضرب وجوههم وأدبارهم ، وأحبط ما عسى أن يُظن أنهم أحسنوا فيه العمل من دنياهم ، يقول سبحانه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، ولفظ (أحبط) يدل على أن أعمالهم تضخمت وانتفخت مثلما تنتفخ بطون البهائم إذا أصابها مرض ما ثم هي تهلك وتضيع كما تموت البهيمة من انفجار بطنها من هذا المرض .

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يحدث : أن النبي  جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال (إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) ، فقال رجل يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر ؟ فسكت النبي  فقيل له ما شأنك تكلم النبي  ولا يكلمك ؟ فرأينا أنه ينزل عليه ، قال فمسح عنه الرخصاء فقال (أين السائل) ؟ وكأنه حمده فقال (إنه لا يأتي الخير بالشر ، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضراء أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت ، وإن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال النبي  وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيدا عليه يوم القيامة) ، قال السيوطي(معناه أن نبات الربيع وخضرة يقتل حبطا بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل إلا اذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة ، وتحصل به الكفاية المقتصدة فإنه لا يضر ، وهكذا المال هو كنبات الربيع مستحسن تطلبه النفوس وتميل إليه فمنهم من يستكثر منه ويستغرق فيه غير صارف له في وجوهه فهذا يهلكه أو يقارب أهلاكه ومنهم من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا يسيرا وإن أخذ كثيرا فرقه في وجوهه كما تثلطه الدابة فهذا لا يضره ، والاشارة بقوله  إن مما ينبت الربيع ما يقتل لأن الربيع ينبت أجرار البقول فتستكثر منه الدابة حتى تهلك)
والمعنى أن هؤلاء المنافقين أكثروا من حب الدنيا وتحالفوا مع أعداء الله لينالوا حظا من الدنيا لا يقارن بحظهم من الآخرة لو آمنوا بها حقا ، فلما أكثروا من طلب الدنيا والشغف بها حبطت أعمالهم التي جمعوها لطلب الآخرة إن كانوا قصدوا منها ذلك ، ولم يبق لهم إلا أن تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم .

قوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (30) يستعجب المنافقون من القرآن الكريم أنه يكشف مكرهم وخداعهم وتحالفاتهم مع الكافرين وكشف تفاصيلهم بأسلوب بالغ الدقة ، رغم حرصهم أن تبدوا صورتهم أمام الناس وكأنهم مؤمنون بل ومدافعون عن الإسلام والمسلمين ، كما في قوله (يستمعون إليك) أي بإنصات وحرص ، فكم حبكوا تحالفاتهم وكتموا أسرارهم حتى لا تنكشف للمسلمين ، وكم أخفوا تآمرهم على أهل الإسلام ، لكن الله يفضحهم ويكشفهم لنا ، فيخرج ما في صدورهم من ضغن وحقد وحسد للذين آمنوا ، ولو شاء الله لأخبرنا بأسمائهم فردا فردا ، ولكنه سبحانه يُعرفهم لنا بصفاتهم وأخلاقهم .
فهؤلاء المنافقون يكشفون عن أنفسهم بلحن قولهم وعدم صدقهم في الحديث ، وهو ما يسمونه علم (السياسة) ، وهو في الحقيقة الدربة على (النفاق) ، فهؤلاء قد مردوا النفاق ، بل ويعترفون بذلك ،ـ فيقولون السياسة كلها كذب وخداع وتضليل ، فهذا جائز في عُرفهم أي السياسيون ، وهكذا خلطوا الحق بالباطل ولبسوا على غيرهم ، فلحن القول الذي بدا من أفواههم فيما يسمونه (بعلم السياسة) ، يسميه المسلمون كذب وتضليل ، يقول النبي  (إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) .

قال ابن القيم (فَإِنَّ السِّيَاسَةَ نَوْعَانِ : سِيَاسَةٌ ظَالِمَةٌ فَالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُهَا ، وَسِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ ، فَهِيَ مِنْ الشَّرِيعَةِ ، عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا ، وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا) ، وقال (قَالَ شَافِعِيٌّ : لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلًا يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ  ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ ، فَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك : " إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ " أَيْ لَمْ يُخَالِفْ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ : فَصَحِيحٌ) .

وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى لحن قولهم ، وإليك بعض ممن كشفه القرآن عن لحنهم :-
- قوله (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) [الأحزاب: 13 - 14] ، فمنهم مَن يعتذر عن الجِهاد ، ويبني اعتذارَه على أنَّه يريد حمايةَ ظهر المسلمين، وحماية دِيارهم بعد أن خرج المجاهدون منها، وكأنَّ رسول الله -  - قد نسي أن يولِّيَ من هو أصلحُ منهم لهذه المهمَّة، إلاَّ أنه -  - كان يولِّي عبدالله بن أمِّ مكتوم .
- قوله (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً) [الأحزاب: 18] وهؤلاء لا تكمن مشكلتُهم في تخاذُلِهم عن الجِهاد فحسبُ أو عرْض وجهةِ نظرهم الانهزاميَّة تلك ، وإنَّما يحاولون صرفَ المجاهدين عن جهادهم وتقعيدهم عن الجِهاد؛ فتراهم يُثبِّطونهم ويعوقونهم؛ لينضموا إليهم في خذلانهم؛ لذا حذَّرنا الله - تعالى - أن نسمع لهم، فلَحنُ القول قد ينطلي على ضِعاف الإيمان، إلاَّ أنَّه لا يَزيد المؤمنين إلاَّ ثباتًا؛ يقول المولى - سبحانه (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173].
- قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [آل عمران: 156 - 157" ، يظهر نِفاقُ هؤلاء القوم عندما رأوا القرح قد أصابَ المؤمنين، وقد بدَا فرحُهم بذلك ، فهم لا يقولون: نحن فرحنا بهزيمتكم ، ولكنَّهم يؤكِّدون وجهة نظرهم بأنَّ الجهاد خسارة لأرواح الجند، وأنَّ السلام يحقن دماءَهم، فيقولون: لو أطعتمونا لَمَا أصابكم ما أصابكم.
- قوله (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) [آل عمران: 166 - 167] فبالرغم من أنَّهم يرون حاجةَ المسلمين لهم ، ولجهادهم معهم بالمال والنفس، إلاَّ أنَّهم يتجاهلون هذه الحقيقةَ وكأنَّهم لا يرون شيئًا، وكأنَّ مساعدتهم لإخوانهم بالجِهاد لم يأتِ وقتُها، ولم يحن، فيلحنون القولَ قائلين: أين هذا الجِهاد الذي يزعمون؟! لو جاء وقتُه فسوف نكون معكم ، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة.
- قوله (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 64 - 66] ، فهؤلاء المتخاذلون المثبِّطون لغيرهم القاعدون عن الجهاد يخافون أن يَكشفَ الله – تعالى - كذبَ قلوبهم، وزيفَ ألْسنتهم، واستهزاءهم بشرْع ربِّهم، واستهزاءهم بالمجاهدين، كما أنَّهم عندما يَكشفهم الله لنا ويُظهر كذبَهم ولحنَ قولِهم، يستمرُّون في اللَّحن لآخر لحظة، فيقولون: إنَّنا لم نكن نعترض على الجهاد أو وقته وكيفيته والإعداد له، بَيْدَ أنَّنا فحسبُ كنَّا نستعمل ما أوتينا من سياسة حَكيمة فحسبُ.

وذلك كله تأكيد على أنَّ هؤلاء القوم قدِ ارتدوا عن الإيمان طالَمَا كرهوا الجِهاد؛ قال - سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: 8 - 9]، كما أنَّهم كرهوا دِينَ الله - تعالى - واتَّبعوا ما أسخط الله، وكرهوا أن يُرضوه بالتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى ، فيعلمنا الله - تعالى - مَن هم هؤلاء، ويظهر ما في قلوبهم لنا، ففي القولِ المأثور (اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنَّه ينظر بنور الله) ، وفي ذلك قوله - سبحانه -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) [الحجر: 75] قال الترمذي (لِلْمُتَفَرِّسِينَ) ، فهؤلاء الذين يتوسمون أحوال الناس فيعرفون الصادق من المنافق من لحن قولهم ، وفي الحديث: (لا يُلدغ المؤمنُ من جُحر واحدٍ مرَّتين) ، أي أنهم لو عاملوا الناس بظاهر الحال مرة ، فإنهم في المرة الثانية يكشفون خداعهم وكذبهم ونفاقهم .

قوله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (31) الابتلاء بالجهاد يكشف الناس ويميز أهل الحقِّ عن المنافقين ، فالابتلاءُ هو المخْبرَ الذي يتمُّ فيه تمييزُ الفريقين ، فالابتلاء ينفي المنافقين عن الأمة كما ينفي الكير خبث الحديد ، فالحديد لا يثقل إلا إذا نقي من الخبث ، وكذلك صفوف المجاهدين في سبيل الله لا تنقى إلا بمثل تلك الابتلاءات ، كما في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فسبحان الذي خذَّلهم عن الجهاد في سبيل الله حتى يحفظ للأمة الإسلامية وحدتها وقوتها ، فالإيمان لا يكتمل إلا بالجهاد في سبيل الله والصبر على أذى الكفار والمشركين ، قال تعالى (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) .
والجهاد لا يتم إلا بالصبر ، قال تعالى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ، فالصبر من عزم الأمور لأن النبي  قال (أفضل الإيمان الصبر والسماحة) ، وقال  (الصبر ضياء) قال السيوطي : الصبر ضياء أي لا يزال صاحبه مستضيئا مستهديا مستمرا على فعل الصواب ، وعن علقمة قال عبد الله : (الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله) ، إذن الذي يزعم أنه مؤمن لابد وأن يدلل على إيمانه هذا بالصبر على الإبتلاء ، ولذلك يقول النبي  (يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة) ، يقول النبي  (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ)

قوله (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وعد من الله بكشف المنافقين ، فينكشف بعضهم من أول ابتلاء يبتليهم الله به ، فسريعا ما تجدهم يتخلفون عن الجهاد إذا ما عزم الأمر ، يفضحهم الله ليعرفهم المؤمنون ويحذرونهم

قال القرطبي : كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال (اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا) ، يقصد بذلك أن يجاهد لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، لا بقصد دنيا ولا حمية .

فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  (الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ  إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .

المحور الثالث
الدعوة ماضية بالجهاد إلى يوم القيامة رغم صد الكافرين وبخل بعض المسلمين

قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)

لا تزال جهود أهل الكفر للصد عن سبيل الله ومشاقاة الرسول قائمة ولن تتوقف ، وليس ذلك عن جهل منهم بهذا الدين ، بل هم على علم بأنه الحق ، والله تعالى مبطل أعمالهم وجهودهم المبذولة ضد الإسلام وأهله ، فكان من المناسب أن يلتفت الخطاب القرآني إلى أهل الإيمان لكي يظلوا على طاعة الله ورسوله في مجاهدتهم لأعدائه ، ولا يكتفوا بجولة واحدة مع الباطل ، بل هي جولات وصولات ، في إشارة إلى أن من يتخلى عن الطريق يبطل ما مضى من جهاده ، ثم يعود الخطاب إلى ضمير الغائب ليعود إلى الذين كفروا مرة أخرى ، حيث يصور حالهم وهم يموتون على الكفر ، وقد ظلوا يحاربون الله ورسولهم طيلة دنياهم حالمين بالدنيا راغبين عن الآخرة ، في إشارة كذلك إلى أن من أهل الشرك والكفر من يموت على هذا الحال ، ولن يترك طريقه ، فكان الأولى بأهل الحق أن يموتوا على الحق ولا تركوا الجهاد في سبيل الله .

ولذلك عاد الخطاب مرة ثانية إلى ضمير المخاطب ، فخاطبت المؤمنين في أربع آيات خطابا مباشرا تضمنت (نهيا وتثبيتا ووعدا وشرطا وتحذيرا) ناهية الذين آمنوا أن يضعفوا عن ملاقاة العدو أو يحزنوا على شهداءهم وعندما يصيبهم أذى من الكفار ، وتثبتهم وتعدهم بالبشرى بأنهم الأعلون بشرط أن يظلوا مستمسكين بعرى الإيمان بالله ، وحذرتهم من الالتفات للدنيا ، فأهل الجهاد إذا شغلتهم الدنيا تركوا الجهاد وتخاذلوا عنه ، ولذلك استثنى الخطاب من العلو الموعود به الطائفة التي بخلت عن نصرة دين الله أو تخلفت عن الجهاد في إحدى جولاته ، فبينت حالها وذمتها ، فناسب أن يكون الختام بالتقرير سنة الاستبدال لمن تخلف عن أداء هذا الواجب ، حيث يأتي الله تعالى بمن ينصر دينه ، فالله غالب على أمره ، ودعوته لاتزال ماضية تختار من ينصرها ، ولن تتوقف على علي من يتخاذلها.

قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) (32) تقرير بأن جهود الذين كفروا في محاربة الإسلام وأهله والصد عن سبيله سوف تذهب سدى ولا شك ، وكذلك جهود المنافقين ، ولكي يحصل ذلك لابد – أولا- أن يبذلونها في الخصومة والشقاق مع رسول الرحمة وأصحابه ،وهم يعلمون أنهم يحاربون أهل الحق بتلك الصفات ،أي أنهم ينفقون أموالهم ويبذلون جهودهم للصد عن مبادئ الرحمة التي نادى بها الإسلام والمساواة بين الخلق ،وهم يعلمون ما هم فيه من الباطل ، وليس لهم عذر فيما يفعلونه من حرب ضد الإسلام ، وهو ما يعني أن المسلمين وقبل أن يجاهدوا أعدائهم عليهم أن يشرعوا في دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن يبينوا لهم الهدى ، فإذا ما ظلوا في شقاقهم جاز لهم جهادهم ، وقبل أن يستبين لهم الهدى فلا تجوز مجاهدتهم إلا من قبيل دفع الصائل ، أي رد عدوانهم ، فهذا من قبيل الدفاع الشرعي أيا كان دين هذا الصائل أو نيته.

أما جهاد الطلب فذلك لا يجوز إلا بعد أن تبيين الهدى وطريق الحق ، فعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  (إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ) ، فالجزية فرضت لتعذر الاتفاق معهم على صلح مضمون ، وهو فرض أخير على ما سبق بيانه .

إذن جاء الأمر بقتال الكفار لإزالة كل صاد عن إيصال الحق للناس وتعليمهم الهدى وبيانه لهم ، فإنهم وإن أصروا على الشقاق مع رسوله وأتباعه من المسلمين ، فإنهم لن يضروا الله شيئا ، فمهما ازدادوا كفرا وصدا عن سبيله ومخاصمة لدينه ، فسوف تظل دعوة الله قائمة ماضية إلى يوم القيامة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل ، يقول النبي  (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) ، وهذا يعني أن المؤمن مهما أصابه من إيذاء الكفار والمنافقين فإنهم لم يضروه شيئا طالما أنه لا يزال على الإيمان بالله ، قال سبحانه (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) ، وكل كيد يكيدونه ومكر يمكرون سوف يؤول إلى زوال ، وسوف يحبطه الله تعالى فلا يضُر المؤمنين شيئا ، يقول النبي  (لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) .

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (33) يوجه الله تعالى نداءه للذين آمنوا أن يثبتوا على الحق فيظلوا في طاعة الله وطاعة رسوله ويظلوا مستحضرين لنية الجهاد في سبيل الله على كل حال ، وأن يحرصوا ألا يضيع منهم الأجر وثواب الجهاد ببعض الرياء ، وأن يكللوا جهدوهم وجهادهم بالإخلاص في سبيل الله تعالى ،
فعن أبي موسى قال : جاء رجل إلى النبي  فقال الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، فمن الخطورة بمكان أن يبذل المرء جهدا يظنه في سبيل الله ثم لا يجده شيئا يوم القيامة بسبب الرياء وعدم إخلاص النية لله تعالى .

كما أنه من الخطورة بمكان أن يجاهد المرء في سبيل الله ثم هو بعد أن أتم جهاده على أكمل وجه يبطله بفعل ما حرم الله تعالى إن لم يتب ، ولذلك فإن المجاهد في سبيل الله تعالى له مرتبة عظيمة عند الله تعالى وعند الناس وعليه أن يحذر أن يفقد هذه المرتبة بأفعال قد يظنها صغيرة وهي عند الله تعالى كبيرة ، وقد علمتنا السيدة عائشة رضي الله عنها كيف يحبط الجهاد في سبيل الله تعالى ، فعن العالية قالت : كنت قاعدة عند عائشة رضي الله عنها فأتتها أم محبة فقالت لها يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم قالت نعم قالت فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمائة نسيئة وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمائة نقدا ، فقالت لها بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله  إن لم يتب) ، ذلك أنه تبايع بالعينة وهو نوع من أنواع الربا المحرم .

قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (34) تنعي الآية موتهم وهم على هذا الحال من الكفر أو النفاق ، وتشير إلى أن باب التوبة سيظل مفتوحا لهم طالما لم تعاجلهم المنية ، يقول النبي  (إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر) ، فإن ماتوا قبل أن يتوبوا ويسلموا ويحسنوا إسلامهم فلن يغفر لهم .

يقول بن عاشور : هذه الآية تكملة لآية ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول ) الخ لأن تلك مسوقة لعدم الاكتراث بمشاقهم ولبيان أن الله مبطل صنائعهم ، وهذه مسوقة لبيان عدم انتفاعهم لمغفرة الله إذ ماتوا على ما هم عليه من الكفر فهي مستأنفة استئنافا ابتدائيا) .

قوله (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ..) (35) تضمن نهيا أن يضعف المسلمين في قتالهم الكفار الصادين عن سبيل الله ، ومن الوهن أن يستعجل المؤمنون إنهاء الحرب بينهم وبين الكفار ، ويركنوا إلى السلم والمهادنة ووضع السلاح رغم أن الكفار لا يزالون يجابهون المسلمين بالصد عن سبيل الله والشقاق والعناد والخصومة ضد أحكام الله ، بل ولا يزال المستضعون أسرى عندهم لا يأمنون على أنفسهم ولا دينهم من الفتنة وهم بين المشركين ، فالإسلام يُعلِّم المسلمين أن لا يستسلموا ولا يضعفوا عن مواصلة قتال ، فلا استكانة في طلب الجهاد حتى إزالة حواجز الظلم من طريق الدعوة.

فالآية تحض على عدم وضع السلاح ولم تتحقق بعد أهداف المجاهدين المعلنة ، وهي إزالة الصادين عن سبيل الدعوة ، فلا تكون الدعوة إلى السلم مع أعداء الله مشروعة إلا في حالة إذا جنح الكفار للسلم ، ولا يكون ذلك حاصلا إلا إذا كانت القوة للمسلمين وقد أُنهك أعداء الله تعالى من شدة القتال وأرادوا استسلاما فحينئذ يكون استسلامهم وفقا لشروط المسلمين ، وفي ذمتهم ، فلا سياسة مع أعداء الله تعالى ولا تصالح حتى يذعنوا لمبادئ الإسلام العامة التي تحقق العدل والمساواة والحرية ، فلا يرجعوا للصد عن سبيل الله مرة أخرى ، كما في قوله (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فمتى تحقق المسلمون من أنهم جنحوا للسلم حقا ولا بديل لهم غير السلم ، وتأكد المسلمون من رغبتهم في السلم ووضعوا الضمانات التي تؤكد ذلك ، فنعم وإن لم فلا.

قوله (..وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (35) يثبت الذين آمنوا كما ثبت الله نبيه موسى إزاء فرعون (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) ، وقد ثبت الله المؤمنين بقوله (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، يقول النبي  (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ) ، تلك الطائفة هي الأعلى وهي الظاهرة على الناس ، يعزى ذلك لأن معية الله تعالى مع الذين آمنوا (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) ، يقول أحد الكتاب : (ذلك أن الله تعالى خلق المسلم ليكون في المرتبة الأعلى وفي المكانة الأعلى، ولا يكون في المرتبة التالية أو المكانة الدونيَّة ، لا يكون تابعًا وإنما يكون متبوعًا، لأنَّه ينتَمِي إلى أمَّة الخيريَّة) ،يقول النبي  (لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) ، فهم الأعلون لأنهم يظهرون أمر الله ويعظمون شعائره.

قوله (..وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (35) يرد على شبهة قد تطول البعض حين يعلم أن الله ضمن العلو والنصر للمؤمنين ، فيقول علام نقاتل ونحن الأعلون ، وقد صحح الله تعالى هذه الشبهة في أول السورة بقوله (إن تنصروا الله ينصركم) ، ويصححها في آخر السورة بالتأكيد على أنه لابد من العمل بأسباب النصر ، فليس معنى أنهم مسلمون لابد وأن ينتصروا دون أن يأخذوا بأسباب النصر ، فالجهاد من أسباب النصر ،والنصر ليس غاية بل الغاية هي تحقيق العبادة بالتماس أسبابه التي شرعها الله من إعداد العدو والتجهز للقتال ،وبدء القتال فعلا والصبر على الأذى ، فإن تحقق النصر فخير وإن لم يتحقق فهو كذلك خير ، كما ليس معنى أنهم أخذوا بأسباب النصر أنهم لابد أن ينصروا في كل جولة ، إنما النصر من عند الله ، وليس بجهد المؤمنين ، قال تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، ومعنى ذلك أن النصر لا يتحقق بفاعلية ذاتية ، ولا بجهود المؤمنين ، إنما هي إرادة الله المطلقة ، فالنصر لا ينسب إلا لله سبحانه (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) ، ورغم ذلك فإن الأجر والمثوبة يعطيها الله للمؤمنين جزاء جاهدهم وقتالهم في سبيل الله ، فغاية المجاهد هي فعل الجهاد ذاته وليس إدراك النصر ، والله تعالى يعلمه أنه سوف يدرك غايته وينال ثوابه ، ولن ينقص من أجره شيئا وإن لم يدرك هو بنفسه النصر ، فقد يدركه الجيل الذي بعده ، وقد تم أجره وحسن عمله ، فمن قتل من المسلمين في غزوة (أحد) لم ينقص شيء من أجرهم ، وقد أتم الله النصر للمسلمين بعد ذلك ، فالتعامل مع الهزيمة أو إيذاء الكفار بروح النصر والاستبشار بقربه هي ثقافة المسلمين .

قوله (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ..) (36) تضمن تحذيرا أن تكون الدنيا سببا لترك الجهاد في سبيل الله ، ذلك أن الدافع للسلم وترك القتال في سبيل الله تعالى التفكير في الدنيا وما فيها من لعب ولهو ، حتى ولو قصد من السلم تعمير الأرض والتطاول في البينان وتحقيق الاستقرار ، فذلك كله ليس إلا لعب ولهو بلفظ القرآن ، والمسلم لا يتجاهل الدنيا فهو أول من يعمرها ، لأنه مستخلف فيها ، لكن على المسلم أن يرتب أولوياته بحسب مقاصد الشرع ، فإذا تعارض السعي لحرية الاعتقاد واكتساب الحقوق الأساسية مع المصالح المادية والنفعية فإن الحياة بلا حرية مهما زينتها الدنيا لا تساوي شيئا عند المسلم ، ولذلك يحذرنا المولى سبحانه من أن تكون الدنيا هي سبب التخلي عن نصرة المستضعفين ونصرة دين الله تعالى ، يقول الحق تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ، يقول النبي  (إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) .

كما تضمن هذا التحذير تنبيه للمجاهد في سبيل الله تعالى ألا يطلب شيئا من الدنيا أثناء جهاده ، وإلا فإنه لن يكون في سبيل الله تعالى ، فعن أبي هريرة أن رجلا قال: يارسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال النبي  " لا أجر له " فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل عد لرسول الله  فلعلك لم تفهمه فقال يارسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا قال " لا أجر له " فقالوا للرجل عد لرسول الله  فقال له الثالثة فقال له " لا أجر له" ، إذن لا يجمع المؤمن في نيته للقتال في سبيل الله تعالى شيء من طلب الدنيا ، وإن أصاب شيئا من الغنيمة فهو قد أصابها دون أن ينوي ذلك عند الجهاد ، وإنما أصابها بحكم الشرع له بذلك ، وهي بعيدة عن قصده ، فأحل حلال الله ولم يحرمه على نفسه .

قوله (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) ، ذلك هو الشرط لتحصيل الثواب والأجر ، فلو تمكن الإيمان من القلوب وأضحت التقوى أساس المعاملات وقد نال العبد من الله الأجر والمثوبة ، فلن يكون بحاجة لأن يُدفع دفعا لأن يتصدق في سبيل الله أي بما زاد عن قدر الفريضة ، فالذي يسارع للجهاد ويجود بنفسه لله ، ويقدم كل غال ورخيص في سبيل الله لا يبخل أن يضحي بماله في سبيل الله ، فالتضحية بالنفس أغلى من التضحية بالمال .

ومن جهة أخرى تشير الآية إلى قاعدة أن البذل بقدر الإيمان ودون حاجة إلى تكليف ، فالقاعدة أنهم لا يُسْألون عن كرائم أموالهم أي النفيسات منهن ، ولا غرو أن يتصدقوا بكرائم أموالهم طواعيا لا كرها ، يقول النبي  لمعاذ حين بعثه لليمن (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) ، قال ابن الأثير (أي تَجَنَّبْها لا تأخُذْها في الصدقة لأنها تَكْرُم على أصحابها وتَعِزُّ فَخُذ الوَسَط لا العالِيَ ولا النازلَ) .

والقاعدة الثانية -كذلك - أنهم لا يُسألون أموالهم كلها بل يدفعون نصيب الزكاة المفروضة منها الذي هو حق الله منها ، باعتبار أنها ليست أموالهم على وجه الحقيقة ، (وإنما المال مال الله) وقد استقطع الله منها نصيبا للفقراء ، وفي كلا الحالتين لهم أن يدفعوا زيادة عن نصيب الزكاة فبرضاهم ، ولهم أن يتصدقوا بكرائم أموالهم طواعية دون إجبار.

قوله تعالى (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) استثناء من الشرط المتقدم ، وذلك لمن لم يتمكن الإيمان من قلبه ، فذلك يحتاج لأن يٌدفع دفعا لعمل الخير ، فيحضه الله على النفقة في سبيله ، ويحفيه أن يتخلى عن البخل والحرص والشح ، يقول النبي  (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم والظلم ظلمات يوم القيامة) .

والمعنى أن الله تعالى حين يحض المؤمنين على الجهاد بالنفس في سبيله فإنه كذلك يحضهم قبل ذلك على الجهاد بالمال ، وكلاهما - الجهاد بالنفس والمال- ليسا فرض عين على كل مكلف ، وإنما هو فرض على الكفاية ، فإذا قام به بعض أفراد الأمة وجماعاتها فقد سقط عن الباقين .
لكن هذا الحكم ليس على إطلاقه ، فالإمام حين يسأل آحاد الناس بأن يدفع مالا معينا لأجل الجهاد في سبيل الله ، فإنه حينئذ يتعين عليه هذا الواجب ، فيضحى ملزما بدفع المال في سبيل الله ، وليس له أن يبخل

وليعلم العبد أن الله سبحانه حين يسأله أن يدفع أمواله في سبيله فإنه سبحانه يسأله إياه عن إلحاح ، فهو يحضنا سبحانه على فعل الخير ويلح علينا لفعله ، كما أشار بذلك قول النبي  : (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة ... يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي) ، ولابد وأن يعلم المسلم أنه وبالرغم من هذا الإحفاء والإلحاح من الله تعالى فإنه هو الغني ولا حاجة له بخلقه لكنه يلح مدافعا عن خلقه .

ومن جهة أخرى لابد وأن يعلم الإنسان أنه حين يبخل ينكشف ما في قلبه من ضغن وعداوة والاستئثار بهذا المال عن مستحقيه ، لأنه لو لم يكن في قلبه شيء من الضغن لاستشعر بحاجة أخيه له ولأنفقه بلا تردد ، يقول النبي  (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع) ، لكن البخل حال بينه وبين أن يرى مرتبة المجاهدين في سبيل الله تعالى بالمال والنفس ، ويقول النبي  (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، فكأن الذي يبخل أن يقدم ما تعين عليه من مال حين يسأله ، فقد نفي عنه الإيمان الكامل، لقوله  (لا يؤمن) ، وقوله  (ليس المؤمن) ، فقد نفى عنه الإيمان لأجل هذا البخل وقت الحاجة والإلحاح .

يقول الشعراوي ( الحق سبحانه وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من المال ، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه في سبيل الله ليزيد ولينمو ، وليخرج الضغن من المجتمع؛ لأن الضغن حين يدخل مجتمعا فعلى هذا المجتمع السلام ، ولا يُفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية تزلزله ، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه ) ، وقد ذم الإسلام هذا الفعل يقول النبي  : (إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا) .

قوله (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ) ، أي قد يقع البخل من آحاد المسلمين ، إما لحداثة عهده بالإسلام ، أو لعدم فهمه ثواب الصدقة وهكذا ، أما أن يقع من جموع المسلمين من أشراط الساعة ، يقول  (يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح) ، وكان كثيرا ما يتعوذ من البخل ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ ، قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي)

ولذلك فإن أفضل النفقة عندما يقارن العبد بين حاجته لهذا المال وحاجة إخوانه له ، فينفق وهو يخشى الفقر دون أن يلقي بنفسه وأهله إلى التهلكة ، قال سبحانه (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي  فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) .

قوله (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) يستدرك المولى سبحانه موضحا غناه عن خلقه ، فبالرغم من أنه يلح على عبده بالنفقة ، بل ويلحفه إلحافا إلا أنه سبحانه هو الغني ولا حاجة له بأحد ، بل نحن أحوج إلى الله تعالى وليس لله تعالى حاجة بنا ، يقول عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .

قوله (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) فلأن الله هو الغني عن عباده ، فإنه في مقابلة ذلك عباده فقراء لربهم ، فهو قادر على أن يذهب بالبخلاء ويأتي بآخرين لا يبخلون ، يقول سبحانه (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ) ، ونظير ذلك قوله تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) .

فنصرة دين الله تعالى لا تتوقف على أحد من خلقه ، فهو القادر على أن يُذْهِب من يبخل عن نصرة دينه ويأتي بآخرين لا يبخلون ويقدمون الغالي والرخيص لأجل هذا الدين ، ولو لم يكونوا من العرب ولو لم يقدروا أن ينطقوا كلمة عربية واحدة غير لا إله إلا الله محمد رسول الله

فعن أبي هريرة أنه قال : قال ناس من أصحاب رسول الله  : يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لم يكونوا أمثالنا قال وكان سلمان بجنب رسول الله  قال فضرب رسول الله  فخذ سلمان – الفارسي- قال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس) .

وفي ذلك إشارة إلى أن راية هذا الدين يحملها من يؤمن بها ويدافع عنها دون اعتبار لجنسه "رعويته" أو لغته أو قومه ، فراية الإسلام يحملها من يؤمن بالإسلام ويعمل لأجل هذا الدين وضحي من أجله بالدنيا كلها وما يملك .

وهكذا يبدو أن هذه السورة كما أنها لم تتصدر بمقدمة ، فإنها لم تنته بخاتمة ، لأن الله يستعمل لدينه في كل زمان ومكان من يرضى عنه ، وهكذا يتبدل الزمان والمكان والأشخاص وتظل دعوة الله قائمة بلا نهاية حتى قيام الساعة .

  • الثلاثاء PM 02:14
    2026-03-24
  • 327
Powered by: GateGold