ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حفظ المتقين في سلام الجنات آمنين بالدخول في مقام العبودية لله بالجمع بين الخوف والرجاء
د / احمد نصير
حفظ المتقين في سلام الجنات آمنين
بالدخول في مقام العبودية لله بالجمع بين الخوف والرجاء
قال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)
قوله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (46) من المناسب بعد عرض جزاء إبليس وطرده من رحمة الله أن تتعرض الآيات بالذكر لجزاء المتقين الذي يطيعون أوامر ربهم ، فتصفهم بعدما غادروا الدنيا أنهم أضحوا في جنات وعيون ، فصاروا يشعرون بالسلام ويحسون بالأمن ، وكانوا قبل ذلك قد ابتلاهم الله في الدنيا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، فصبروا ، واسترجعوا ، واستبشروا بالجنة .
وهي جنات لأنها درجات ، قال رسول الله r (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ")[1].
قوله (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (46) فالسلام يعني السلامة من كل الآفات أي الأمراض والعلل والأحزان ، ويعني كذلك السلام النفسي الداخلي ، ولاشك أن المؤمن يشعر في الدنيا بالسلام الداخلي رغم ما يعتريه من ابتلاءات وتلك هي القوة التي تجعله سعيدا مسرورا ، فيشعر دوما بالسكينة والطمأنينة والأمان ، نعم قد يصيبه في الدنيا بعض النغص والكدر ، لكنه في الآخرة يشعر بسلام وآمان ، لا يعكره أي شائبة ، (والإجماع منعقد على أن الجنة لا خوف فيها)[2]، بدليل قوله (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ..)[الزخرف 68] .
يقول الشيخ أحمد النقيب (عندما تتأمل هذه الآيات تجد أن فيها بمفهوم المخالفة تعريض بالدنيا، فالدنيا يميزها أمران: الأمر الأول: أنها دار نصب، أما الجنة فأهلها يتنعمون فيها بخلاف أهل الدنيا فإنهم ينصبون فيها، فالرجل لا يبلغ مراده مما يحب إلا بالنصب والتعب:-
لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله*** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
الأمر الثاني: أن الناس يُخرجون منها، -سبحانه وتعالى- جعل الجنة دار خلود وجعل الدنيا دار فناء ونهاء, أما الجنة فيدخلها المطيعون لا يخرجون منها أبداً بخلاف الدنيا فإنهم يُخرجون منها)[3]
قال أبو القاسم (السلامة الحقيقية ليست إلا في الجنة ، قال تعالى (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) إذ فيها بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وصحة بلا سقم ، قال تعالى (لهم دار السلام عند ربهم) أي السلامة ، قال (والله يدعو إلى دار السلام) [4].
إذن بدخول المسلم الجنة ينتهي كل ما يقلقه أو يحزنه ، وتنتهي كل آلامه المادية والنفسية ، قال ابن كثير "بسلام " (أي: سالمين من الآفات، مسلمًا عليكم، "آمِنِينَ" أي : من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج، ولا انقطاع، ولا فناء)[5].
قوله (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ..)(47) حيث خلت قلوبهم من الحقد والحسد لإخوانهم ، والتكبر على خلق الله ، لاسيما أن بين أهل الجنة تفاضل في المنازل والدرجات [6]، وهذا التفاضل يؤدي – في الدنيا – لوقوع الحسد بين الناس ، ومهما كان القلب طاهرا من الغل والحسد قبل دخول الجنة فإن التفاضل بين أهل الجنة لا يقدر على تحمله أحد ، ولذلك نزع الله ما في صدورهم من غل لأن لا يحسد بعضهم بعضا على ما أتاه الله من فضل .
فعَنِ أَبِي أمامة قَالَ:"يدخل أَهْل الْجَنَّة الجنة عَلَى مَا في صدورهم في الدُّنْيَا مِنَ الشحناء والضغائن، حتى إِذَا نزلوا وتقابلوا عَلَى السرر، نزع الله مافي صدورهم في الدُّنْيَا مِنْ غل". قوله: " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ"[7].
عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)[8].
والمثال على هذه الحالة ما روي عَنْ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (إِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)[9].
عن قتادة قال لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال لو كان بن صفية يعلم أنه على حق ما ولى ، قال : وذلك أن رسول الله r لقيهما في سقيفة بني ساعدة ، فقال أتحبه يا زبير فقال وما يمنعني فقال النبي r فكيف أنت إذا قاتلته وأنت ظالم له قال فيرون أنه إنما ولى لذلك)[10].
قوله (..إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (47) فحالهم في الآخرة هو انعكاس لعلاقة الود والحب في الله التي كانت بينهم في الدنيا ، فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[11].
و"السُرُر" كناية عن الراحة من التعب ، والتنعم برغد العيش ، وهذا هو المستوى الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الجنة .
وقوله (متقابلين) يعني يرى بعضهم بعضا ، فيشعور بالمشاركة من الآخر ، وتلك هي النعمة التي يعطيها الله لأهل الجنة ، أي نعمة التفاعل مع مجتمع أهل الجنة ، عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)[12].
قال العثيمين (التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة) [13]، قال رسول الله r (وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[14]، فالذي يأكل وحده أو يشرب وحده أو يتمتع وحده ليس كمن يفعل ذلك ويشاركه أخوانه ذات اللحظة من البهجة والسرور ـ
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ)[15]
قال النووي (أي متفرقين جماعة جماعة ، معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع وفيه الأمر بإتمام الصفوف الأول والتراص في الصفوف ومعنى اتمام الصفوف الأول أن يتم الأول ولا يشرع في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني ولا في الرابع حتى يتم الثالث وهكذا إلى آخرها)[16]
قال الشيخ عبد المحسن العباد أي: (كأنه أنكر عليهم هذه الهيئة التي كانوا عليها، وقوله: (عزين) يعني: متفرقين حلقاً حلقاً ، والتحلق في المسجد إذا كان قبل الصلاة –وبعد الأذان-فهو غير سائغ؛ لأنه إذا أذن المؤذن فإن المطلوب أن يكون الناس صفوفاً، وأن يتموا الصف الأول فالأول، وأن يستعدوا للصلاة، فإذا كان هذا الأمر قبل الصلاة ، فمعلوم أن هذه الهيئة لا تنبغي، وأن المطلوب عندما يأتي الناس إلى المسجد في الصلاة وقد دخل الوقت فإنهم يتقدمون إلى الصف الأول حتى يملئوه، ثم ينشئون الصف الثاني حتى يملئوه، ثم الصف الثالث .. وهكذا، فيملئون كل صف وينتقلون إلى الصف الذي يليه، فلا ينبغي الجلوس على هذه الهيئة قبل الصلاة، وعلى الناس أن يجلسوا صفوفاً ينتظرون الصلاة، يقرءون القرآن أو يذكرون الله عز وجل، ولا يجلسون حلقاً، فإن هذا هو الذي أنكره النبي r ، وقال: (ما لي أراكم عزين) ، وأما الجلوس في المسجد في غير وقت الصلاة حلقاً لتعليم العلم، وتكون الحلق متعددة هذا يدرس فناً وهذا يدرس فناً، وهذا يدرس علماً، وهذا يدرس علماً، فهذا لا بأس به، وقد كانت الحلقات في مسجد الرسول r موجودة منذ زمن قديم، فهذا شيء لا بأس به)[17].
وقد وسع الزرقاني في المعنى المراد فقال (أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين)[18] ، وسواء أكان المعني متعلق بما قبل الصلاة أو بعدها مباشرة ، فالمعنى المشار إليه والمندوب إليه هو تقارب المسلمين مع بعضهم البعض أثناء أداء شعيرة الصلاة وأثناء الانتظار للصلاة ،وقبل الانصراف منها لأمور حياتهم ، استشرافا لما سوف يجازيهم الله به في الجنة من سرر يتقابلون عليها .
قوله (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ..) (48) ضمن الله لأهل الجنة ألا نصب فيها ولا تعب ، فمجرد أن يمسهم فيها شيء من التعب محال ، كقوله (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر 35] .
وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [19].
قال الشنقيطي النكرة (نصب) في سياق النفي، تعم كل نصب ، فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة)[20] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ)[21].
قوله (..وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (48) هذا النفي يطمئن أهل الجنة بأنهم في راحة أبدية ، قال الألوسي (يعني استمرار النعمة بالخلود)[22] ، ففي الحديث في وصف أهل الجنة «وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً »[23]، وفي حديث مسلم « يا أهل الجنة خلود بلا موت » ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ)[24].
فهم فيها خالدون ، وليسوا بمخرجين ، كما حصل لأبيهم آدم عليهم السلام ، ذلك أن جنة الخلد ليس فيها ابتلاء ، أما جنة آدم فكانت ضمن دار الإبتلاء ، والله صادق في وعده ، وإبليس كاذب حين قال لآدم ألا أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فخسئ عدو الله ، وصدق وعد الله .
قوله (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (49) يقول النبي r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)[25]، وذلك لتطميع أهل الذنوب في الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة ، وأن يقطعوا معاصيهم بالعزم المؤكد .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:" " وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ " ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ لِأَحَدٍ الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُهُ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ)[26].
قوله ( وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (50) أردف ذكر الرحمة بذكر العذاب لكي يتحقق الخوف مع الرجاء ، وذلك ليعلم عباد الله تعالى ما عند الله من رحمة وما عنده من عذاب ، فلا يقنطوا من رحمته ، ولا يأمنوا عذابه ، ونظير ذلك في قوله تعالى: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف 156) ، وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام 165) ، (الأعراف 167).
قَالَ رسول الله r (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ -الْجَنَّةِ [27]- أَحَدٌ)[28].
وعَنْ قَتَادَة فِي قَوْلِهِ " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ " ، قَالَ: بلغنا إِنَّ نَبِيّ الله r قَالَ: لو يعلم الْعَبْد قدر عفو الله، لما تورّع مِنْ حرام، ولو يعلم قدر عذابه، لجمع نفسه"[29]،
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ r دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)[30] ما يعني أن الواجب على المسلم أن يجمع بين الخوف من الله والرجاء في فضل الله ورحمته ، فلا يقنط من رحمته ولا يأمن عذابه ، ولذلك شبه العلماء عقيدة المؤمن في الله بجناحي طير ، يطير بهما معا ، أي بالخوف والرجاء ، أَيْ : (الرَّجَاءَ وَالْخَوْفَ كَجَنَاحَيْ طَائِرٍ إذَا مَالَ أَحَدُهُمَا أَيْ : انْخَفَضَ وَتَلِفَ سَقَطَ الطَّائِرُ ، كَذَلِكَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ إذَا مَالَ أَحَدُهُمَا أَيْ : ذَهَبَ وَتَلِفَ هَلَكَ الشَّخْصُ)[31].
قال الشيخ خالد المصلح (فالواجب على المؤمن أن يسير إلى الله عز وجل بهذين الجناحين: الخوف والرجاء، فإذا جاء ما يقتضي تغليب جانب منهما غلبه، فالعاصي إذا غلب الرجاء استمر في عصيانه فنقول له: غلب الخوف حتى تنتهي عن معاصيك، والطائع إذا غلب الخوف قد يبلغ درجة اليأس فنقول له: غلب الرجاء في هذه الحال، لكن الأصل هو استواء هذين في قلب العبد؛ ولذلك ورد عن بعض السلف كالإمام أحمد وغيره: أن الخوف والرجاء بالنسبة للعبد كجناحي طائر، ومعلوم أن جناحي الطائر متقابلان تماماً، ولو حصل نقص في أحد الجناحين لاختل طير الطائر، بل لسقط)[32]، وبذلك يحفظ المسلم دينه وعقيدته من السقوط .
[1] ) رواه البخاري ج9 ص 354 رقم 2581
[2] ) محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - رفع الأستار ج1 ص 95
[3] ) شرح مقدمة القيرواني للشيخ أحمد النقيب ج11 ص10
[4] ) المفردات في غريب القرآن ج1 ص 239
[5] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 537
[6] ) البحر المحيط ج5 ص 356 ، القرطبي ج7 ص 208 ، الشوكاني فتح القدير ج3ص37
[7] ) تفسير ابن أبي حاتم
[8] ) رواه البخاري ج20 ص 200 رقم 6054
[9] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 173 رقم 8 ص 173 رقم 17159
[10] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج11 ص 241 رقم 20430 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج6 ص 161
[11] ) رواه أبو داود ج9 ص 404 رقم 3060 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 27 ، صحيح الترغيب والترهيب 3 ص 93
[12] ) رواه البخاري ج11 ص 33 رقم 3016
[13] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 1825
[14] ) رواه البخاري ج19 ص8 رقم 5604
[15] ) رواه مسلم ج2 ص 421 رقم 651
[16] ) شرح النووي على مسلم ج4 ص 153
[17] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 476
[18] ) شرح الزرقاني ج1 ص 339
[19] ) رواه مسلم ج13 ص 476 رقم 5069
[20] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 279
[21] ) رواه البخاري ج12 ص 189 رقم 3536
[22] ) تفسير الألوسي ج10 ص 21
[23] ) رواه مسلم ج13 ص 476 رقم 5069
[24] ) رواه البخاري ج14 ص 358 رقم 4361
[25] ) رواه مسلم ج13 ص 301 رقم 4936
[26] ) تفسير ابن أبي حاتم ج12 ص 191
[27] ) هذا لفظ رواه الترمذي ج11 ص 451 رقم 3465 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 176 رقم 2807
[28] )رواه مسلم ج13 ص 315 رقم 4948
[29] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 65
[30] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 313 رقم 4251 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 420
[31] ) شرح مختصر خليل للخرشي ج5 ص 402
[32] ) شرح العقيدة الطحاوية ج14 ص 7 تفريع موقع الشبكة الإسلامية
-
الاحد PM 05:19
2026-03-15 - 9



