ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
نقض المنافقين من أهل التوراة للميثاق سبب التشديد عليهم
د / احمد نصير
نقض المنافقين من أهل التوراة للميثاق سبب التشديد عليهم
وفي ذلك مطلبان ، الإشكالية والتعقيب
المطلب الأول
إشكالية نقض أهل التوراه (ميثاق الله)
أولا : عرض الإشكالية بإجمال
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)
ثانيا : عرض الإشكال بشيء من التفصيل
قال تعالى (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (150) قال ابن عاشور (المراد من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود والنصارى، قاله أهل التفسير ، والأظهر أن المراد به اليهود خاصة لأنهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين، وكان كثير من المنافقين يهودا ، وعبر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخبر، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك)[1].
قوله (..وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ..) (150) عَنِ السُّدِّيِّ يقولونَ:"مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَتَقُولُ الْيَهُودُ: عِيسَى لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ"[2].
وهذا من مكرهم وخداعهم وتلك هي طريقتهم للطعن في الدين ، أب بقطع حلقة الوصل بين الإله والبشر ، فما الرسول إلا حلقة الوصل تلك ، فهم يسلمون بالدين نظريا فيقولون لا إله إلا الله ، وكذلك النصارى لا ينكرون أنه لا إله إلا الله ، مع اختلاف معهم في مفهوم الإله الذين يزعمون ، هل هو إله واحد أم ثلاثة أقانيم كما يزعمون ، ثم إنهم بعد ذلك ينكرون الرسالة المحمدية ، فينفون عن هذا الرسول أنه مرسل من ربه ، ليكون ذلك مدخلا لهم لأن يكونوا مشرعين لأنفسهم مع الله ، يتخيرون ما يشاءون من أحكام وينبذون غيرها وراء ظهورهم .
كما أن هناك فريق منهم يندس بين المسلمين يريدون أن يفرقوا بين كلام الله وكلام رسوله ، ينكرون أن يكون لكلام الرسول أية حجية ، ويقصرون الحجة على كلام الله وحسب ، ويسمون أنفسهم قرآنيون ، أي أنهم يحتجون بالقرآن وحده ، ولا حاجة لهم بالسنة ، يقول النبي r (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ)[3]، وذلك من تلبيس الحق بالباطل ، وذلك حتى يكون البيان الإلهي بغير تبيين بالسنة النبوية ، ويكون الإجمال الذي فيه بغير التفصيل الذي في السنة المباركة ، فتكون شعائر الله الصلاة والزكاة والصيام والحج مجرد أحكام نظرية يتعذر تطبيقها عملا لخلو القرآن من الأحكام التفصيلية لهذه الشعائر ..وهكذا سائر الأحكام كتحريم الربا وتطبيق الحدود كالسرقة والزنا والقذف... الخ ، ففي السنة تفصيل ليس موجودا في القرآن ، وعندئذ يتعذر تطبيق هذه الأحكام بغير هذا التفصيل ، وعن النبي r قال (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)[4].
ولكن أنى لهم ذلك فمحاولاتهم تلك فاشلة ولابد ، ولا يزال المؤمنون بالله هم هم المؤمنون بنبيه ، والذين يدرسون القرآن هم هم الذين يدرسون السنة ، دون أدنى فرق بينهما ، قال ابن عاشور (أنهم يحاولون ذلك، فأطلقت الإرادة على المحاولة، وفيه إيذان بأنه أمر صعب المنال، وأنهم لم يبلغوا ما أرادوا من ذلك، لأنهم لم يزالوا يحاولونه، كما دل عليه التعبير بالمضارع في قوله (وَيُرِيدُونَ) ولو بلغوا إليه لقال: وفرقوا بين الله ورسله) [5].
قَوْلَهُ (..وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنكُفُرُ بِبَعْضٍ..) (150) عَنْ قَتَادَةَ (أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، آمَنَتِ الْيَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى ، وَكَفَرُوا بِالإِنْجِيلِ وَعِيسَى ، وَآمَنْتِ النَّصَارَى بِالإِنْجِيلِ وَمُوسَى ، وَكَفَرُوا بِالْفُرْقَانِ وَمُحَمَّدٍ r "[6]، أي أن كفرهم بمحمد وبالقرآن مشترك بينهم .
ويظنون أنهم بهذه الفعلة أهل أديان ، وهم في الحقيقة منافقون لا دين لهم ، فلا دين لمن لا أمانة له ، كما أخبر بذلك النبي r ، وهم قد ضيعوا أمانة الدين ، وفرقوا بين كلام الله وكلام رسوله ، ويريدون أن يثبتوا منه ما يشاءون ويبطلوا منه ما يشاءون ، وأنى لهم .
فالإيمان لا يتجزأ ، ولا يمكن تقسيمه إلى إيمان بجزء من الشيء الواحد وكفر بجزء آخر منه ، فإما إيمان وإما كفر ، أما تجزئة الدين إلى مسائل وموضوعات تكون محلا للشك وأخرى للتصديق هم محض هراء ، وناتج عن اتباع الهوى ، فيكون الهوى عندئذ هو المعبود حقا ، قال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان 43) ، قال تعالى منكرا على بني إسرائيل ومعاتبا (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة 85).
والذين يضعون النصوص القرآنية والأحاديث النبوية موضع النقد بحيث يأخذون منها بعضا ويتركون بعضها بالتشهي هم الذين يعلون من شأن الإرادة الإنسانية ، فتكون هي الحكم في كل شيء ، فما يريده الإنسان أخذه ، وما لا يقبله تركه ، يستوي في ذلك أن يكون المتروك حكما ثابتا بالقرآن أو السنة ، فهؤلاء يتحكمون للإرادة الجماعية ، حتى لا يظن الناس أن الإرادات الإنسانية قد تتعارض فيحصل النزاع ، ويسمون ذلك بالديمقراطية ، فيجعلونها حكما في كل شيء ، فإذا حصل تنازع أو اختلاف في مسألة لم يحتكموا للكتاب والسنة ، وإنما احتكموا أولا وأخيرا للديمقراطية التي هي في حقيقتها رأي الطبقة الاستقراطية القادرة توجيه الطبقات البرجوازية لتأييد رأيها وتبني فكرتها ، وهكذا يصنعون بأنفسهم طواغيت تتحكم في مقاليد الأمور
والإسلام لا يتماشى مع الديمقراطية بإطلاق ، فالديمقراطية بمفهومها المعاصر ليست كالشورى في فقه السياسة الشرعية ، لأن الشورى لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الاجتهاد ، أما المسائل المقطوع بحكمها في الكتب والسنة لا اجتهاد فيها ، فليست محلا للبحث ولا النقاش ، بينما مجال إعمال الديقراطية مفتوح بلا قيود ، ولذلك تجد تقنين زواج الشذوذ في بعض البلدان ، والسماح بتداول المخدرات في بلاد أخرى ، وكذلك أعمال الدعارة والخمور ..الخ ، والتجارة في السلاح ، بينما تقيد بعض البلدان هذه الأعمال الإجرامية ببعض القيود ، وتجد بلدان غيرها تمنع ذلك بإطلاق ، وهكذا تجد أن الديمقراطية لا تسير على وتيرة معينة ، فما تجده مجرما في بلدة ما تجده مباحا في دول أخرى ، وهكذا .
فلا ديمقراطية ولا شورى في حدود الله تعالى ، ولذلك ضرب النبي r مثالا يوضح مساوئ الديمقراطية وما هو الواجب على المسلمين فعله إزاء دعاة الديمقراطية ، فقال r (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)[7]
وقوله (..وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (150) (يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله)[8]، و(هؤلاء قوم أنكروا بعض الدين لتوهمهم تحقيق الوحدة وجمعاً للكثرة ، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات وتركوا الصلوات)[9]، أي أن أمثال هؤلاء الذين اخترعوا دينا توفيقيا بين الأديان سموه دينا إبراهيميا جمعا بينها ، وهو في الحقيقة خالي من شعائر تعبدية ، وأخلاق محمودة ، ومعاملات عادلة ، بل مجرد انتساب لدين ليس فيه إلزام بشيء ، تحللا من كل شيء .
وهؤلاء الذين يفعلون ذلك هم في الحقيقة منافقون لا دين لهم ، ولا هم لهم إلا أن يسوسوا الناس ويتحكموا في مقدرات البشر باسم الدين ، لعلمهم أن أصحاب الدين هم الذين يتبوأون مكانة الصدارة في أي مجتمع ، يقول الشعراوي عما يريده هؤلاء بما يخترعونه من دين ، (يريدون السلطة الزمنية ، ذلك أن القائمين على أمر الدين قديماً كانوا يسوسون قومهم ، لذلك وثق فيهم الناس على أساس أنهم المبلغون عن الله الذين ورثوا النبوات وعرفوا العلم عن الله)[10] ، ودليل ذلك ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[11].
وقد رفض الأزهر الشريف محاولاتهم للترويج بما يسمى بالديانة الإبراهيمية واعتبر أن هذه الدعوة ليس لها أسس أو أتباع أو كتاب وإنما هي مشروع أساسه العامل المشترك بين الديانات الثلاث : الإسلام والمسيحية واليهودية باعتبارها أديان إبراهيمية نسبة إلى النبي إبراهيم ، بهدف التركزي على المشترك بين هذه الديانات والتغاضي عما يمكن أن يسبب نزاعات وقتالا بين الشعوب ، وجاء الترويج لهذه الفكرة في إطار "إقامة السلام بين الشعوب والدول بغض النظر عن الفروقات" ، وهو اتفاق رعته الولايات المتحدة الأمريكية بما يسمى بالاتفاق الإبراهيمي الذي رعاه الرئيس دونالد ترامب ، ونص الإعلان الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية على صفحتها : "نحن نشجع جهود دعم الحوار بين الثقافات والأديان للدفع بثقافة سلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث والإنسانية جمعاء".
هذه الفقرة، هي منطلق ومركز مبادرات كثيرة صاحبت اتفاق التطبيع وتبعته، فتطبيع العلاقات مع إسرائيل لم يكن صفقة سياسية أو اقتصادية بحتة وإنما انعكس على جوانب ثقافية في حياة كل الأطراف.
وهكذا بدأ الحديث عن التسامح والتواصل والحوار بين البلدان والشعوب والملل والأديان ليتحول فيما بعد إلى حديث عما يعرف بـ"الديانة الإبراهيمية الموحدة"،وقد كان هذا الارتباط بين مشروع الديانة الإبراهيمية والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي سببا لرفض المعارضين للتطبيع للمشروع الديني الجديد، حتى قبل أن تتكشف تفاصيله الكاملة[12].
وقد أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانا ردا على هذه الدعوة ، في 21/2/ 2021 قال فيه (إن أساس فكرة الدين الإبراهيمي يقوم على المشترك بين عقيدة الإسلام وغيره من العقائد- وهي فكرة باطلة؛ إذ الإسلام إنما يقوم على التوحيد والوحدانية، وإفراد الله تعالى بالعبادة، بينما الشرائع المحرفة قد دخلها الشرك، وخالطتها الوثنية، والتوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان ، والزعم بأن إبراهيم عليه السلام على دين جامع للإسلام واليهودية والنصرانية- زعم باطل، ومعتقد فاسد، قال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
إن السعي لدعم «اتفاقات إبراهام» للتطبيع والتَّركيع عَبْر تسويقٍ لدينٍ جديدٍ يؤازر التطبيع السياسي هو أمر مرفوض شكلًا وموضوعًا، وأصلًا وفرعًا؛ ذلك أن الأمة المسلمة لم تقبل بالتطبيع السياسي منذ بدأ أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الفائت، ولن تقبل اليوم من باب أَوْلَى بمشاريع التطبيع الديني، وتحريف المعتقدات، وقد قال تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: 83].
إن طاعة أعداء الملَّة والدين في أمر الدين المبتدع، والقبول به، والدعوة إليه- خروج من ملَّة الإسلام الخاتم الناسخ لكل شريعةٍ سبقته، ولن يفلح قوم دخلوا في هذا الكفر الصُّراح! قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100][13].
قوله تعالى (..أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (151) إشارة إلى أن الكفر المحض تحقق في دعواهم تلك ، فمن اتخذ الدين وسيلة لأن يتقلد سلطة زمنية متأسيا باليهود من أهل الكتاب فهو مثلهم كافر كفرا محضا .
قال السعدي (أثبت لهم الكفر من كل وجه؛ لأن دعواهم الإيمانَ بما يقولون آمنا به من الكتب والرسل لم يوجب لهم الدخول في حقيقة الإيمان؛ لأن ثمرة إيمانهم مفقودة حيث كذبوهم في صحة رسالة محمد r ، وغيره ممن كفروا به وحيث أنكروا من براهين الإيمان ما هو أعظم مما أثبتوا به رسالة من زعموا الإيمان به)[14] .
يقول الفقيه السوري علي بن نايف الشحود ( الديمقراطية : حكم كل علماني يفصل الدين عن الدولة والسياسة ، وشؤون الحياة .. وإن زعم بلسانه ـ ألف مرة ـ أنه من المسلمين المؤمنين ...…الديمقراطية تعني مبدأ الحرية الشخصية للفرد ، فالمرء له ـ في ظل الديمقراطية ـ أن يفعل ما يشاء ، من الموبقات والفواحش والمنكرات .. من غير حسيب ولا رقيب !…والإباحية التي عرفت بها فرق الزندقة عبر التاريخ ، ماذا تعني غير ذلك .. ؟!…الديمقراطية تعني أن الذي يختاره الشعب هو الذي يحكم البلاد والعباد ، ولو كان المختار كافراً زنديقاً مرتداً عن دين الله ..…وهذا مناقض لقوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) .…… )[15]
قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (152) قال ابن عاشور (عادة القرآن عند التعرض إلى أحوال من أظهروا النواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين أو أهل الكتاب أو المشركين إلى صفات الآخرين)[16] ، وقد قال الله لهم في آية آخرى "ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم" ، قال الزمخشري (ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله ، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين)[17].
وفي ذلك تلطف بالذين ضلت عقولهم عن إدراك الصراط المستقيم ، فاتبعوا من فرقوا بين الله ورسله ، فيرشدهم الله إلى الحق جليا واضحا ، وذلك بنفي ما وقعوا فيه من شبهة خالت بهم ، ونفي التفرقة بين الأنبياء بعضهم البعض ، فكلهم رسل من عند الله مكلفين بتبليغ الرسالة وإرشاد الأمة ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ؟ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) [18].
فالآية تضمنت تعريضا بالمدح لمن دخل الإسلام من أهل الكتاب ، يقول ابن كثير (لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا ، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان، بما تقدم مجملا)[19]....أي كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) (الحديد/28) .
تفصيل الإشكال عند أهل الكتاب من أهل التوراة
قال تعالى (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (153-155)
بينت الآيات إشكاليات اليهود من أهل الكتاب مع المسلمين ، بأنها إشكاليات توارثتها أجيالهم عبر الزمان ، ذلك أنهم تربوا على المادية ، وعدم الإيمان بالغيب ، في حين أن أهل الإسلام تربوا منذ الصغر على الإيمان بالغيب ، يقول صاحب الظلال (إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم؛ وليست طابع هذا الجيل وحده منهم ، إنما هي جبلتهم من قديم ، إنهم هم هم من عهد موسى - نبيهم وقائدهم ومنقذهم - إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات . . وهم هم تعنتاً وإعناتاً فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط)[20] .
والسورة عرضت سريعا الأحداث المؤثرة في تاريخ اليهود ، تلك التي وصمتهم بالعار ، وبينت نفاقهم مع نبيهم موسى عليه السلام ، وجدالهم له ، وقد عرضتها تفصيلا في مواضع أخرى ، ويمكن سردها والتعقيب عليها على النحو التالي : -
أولا : المجادلة في الدليل قبل استقرائه واستخلاص فائدته وتقييم محتواه :
قوله (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ..) (153) دليل على استمرار يهود اليوم بتكرار تحديهم للأنبياء والدعاة إلى الله ومحاولتهم إفشالهم بطلب ما يعجزون عن الإتيان به ، فعَنِ السُّدِّيِّ، قالتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأْتِنَا بِكِتَابٍ مَكْتُوبٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى"، وعَنْ قَتَادَةَ، أَيْ "كِتَابًا خَاصَّةً"[21]، وقد حاجهم الله في دعواهم تلك أنهم كفروا بما أوتي موسى ، كما قال تعالى (قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) (القصص48).
فالمعجزة ليست في الأصل في قدرتهم ، بل الله يمنُّ بها عليهم ، وليست الآيات المعجزات بمقترحة منهم ، ولم يطلبها نبي من قبل ، ولذلك فإن الاسترسال في طلب المعجزات ينم عن رغبتهم في الجدال والمراء لإشغال الأنبياء والدعاة عن دعوتهم وتضييع الوقت ، ولو كانوا يطلبون الإيمان حقا لكفاهم في ذلك معجزة واحدة ، أي لكفتهم معجزة الكتاب الذي أنزل إليهم ، وقد استبان به النور والبرهان من أول آية أنزلت عليهم أو دليل تراءى لهم .
ولكنه الكبر والخصام بالباطل ، قال رسول الله r (وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ)[22]، فهؤلاء الذين يطلبون المزيد من الآيات والمعجزات إنما يخوضون في الباطل ويدافعون عنه وكأنه هو الحق ، ليشتبه علي الناس ، فيصنعون منه قضية يشغلون بها الناس عن الحق ذاته ، ولو كانت عندهم شبهة لجادلوا في الحق ذاته ، فليأتوا بشيء يضاهيه ، كما حاجهم الله بقوله (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور34) ، ولكنهم لا يجادلون في حجة الله عليهم التي هي القرآن ، بل يطلبون آية أخرى غيرها ، وهكذا يماطلون ، بالتحدي –جدلا - بالإتيان بآيات جديدة من اقتراحهم إلى غير منتهى.
ثانيا : الجراءة في المجادلة حتى المنتهى .
قوله (..فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً..) (153) دليل على تجرؤهم على الله بطلب رؤيته جهرة ، استخفافا منهم بعظمته وطلبا لتجسيده ماديا وفيزيائيا على نحو ما ألفوه من المخلوقات ، وذلك منهم يعد كفرا بواحا ، لأنه تصوير للإله بأنه يمكن تصغيره في حدود الأعين وتجسيده ماديا بما يمكن للأبصار من إدراكه ، وهذا وإن جاز أن يخضع للقوانين التي سنها الله في المخلوقات ، فإن الخالق لا يخضع لمثل تلك القوانين ، والخصائص الفزيائية ، التي هو خلقها ، وقدرها كونا في خلقه .
وهذا بخلاف طلب موسى عليه السلام رؤية ربه لما قال (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ..) (143) ، فرد الله عليه باستحالة ذلك فقال (..قَالَ لَنْ تَرَانِي..) ، وبين له أن رؤيته في الدنيا محالة لأنها تخضع لقوانين الفيزياء التي لا يمكن أن تحقق ذلك ، فقال (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (143) ، ذلك أن موسى لما طلب الرؤية لم يكن مشككا ولا متحديا ولا مجادلا ، فهو يكلم ربه مباشرة ، ولكنه استشرف مكانة أعلى من التكليم ، وهي الرؤية ، والرؤية محالة في الدنيا لأنها دار اختبار ، وإنما تكون الرؤية هي خير جزاء في دار الجزاء .
وهذا لا ينفي رؤية المؤمنين ربهم في الجنة ، فإنه وإن كانت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة ، لكنها ليست بالكيفية المعتادة للرؤية في الدنيا ، وإنما ذلك كناية عن الخضوع والإنكسار لله ، بدليل أنهم يسجدون له بمجرد رؤيته سبحانه ، سجود شكر وجزاء ، باعتبار أن الآخرة ليست موطنا للابتلاء بل هي دار جزاء ، ولا شك أن كيفية تحقيق ذلك من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها إلا في الآخرة ، أما ما يطلبه هؤلاء اليهود من طلب رؤيته سبحانه – في الدنيا- فإنه ينصب على الرؤية البصرية بقوانين الدنيا ، القصد منه التهوين من شأن الخالق ،ولذلك فإنه كفر بواح من هذا الباب .
ثالثا : الانتكاس في الفطرة والسفول في المعتقد - حبا للمال - رغم الإتيان بالمعجزة
قوله (..فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) اتخاذهم العجل بعد الإفاقة من الصعق يدل على عدم انتباههم لفضل الله عليهم ، بإتاحة الفرصة لأن يتوبوا بعدما أخذهم أخذا شديدا ، ذلك أن الله لما صعقهم ثم بعثهم ، عفا عنهم لتنشرح صدورهم إلى التوبة ، وليتهم فهموا الدرس ، فرغم ثقله بالموت ثم الإحياء بعد الموت إلا أنهم عادوا إلى الشرك مرة أخرى ، ونظير ذلك قوله (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة 56) .
ولكن بعد هذه النعم اتخذوا من العجل إلها لهم ، أي أنهم بعدما تجاوزوا مرحلة رؤية المعجزات المادية وتحقق النصر المبين على فرعون ومن معه من الظالمين ، كان الأولى بهم شكر الله على هذا الفضل والاختصاص ، بيد أنهم سرعان ما بدلوا نعمة الله كفرا ، فلم يكن ذلك منهم إلا رضوخا لوسوسة الشيطان ، وانكسارا لذل العبودية لغير الله ، وتكاسلا عن تلقي الخطاب الرباني بالتكاليف الشرعية
انظر كيف كان حالهم لما انشغل عنهم نبيهم موسى حالما كان يكلم ربه على جبل الطور ليتلقى "التوراة" جملة واحدة ، فاستغل اليهود غياب الرقابة عليهم ليجرموا جرما شديدا ، وهو ما يلقي عبءا ثقيلا على من يخلف نبي الله موسى في قيادتهم ، فليس من اليسير أن يغفل عنهم ولو للحظة ، أو أن يهن في معاملتهم .
قوله (..فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) ونظيره قوله (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (53) .
فهذه الجبلة اغترت بعفو الله عنهم كثيرا ، فهم الذين يصدق فيهم قول القائل من أمن العقاب أساء الأدب ، فكما عبدوا العجل عندما غاب موسى ، فإنهم يجرمون دوما إذا ما وجدوا ثغرة في التشريعات الوضعية العقابية والجنائية ، الأمر الذي يبرر وجوب تشديد التشريعات الرقابية عليهم ، منعا لأن يتسلطوا علي قومهم ، فيفتنونهم بأدس الأخلاق وأحط العبادات ،كما فعل السامري.
رابعا : أنهم أناس يوزعون بالسلطان وليس بالدين :
قوله (..وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) جاء العقاب الإلهي –قاسيا- بأن سلط عليهم موسى يأمرهم بأن يقتلوا أنفسهم [23]، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ َاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة 54) عقابا لهم على جريمتهم أن عبدوا العجل ، فجعل هذه العقوبة توبتهم.
قوله (..وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ..) (154) رفع الطور تهديدا لهم بعدما رفضوا التوراة التي أنزلت على موسى ، قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة63) ، وهو يدل على أن أسلوب القوة والتهديد هو الأسلوب الناجع في التعامل معهم ، لرفضهم قبول كتاب الله ومنهجه الذي أنزله "التوراة" إلا على مضض وبإكراه ، وذلك بأن رفع الله فوق رؤوسهم جبل الطور ، أي أن ذلك بمثابة تسليم المحضر للإعلان والإنذار بوجوب التسليم بمضمون الورقة محل الإنذار والإعلان ، فما كان منهم إلا أن رضخوا وأذعنوا عن كره وليس عن رضاء وطاعة ، أي خضعت أعناقهم لتلك الآية ، كقوله سبحانه (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) .
ولكن الحق سبحانه لا يريد أعناقا تخضع ، وإنما يريد قلوبا تخشع فقلوب هؤلاء اكتظت بالكره والبغض والحسد وصدأت من المعاصي وكبائر الذنوب وأغلقت بالكفر والشرك بالله ، فلم يكن فيها مساحة لأن يُضاء فيها نور الإيمان ، فلم تزدهم آيات الله إلا كفرا وطغيانا ، كما في قوله (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (المائدة 64) ، فلا مناص أن يقبلوا بالمنهج الذي أنزله الله لهم ولمجتمعهم ولو كرها وتحت تهديد الجبل فوقهم لأجل الردع العام ، وإن فات هؤلاء إدراك غاية الإصلاح الفردي ، فكان في إرغامهم على قبولها ولو شكلا ورغم كفرهم بمضمونها إعلامهم بعدم جواز الاجتراء علي مخالفتها ، لضمان الحد الأدنى من الأمن العام للمجتمع ، فلا يقتل بعضهم بعضا أو يسلب بعضهم أموال بعض ، ففي تطبيق الشريعة التوراتية حماية للمجتمع من تغول المنافقين حتى ولو لم يؤمنوا بها ، بيد أنهم اجترؤوا عليها بعد موت موسى فحرفوها وبدلوها .
خامسا : عدم التزامهم بآداب القتال ، وأخلاقيات المجاهدين : -
ففي قوله (..وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الْبَابَ سُجَّدًا..) (154) الأمر بالسجود يعني التذلل والتواضع عند الدخول فاتحين على أعدائهم ، وذلك لأجل تصحيح مفهوم الجهاد ، بحيث يتعلموا أن غاية الجهاد الإصلاح بين الناس ، وليس صورة من صور التكبر وإذلال الناس بجعل أعزة أهلها أذلة ، بل لابد أن تكون شخصية الفاتح التواضع الشديد ، كما دخل النبي r مكة وهو مطأطئ الرأس ، فيكون دخولهم القرية في حال من التواضع والصغار ، وليس التكبر والإذلال .
لكنهم لم يفقهوا الأمر ، فتركوا الجهاد بالكلية دون عناء ، ثم أفسدوا وقتلوا الأنبياء (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران/21).
سادسا : تحايلهم على أوامر الله مخافة أن يفوتهم نصيب من الدنيا
وفي قوله (..وَقُلْنَا لَهُمُ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ..) (154) تعليم لهم أن الغاية من الخلق العبادة ، وليس السعي للكسب والعمل وطلب الرزق ، فما ذاك إلا مقصد تبعي ، فإذا أبطل الله السعي للرزق في يوم من الأسبوع وهو يوم السبت ، فذلك تذكير بالغاية الأصلية من الخلق ، وأنهم خلقوا للعبادة ، لا للعب واللهو ، وإن جاز لهم اللعب والكسب والمعاش ، فذلك بقدر الحاجة دون أن يكون هو ذاته غاية .
فمن الضروري تدريب العباد عمليا على فقه التجرد للعبادة وعدم الانشغال بالحياة الدنيا ، وذلك باستقطاع يوم من الأسبوع لأجل التفرغ للعبادة المحضة ، لا العبادة التي يكون فيها للعبد نصيب ، وذلك لإعادة صياغة العهد الذي بين الله وبينهم ، وأنه لم يخلقهم عبثا ، فإنه لم يخلقهم إلا لعبادته ، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) .
فإن جاز أن تقبل منهم العبادات التي يجتمع فيها الحقان ، حق الله وحق العبد طوال أيام الأسبوع لأجل معاشهم وكسبهم ، فعليهم أن يتخلوا عن السعي في طلب الرزق في اليوم المحرم فيه العمل كي يرى الله منهم إقبالهم عليه بالكلية يوم السبت ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، وظلت الحياة المادية مسيطرة عليهم وظلت مطامعهم في الكسب المادي تفوق رجاءهم التوبة والمغفرة من الله .
وقد ثبت في السنة القولية أنهم خالفوا أمر الله بالصيد يوم السبت بطريق الحيلة ، وهكذا يفعلون في كل أمر يخالف أهواءهم ، وقد سمى الله مخالفة هذا الأمر ، أي عدم الالتزام بهذه الشعيرة ، عدوانا تشديدا ، وهو الأمر الذي يماثل في شرعنا صلاة الجمعة ، يقول النبي r (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ)[24] .
سابعا : نقضهم المواثيق وقتلهم الأنبياء وغدرهم بأهل الحق :
قوله (..وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (154) الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ذكر في القرآن مرتين ، مرة في قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ..) (البقرة/83) ، ومرة في قوله قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة/84) .
ما يعني أن أحكام الشريعة تتضمن عهد وميثاق يتعين على الكافة الالتزام به ولذلك وصف الميثاق بأنه غليظ ، لأنه يتضمن شقين :-
- شق اعتقادي وتعبدي محض لله تعالى
- وشق تشريعي يرتبط بالأحكام العملية التفصيلية
وكلاهما يتعين على المكلفين الالتزام بها ، فأما الأحكام التشريعية العملية فإنها ذات صلة وثيقة بنظام المجتمع وحمايته وتهدف إلى أمنه وسلامته ، ولهذا فلا خيار للمكلفين بقبولها أو عدم قبولها ، مثل الشق الأول الذي يتعلق بالاعتقاد والعبادة ، إذ لا إكراه في الدين ، ولهذا المعنى رفع الله الطور فوقهم ليأخذوا الكتاب بقوة ، إذ لا خيار لهم في عدم الالتزام بها ، كما في قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ..).
قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ..) (155) تعليل لعدم جواز استئمانهم بأنهم ليسوا أهلا للاستئمان ، ما يعني أنهم لا يكونون أهلا للمعاهدة والصلح الدائم ، وإن جاز الاتفاق على هدنة معهم فذلك يكون بحذر ، وليس ثمة أسلوب آمن للتعامل معهم غير أن يأخذوا بحبل الله تعالى ، فتفرض عليهم الجزية ، كما ذكر الله في قوله (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران 112)
والأمثلة لنقضهم للميثاق في عهد النبي r حصلت من الطوائف الثلاث التي تحالف معهم النبي r على النصرة وهم بنو قينقاع وبنو نضير وبنو قريظة :-
فأما بنو قينقاع فكانوا أول من نقضوا العهد مع النبي r بعد (بدر) حيث أثاروا الفتن في السوق واعتدوا على امرأة مسلمة .
كذلك بنو النضير تآمروا على قتل النبي r بعد غزوة (أحد) ، فذهب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة وحالف قريش ، وحضها على مواصلة حرب رسول الله r ، وألقوا حجرا على النبي r لقتلهم ، ولكن الله أخبر نبيه فانفلت منهم .
كذلك الحال بالنسبة ليهود بني قريظة الذين تعاونوا مع المشركين أثناء حصار الأحزاب للمدينة ، بتحريض من حيي بن أخطب ، وقد أكد الزبير بن العوام الخبر ، وأخبر النبي r بغدرهم ، وذكر موسى بن عقبة دون إسناد أيضاً أن قريظة طلبت من حيي بن أخطب أن يأخذ لهم تسعين رجلاً من أشراف قريش وغطفان رهائن لئلا يرجعوا عن المدينة قبل القضاء على المسلمين فيها، فوافق حيي على ذلك فأعلنوا نقضهم للصحيفة.
أما في العصر الحديث فأشهر خيانة حصلت منهم عام 1948 ،حيث نقضوا اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل في١٠ يونيو ٨ يوليو ١٩٤٨ م ففي الحرب بين العرب وإسرائيل التي استمرت لمدة ٢٦ يوماً, كانت الجيوش العربية حينها قد تقدمت وحققت انتصارات كبيرة ، وكان اليهود ينتظرون الموت بعد استيلاء الجيوش العربية على القسم الأكبر من فلسطين, واقتربوا من تل أبيب ، ولكن مجلس الأمن تدخل وفرض هدنة لينقذ بها إسرائيل ، حيث أصدر مجلس الأمن قراره بوقف الحرب بين العرب وإسرائيل في ٢٢ مايو سنة ١٩٤٨ م لمدة أربعة أسابيع تبدأ من ١٠ يونيو إلى ٨ يوليو ١٩٤٨ م ، وبعد ضغط بريطانيا وأمريكا على المجلس, وعلى الدول العربية وافق العرب على وقف القتال يوم ٧ يونيو ١٩٤٨ م لمدة أربعة أسابيع في الهدنة الأولى ، ولكن إسرائيل كل دقيقة في الهدنة الأولى عام ١٩٤٨ م ودربوا خلالها الشباب والنساء والشيوخ, وحفروا الطرق والخنادق, واشتروا السلاح والذخائر من دول أوربا وأمريكا وبريطانيا ، وفي الوقت الذي التزم فيه العرب بالهدنة قامت إسرائيل بنقض الاتفاقية بالكامل ، وقد صرح دافيد بن جوريون - أحد قياداتهم المشهورة خلال فترة الهدنة بتاريخ ١٠ يونيو ١٩٤٨ م- بقوله: " لقد اتسعت حدودنا, وتضاعفت قواتنا, ونحن نتولى الآن إدارة الخدمات العامة, وتصل جموع جديدة يومياً, وكل ما أخذناه سنحتفظ به, وخلال الهدنة سننظم الإدارة بهمة, ونعزز موقفنا في المدن والقرى, ونسرع في الاستعمار والهجرة, ونتطلع إلى جيش"[25]
قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ..) (155) أي أنهم لم يكتفوا بما تقدم من نقض للمواثيق ، وكفر بآيات الله بل ضموا لذلك قتلهم الأنبياء ، فلم يرعوا حق الله ولا حق العباد ، فاقترن كفرهم ونقضهم للمواثيق بارتكابهم أبشع جريمة في هذا الكون ، وهي قتل الأنبياء بغير حق ، جراءة منهم على دين الله ، وإعلانهم الحرب على الله والكفر والطغيان ، فإذا كان هذا هو ديدنهم في التعامل مع دين الله وكتاب الله وأنبياء الله ، فكيف تكون طريقتهم في التعامل مع من أسلم وقد مضي زمن رسول الله r ، ولذلك قال الله فيهم (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة/64).
ثامنا : احتجاجهم بالقدر على غير محله
قوله (..وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ..) (155) قَوْلِهِمْ (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) احتجاجا بالقدر لإعفاء أنفسهم من مسئولية العهد الذي أخذه الله عليهم بألا يشركوا بالله ولا يسفكوا الدماء التي حرم الله .
قوله (..بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (155) استدرك الله عليهم قولهم (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) ، ببيان أن الطبع لاحق علي الكفر الصادر منهم ، فلم يكذبهم الحق سبحانه بأن قلوبهم قد طبع الله عليها بالكفر ، وإنما أكد لهم أن هذا الطبع حصل فعلا فيهم ، لكنه أوضح أن ذلك كان جزاء كفرهم ، أي ما تقدم مما ذكر بيانه من أفعال صدرت منهم تمثل كل قبيح ، وصفات تدل على الخسة والأخلاق الذميمة ، وهكذا قلب المنافق لا يهديه الله سبيلا ، بل يطبع الله عليه بالكفر .
قال طنطاوي والمعنى : (أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا ، لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة ، فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم ، فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى -) [26].
قوله (..فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (155) أفرج الله تعالى شيئا عن ظلمة الختم على القلب ، فأثبت لهم بعض الإيمان على سبيل الإجمال لا التفصيل والتحقيق ، وإن كان قليلا من حيث المجموع ، فلا يسمن ولا يغني من جوع أَيْ (إيماناً قليلاً ، وهو قولهم : (اللَّهُ ربُّنا ، والجنَّةُ حقٌّ ، والنَّارُ حقٌّ) ، وهذا القليل ليس بشيءٍ مع كفرهم بمحمَّدٍ r وليس بمدحٍ لهم)[27] ، قال السمين الحلبي (التقليل هنا بمعنى العدم) [28]، (فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء)[29] .
قال العلماء : (وفيه قولان:- أحدهما أن القليل صفة للقوم والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون ، والقول الثاني أن القليل صفة للايمان والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء)[30] ، فعن النبي r قَالَ (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[31]، وقد ثبت إيمان قليل منهم ، (كعبد الله بن سلام وأصحابه)[32]، ولذلك سموا بأنهم أهل كتاب تمييزا لهم عن المشركين لأجل هذا الإيمان القليل ،
ولأجل هذا الإيمان القليل يتميزون يوم الحشر عن المشركين كذلك ، قال رسول الله r (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى......... فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى)[33].
تاسعا : عادتهم الكفر والبهتان حتى على أشرف نساء العالمين :-
قوله تعالى (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا..) (156) بينت الآيات إشكالية اليهود مع النصارى كأصل وكذلك المسلمين بالتبعية ، وكيف أنهم يفترون على السيدة مريم الكذب وينسبون إليها ما لا يليق ، كما في قوله (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) ، ويكفي للرد عليهم أن الله شرفها بذكرها في القرآن في قوله (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران 42) ، وقوله (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/12) ، فإذا كان هذا هو حالهم مع من اصطفاها الله علي نساء العالمين ، فكيف يكون حال المنافقين مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ؟ وكيف يكون حالهم مع نساء المؤمنين والمجاهدين ؟ فهم في كل زمان لا يتورعون عن إلقاء الفرية علي الأبرياء .
عاشرا : تفاجرهم بجرائمهم
قوله (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) .. (157) اعترافوا بمحاولتهم قتل عيسى ابن مريم ، ظنا منهم أن جريمتهم قد تمت واكتملت أركانها ، وتفاخروا بارتكابها دون خجل أو ندم ، بل ويثبتون أنهم قتلوا رسول الله ، ورغم ذلك تجرأوا على إعلان أنهم قاتليه ، أي أنهم يعلنون محاربتهم لله ولرسوله نهارا جهارا .
فقد رأي الكهنة ورجال الدين اليهودي في تعاليم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام تهديدا مباشرة لسلطتهم الزمنية ، ولكيانهم الاجتماعي ، فاعتبروا ذلك هرطقة توجب القتل ، قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) (البقرة 113) ، ولكن الله لم يمكنهم من قتله ، ورفعه إليه ، ولذلك قيل "إن التلمود -الذي يشرح لليهود عقيدتهم وشرائعهم من "العهد القديم" أي التوراة - يمقت "العهد الجديد" ، ويحتقر المسيح، ويفخر بعملية صلبه، والتلمود يعلِّم الحقد على الأجناس الأخرى وازدراءهم، ويوصي بألا يعامَلوا برحمة، بل بالقتل! إن التلمود يناقض المسيحية شكلاً ومضمونًا، ولا يُخفِي عداءه ولا يواريه)[34].
والله سبحانه قادر على أن يعصم أنبياءه جميعا -الذين قتلهم بنو إسرائيل من قبل- أن تطولهم أيديهم ، لكن الله تعالى أراد أن يعلم الناس كلهم أن دعوة الإسلام أغلى من دماء الأنبياء ، فإذا بُذلت دماءهم لأجلها فدماء المسلمين أولى.
وفي قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) إثبات أن الله سبحانه عصمه منهم ، فهم قد شرعوا في قتله لكن الله نجاه منهم ، وهذا الأمر ليس قاصر على عيسى بن مريم وحده ، بل إن الشهداء عند الله أحياء ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)[35].
وفي ذلك ردّ علي اليهود وتكذيب لهم وللنصارى أيضاً في قولهم : إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك ، إذ يعد صلب المسيح وقيامته من أجل تكفير خطايا البشر من أهم الركائز التي تقوم عليها الديانة المسيحية ، وكلاهما في ضلال ، وقد خاب سعيهم وظنهم .
ونفي قتله وصلبه رغم ظن اليهود أنهم باشروا فعل القتل ، وظن النصارى حصول القتل من اليهود ومشاهدتهم لفعل الصلب ، هو مكر من الله بهم ، كما في قوله (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54) ، ما يعني التأكيد على أن جهود الحاقدين على الإسلام والمسلمين لابد وأن تبوء بالفشل ، وأن الله تعالى يحفظ عباده المؤمنين بأشخاصهم في عالم الغيب ، والناس لا يدرك من ذلك إلا ما يرونه في عالم الشهادة ، ولذلك فإن الشهداء عند الله أحياء ، كما قال (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران 171) ، فالآيات تؤكد أن قتلى المسلمين أحياء حقيقة عند الله ، لا مجازا ، فهم يشعرون بالفرح ، ويستبشرون ، أي يصدر منهم فعل ، والفعل لا يصدر إلا من حي ، فدل ذلك على أن أعداء الإسلام لم ينالوا من قتلهم شيء ، وأن الدعوة الإسلامية ماضية بهم وبمن خلفهم ممن لم يلحق بهم ، يرثون الجهاد عمن سلف ، كما في حديث النبي r قال (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ)[36].
قوله (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) عَنْ مُجَاهِدٍ قال"صَلَبُوا رَجُلاً غَيْرَ عِيسَى يَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ"[37]، وقيل (رأوا شبهه فظنوه إياه)[38] ، قال ابن تيمية أي (شبه للناس الذين أخبرهم أولئك بصلبه)[39] ، وليس بشرط أن يكون شبيها حقيقيا ، فقد يكون الشبه خيال غير حقيقي .
وروي في هذا الصدد بإسناد صحيح [40]عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، فَخَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، يَعْنِي فَخَرَجَ عِيسَى مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي، قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلَ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي، فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الشَّابُّ: أَنَا، فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى ، وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ، فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَهَؤُلاءِ الْيَعْقُوبِيَّةُ ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلاءِ الْمُسْلِمُونِ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الإِسْلامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا r "[41].
فالله تعالى لما أراد أن يعصم رسوله منهم رفعه إليه وشبه إليهم غيره ليقتلوه بدلا منه ، ويبدو أن العلة من ذلك إظهار مكر الله بهم ، فالله قادر على أن ينجي عيسى دون أن يشبه عليهم بغيره ، ولكنه سبحانه جعلهم يعتقدون أنهم قتلوه ليعترفوا بألسنتهم أنهم قتلة الأنبياء ، (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران 55).
بذلك أقام عليهم حجتين :-
الأولى : العلم بأنه لن يطولوا شيئا ولن ينالوا شيئا مما أرادوه إلا بإذن الله .
الثاني : أن دعوة الإسلام قائمة وسوف تنتصر بإذن الله تعالى مهما حاول هؤلاء طمس معالمها بقتل رسل الله وتبديل شرعه ، كما في قوله (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة) ، كذلك فإنهم سوف يباشرون القتل ثم ينزل عيسى ابن مريم حكما وقسطا عدلا ، ويقتل المسيح الدجال ، ويبطل كل محاولات اليهود في استدعائه وطقوسهم السحرية .
وهكذا يمكرون ، ويمكر الله ، والله خير الماكرين ، فأثبت على لسانهم اعترافهم بارتكابهم لجريمة القتل التي هي من جنس جرائمهم السابقة بقتل الأنبياء ، وأعجزهم عن أن يحققوا النتيجة الإجرامية أو يتحققوا منها ، فحال بينهم وبين نبي الله عيسي فلم يتمكنوا من قتله ، ليؤكد سبحانه قدرته على حفظ أولياءه من أن تطولهم أيدي اليهود الآثمة أو أن يجهضوا جهد نبي أو داعية أو أن يمسوه بسوء ، فقدر الله يجريه كيف يشاء ، حيث يُمَكِنَهم تارة من قتل نبي ليثبتوا بأنفسهم إثمهم وجرمهم وما اقترفته أيديهم ، وبذلك يحرض المؤمنين – في كل زمان- أن لا يبخلوا بدماءهم في سبيل الله وقد بذلها أنبياء من قبلهم ، وتارة أخرى يحفظ أنبياءه ومتبعيهم من أن يمسهم أذى ليستكملوا جهدهم الدعوي في الزمان والمكان الذي يأذن الله به.
الحادي عشر : اتباعهم الظن لا اليقين في معتقداتهم
قوله (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) هذا درس قرآني في إثبات جريمة القتل حتى وإن اعترف القاتل بمباشرته لفعل القتل ذاته ، فمن أركان الجريمة ثبوت النتيجة الإجرامية ، ولا تثبت إلا بوجود جسد القتيل ، فأين هو جسد المسيح عيسى بن مريم ؟ حتى يمكن إثبات قتله .
كما يجب فضلا عن إثبات وفاته إثبات علاقة السببية بين الفعل الإجرامي والنتيجة الإجرامية ، والنصارى مختلفون في إثبات الكيفية التي قتل بها المسيح في زعمهم [42]، وليس عندهم دليل على جسد المسيح [43]،فكيف يثبتون صلبه؟
ومن جهة أخرى فإنهم يبررون موته قتلا ولا يدينون هذه الجريمة – رغم أنها لم تثبت – على اعتبار أن صلبه كان لازما وضروريا فداء للبشرية كلها من الخطيئة آدم[44].
فمسألة الخطيئة والكفارة نوقشت - قبل مجيء المسيح - في الكثير من الديانات الوثنية القديمة كالهندوكية والبوذية التي تبنت فكرة الخطيئة والكفارة وجعلتها ركنا من أركانها ، فالبوذيون مثلا يؤمنون ببوذا ابن الله المتجسد في العذراء مايا ، ولد ومات ليحمل خطايا البشر ، ثم قام من الموت وصعد إلى السماء ، وهذه هي الأفكار الرئيسية لمبدأ الخطيئة والكفارة ، يقول السير آرثر فندلاي:" إن قصة الصليب قيلت قبل عيسى على ستة عشر إلها مخلصا ، وقصص حياتهم على الأرض من المهد إلى اللحد ثم البعث كلها متشابهة ، وكأن كل ديانة ترث من سابقتها "[45].
وقد هدم ابن جزي هذه العقيدة بجملة واحدة فقال (والعجب كل العجب من تناقضهم في قولهم إنه إله أو ابن إله ثم يقولون إنه صلب)[46].
وهكذا تبدو هذه العقيدة المهلهلة غير المتسقة مع التسلسل المنطقي للأحداث ، تخيل أن جريمة قتل المسيح ابن مريم يتباهى ويتجاسر بفعلها اليهود ، ويثبتها النصارى باعتبارها أساس العقيدة عندهم ، وينفيها الإسلام عن اليهود الذين اعترفوا أنفسهم بفعلها ، ولا تزال هذه الجريمة -سواء أكانت شروع في القتل أو جريمة قتل مكتملة الأركان - يختلف أهل الأديان -الباطلة- حولها ، فهي أطول الجرائم التي يحقق فيها المجتمع البشري منذ نزول عيسى حتي ينزل المسيح بن مريم في آخر الزمان ، ليثبت صدق الإسلام .
والذي يختلفون فيه يثبت بشكل قاطع هشاشة معتقداتهم ، فاليهود يتفاخرون بقتله ، والنصارى يدور اعتقادهم في الله على حادثة الصلب هذه ، وكلاهما ليس لهم علم بها بل هو مجرد ظن يسيرون وراءه ، ولو صدق –ظنهم- لبطل اعتقادهم بحق ، لأن مبنى فكرة الفداء ينفي تفريد المسئولية وقيام القيامة في الآخرة ، والحساب والسؤال أمام رب العالمين ، كما أن معتقدهم الباطل يفترض ضعف الإله الذي لم يتمكن من أن يحمي نفسه أو ابنه على اختلاف بينهم ، ولو أنه تركه للصلب كما يزعمون وفقا لفكرة الفداء هذه فذلك أدعى لاتهامه بالتشدد والتصلب في الفكر ، بينما في الإسلام يغفر الله سبحانه الذنب بمجرد التوبة والاستغفار دون حاجة لقصة الفداء هذه .
قوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) (157) أي أن القرآن أثبت أنهم حاولوا قتله ، بل وشرعوا في التنفيذ بالفعل ، وكادت النتيجة الإجرامية أن تتحقق ، ولكنها لم تتحقق فعلا ، وخال إليهم أنها تحققت ، وقد تجاسروا بإعلان جريمتهم ليردعوا أتباع المسيح عن دعوتهم ، ولكن الله رد كيدهم في نحرهم ، وطمأن أولياءه أن المسيح سوف ينزل آخر الزمان ويقتل الخنزير .
لاسيما وأن المدون والمكتوب الآن في كتب الإنجيل – التي يحتجون بها- لا يثبت أن عيسى قد قتل يقينا ، فلا يوجد نص يثبت قتله يقينا وقد أكد هذه المعلومة المتخصص في مقارنة الأديان الدكتور ذاكر نايك[47] ، وهو ما أكده كذلك الشيخ أحمد ديدات[48]، فعلام يبني النصارى أساس اعتقادهم في المسيح ؟ وهم في الأصل لم يثبتوا تحقق واقعة الصلب يقينا .
يقول صاحب الظلال (....إنها حملة تفضحهم وتكشفهم؛ وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها ، على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان .. وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن)[49].
قوله (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (158) قال شيخ الإسلام ابن تيمية "في الآية بيان بأن الله رفعه حيا وسلمه من القتل، وبين أنهم يؤمنون به قبل أن يموت ..؛ ولو مات: لم يكن فرق بينه وبين غيره"[50].
ولم أجد في كتب التفسير تفسيرا لسبب الرفع ، غير أنه أشبه برفع القرآن في آخر الزمان ، فهي إرادة الله يجريها وفق حكمته ، فبرفع عيسى بن مريم لا ينسب له قول ، لاسيما وقد حرف اليهود كتاب الإنجيل ، ويبطل ما ينسبه اليهود لعيسى بن مريم بعد هذا الرفع ، ولكن وظيفة المسيح عليه السلام لم تكتمل بهذا الرفع ، بل إنه لسوف ينزل آخر الزمان ليقيم الحجة على الناس ، ومن بالغ فيه وجعله في مقام الالوهية .
قال العلماء (اختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جار على مقتضى إرادة الله وحكمته، وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين كإبراهيم ومحمد وموسى ونوح، عليهم الصلاة والسلام ؛ فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه) [51]، بل هي دليل على انقضاء نبوة عيسى بهذا الرفع ، تمهيدا لنبوة محمد r ، بدليل أنه حين ينزل آخر الزمان سيكون متبعا وليس رسولا متبوعا ، ولذلك قال النبي r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ r فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ) [52]
فهذه التكرمة لأمة محمد r لأنها الأمة التي يمكنها الله تعالى من المنافقين ، فتكون فيها الطائفة التي على الحق وهي الطائفة التي ليس فيها منافقين ، كما أخبر بذلك النبي r (حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ)[53].
وفي قوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي سوف ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان بإذن الله ، ولن ينزل بشرع جديد ،بل إنه سيكون متبعا لملة محمد r ، قَالَ رَسُولُ اللهِ r "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ [54]" ، أي إنه إذا نزل أبطل عقيدة الصلب ، وأثبت للناس عقيدة الإسلام وشريعة النبي محمد r فيكون متبعا لها مع إمام المسلمين .
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)[55]
أي أنه سوف يقوم بثلاثة أمور إبطال عقيدة الصلب ، ويقتل رؤوس الكفر ، ويضع الجزية على من لم يؤمن ويعيش في رعاية المسلمين ، قال الإمام البغوي قوله : " يكسر الصليب " (يريد إبطال النصرانية "[56]، ذلك أنه بنزول عيسى عليه السلام تبطل دعوى الصلب ، ولا تكون ثمة حاجة لترويج أنه قد صلب عند ظهوره ، ولعل قتله للخنزير كناية عن قتله الدجال ، وقوله : " ويضع الجزية " معناه : أنه يضعها عن أهل الكتاب الذين لا يقبلون الإسلام ، هذا في بادئ الأمر .
فعن أبي هريرة ، عن النبي r في نزول عيسى " وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام "[57] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ يَعْنِي عِيسَى وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ)[58]، فإذا قيل كيف يضع الجزية ، وفيهلك الله الملل كلها إلا الإسلام ؟ أجيب بأنه يحملهم على الإسلام طوعا بعد أن يطبق عليهم أحكام الجزية ، ما يؤكد حريتهم في اختيار عقيدتهم ، وعدم إكراههم على الإسلام، فذلك قوله (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ... فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ البَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ"[59].
وفي حديث طويل مفصل عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ r الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ ... فَقَالَ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ ...
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ) [60] .
الثاني عشر : ظلمهم أنفسهم بوضع تشريعات لم ينزل الله بها من سلطان
قوله (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...) (160) انتقال لبيان أسباب ضيق معاشهم في الدنيا بعد بيان سبب كفرهم وعدم قبول إيمانهم في الآخرة ، وهو وقوع "الظلم" منهم ، وهو نقيض العدل ، وذلك بأن شرعوا وليسوا بمشرعين ، كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى 21) ، شرعوا بحسب أهوائهم وفي مسائل لا يجوز فيها التشريع ، إما لأن حكم الشرع المنزل من الله ثابت فيها أو لأن الأصل فيها الإباحة فشددوا على أنفسهم وشرعوا خلاف الأصل .
فالمقصود بالظلم هنا ما حرمه بنو إسرائيل على أنفسهم تشددا وترهبنا ، كما قوله تعالى (كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين) ، قال رسول الله r (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)[61].
ولكنهم لما شددوا على أنفسهم وجدوا حرجا في هذا التكليف فاستعملوا الحيل ليستحلوا ما حرموه على أنفسهم ، ، ولذلك قال الله فيهم (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ، قال ابن تيمية (هَذَا ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ ، ..مُبَالَغَةٌ فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَبَرُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ ، فَاضْطَرَّهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ ؛ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ ، وَأَخَذَ مَا أَحَلَّ لَهُ ، وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْوِجُهُ إلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، وَإِنَّمَا بُعِثَ نَبِيُّنَا بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ، فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الظُّلْمُ)[62] .
أي أنهم ظلموا أنفسهم بأن تكلفوا وضع تشريعات لأنفسهم في مسائل الأصل فيها الإباحة كما قال النبي r (إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)[63]، وقد انطوت تشريعاتهم الوضعية على تشديد عليهم فيما هو مسكوت عنه ، فتسببت في تضييق معاشهم ، ولو أنهم التزموا أحكام الشريعة ، ولم يتعدوا حدودها لكانوا في غنى عن كل ذلك ، ولما وقعوا في تلك المشقة ، كما قال النبي r (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ)[64].
فلما استشعروا الحرج والضيق منها تحايلوا عليها ، فبحثوا عن الثغرات في تلك التشريعات الوضعية ، أي تحايلوا على التشريع الوضعي الذي وضعوه بأنفسهم ، ولو أنهم رجعوا لأصل المسألة وهي الحل كما هو الأصل في الأشياء ولم يحرموا ما أحله الله ، لما حصل في أنظمتهم القانوني مثل هذا النسخ والترقيع ، ولكان التماسهم المصلحة الشرعية واتباعهم للشرع أولى من أن يقوموا بهذه الوظيفة ، وقد كفتهم الشريعة عناء التشريع في مثل هذه المسائل التي فيها نص من الشرع ، فما ليس فيه نص فالأصل فيه الإباحة كما تقدم .
وانظر إلى طبيعة العقوبة التي عاقبهم الله بها ، حيث حرم عليهم طيبات أحلت لهم ، بمحو البركة في طعامهم ، والتي هي مصدر الطاقة النقية للإنسان[65]، قال سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [المائدة 146] .
والغاية من هذا التحريم والتشديد عليهم إشعارهم بذنبهم لعلهم يستغفرون ورجاء توبتهم ، بما يعني إعادة تأهيلهم ، فهي عقوبة خاصة بطائفة منهم تلك التي اصطفاهم الله على العالمين من أهل زمانهم ممن كانوا يعبدون ، فاصطفاهم على قوم فرعون الذين يدينون للسحرة بالولاء والطاعة ويظلمون الناس بتنفيذ أوامره ، فاختارهم الله لنصرة نبيه موسى عليه السلام ، ولذلك كانت معاقبتهم بتحريم ما أحل الله لهم ، فيه تشديد عليهم رجاء أن يعترفوا بذنوبهم ويتوبوا فيتوب الله عليهم ، وإلا لما كان لهذا التشديد من معنى لمن عُد من الكافرين وخرج عن دائرة الإسلام بالكلية ، وفي ذلك تدبير عقابي لمن كان على مثل هذه الجبلة ، وتفريد جنائي لمن يرجى صلاحه ، بأن يعاقب بما يمكن أن يحقق له الردع الخاص ، والمتأمل في هذه العقوبة يجد أن المسئول عن تنفيذها هم أنفسهم بأنفسهم ، ولا سلطان عليهم في تنفيذها غير أنفسهم ،وذلك لأجل أن تتحقق المراقبة ويتعودوا على البدء بإصلاح أنفسهم بأنفسهم.
الثالث عشر : صدهم عن سبيل الله
قوله (..وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا..) (160) أشد صور الظلم قتل الأنبياء ، ولكن ذلك لا يصد الناس عن سبيل الله كما ذكرنا حيث تظل دعوة الله قائمة على أهل الحق الذين يبلغونه للناس ، وقائمن على هذه المسألة حتى يوم القيامة ، بيد أنهم لا يتوانون عن تكرار المحاولة بأكثر من طريقة ، وقد أثبت القرآن أنهم سوف ينجحون كثيرا في صرف الناس عن دين الله ، واتباع النبي r ، أي (وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن أتباع محمد r)[66] ، وذلك بالسعي في الفساد ، قال تعالى (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة 64) أي أنهم سبب الفساد في الأرض ، فهم المفسدون وإن ظنوا أنهم مصلحون ، هم الذين يلهون الناس عن ذكر الله ، ويشغلونهم بأنواع الملهيات حتى ينصرفوا عن دين الله ، لاسيما وأن أثر صدهم عن سبيل الله جلي بين من خلال تحكمهم في وسائل الإعلام المرئي والالكتروني ، حتى رأينا الناس في كثير من المجتمعات يروج عندهم ما يسمى بـ "الإسلاموفوبيا" تعني الخوف المفرط من الإسلام أو المسلمين، أو أي شيء مرتبط بدين الإسلام، وتستهدف الرموز كالحجاب والمساجد. ، وهكذا نجحوا أن يخوفوا الناس من الإسلام والمسلمين .
ففي عام 1869 عبّر الحاخام اليهودي "راشورون" في خطابه في مدينة براغ عن شدة اهتمام اليهود بالإعلام قائـلاً "إذا كان الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم فإن الصحافة ينبغي أن تكون قوتنا الثانية".
في عام 1897 كان المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة "بال" السويسرية نقطة تحول خطرة، إذ قال المجتمعون إن مخططهم لإقامة دولة إسرائيلية لن يكتب له النجاح إذا لم تتم لهم السيطرة على وسائل الإعلام خاصة الصحافة سيطرة تامة.[67]
الرابع عشر : تعاملهم بالربا وأكلهم الباطل
قوله (..وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ..) (160) فالطريقة التي يعتمد عليها اليهود في التمويل هي العمليات الربوية ، ويعلمونها لأتباعهم ، فكثير من الدول مثل بريطانيا يقوم اقتصادها على تلك العمليات ، أي تستقطب الأموال الضخمة من خلال تحويلات من جميع بلدان العالم ، ومنح قروض لجميع المستثمرين وأصحاب المصانع لكل أنحاء العالم لإقامة مشروعات جديدة أو فروع لمشروعات قائمة في بلدان جديدة ، ويتاجرون في سعر الفائدة بين عمليات الإقراض والاقتراض ، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال التي تحتاجها البلدان النامية لإقامة مشروعات لتنميتها ، فنجد في مقابل ازدهار اقتصاد الدول التي تعتمد على الربا ، اضمحلال اقتصاد الدولة التي تعاني من قلة رأس المال والتي يعتمد اقتصادها على الزراعة والصناعات الأولية ، فنجد أن عمليات "الربا" Banking هي معول هدم لاقتصاد الدول النامية ، ومانع من تنميتها ونهوضها اقتصاديا ، وسبب هروب رؤوس الأموال من الاستثمار الحقيقي والتنموي إلى المرابين أي أصحاب البنوك الربوية والأنظمة الرأسمالية ، ثم "أكل أموال الناس بالباطل" ، وهو ما يسميه فرنكلين بـ "Vampires" أي مصاصو الدماء .
قال الشيخ طنطاوي (وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل ، جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود فى بلاده ، فأخذ يطردهم منها ، ويحذر أبناء أمته من شرورهم ، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء ( بنيامين فرانكلين ) أحد رؤساء الولايات المتحدة ، فإنه ألقى خطابا سنة 1789م قال فيه : (هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر هو (اليهود) أيها السادة : حيثما استقر اليهود ، تجدونهم يوهنون من عزيمة الشعب ، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف ، إنهم لا يندمجون بالشعب ، لقد كونوا حكومة داخل الحكومة ، وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال وأسبانيا . . إذا لم يُمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور ، ففى أقل من مائتى سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التى ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا..) [68]، وقد حصل ما ذكره بالفعل .
قوله تعالى (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (161) تضمن مفهوم المخالفة المستفاد من الآية إخبار من الله تعالى بأن منهم - أي من أهل الكتاب - من سوف يؤمن بعيسى رسولا ، فيصير مؤمنا بعد أن كان كافرا ، وقد تقدم ذكر ذلك ، كما في الحديث (وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ)[69]، وذلك بعد أي يفرض الجزية على من لم يؤمن ويصير مسالما غير معادي لأهل الإسلام .
لكن منهم من سوف يظل على حاله من الصد عن سبيل الله ومحاربة الإسلام وأهله ، حتي يحق عليه عذاب الله سواء ما وعد به في الدنيا ، مثلما قَالَ النَّبِيِّ r (لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ)[70] ، أو في الآخرة وهو معلوم عَذَابًا أَلِيمًا.
التعقيب على مسلك أهل التوراه مع الوحي
قال تعالى (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)
قال البغوي يعني : (ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة، لكن الراسخون البالغون في العلم -منهم- هم أولو البصائر ، وأراد به الذين أسْلَموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، (وَالْمُؤْمِنُونَ) يعني: المهاجرون والأنصار)[71]، إذن تضمن هذا المقطع مدح لبعض أهل الكتاب ومدح للمسلمين الأولين في هذه الدعوة ، فقد تضافرت جهودهما في العمل لله ولرسوله والإيمان برسالات الأنبياء جميعا ، وإيمانهم حجة علي قومهم ومن يعرفونهم .
أما من ظل على الكفر منهم والصد عن السبيل فقد ضل عن سبيل الله ، واتبع السبيل الذي يهديه إلى جهنم ، وهؤلاء لم يضلوا إلا بعد أن جاءهم الحق ، فلا عذر لهم ، فإن يؤمنوا يكن خيرا لهم ، وإن يكفروا فالله غني عنهم .
وفيه ثلاثة مسائل : -
المسألة الأولى : الاهتداء بالراسخين في العلم هو سبيل أهل الكتاب للإيمان بالله تعالى
قوله تعالى (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) (162) لفظ (لكن) يفيد الاستدراك من قوله سبحانه : (وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)[72] أو (مّنَ الذين هَادُواْ)[73] ، (وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً)[74] .
قال السعدي" لما ذكر معايب أهل الكتاب ، ذكر الممدوحين منهم فقال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ ، وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال" [75].
وعن ابن عباس في قوله (لكن الراسخون في العلم منهم...) الآية . قال : نزلت في عبد الله بن سلام ، وأسيد بن سعية ، وثعلبة بن سعية ، حين فارقوا يهود وأسلموا)[76]، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء /197) .
والعبرة هنا في الاهتداء بأصحاب العلم الراسخ ، فالراسخون في العلم هم العالمون بالأحكام الشرعية وكيفية تطبيقها على المكلفين في كل مناسبة ، قال العلماء (المطلوب هو –معرفة - حكم الله تعالى في الحادثة بالعلل المؤثرة, ولا يقف عليها إلا الراسخون في العلم الذين عرفوا معاني الشرع وطلبوها بالجهد الشديد والكد العظيم حتى أصابوها)[77] ، وشتان بين العلم الراسخ والعلم السطحي ، ولذلك علق صاحب الظلال على اقتران العلم بالإيمان فقال (العلم الراسخ ، والإيمان المنير ، كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله ، كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد ، وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقاً إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور ، لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك؛ كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين ، فالعلم السطحي كالكفر الجاحد ، هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة)[78].
وفي تحقيق معنى الرسوخ في العلم قال الشاطبي (وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة)[79] ، وقال الشعراوي (الراسخ الذي لا تلويه الأهواء ، تلك التي تلوي النفس إلى مرادات غير الحق ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، ولابد من أن الذي يتبع هواه لابد وأن يسقط ، ونهاية علم الراسخين في العلم أن يقولوا أمنا بالله) [80] .
قال ابن القيم "إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ، ولا قدحت فيه شكاً ، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولةً مغلوبة"[81]
وقال السعدي (وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بصفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، والرسوخ في العلم قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا)[82].
والعلم لكي يطلق عليه لفظ الراسخ لابد وأن يتضمن علمين ، علم بالأحكام وعلم بالوقائع والتفاصيل ، ولذلك قال سبحانه (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [ العنكبوت :43] ، ففهم المثال هو فهم للواقع المراد تطبيق حكم الشرع عليها ، وذلك ليبني العالم حكمه على وقائع صحيحة وليست مغلوطة ، فمناط الاجتهاد الإلمام بعلوم الدين والدنيا معا ، ولذلك قال ابن القيم (لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :-
أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما
والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع )[83].
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية «الواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد –علي سبيل المثال- برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا ، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين ؛ فلا يؤخذ برأيهم ، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا»[84] ، ما يعني ضرورة الجمع بين الاستقامة الشرعية (وإتقان علوم الشريعة) و(الخبرة الواقعية (بفهم أحوال الدنيا والسياسة والخطط، والناس والاطلاع على أحوالهم ، فلا يعيشون في معزل عن مشاكل الناس وواقعهم ، لاسيما عند اتخاذ القرارات المهمة كالأمور الجهادية أو القيادية.
ويتفرع عن ذلك عدة قواعد منها : قاعدة : (لا يفتي قاعد لمجاهد ، ولا أهل الدور لأهل الثغور) ، مقتضى هذه المقولة أن «القاعد» ليس على علم بحال المجاهدين وأحوال الجهاد، وهذا ينطبق على المفتي الذي لا يعلم بالواقعة التي هي محل الإفتاء أو الاستفتاء ، فيتعين على الفقيه قبل أن يفتي أن يكون على علم كاف ومعرفة كاملة بحقائق الأمور وموازناتها ومآلاتها ومقاصدها.
قوله (..وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ..)[85] (162) وهم العاملون بما يعلمون ، ذلك أن مناط تحصيل العلم الراسخ ليس مجرد الوقوف عليه دون العمل به ، فالعمل يكسب العالم خبرة واسعة ، وبدونه يظل الفقه مجرد تنظير دون تطبيق ، فيفقد الفقيه مبدأ الملاءمة في فتواه ، فالفقيه الذي يتاجر بخلاف الفقيه الذي لم يجرب التجارة ، والفقيه الذي جاهد بخلاف الفقيه الذي لم يجاهد ، والفقيه المتزوج يفتي في مسائل الأسرة بخلاف الفقيه غير المتزوج........وهكذا ، ولذلك قال أبو حفص سراج الدين النعماني (الراسخ في العلم من وُجِدَ في علمه أربعة أشياءٍ :-التقوى بينه وبين الله ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه) [86] .
قال الرازي (بيّن أولاً : كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله (والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة ، والزكاة أشرف الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد ، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله (والمؤمنون بالله) والعلم بالمعاد هو المراد من قوله (واليوم الآخر) ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر عنهم بقوله (..أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) (162) [87].
المسألة الثانية : - القرآن تضمن صدقه وصدق ما أخبر به بشهادة الله
قوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (164) استعراض الأنبياء من لدن نوح إلى محمد r هو جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل الله عليهم كتاباً من السماء ، وعندهم معجزة الوحي أمامهم فليتدبروها ، (واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)[88] ، فكانت الإجابة بهذه الآية .
والمعنى كما قال الخازن (إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، والمعنى إنكم يا معشر اليهود تقرون بنبوة نوح وبجميع الأنبياء المذكورين في هذه الآية وهم اثنا عشر نبياً ، والمعنى أن الله تعالى أوحى إلى هؤلاء الأنبياء وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك ، وما أنزل الله على أحد من هؤلاء المذكورين كتاباً جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب جملة واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحاً في نبوته ، فكذلك لم يكن إنزال القرآن –جملة واحدة - على محمد r قادحاً في نبوته بل قد أنزل عليه كما أنزل عليهم)[89].
قال الثعالبي سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ : (مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْءٍ . . . ) [الأنعام : 91] فأنزل اللَّه سبحانه الآية تَكْذيباً لهم)[90] ، ولقد قالوا هذه المقولة لعهدهم بأن الذين يوحى إليهم هم الجن والشياطين ، كما في قوله (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام 121) ، ولهذا جاء تعداد الرسل والأنبياء في هذه الآية للتدليل على أن النبوة كانت في البشر ، ليقطع اليهود وأمثالهم اتصالهم بالجن والشياطين ، ويعلموا أن ما يوحي إليهم هو عن طريق الجن وليس من الله ، وأن مصدر الوحي عند الأنبياء المذكورين والمعروفين بالتقوى والصلاح هو الله ، وأن الطريق إلى معرفة النبي وتمييزه عن أتباع الشياطين ، هو المعجزة الروحية المؤيد بها ، أي المنهج الذي جاء به ، فهو المعجزة المشتركة بين الأنبياء جميعا ، ألا وهو رسالة الإسلام.
قال السعدي (ذكر اشتراكهم بوحيه ، ثم ذكر تخصيص بعضهم ، فذكر أنه آتى داود الزبور)[91] ، وفي ذلك حض لهم أن يهتموا بقراءة القرآن على مهل وترسل ودون تعجل وتسرع ، حتى يفهموا معانيه ويعوا أحكامه فتنشرح صدورهم له ، لما هو معروف من أن قراءة داوود للزبور كانت تحرك الجمادات ، قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)(سبأ/10) ، وقال تعالى (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء/79) ، وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ لَهُ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)[92] ، (شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ)[93].
إذن الوحي هو المعجزة الخالدة التي توارثها الأنبياء حتى النبي محمد r وورثها لأمته من بعده ، تلك المعجزة التي تضمنت العقيدة والعبادة ، الذكر والتلاوة ، المنهج والمنسك ، حقوق الله وحقوق العباد ، تلك المعجزة التي أقام الله بها الحجة على عباده جميعا ، قال الرازي (فإصرار اليهود على طلب المعجزة المادية باطل) [94]، أي من هذا الوجه ، فقد كفتهم معجزة هذا الدين لو تأملوا في مضمونه والتزموا أحكامه .
قوله (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أفاد أن الرسل وهم أعظم البشر ، خير خلق الله ، وأنفعهم للناس ، نال البشر خيرا من صنيعهم ، فقد قدموا للبشرية كلها على مدار التاريخ خير خدمة ، ورغم ذلك فإن الله تعالى لم يذكر بعضا منهم ، حتى أن النبي محمد r لا يعلمهم .
ولذلك قيل بأنه (ليس من شروط الإنجاز وجود اسمك في التاريخ ، وقد قال الله ورسلا لم نقصص عليك ، فلا تتهافت لتُذكر ، وإنما يكفيك أن الله يعلم ما تصنع) ، روي عن مزاحم (مساعد عمر بن عبدالعزيز ) أنه قال للخليفه عمر بن عبد العزيز عن معركة وقعت وقتل فيها من المسلمين ، وظل يذكر أسماء كثيرة من الجنود ويقول مات فلان ولم يعرفه أحد ومات فلان ولم يعرفه أحد ، فرد عليه عمر بن عبد العزيز وقال له : (وما يضيرهم ،فإن الله يعلمهم) .
وقد اختتمت الآية بذكر نبي الله (موسى) عليه السلام واختصاصه بالتكليم ، ردا على اليهود وتذكيرا لهم بأنه سبحانه أنزل الكتاب على موسى جملة واحدة ، فما كان منهم إلا أن كفروا به وأبوا أن يأخذوه إلا بعد أن هددهم بالجبل فوق رؤوسهم ، فلما فعلوا ذلك على مضض حرفوه وبدلوه حروفه وغيروا معانيه ، فلم تزدهم الآيات المعجزات إلا إصرار على الكفر ، فلو أنهم شغلوا أنفسهم بالمنهج وليس بالمعجزة لنالوا بركة الكتاب ، قال سبحانه (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص/29) .
وفي قوله (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (165) ما يدل على أن تتابع الرسل بالبلاغ هو حجة الله على الناس ، قال رسول الله r (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ)[95].
فإن جاز القول بأن الله يتوصل إليه بالعقل ، فإنه يجب القول كذلك بأنه وإن كان العقل كافيا لإرشاد الناس إلى الله ، إلا أن رحمة بالناس أن جعل الله مناط التكليف الشرع ، فلم يجعل العقل وحده مناط التكليف ،وإنما جعل الحجة ببلوغ الرسالة لمن توافرت لديه أهلية السماع والفهم ، أما من بلغته الرسالة ولم تكن لديه هذه الأهلية فأولئك قد ذكرهم النبي r في حديثه (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة ، أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة ، فأما الأصم فيقول : يا رب جاء والصبيان يقذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني رسولك ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار) قال : (فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) [96].
وبالرغم مما تقدم فإن ثمة أناس من أمة النبي محمد r لم تبلغهم الرسالة المحمدية من النبي مباشرة ، إذ لم يصاحبوه ولم يعاصروه ، وقد عانوا كثيرا حتى بلغتهم تلك الرسالة بعد موته r وهو آخر الأنبياء ، وقد خلت من بعده القرون ، ولكنهم اتبعوا سنة النبي r ، والنبي r يعرفهم وقد نعتهم بأنهم إخوانه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
فَقَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ، فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا)[97].
وفي قوله (..لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (166) الاستدراك بـ "لكن" تعقيب لكلام محذوف لأن "لكن" لا يُبدأ بها[98] ، وذلك برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه ، والمعنى (لم يشهد أهل الكتاب لكن الله شهد ، وشهادة الله خير من شهادتهم)[99].
قال السعدي (يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده... ولا يمكن القدح في هذه الشهادة إلا بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه)[100] .
وفي قوله (..أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ..) قال ابن عجيبة (وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ أو متلبسًا بعلمه الذي يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه)[101] ، قال الألوسي (فتضمن المعنى –كذلك - أنه (أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملا عليه)[102] .
(ومن جهة فلا يقدر أحد على الإتيان بهذا القرآن إلا الله، ففي من البيان والتعجيز ما لا يعلمه إلا الله، وفيه من المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما لا يُقَدِّر قدره إلا الله)[103] ، و(هذا يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله)[104].
(وفي ذلك شهادة بأهليته r لأن ينزل عليه القرآن)[105] ، أي (أهلا للاصطفاء والإرسال)[106]، قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام 124] ، وهكذا يكون الرسول شاهد على صحة القرآن ، والقرآن شاهد على صدق النبي r ، فتكون المعجزة في ذاتها منهجا ، ويكون المنهج ذاته معجزة ، فالنبي r كما أخبرت عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن)[107]، فكان بخلقه دليلا على أن القرآن كلام الله ،والقرآن يشهد بنبوته r كذلك، قال ابن تيمية (فشهد أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التى تدل على أنه كلامه، وأن الرسول صادق)[108] .
قال ابن تيمية (فإن شهادته بما أنزل إليه هى شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبراً عمن دونه، كقوله (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ) [هود14].. فقوله "أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ" تَضَمَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ إلَى الْأَرْضِ فِيهِ عِلْمُ اللَّهِ)[109].
وقوله (..وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ..) (166) تسرية على رسول الله r وقد تعنت معه قومه ، وبالغوا في تكذيبه لما كان بمكة ثم تعنت معه أهل الكتاب لما هاجر إلى المدينة ، فأخبره الله أن له من الملائكة مؤيدون ، يشهدون بنبوته ، كما قال سبحانه (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم/4) ، وفي ذلك أدب تربوي بأن يظل يقين المسلم بالغيب مصاحبا له ، مثلما يوقن بعالم الشهادة .
فمهما صد الكافرون عن سبيل الله تعالى ، فإن الله تعالى سبحانه يسخر جنوده من عالم الغيب ومن الملائكة ليساندوا الذين يبلغون هذه الدعوة ، وإن طمس معالمها الظالمون كما فعل اليهود في شريعة التوراة والإنجيل ، فكما أرسل الله رسله من البشر تترا ، فإنه يرسل رسله من الملائكة على أنبيائه وأتباعهم كذلك ، قال سبحانه (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى 51) ، وهذا ليس بمختص بأنبياء الله تعالى ، وإنما جرت سنة الله تعالى أن يؤيد عباده المؤمنين بالملائكة ، قال سبحانه (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) (الأنفال 12)
والقرآن يشهد بأن الملائكة تكلمت مع غير الأنبياء دون أن يبين لنا كيفية ذلك ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران : 42 - 43] ، فالمسلم عندما يضجر من سوء خلق الناس ، ويمل من سفههم فإنه يلجأ إلى الله تعالى ، ويأنس بصحبة الملائكة .
فعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ فَقَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ وَسَكَتَتْ الْفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ r فَقَالَ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لَا قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ) [110].
وتزييل الآية بقوله تعالى (..وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (166) يدل على أن هذا القرآن الذي هو كلام الله تضمن هذه الشهادة ، أي تضمن إثبات إعجازه ، وإثبات نبوة محمد r ، وكفى بالبحث في كلام الله تعالى الذي هو القرآن الكريم شهيدا على صحة ذلك ، وليس ثمة حاجة إلى سؤال معجزة أخرى غير معجزة القرآن الكريم ، وقد شهد الله بها ، يبقى علي العبد أن يطلع على هذه الشهادة في كتاب الله ويتدبر فحواها .
قال إسماعيل حقي (من القرآن المعجز الدال على نبوته إن جحدوك وكذبوك ، فإن إنزال هذا القرآن البالغ في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته وإتيان ما يدانيه شهادة له عليه السلام بنبوته وصدقه في دعوى الرسالة من الله تعالى ، فمعنى شهادة الله تعالى بما أنزل إليه إثباته لصحته ، بإظهار المعجزات ما تثبت الدعاوي بالبينات) [111].
فالذي يتعامل مع الله لا ينزعج بتكذيب الناس له ، وقد استيقن أنه على الحق ، وأن الله شهيد على ما يفعل ويقول أهل اللغة (الباء زائدة ، معناه اكتف بالله شهيدا)[112] ، كما في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر 95)
المسألة الثالثة : الفرق بين الكفر المجرد والكفر المقترن بالصد والظلم :
هناك فارق بين الكافر كفرا مجردا أي غير متلبس بظلم أو صد عن سبيل الله ، فهذا لابد وأن يهتدي يوما للحق متى لم يكن مستكبرا ، فإن تخلى عن هذه الصفة المذمومة انصاع للحق أول ما يصادفه البلاغ ، أما الكافر الذي اقترن كفره بالصد عن سبيل الله والظلم ، فذاك الذي يحول بينه وقبول الحق وقوعه في ذلك الظلم والصد عن سبيل الله ، ولذلك وصف الحق ضلاله بأنه ضلال بعيد ، فأنى له أن يهتدي ؟ وقد بعدت المسافة بينه وبين الحق بذلك الظلم والصد عن سبيل الله ، ورغم ذلك يأتيه النداء من الحق سبحانه (آمنوا خيرا لكم) ، فإن ظل الكافر على كفره فالله غني عنهم .
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا) (167) التفات إلى الذين كفروا مرة أخرى ، قال ابن عاشور (يجوز أن يكون المراد بالذين كفروا هنا أهل الكتاب، أي اليهود، فقد كان اليهود يتعرضون للمسلمين بالفتنة، ويقوون أوهام المشركين بتكذيبهم النبي r ، ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا المشركين ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا، انتقل إليه بمناسبة الخوض في مناواة أهل الكتاب للإسلام وصدهم عن سبيل الله، أي صدهم الناس عن الدخول في الإسلام)[113].
والمسند هنا التأكيد علي أنهم قد ضلوا ضلالا أي (ضلالا يتعذر معه الرجوع إلى الحق) [114]، فهو بعيد من جهة الرجوع للحق ، يعزى ذلك إلى أن الله تعالى يختار من الناس من يريد الحق فيهديه إليه ، ويبعد عنه من يتكبر عنه ظلما وعدوانا ، وهؤلاء جمعوا مع الكفر الصد عن سبيل الله ، جمعوا بين الضلال والإضلال ، قال القرطبي أي (أنهم كفروا ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام)[115] ، (فيكون المضِل أغرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه)[116] ،وقيل أنهم جمعوا إلى (اعتقادهم في أنفسهم أنهم أحق في اكتساب المال والجاه بذلك الضلال)[117] .
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) (168) لأنهم بلغوا الغاية في الضلال ، فصار كفرهم – من هذا الوجه - ظلما لأنفسهم ولغيرهم ، قال السعدي (وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه) [118].
وقد ترتب علي ذلك جحود أن يغفر الله لهم ، ولا أن يهديهم إلى طريق الإسلام ، فقد بلغ المنافقين من أهل الملل سواء من أهل الكتاب أو من المسلمين من هذا الضلال غايته وأقصاه ، كما قال سبحانه (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (النساء/88) ، وهكذا يبين سبحانه أنهم ليس لهم سبيل غير جهنم خالدين فيها أبدا ، حيث بلغوا من الكفر مداه .
يقول صاحب الظلال (والكفر في ذاته ظلم : ظلم للحق ، وظلم للنفس ، وظلم للناس . . والقرآن يعبر عن الكفر أحياناً بأنه الظلم كقوله تعالى : " إن الشرك لظلم عظيم " وقوله : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ". . وهؤلاء لم يرتكبوا ظلم الشرك وحده ، ولكن ارتكبوا معه ظلم الصد عن سبيل الله أيضاً ، فأمعنوا في الكفر . . أو أمعنوا في الظلم . . ومن ثم يقرر الله جزاءهم بعدله )[119]
قوله (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (169) (قصد به تحقير شأنهم ، وبيان أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم)[120] ، (فهو القاهر فوق عباده ، وليس بينه وبينهم شيء يمنعه من أن يأخذهم بهذا العذاب المستحق عليهم ، فلا يعسر عليه)[121]
وفي ذلك في لطيفة وإلماحة بسيطة إلى نفي ما يزعمونه من أنهم أبناء الله وأحباؤه ، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة 18) ، إذ لو كانوا كذلك فلما عذبهم بذنوبهم .
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) (170) هذه الآية جامعة لكل الطوائف التي ذكرت من قبل سواء من الكافرين أو المنافقين ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " ، أَيِ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ"[122]، وخاتمة لما سبق من دحض مفترياتهم ، ليأتي التوجيه الرباني تاليا لذلك .
ومضمون الخطاب أن يتفقوا على شخص النبي محمد r والإقرار بأنه رسول الله r ، وذلك بعد أن اختلفوا فيه ، وأن يؤمنوا به بعد أن كفروا به ، كما تضمنت الآية دعوة للتأمل فيما جاء به الرسول r من كتاب ، الذي هو "قرآن كريم" ، فيقيسونه على الحق ، ليكتشفوا أنه هو الحق ، وأنه من عند الله ولا ريب ، فلا جدال في أن كل ما أمر به القرآن ونهي عنه هو الحق ، فكونه الحق لأن ما جاء الناس بخلافه باطل .
قوله (..فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ..) أثبت الخيرية في العمل بالإيمان ، لأن الإسلام تضمن المعاني الجامعة لكل خير ، أما العمل بخلافه فهو باطل من حيث أنه لا يحقق مصلحة بل هو عين المفسدة ، فإذا اختبروا ذلك عملا ، لوجدوا الخير فيه ، وحينئذ وجب عليهم أن يؤمنوا به وبمن جاء به ، فالرجوع للحق خير من التمادي في الباطل ، لا أن يكفروا جحودا واستكبارا .
قوله (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) إيماءة بأن الله تعالى غني عن إيمانهم إن استحبوا الكفر على الإيمان ، وإن كان لا يرضاه لهم شرعا ، قال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر/7) .
[1] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296
[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 418
[3] ) رواه أبو داود ج12 ص 209 رقم 3989 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 105
[4] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 15 رقم 12 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 7 رقم 12
[5] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296
[6] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 418
[7] ) رواه البخاري ج8 ص 399 رقم 2313
[8] ) بحر العلوم للسمرقندي ج1 ص 437
[9] ) قريب من هذا المعنى : تفسير الألوسي ج4 ص 318
[10] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1912
[11] )رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196
[12] ) https://www.bbc.com/arabic/trending-59235483
[13] ) وجاء في البيان (: على الأمة أن تعي أن أوهام السلام إنما يُبدِّدها اليهود أنفسهم، وقد صرح رئيس وزرائهم في 28 يونيو 2020م في مؤتمر جمعية «مسيحيون موحَّدون من أجل إسرائيل» بأن اتفاقية صفقة القرن قد قوَّضت ما أطلق عليه: «أوهام حلِّ الدولتين»، كما أن وزير خارجية أمريكا الحالي قد قال في الكونجرس في يناير 2020م: «إن الحل الأمثل للنزاع هو التعايش السلمي، وتماهي الطرفين مع بعضهما بعد إنهاء أسباب الخلاف!».
وعلى رأس ذلك العقيدة الإسلامية بطبيعة الحال، قال الله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].
يحذر العلماء الحكومات الإسلامية من الاستجابة لهذه الدعوات المغرضة؛ لما تُمثِّله من عدوانٍ سافرٍ على عقيدة شعوبها، وضربٍ للثقة التي منحتها الشعوب لحكوماتها، وإشعال لنار الخلاف والفتنة بين المسلمين، مما يؤدي إلى إضعاف أمة الإسلام، وتمكين عدوِّها منها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)﴾ [الصف: 7 - 9].
يجب على مسئولي وزارات التعليم والإعلام في العالم العربي والإسلامي الكف عن العبث بمناهج تعليم الإسلام، وتقديمه من خلال القرآن والسُّنة، والتأكيد على ثوابت العقيدة والشريعة، وتحصين الناشئة من الانحرافات والشبهات الفكرية والعقدية، فالشباب أمانة بين أيديكم وفي أعناقكم، وسوف تسألون عنها يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
[14] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 125
[15] ) موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة 54 رقم 261
[16] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296
[17] ) الكشاف ج 1 ص 311
[18] ) رواه البخاري ج11 ص 366 رقم 3271
[19] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 171
وقال (ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد r أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم
[20] ) في ظلال القرآن ج2 ص 277
[21] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 421
[22] ) رواه أبو داود ج9 ص 496 رقم 3123 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 97 رقم 3597
[23] ) البحر المحيط ج4 ص 322 ، تفسير النيسابوري ج3 ص 101
[24] ) رواه مسلم ج4 ص 355 رقم 1432
[25] ) انظر: كتاب كارثة فلسطين (ص: ٢٢٥ - ٢٣٠)
انظر: الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية الإسرائيلية ١٩٤٨ م ١٩٨٨ م (ص: ٨١ - ٨٢) المؤلف الدكتور: هيثم الكيلاني، الناشر: مركز دراسة الوحدة العربية بيروت الطبعة الأولى (١٩٩١ م).
انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (١٩/ ١٧)
انظر : هود محمد أبو راس - الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا ص 301-307
[26] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1125
[27] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125
[28] ) الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 1783
[29] ) تفسير الرازي ج5 ص 223
[30] ) مفاتيح الغيب ج10 ص 96
[31] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647
[32] ) البحر المديد ج2 ص 14
[33] ) رواه مسلم ج1 ص 427 رقم 269
[34] ) فضح التلمود، نقلاً عن كتاب: الفكر اليهودي، د/ سعد المرصفي، ص 121، بتصرف، ط/ مكتبة المنار الإسلامية، الأولى، 1413هـ، 1992م].
[35] ) رواه مسلم ج9 ص 472 رقم 3500
[36] ) رواه أبو داود ج6 ص 487 رقم 2125 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 247
[37] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 432
[38] ) د يوسف الحوشان : الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري ص 492 كلية أصول الدين بالرياض 1424 هـ
[39] ) الجواب الصحيح لابن تيمية ج2 ص 304
[40] ) صححه الشيخ مصطفى العدوي https://www.youtube.com/watch?v=sCU9YcFGkM0
[41] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 431
[42] ) يقولون يعتقد أن صلب يسوع المسيح قد حدث في القدس تحت الحكم الروماني بين 30-36 ميلاديا، ولم يتم العثور على أدلة أثرية مؤكدة لهذا الحدث ، على الرغم من أنصلب المسيح ذكره المؤرخون اليهود والرومان.
وذكر عدد من المؤرخين أن المسيح أُعدم عندما فى زمن الحاكم الرومانى بونتيوس بيلاطس، ووفقا للكتاب المقدس مات يسوع بعد ست ساعات مسمرًا على الصليب، والصوصان اللذان ماتا مع المسيح كانا جيستاس على اليسار وديماس على اليمين.
وفى القانون الروماني الشخص المحكوم عليه بالصلب، تطبق عليه آليات تعذيب منها الضرب بسيور الجلد المرصعة لتمزيق الجلد، تم تجريد الشخص من ملابسه عاريًا وربطه بعمود خشبى مستقيم ثم جلده عبر الظهر والأرداف والساقين.
واعتقد الخبراء أنه قد يكون موت المصلوب بسبب السكتة القلبية بعد الجفاف، وتوصل العديد من العلماء إلى استنتاج مفاده أنه قد يكون اختناقًا تدريجيًا ناجمًا عن ضعف الحركة التنفسية. ولم يُسمح للحراس الرومان بالمغادرة إلا بعد موت الضحية، وبسبب نفاد الصبر قد يكون الجنود قد سرعوا الأمور عن طريق كسر أرجلهم أو طعن الصدر.
[43] ) يقولون أنه فى عام 2007، اكتشف فريق بناء فى بلدية جافيلو شمال إيطاليا، بالصدفة، هيكل عظمياً معزولا عن مقابر الدفن خلال العصر الرومانى، وباستخدام أساليب البحث التكنولوجية، أوضحت أن الهيكل العظمى رجل مات فى الثلانيات من عمره وتعرض لعملية الصلب ، وأضاف الباحثون ،أن الهيكل المكتشف يوفر أدلة جديدة حول وفاة المسيح، حيث إن الهيكل به أكثر من جرح فى أجزاء متفرقة من الجسم وهذا ليسمح باختراق المسماير.
[44] ) يقول النصارى لماذا كان يجب أن يموت يسوع ؟ فيجيبون تذكر أن الله القدوس لا يستطيع أن يترك الخطية بلا عقاب. فأن نحمل خطايانا بأنفسنا يعني أن نحتمل دينونة الله في لهيب الجحيم. ولكن شكرًا لله، لقد أوفى بوعده بإرسال الحمل الكامل ليحمل خطايا أولئك الذين يثقون به. كان على يسوع أن يموت لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يدفع ثمن خطايانا.
[45] ) السير آرثر فندلاي : الكون المنشور" ص(78)
موجزة عن هذه العقيدة وفقا لكتاب (إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم المرسلين ج357 وما بعدها) في النقاط التالية مع الاستشهاد بفقرات من الكتاب المقدس :-
1- دخلت الخطيئة إلى آدم عندما عصى أمر الله فحكم عليه بالموت أي بالانفصال عن الله، [ وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت] ( سفر التكوين 2: 16-17).
2- دخلت الخطيئة إلى جميع أبناء آدم بسبب سقوط أبيهم باعتباره نائبا عنهم ؛ ولهذا حكم عليهم بالموت: [ من أجل ذلك كما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى الجميع إذ أخطأ الجميع ] رومية (12:5).
3- وبما أن الله قدوس فقد فصلت خطايا الإنسان بينه و بين الله ، فلم يعد يسمع صلاتهم ، [ آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] سفر إشعياء (2:59).
4- ولأن الله عادل فإنه لن يغفر للإنسان الخاطئ من غير أن ينال عقابه،والعقاب هو الموت أي الانفصال عن الله ، ولهذا لن يقدر الإنسان على العودة إلى الله : [ حاشا لك أن تفعل مثل هذا أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار كالأثيم حاشا لك أدَيّان كل الأرض لا يصنع عدلا ] سفر التكوين (25:18) لأن [ أجرة الخطيئة هي الموت ] رومية (23:6).
5- أراد الله أن يعيد الإنسان الخاطئ إليه ويحرره من آثامه ؛ لأن الله محبة ، لكن الله قدوس ؛ فلن تنفع الصلاة من الخاطئ ، لأنه انفصل عن الله ، والله عادل فلن يرجع عن حكمه على الإنسان بالموت ، فأنزل ابنه المسيح على هيئة البشر ليحمل عن الناس آثامهم بموته على الصليب [ بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي تحيا به هذه هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل إنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا ] رسالة يوحنا الأولى (4: 9-10).
6- وكان لا بد أن تتوفر في الذي يريد أن يحمل الخطيئة الصفات التالية:-
أ - أن يكون خاليا من الخطيئة وإلا لاحتاج إلى من يحمل عنه خطيئته [ لأن لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفائنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ] عبرانيين (15:4).
ب - أن يكون موته كافيا لتكفير خطايا الكثيرين ؛ ليكون ذبيحة مقبولة عند الله [ واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضا وأسلم نفسه من أجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة ] أفسس (2:5).
ت - أن يكون من جنس البشر ؛ لأن الإنسان هو الذي يمثل الإنسان أمام الله [ من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة أمينا فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب] عبرانيين (17:2).
ولا يوجد أحد تتوفر فيه هذه الشروط غير المسيح ؛ فكل البشر ورثوا الخطيئة من أبيهم آدم ، وغير البشر لا يصلحون ليمثلوا البشر أمام الله، ثم إن أي شيء محدود،بينما خطايا البشر غير محدودة فهي بحاجة إلى شيء غير محدود وهو ابن الله فلهذا تجسد ومات على الصليب [ ولكن لما جاء مِلْءُ الزمان أرسل الله أبنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذي تحت الناموس لننال التبني ] غلاطية (4:4-5).
7- وكان لا بد بعد موت المسيح على الصليب أن يقوم من الموت ؛ ليبرهن للناس أنه هو الكفارة الحقيقية ، وإلا كان إيمان الناس به باطلا [ إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا…وإن لم يكن المسيح قد قام فبالباطل إيمانكم أنتم بعد خطاياكم ] (1) كورنثوس (14:15-17 ).
8- كل من يؤمن بالمسيح أنه مات وقام من أجل تكفير خطاياه سيقوم من موته ويعود إلى الله [ لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه ] (1) تسالونيكي (4: 14).
9- أما الذي يرفض المسيح على أنه مخلص له فسيكون في يدي الشرير [ نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وضع في الشرير ] (1) يوحنا (19:5).
وبهذا اجتمعت محبة الله وعدله في المسيح، ظهرت محبته عندما أوجد للناس من يحمل عنهم خطاياهم ، وظهر عدله عندما تحمل المسيح هذه الخطايا عن الناس حتى لا يعاقبوا عليها.
[46] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 321
[47] ) https://www.youtube.com/watch?v=aInZZEtPR-w
هل صلب المسيح وعاني أم لم يصلب من الاساس : Zakir Naik
[48] ) https://www.youtube.com/watch?v=LKd2PJVRJZw
[49] ) في ظلال القرآن ج2 ص 277
[50] ) "الجواب الصحيح" (4/38)
[51] ) فتاوى اللجنة الدائمة" (3 / 225) - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - عبد الله بن قعود ، عبد الله بن غديان ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز "
مجلة البحوث الإسلامية ج12 ص 109 ، الفتاوى الإسلامية ج1 ص 173
[52] ) رواه مسلم ج1 ص 373 رقم 225
[53] ) رواه أبو داود ج11 ص 316 رقم 3704 صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 242
[54] ) رواه البخاري ج11 ص 267 رقم 3193
[55] ) رواه البخاري ج11 ص 266 رقم 3192
[56] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 81
[57] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 81
[58] ) رواه أبو داود ج11 ص 401 رقم 3766 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 324
[59] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 651 رقم 4163 وقال الذهبي في التلخيص صحيح
[60] ) رواه مسلم ج14 ص 167 رقم 5228
[61] ) رواه أبو داود ج13 ص 57 رقم 4258 وضعفه الألباني
[62] ) الفتاوى الكبرى ج4 ص 29
[63] ) رواه الدارقطني ج4 ص 183 رقم 42 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 126
[64] ) رواه مسلم ج7 ص 42 رقم 2380
[65] ) انظر فوائد الشحوم الحيوانية | الدكتور أمير صالح | الغذاء في القرآن -
https://www.youtube.com/watch?v=NuX3Ac4BrBc
[66] ) تفسير القرطبي ج6 ص 12
[67] ) https://site.alkhanadeq.com/post/7356/
موقع الكتروني إيراني : مختص بالشؤون والقضايا الجيوستراتيجيّة والعسكرية والأمنية في منطقة غرب آسيا
يمكن أن يستأنس به في هذا البحث ، تطبيقا للمقولة القائلة (الفضل ما شهد به الأعداء) ، ونحن نعلم ما بين الدولتين من حروب باردة وعمليات استخباراتية راهنة .
وأفاد الموقع أن الاحصاءات تفيد بأن 224 صحيفة ونشرة تصدر عن المنظمات اليهودية في أميركا، إضافة إلى أربعين نشرة سرية يتداولها اليهود فقط، فضلا عن سيطرتهم التامة على وسائل الاعلام الرئيسية وهي: مثل شبكة A.B.C. الشبكة الاميركية للإذاعة يسيطر عليها اليهود من خلال رئيسها مارتن روبنشتاين، المليونير اليهودي المشهور ومساعده اليهودي افران واينشتاين، إضافة إلى مئات المحررين والمراسلين اليهود الذين يرتبطون بشكل مباشر مع منظمة إيباك، المنظمة الأم للمنظمات اليهودية.
2.شبكة C.B.S شركة كولومبيا للبث الإذاعي ويسيطر عليها اليهود سيطرة محكمة من خلال رئيسها وليام لبيلن وهو يهودي روسي من أوكرانيا، ومديرها العام ريتشارد سيالانت، اليهودي الأميركي، وهذه الإذاعة ومحطتها تؤمن الخدمات السياسية والاعلامية لليهود ولإسرائيل بشكل منقطع النظير.
3.شبكة N.B.C الشركة الوطنية للإذاعة يسيطر عليها اليهود من خلال رئيسها الفرد سيلفر مان الذي خلف رئيسها السابق ومؤسسها اليهودي روبرت سارنوف، اضافة إلى جيش من المحررين والمهندسين الذين يتسابقون على تقديم الخدمات لإسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية في اميركا.
فضلا عن استخدام خدمات التخزين السحابي والذكاء الصناعي التي تقدمها شركات عملاقة في مجال التكنولوجيا ، Amazon Web Services (AWS)، وGoogle Cloud، وMicrosoft Azure وقد ظهر أثر الاستعانة بها بوضوح في حرب غزة 2023-2025
[68] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1726 - Benjamin Franklin's prophecy on Jewish-
Benjamin FRANKLIN PROPHECY Forgery Antisemitic Speech Expose JEWS 1937 Newspaper THE NEW YORK TIMES, March 10, 1937
https://www.youtube.com/watch?v=zHADE_6cPUI
https://www.clevelandjewishnews.com/archives/benjamin-franklin-and-the-jews/article_5ec7fea4-7d3a-5efc-8f05-430336ab3337.html
https://rihumanities.org/calendar/benjamin-franklins-influence-on-jewish-thoughts-and-practice/
[69] ) رواه أبو داود ج11 ص 401 رقم 3766 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 324
[70] ) رواه مسلم ج14 ص 137 رقم 5200
[71] ) تفسير البغوي ج2ص 309
[72] ) تفسير روح المعاني الألوسي ج4 ص 309 تفسير أبي السعود ج2 ص 181
[73] ) فتح القدير للشوكاني ج2ص 246
[74] ) تفسير روح المعاني الألوسي ج4 ص 309
[75] ) تفسير السعدي ج1ص214
[76] ) الدر المنثور ج3 ص 296
[77] ) عبد العزيز بن أحمد البخاري : كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ج4 ص 44
[78] ) في ظلال القرآن ج2 ص 281
[79] ) الاعتصام للشاطبي ج1 ص 162
[80] ) https://www.youtube.com/watch?v=YfAcNQq_pDU
[81] ) مفتاح دار السعادة ج1ص140
[82] ) تفسير السعدي ص122
[83] ) إعلام الموقعين ج1 ص 87
[84] ) المستدرك على مجموع الفتاوى ج3 ص 220 جمعه ورتبه وطبعه على نفقته : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى : 1421هـ)
[85] ) قوله "والمقيمين": مفعول لأمدح مقدرةً، والجملة معترضة بين المتعاطفين. قوله "والمؤتون": مبتدأ، "والمؤمنون" اسم معطوف على "المؤتون"، وجملة "أولئك سنؤتيهم" خبر "المؤتون"، وجملة " أولئك سنؤتيهم" معطوفة على جملة "لكن الراسخون يؤمنون".
مشكل إعراب القرآن للخراط ج1 ص 103
[86] ) اللباب في علوم الكتاب ج3 ص 440
[87] ) تفسير الرازي ج5 ص 440
[88] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 35
[89] ) تفسير الخازن ج2 ص 210
[90] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 381
[91] ) تفسير السعدي ج1 ص 214
[92] ) رواه البخاري ج15 ص 470 رقم 4660
[93] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 778
[94] ) تفسير الرازي ج5 ص 441
[95] ) رواه البخاري ج22 ص 424 رقم 6866
[96] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج1 ص 287 رقم 845 وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 8 رقم 1434
[97] ) رواه مسلم ج 2 ص 53 رقم 367
[98] ) البحر المحيط ج4 ص 338
[99] ) التحرير والتنوير ج4 ص 325
[100] ) تفسيير السعدي ج1 ص 215
[101] ) البحر المديد ج2 ص 187
[102] ) روح المعاني للألوسي ج6 ص 19
[103] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 307
[104] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج3 ص 188
[105] ) الشيخ مصطفى العدوي وغيره من المفسرين
[106] ) جابر بن موسى المعروف بـ" أبو بكر الجزائري" أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ج1 ص 576
[107] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1ص115 رقم 308 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 131 رقم
[108] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 10
[109] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 9
[110] ) رواه البخاري ج15 ص 424
[111] ) تفسير روح البيان ج2 ص 258
[112] ) أبو القاسم حسين محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 437 تحقيق محمد سيد كيلاني
[113] ) التحرير والتنوير ج4 ص 326
[114] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 320
[115] ) تفسير القرطبي ج6 ص 19
[116] ) تفسيير البيضاوي ج2 ص 39
[117] ) البحر المحيط ج4 ص 338
[118] ) تفسير السعدي ج1 ص 215
[119] ) في ظلال القرآن ج2 ص 292
[120] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1142
[121] ) في هذا المعني سيد قطب في ظلال القرآن ج 2 ص 292
[122] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 451
-
الاربعاء AM 11:13
2026-01-28 - 478



