ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
طرق دعوة أهل الكتاب للإيمان بالله ورسوله
د\ احمد نصير
طرق دعوة أهل الكتاب للإيمان بالله ورسوله
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
وفيه عدة مطالب : -
المطلب الأول : ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
المطلب الثاني : تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بغزيمة متجددة
المطلب الثالث : مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بضلالاتهم إجمالا
المطلب الرابع : تبشير أهل الكتاب بقبول ما سلف منهم من خير
المطلب الأول
ترغيب أهل الكتاب في المبادئ الكلية المرعية في كل ملة
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66)
قوله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (65) الخطاب لأهل الكتاب ، وتخصيصهم بالذكر يرجع إلى أنهم أقرب من غيرهم إلى الإيمان بمحمد وبما جاء من القرآن الكريم ، هذا من حيث أنهم يعلمون الأديان ، لكن حرف "لو" يفيد الامتناع أي أنهم لم يؤمنوا ، أي أنهم خالفوا من حسن الظن فيهم ، فكثير منهم عاندوا النبي ، إلا قليلا ممن حافظوا على كتابهم أمثال ورقة بن نوفل .
قال رسول الله (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ، قال الطحاوي (وَهُمْ الَّذِينَ بَقَوْا على ما بُعِثَ بِهِ عِيسَى مِمَّنْ لم يُبَدِّلْهُ ولم يُدْخِلْ فيه ما ليس منه ، وَبَقِيَ على ما تَعَبَّدَهُ اللَّهُ عليه عز وجل حتى قال النبي يَوْمَئِذٍ هذا الْقَوْلَ)، (وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه ، فصار الناس في جاهليّة من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم مع كثرة الاختلاف والاضطراب).
وقد بدأ الله تعالى بتذكيرهم بثواب الآخرة ، فهو أولى من تبشيرهم بسعة الرزق في الدنيا ، وهو عين المقصود مذلك ، فإصلاح الآخرة غير منبت الصلة عن إصلاح الدنيا ، وإنما يعمر المسلم دنياه لأجل آخرته ، فهو يعمر الدنيا ليس لنفسه وحسب ، بل يعمرها ليظل عمارها تنعم به الأجيال القادمة ، فيحدث الأجداد أحفادهم عن نعمة الله ، فيشكروه عليها .
يقول صاحب الظلال (القاعدة الأولى والركيزة الأساسية هي "الإيمان والتقوى" و"تحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية" فهذا يتضمن في ثناياه "العمل والإنتاج والترقية والتطوير للحياة" ، أي أن للصلة بالله مذاقها الذي يغير كل طعوم الحياة ; ويرفع كل قيم الحياة ; ويُقوِّم كل موازين الحياة ، فهذا هو الأصل في التصور الإسلامي ، ..وكل شيء فيه يجيء تبعا له ومنبثقا منه ومعتمدا عليه) .
وقد أبدع حين استطرد قائلا (ولا يجوز أن تخدعنا ظواهر كاذبة في فترة موقوتة ، إذ نرى أمما لا تؤمن ولا تتقي ولا تقيم منهج الله في حياتها وهي موفورة الخيرات كثيرة الإنتاج عظيمة الرخاء ، إنه رخاء موقوت حتى تفعل السنن الثابتة فعلها الثابت وحتى تظهر كل آثار الفصام النكد بين الإبداع المادي والمنهج الرباني .
والآن تظهر بعض هذه الآثار في صور شتى :-
- تظهر في سوء التوزيع في هذه الأمم مما يجعل المجتمع حافلا بالشقاء وحافلا بالأحقاد وحافلا بالمخاوف من الانقلابات المتوقعة نتيجة هذه الأحقاد الكظيمة وهو بلاء على رغم الرخاء.
- وتظهر في الكبت والقمع والخوف في الأمم التي أرادت أن تضمن نوعا من عدالة التوزيع واتخذت طريق التحطيم والقمع والإرهاب ونشر الخوف والذعر لإقرار الإجراءات التي تأخذ بها لإعادة التوزيع وهو بلاء لا يأمن الإنسان فيه على نفسه ولا يطمئن ولا يبيت ليلة في سلام .
- وتظهر في الانحلال النفسي والخلقي الذي يؤدي بدوره إن عاجلا أو آجلا إلى تدمير الحياة المادية ذاتها .
ثم انتهى إلى نتيجة مؤداها أن (العمل والإنتاج والتوزيع كلها في حاجة إلى ضمانة الأخلاق ، والقانون الأرضي وحده عاجز كل العجز عن تقديم الضمانات لسير العمل).
قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66) قال المفسرون (يعني لو أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما)، أي أظهروا أحْكَامها ،كإقامةِ السُّوق ، وإقامةِ الصَّلاةِ) ، قال مقاتل أي لو(عملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا وغيره ، ولم يحرفوه عن مواضعه فى التوراة التى أنزلها الله عز وجل) ، لحصل لهم من خيرات الدنيا ما يجعلهم يغدقون في النعم من فوقهم من تحتهم.
(وفي ذلك إيماء بسبب ضيق معاش اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بعد هجرة الرسول إليهم ، بأن الله عاقبهم على إضاعتهم للتوراة والإنجيل ، فما كان منهم إلا أن ضموا إلى ذلك إعلان كفرهم بما أنزل على محمد فجاء قولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) (المائدة:64) كما تقدم).
فاشترط الله عليهم إقامة ما في التوارة والإنجيل من مبادئ وأحكام لم يطلها النسخ ، بل وتحض على العدل والقسط بين الناس ، فإذا عملوا بها كانوا أهلا لأن يعملوا بما جاء على محمد ، كما حصل من بعضهم آمنوا بكتبهم ثم لما جاءت رسالة الإسلام عملوا بها ، فأخذوا أجرهم مرتين ، لأن الدنيا لا تستقيم إلا بالعدل سواء أكان طالبها مؤمنا أو غير مؤمن ، لأن الله تعالى يصلح دولة العدل وإن كانت كافرة ، ولا يصلح دولة الظلم وإن كانت مسلمة ، فعن أبى ذر رضي الله عنه عن النبي فيما روى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" .
قال العلماء (وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ، كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، دُونَ تَحْرِيفٍ وَلا تَبْدِيلٍ ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتِّبَاعِ الحَقِّ ، وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، لأنَّ كُلاً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بَشَّرَ بِنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ إِسْمَاعِيل) .
وقد ذَكَّرهم الله في موضع آخر فالفوائد التي تعود عليهم - في الدنيا - من العمل بمقتضى المبادئ والأحكام التي تربوا عليها في التوراة والإنجيل ، وما يعنيه الإيمان بالله والاستقامة علي شرعه ، فقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الأعراف/96) .
قال القاسمي (فإن قيل) : وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم ، ومنه ما جاء القرآن ناسخاً له ؟ (قلت) : لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية ، فإنهم حينئذٍ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى ، وغير ذلك مما يعلمه الناس ، فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم -إن أصروا على عدم الإيمان به - على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبيّ وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم ، ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل ؛ بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين ، وهو -ولا شك - خير من لا شيء) .
ولذلك قال الخازن (فإن قلت : كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل مع أنهما نُسخا وبدلا ، قلت : إنما أمرهم الله تعالى بإقامة ما فيهما من الإيمان بمحمد واتباع شريعته وهذا غير منسوخ لأنه موافق لما في القرآن) ، فهذه المكاشفة مبنية على أن من سلك طريق الحق - ابتداءً - فإنه إذا طمست معالمه يهتدي إليه مرة أخرى لا إلى غيره ، أما من ضل عن الحق -ابتداءً- فإنه قد يحول بينه وبين الوصول للحق ضلاله الأول ، ولذلك خاطب الحق سبحانه القلة التي آمنت بالتوراة والإنجيل وأقاموا ما فيهما من أحكام ليكون إيمانهم بالكتب السابقة والأنبياء من قبل سببًا لأن يكونوا أول من يؤمنون بمحمد والقرآن الكريم ، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الحديد/28) ، قال الشيخ أبو بكر الجزائري (وما زال العرض كما هو لكل الأمم والشعوب أيضاً) .
ولو أنهم فعلوا ذلك لهتدوا ولكنهم وقعوا في الظلم فحال بينهم وبين الهدى ، قال رسول الله (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ) ، قال صاحب الظلال (فالله سبحانه يعلم أن لا صلاح لهم ولا فلاح إلا بهذا المنهاج)، أي بالابتعاد عن الظلم والعدوان حتي يتهيئون لقبول الحق كاملا .
قوله (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66) (استعارة عن سبوغ النعم عليهم ، وتوسعة الرزق عليهم)، وفيه (تعميم جهات الرزق، أي لرزقوا من كل سبيل)، قال الزمخشري (أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض ، وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة ، وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم)
فالآيات تؤكد مفهوما لابد وأن يعيه المسلمون ويريد القرآن كذلك أن يخاطب به أهل الكتاب ، بأن صلاح الدنيا لا يكون إلا بالدين ، قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح/10-12) ، ذلك أن الدين جاء لأجل تقويم حياة البشر بما هو خير لها ، ولا ينبغي أن يقتصر مفهوم الدين على أنه مجرد شعائر تعبدية وحسب ، بل هو كذلك شريعة إصلاحية للحياة تصير به إلى الرخاء و الرفاهية .
وهناك محاولة لترويج فكرة أن الدين هو مجرد اعتقاد الفرد ، وحسب ، وبذلك يفصلونه عن الحياة الواقعية المادية ، وبناء على هذه الفكرة يوهمون الناس بأنهم لا مفر لهم باختيار أحد طريقين إما الدنيا وإما الآخرة ، لا يجتمعان ، وهذا التصور البغيض يناقض تماما ما عليه الدين الحق ، الذي هو يجمع بين الطريقين ، فيحسن حياة الناس في الدنيا للأفضل بمجرد ابتغاؤه من العمل ثواب الآخرة ، فلا تعارض بين الطريقين ، بل لابد لسلوك طريق الآخرة تعمير الدنيا بمنهج الله وشرعه .
يقول صاحب الظلال (... فالمذاهب المادية الإلحادية أو المذاهب المادية تحاول استبقاء الدين "عقيدة" بعيدة عن نظام الحياة العملية وتتصور أو يصور لها أعداء البشرية أن الدين "لله" وأن الحياة "للناس" ، وأن "الدين" عقيدة وشعور وعبادة وخلق و"الحياة" نظام وقانون وإنتاج وعمل ، ومؤدى ذلك أن تؤدي البشرية ضريبة الشقاء والقلق والحيرة والخواء لأنها لا تهتدي إلى منهج الله الذي لا يفصل بين الدنيا والآخرة بل يجمع ; ولا يقيم التناقض والتعارض بين الرخاء في الدنيا والرخاء في الآخرة بل ينسق).
المطلب الثاني
تبليغ الدعوة لأهل الكتاب بعزيمة متجددة
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
قوله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ..) (67) بالرغم من أن السياق يتحدث عن إعراض أهل الكتاب وممانعتهم للنبي وقد لاقى في دعوته لهم عناءا شديدا ليس بأقل مما لاقاه من قريش عندما كان يوجه الدعوة لهم ، فظل يكابد عناء ومشقة التبليغ في المدينة إزاء عناد أهل الكتاب ، ورغم ذلك حضته هذه الآية أن يستمر في تبليغ الدعوة ، لاسيما وأن أهل كتاب كان الظن بهم أنهم أقل من قريش ممانعة ، ولكن الحال لم يكن كذلك .
وقد أشكلت هذه الآية على بعض المفسرين ، لأن موضعها في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن مما أثار استغرابهم ، فكيف يؤمر بذلك ، وقد أتم النبي البلاغ ، كما في قوله (اليوم أكملت لكم دينكم) ، ويجاب على ذلك بأن البلاغ في مبتدأ الدعوة له ملابساته وظروفه ، وفي آخر الدعوة وقد أقام النبي دولته وإزاء مواجهته لأناس آخرين وهم أهل الكتاب له ظروف أخرى ومعطيات جديدة ، فالقصد ألا يقل جهد النبي في دعوة أهل الكتاب عن الجهد الذي بذله لتبليغ قريش ومن حولها ، فمضى رسول الله في عرض دعوته على "أهل الكتاب" بعزم شديد ، وإرادة متجددة.
وقال ابن تيمية (وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أُمِرَ وَلَمْ يَكْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا ؛ فَإِنَّ كِتْمَانَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يُنَاقِضُ مُوجِبَ الرِّسَالَةِ ؛ كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ يُنَاقِضُ مُوجِبَ الرِّسَالَةِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ الْكِتْمَانِ لِشَيْءِ مِنْ الرِّسَالَةِ كَمَا أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ الْكَذِبِ فِيهَا ، وَالْأُمَّةُ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَبَيَّنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الدِّينَ ؛ وَإِنَّمَا كَمُلَ بِمَا بَلَّغَهُ ؛ إذْ الدِّينُ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِتَبْلِيغِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ بَلَّغَ جَمِيعَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ كَمَا قَالَ " تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ") .
قوله (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..) (67) فلم يبخل عنهم بحديث ولا بآية ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" .
وعَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ ، إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ) ، قال ابن تيمية (فلم يترك شيئا من أمور الدين : قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله - إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه إذ لا خلاف بين فرق الأمة : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل وقت وزمان).
قوله ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ..) (67) بشره بالعصمة من شر أهل الكتاب ، سيما وقد علم النبي أنه يبلغ الدعوة إلى قوم معروف عنهم أنهم عتاة في الإجرام ، قتلوا الأنبياء وحرفوا الكتاب ، مما يلقي عليه عبء تربص غدرهم به وتعرضه للاغتيال والخيانة أكثر من مرة ، ولكن شاءت قدرة الله أن يعصم رسوله خاتم الأنبياء حتى يبلغ الرسالة ، فلا نبي بعده ، فكانت العصمة ملازمة له حتى أتم البلاغ ، أي أن العصمة شرطها البلاغ ، قال ابن تيمية (فضمن الله له العصمة إذا بلغ رسالاته) ، وقد كان أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى (إِنَّا كفيناك المستهزءين) [ الحجر : 95 ] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم) ، قال ابنُ العربيِّ قوله تعالى "والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس" معناه : يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك).
ورغم أن الله هو الحافظ لعبده من الناس ، فإن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب ، ومن جملة الأسباب تعيين حارسا على القائد ، وقد كان النبي يفعل ذلك ليعلم أمته أن التوكل على الله سبحانه لابد وأن تسبقه العبادة ، والأخذ بالأسباب الشرعية هو العبادة ، وتفويض الله في النتائج هذا هو التوكل ، ولذلك كان يعين عليه حارسا عندما يرغب في النوم ، فعن عَائِشَة قَالَتْ أَرِقَ النَّبِيُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ (لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ فَنَامَ النَّبِيُّ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ)
لكن عندما تأكدت عصمته من الناس بإخبار الله له ، لم يشق على أصحابه في الحراسة ، فأمرهم أن ينصرفوا عنه ، لينشغلوا بعمل آخر ، فعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ).
وقد طرح الرازي سؤالا وأجاب عليه فقال (كيف يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته؟، والجواب من وجيهن : -
أحدهما : أن المراد يعصمه من القتل ، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء ، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام!
وثانيها : أنها نزلت بعد يوم أحد) .
قوله ( ..إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (67) يعني رغم هذه العصمة من شرهم إلا أن محاولتهم إيذاءك لاتزال مستمرة ، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ –أي رجع- رَسُولُ اللَّهِ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ –أي نومة القيلولة - فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي –أي أشهر سيفه في وجهه- وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ ، وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ، فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ اللَّهُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ) .
المطلب الثالث
مكاشفة أهل الكتاب ومواجهتهم بحقيقة ضلالهم إجمالا بلا يأس ولا قنوط
قال تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)
قوله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي (لستم على دين يعتد به) ، فلم يقل ”لستم على دين"، وقال " لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ " تقليلا من شأنهم ، أي ليسوا على شيء من الخير مطلقا ، قال الشعراوي (الشيء هو أقل مرتبة في الوجود ... فذلك إيضاح لهم أنهم في مرتبة أدنى من الكائنات لأنهم بلا منهج) ، أي بلا منهج لأنهم حرفوا التوراة والإنجيل وكتموا حكم الله .
ففي الآية (إعلام من الله تعالى أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء من الدين الحق ، ولا من ولاية الله تعالى حتى يقيموا ما أمروا به وما نُهوا عنه وما انتدبوا إليه من الخيرات والصالحات مما جاء في التوراة والإِنجيل والقرآن أيضاً...)
والمقصد أن الله تعالى أراد أن يُعلم أهل الكتاب أنهم لم يعملوا بما في التوارة والإنجيل ، فكان تقصيرهم في العمل بكتبهم أسبق لإعراضهم عما نزل من القرآن ، وكان الأولى بهم أن يعملوا بما في التوراة والإنجيل –ابتداء- مما أنزل الله حتى يتسنى أن ينالوا شرف العمل بالقرآن ، لكنهم ليسوا بأصحاب منهج إلهي ، بل يخترعون مناهجهم البشرية ليضاهوا بها منهج الله الذي شرعه لهم ، كما في قولهم لنبيهم موسى وقد تجاوزوا معه فرعون وجنوده بمعجزة شق البحر (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) ، (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف/138) ، وهكذا يبدأون التحريف في أصل العقيدة ذاتها .
ولذلك كُلِّف الرسول أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة ولا العمل الصالح ، فقد كانوا يزعمون أنهم أهل إيمان لتلاوتهم كتبهم ، لكن النبي أمر بأن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء أصلا مما يزعمون ، وعلة هذه المواجهة ليست التعيير ، وإنما لإفهامهم أن المقصد هو إقامة منهج الله في حياتهم ، ومنهج الله تعالى ثابت في عقيدته وعباداته وأخلاقه ومعاملاته ، وإنما جاءت الشرائع المتعاقبة لتؤكد هذا المنهج بعد أن تناسى الناس أحكامه .
يقول صاحب الظلال («الدين» ، ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتباً تقرأ ؛ ولا صفة تورث ، إنما الدين منهج حياة ، يشمل العقيدة ، ويشمل العبادة المتمثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج . . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف «الرسول » - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل! ) .
قوله (..وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ..) (68) إعادة وتكرير لما سبق أن أخبرنا المولى به من إصرارهم على العناد مع نبيهم في أمر قبول الدعوة ، وإصرارهم في التمادي في المنكر والكفر ، لاسيما بعد أن واجههم بأنهم ليسوا على شيء ، وأن ما يتمسكون به -مما يزعمون من أمر التوراة والإنجيل- ليس كما يظنون ، لأنها كتب محرفة لا تحتوي على حكم الله إلا ما أثبته القرآن ، فكان عملهم بها مع تركهم القرآن هو عمل بشريعة الطاغوت وترك لحكم الله الذي رعاه في ملتهم ونزل القرآن ليصدقه .
قال صاحب الظلال (وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ، وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً ، وعناداً ولجاجاً . . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والضلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق ، فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة) .
قوله (..فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (68) نهى الله نبيه عن الحزن والشعور بالأسى على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام، ؛ كقوله: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النمل 70]، قال الشوكاني أي (دع عنك التأسف على هؤلاء ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم) ، والمعنى أن (في المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم)
ونظير ذلك قوله (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر 8]، وقوله (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء3]، وقوله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(الكهف6).
المطلب الرابع
تبشير المؤمنين الجدد من أهل الكتاب بصحة ما سلف منهم من خير
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (69)
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (69) تطمين لمن آمن منهم بالله وحسن إسلامه سواء كان على الدين الحق قبل بعثة النبي أو لحق بهذا الدين بعد بعثته ، ليبشره الله بأنه قد أسلم على ما سلف من الخير ، فمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا قبل بعثة النبي ثم جدد إيمانه لما بلغته دعوة النبي محمد فأقبل على الإسلام بكليته نال الأجرين معا ، أجر ما عمله قبل الإيمان بالنبي محمد وما عمله بعد ذلك ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ فَلَهُ أَجْرَانِ وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) ، قال الأنباري (يقال الذين آمنوا المؤمنون حقا والذين هادوا الذين تابوا ولم يغيّروا ولم يبدّلوا والنصارى نُصّار عيسى والصابئون الخارجون من الباطل إلى الحق ، "من آمن بالله" معناه من دام منهم على الإيمان بالله فله أجره عند ربه) .
والذي يؤكد أن هذه الآية جاءت في شأن هؤلاء أنها (لم تذكر المجوس والذين أشركوا) كما ذكرتهم سورة الحج ، ولذلك لم يرد تطمين لهم من الله تعالى في سورة الحج لأنهم ليسوا أهل كتاب ، ولم يؤمنوا بالدين الحق قبل بعثة النبي ، أما ما عددته الآية التي نحن بصددها فهم المؤمنون واليهود والصابئونوالنصارى ، أولئك بشرتهم الآية بالأمن والسعادة متى آمنوا بالله ورسوله بعد بعثته كما آمنوا قبل بعثته ، قال أبو بكر الجزائري (فجميع هذه الطوائف من آمن منهم الإِيمان الحق بالله وباليوم الآخر وأتى بلازم الإِيمان وهو التقوى وترك الشرك والمعاصي)، أي أنهم كانوا مؤمنين قبل بعثة النبي ثم لما نزل الوحي على النبي محمد وجهر بدعوته ظلوا على إيمانهم بالله ، وجددوا الإيمان باللحوق بهذا النبي .
فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ) ، أي أنه حقق العمل الصالح في الجاهلية ، فإذا ما اقترن ذلك بصحيح الإيمان بالله واليوم الآخر كان مسلما ، حتى وإن لم تصل إليه دعوة النبي ، لأن الدين عند الله الإسلام ، سواء قبل بعثة النبي أو بعدها ، قال ابن البطال (كل مشرك أسلم أنه يكتب له أجر كل خير عمله قبل إسلامه ، ولا يكتب عليه بشىء من سيئاته ، لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك ، وإنما كتب له الخير ، لأنه إنما أراد به وجه الله ، لأنهم كانوا مقرين بالله إلا أن علمهم كان مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم ، فلما أسلموا تفضل الله عليهم ، فكتب لهم الحسنات ، ومحا عنهم السيئات) .
وتومئ الآية بإشارتها إلى صحة إسلام من أسلم منهم سرًا وإن لا يزال في الظاهر أمام الناس يهوديًا أو نصرايًا أو صابئًا ، وذلك لعذر شرعي منعه من أن يعلن ولايته للمؤمنين وتبرئه من الكفر والمشركين ، وخير مثال لذلك هو النجاشي لما قدم عليه أصحاب النبي فقَالَ النَّجَاشِيُّ (أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ)، ولما مات قَالَ النَّبِيُّ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ)، وقد شهد القرآن لهذه الحالة بالإيمان في قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (غافر:28( ، فإن وقر الإيمان في قلبه فلا غرو إن أكره على الكفر طالما أنه مطمئن بالإيمان ، قال تعالى (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل/106).
كما تضمنت الآية ترغيبا شديدا لمن أسرف من أهل الكتاب وكذا غيرهم في المعصية ثم أراد أن يتوب ويدخل الإسلام ، فإنه يبشر بالمغفرة وأن الإسلام يهدم ما بدر منه قبل ذلك ، فعَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قال (لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) .
-
الثلاثاء PM 12:29
2025-12-09 - 151



