ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
مقدمة سورة الأنفال تجريد نية المجاهد عن المغنم
د / احمد نصير
مقدمة سورة الأنفال
تجريد نية المجاهد عن المغنم
قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ..) (الأنفال1) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (الْأَنْفَالُ الْمَغَانِمُ)[1]، والمقصود بها مغانم غزوة بدر ، وهي أول غزوة في الإسلام ، ذلك أن الصحابة خرجوا مع النبي r نصرة لدين الله ، ولم يكن في حسبانهم هذه المغانم مع قلة عددهم وعدتهم إزاء قوة وعدة الكفار ، ولكن الله نصرهم ، فلما نصرهم سألوا النبي r عن حكم هذه الأنفال وكيفية تقسيمها وتوزيعها ، وكاد أن يصيبهم الضعف من مناقشة هذا الأمر لولا أن الله ثبتهم على الحق وأظهر لهم حكمها ، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ r بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ عَلَى السَّوَاءِ)[2].
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنْ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْمَشْيَخَةُ كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ لَوْ انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا ، فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى فَأَبَى الْفِتْيَانُ ، وَقَالُوا جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ r لَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إِلَى قَوْلِهِ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ)[3] .
قال العلماء (والنفل هو: ما يعطى المجاهد في سبيل الله زيادة على السهام، وقيل له نفل؛ لأنه نافلة، والنفل والنافلة: الزيادة، فهو ما يعطاه المجاهد زيادة على نصيبه من المغنم، هذا هو المقصود بالنفل)[4] .
وقد توقف النبي r عن تقسيم هذه الأنفال حتى يقضي الله بأمر يقطع ما قد يثور من نزاع بشأنها ، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ : أَصَبْتُ "سَيْفًا" فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ "نَفِّلْنِيهِ" فَقَالَ ضَعْهُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ضَعْهُ فَقَامَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفِّلْنِيهِ أَؤُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ ، قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)[5] ، وفي رواية فَقَالَ لِي النَّبِيُّ r (إِنَّكَ سَأَلْتَنِي هَذَا السَّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لِي وَلَا لَكَ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُ لِي فَهُوَ لَكَ) ثُمَّ قَرَأَ "يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ" إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) [6]
ومن هنا سميت السورة بهذا الاسم ، توطئة لأن يعي المسلمون كيف يحققون مصالحهم الدنيوية ، وهم يبغون الآخرة ، دون أن يؤثر ذلك على نصيبهم في الآخرة ، بمراعاة ضوابط وآداب التمول ، فلما حصل شيء من التعارض ، وكثرت الإسئلة نزلت السورة بإجابات شافية وكافية .
قوله (..قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) (1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ " ، قَالَ: الأَنْفَالُ: الْمَغَانِمُ، كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r خَالِصَةً، لَيْسَ لأَحَدٍ مِنْهَا شَيْءٌ" ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمَغَانِمُ)[7]
فهذه هي الإجابة التي قطعت عنهم الاختلاف والتنازع ، لتتجرد نية المجاهد ابتداء من طلب المغنم ، قال النيسابوري (قل الأنفال لله وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها ، ثمّ أنزل حكم الغنائم بعد أربعين آية فإنّ لله خُمسه ولكم أربعة أخماس)[8] .
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن الأنفال فذكر الحديث بمعناه قال في آخره فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من بين أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، فقسمه على الناس عن سواء ، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله وصلاح ذات البين يقول الله عز وجل "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " [9] .
بذلك تجردت الدعوة الإسلامية من أي مصلحة دنيوية ، منعا لفساد العلائق بين المسلمين ، ونسيان روح الود والإيخاء بينهم ، ومن ثم استتبع ذلك بالضرورة التذكير بتقوى الله والتحذير من مغبة وقوع الخصام والشقاق بين المسلمين لأسباب دنيوية أو مصالح مادية .
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله r يوم حنين وبرة من جنب بعير ثم قال : يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط وإياكم و الغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة و عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم قال : وكان رسول الله r يكره الأنفال ويقول : (ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم)[10]
فقوله (لاَ يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ) ، (فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا سِوَى الْخُمُسِ مِنْ الْغَنَائِمِ لِلْمُقَاتِلَةِ , لاَ حُكْمَ لِلإِمَامِ فِي ذَلِكَ)[11].
وقد كان النبي r يكره الأنفال ، وهي الغنائم الإضافية على نصيب المقاتلين ، لأن تقسيمها كان سببا للتنازع بينهم ، ولذلك حكم بأن يراعى في قسمتها الضعيف وليس القوي كما هو الأصل ، فقوله (ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم) أَيْ لاَ يُفَضَّلُ أَحَدٌ مِنْ أَقْوِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِقُوَّتِهِ عَلَى ضَعِيفِهِمْ لِضَعْفِهِ , وَيَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ)[12]
فعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله r قال يوم بدر : (من قتل قتيلا فله كذا وكذا ،أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات ، وأما الشباب فتسارعوا إلى القتل والغنائم ، فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم ،فإنا كنا ردأ لكم ولو كان فيكم شيء لجئتم إلينا فأبوا ، فاختصموا إلى رسول الله r قال : فنزلت (يسألونك عن الأنفال) فقسمت الغنائم بينهم بالسوية) [13].
وهكذا حكم بينهم رسول الله r فأطاعوه ، وهو حكم جاء على خلاف الأصل في الأنفال التي هي زيادة على الغنيمة ، حيث الأصل الوارد فيها قول النبي r (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ)[14] ، قال ابن حبان (فأخبر r أن السلب لا يخمس ، وأن القليل يكون منفردا به، فهذا تخصيص بيان لذلك العموم المطلق)[15] .
أي أن النبي r عمل بخلاف هذا الأصل مراعاة لحق الضعيف وهو الضعيف المشارك بطريقة غير مباشرة ، وكذلك ليرتدع الأقوياء عن القتال لأجل هذه النية ، لما رأى من الفتيان الحرص على هذه الأموال وعدم إعطاء المشيخة منها شيئا ، رغم أنهم كانوا يحمون ظهورهم .
فعن بن عباس قال لما كان يوم بدر قال رسول الله r من قتل قتيلا فله كذا وكذا فقتلوا سبعين وأسروا سبعين فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا فقد جئت بأسيرين ، فقام سعد بن عبادة فقال يا رسول الله إنه لم تمنعنا زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يقتطعك المشركون وإنك إن تعط هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ،قال فجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم قال فسلموا الغنيمة إلى رسول الله r قال ثم نزلت واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)[16] ، فهذا الحكم هو الذي ورد بعد ذلك في السورة ، فجعل خمس الغنيمة لله والرسول يقسمها كيف يشاء ، فكان يقسمها على الضعفاء والمساكين مراعاة لأحوالهم .
قوله (..فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ..) (1) أي أن إصلاح ذات البين بين المسلمين أهم بكثير من كسب الغنائم ، وجميع المصالح الدنيوية ، والمعنى أن (هذا الذي حصل بينكم من الخلاف ، لابد أن تعملوا على إصلاحه وعلى إزالته)[17] ، فعن النبي r قال : (ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة ؟ قالوا بلى ، قال صلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة) [18].
وقد أصلح رسول الله r بين المسلمين في تقسيم الغنائم فجعل ترتيب القسمة على أربعة مراتب (السلب ، الخمس ، الرضخ ، باقي الغنيمة) ، فراعى بهذا الترتيب أصحاب الحقوق فيها على نحو ما فصله الماوردي في الأحكام السلطانية :-
قال الماوردي (تَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ كَمَا تَوَلَّى قِسْمَةَ الصَّدَقَاتِ ، فَكَانَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ خَمَّسَهَا رَسُولُ اللَّهِ r بَعْدَ بَدْرٍ غَنِيمَةَ بَنِي قَيْنُقَاعِ .
وَإِذَا جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ لَمْ تُقْسَمْ مَعَ قِيَامِ الْحَرْبِ حَتَّى تَنْجَلِيَ ؛ لِيُعْلَمَ بِانْجِلَائِهَا تَحَقُّقُ الظَّفَرِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، وَلِئَلَّا يَتَشَاغَلَ الْمُقَاتِلَةُ بِهَا فَيُهْزَمُوا ، فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ كَانَ تَعْجِيلُ قِسْمَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَوَازُ تَأْخِيرِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَبِحَسَبِ مَا يَرَاهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ الصَّلَاحِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى تَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقْسِمُهَا حِينَئِذٍ)[19]
فَإِذَا أَرَادَ قِسْمَتَهَا بَدَأَ بِأَسْلَابِ الْقَتْلَى فَأَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ سَوَاءٌ شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إنْ شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ اسْتَحَقُّوهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَهُمْ كَانَ غَنِيمَةً فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بَعْدَ السَّلَبِ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ على عدة أسهم ، ومن بين الأسهم ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ : لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .، وقيل من بينها سَهْمٌ مِنْ الْخُمُسِ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَيُصْرَفُ بَعْدَهُ لِلْمَصَالِحِ ، وَالسَّهْمُ الثَّانِي لِذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ)[20].
ثُمَّ يَرْضَخُ بَعْدَ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الرَّضْخِ[21] ، وأهْلُ الرَّضْخِ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ حَاضِرِي الْوَقْعَةِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالزَّمْنَى ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ عَنَائِهِمْ،وَلَا يَبْلُغُ بِرَضِيخِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ وَلَا رَاجِلٍ.
ثُمَّ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَالرَّضْخِ مِنْهَا بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْأَصِحَّاءُ يَشْتَرِكُ فِيهَا مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَوْنٌ لِلْقَاتِلِ وَرِدْءٌ لَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ)[22]
قوله (..وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (1) استتبع بيان حكم الأنفال التأكيد على وجوب الامتثال بالطاعة لحكم الله ورسوله وعدم الخروج عليه ، تأكيدا على أن الامتثال لطاعة الله ينبع عن إيمان صادق ، قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) (النور/51) ، قال العلماء: (هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول r فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة)[23] ، ومن ثم جاء وصف هؤلاء المذعنين بالطاعة لله ورسوله بالإيمان .
قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..) (2) ، أي رقت قلوبهم قاله ابن عباس[24] وعن مجاهد مثله [25]، فالآيات قصرت كمال الإيمان على أصحاب القلوب الوجلة من ذكر الله ، فالوجل هو الفزع [26]، قال الدكتور فاضل السامرائي (ارتبط ذكر الوجل في القرآن بحال القلب ، كما هو شأن العامة في قوله (قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) (الحجر52) حين يرون شيئا غريبا فيحذرون منه ، مثل قدوم ضيف إبراهيم وقد امتنعوا عن الأكل مما قدم لهم ، قال تعالى (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (الحجر53) .
وهو حالة كذلك تصيب الخاصة الذين يعظمون شعائر الله كما في قوله (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)(الحج 35) فقط أسند الوجل للقلب[27] ، وكما في قوله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَة أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون 60) ، فقلوبهم في ترقب لهذا اليوم يوم يرجعون فيه إلى الله فيسألهم عما قدموا .
لكن الوجل أحيانا يذكر ويقصد به الخشية ، فيقولون علامته حصول قشعريرة في الجلد ، فعن أم الدرداء قالت (إنما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السعفة أما يجد لها قشعريرة ؟ قالوا : بلى قال : فادعوا إذا وجدتم ذلك فإن الدعاء يستجاب عند ذلك)[28]، (السعفة) السَّعَفُ: (ورق جريد النخل)[29] ، (ورقة النخلة اليابسة)، واحتراقها سريع جداً ، ما يدل على هيئة المجاهد في سبيل الله ، وأنه كاد أن يحترق خوفا ووجلا من الله سبحانه ، والوقوف على أوامره وعدم تعدي حدوده ، فإذا كان جسد المجاهد شديدا قويا ، فإن قلبه رقيقا هينا .
فعن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم حين يذكرني ربي قالوا واعلم حين يذكرك ربك ؟ قال : نعم إذا ذكرته ذكرني قال وإني لأعلم حين يستجيب لي ربي قالوا : وتعلم حين يستجيب لك ربك ؟ قال : نعم إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي في الدعاء فثم أعرف إني قد استجيب لي)[30].
إذن تلك الحالة يصف الله بها المجاهدين في سبيله ، ولابد أن يكون ذلك حالهم الوجل والخوف من الله ،فمن كان ذلك حاله فإنه لا ينشغل بدنيا أو مغنم ، فما في قلبه من خوف ووجل أعظم من الاهتمام بمثل ذلك ، كما أنه ورغم شدة المجاهد في القتال لأعداء الله إلا أن قلبه يرتجف خوفا ورهبا من الله .
والوجل مرتبة وسطى بين الخوف والخشية ، قال العلماء ( فالخوف أوّل المراتب ، وهو الفزع ، ثم بعده الوَجَل ، ثم الخَشْية ، ثم الرَّهْبة ] [31]، قال ابن القيم (الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة) [32].
فالخوف توقع العقوبة ، فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب والإمساك .
وأما الرهبة : فهي الإمعان في الهرب من المكروه ، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه ،
وأما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال ، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة
والإجلال : تعظيم مقرون بالحب
والخشية أخص فهي خوف مقترن بالمعرفة بالله ، ولذلك خص بها العلماء (إنما يخشى الله من عباده العلماء (فاطر : 28) ، وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ، وقال النبي : (إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية ) ، والخشية لها علامات ظاهرة على حال العبد ، لا يستطيع أن يخفيها فهي ظاهرة على حاله ، كما قال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر 23) .
(فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية)[33] كما قال النبي r (إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية) وفى رواية خوفا .
مما تقدم فهم ابن كثير أن الوجل هو خوف مقرون بفزع يحمل صاحبه على النهوض والانتفاض للعمل ، فقال عقب هذه الآية (فأدوا فرائضه)[34] ، بمعنى أنها إذا صادفت خطاب الله انتفضت وتأهبت للعمل ، هذا هو حال تلك القلوب ، قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] ، فترى انتفاضتها للصلاة عند سماع الأذان المتضمن لذكر الله ، وانطلاقتها إلى المساجد ، وكذلك حالها عند سماع القرآن ، حيث تنتفض لتعلمه وتعليمه ، وفي الحديث :(وعظنا موعظة وجلت منها القلوب) ، فإذا ما دُعت إلى الجهاد في سبيل الله أو أمر جامع لا تجد حالها يختلف عن ذلك ، قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) (النور/62)
وكذلك الحال عند رؤية المعصية أو مراودتها لهم ، فالقلوب الوجلة تفزع عن المعصية ، قال السدّي (هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله فيفزع عنها)[35] .
وعن السدي في : قوله (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) قال : (إذا هم بمعصية وظلم أو نحو هذا قيل له اتق الله وجل قلبه)[36]
قال ابن كثير هذه صفة المؤمن حق المؤمن إذا ذكر الله وجل قلوبه أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره ، واستشهد بقوله (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40 ، 41]
ومناسبة وصفهم في هذا السياق بهذا الوصف أن هؤلاء الصحابة قد نزل فيهم قرآن في شأن الأنفال ، فكان من الوجل أن ينتهوا عن مناقشة هذه المسألة ، لتنغلق بلا عودة مرة أخرى ، فإذا سمعوا حكم الله اطمأنوا له ، وازدادوا بذلك إيمانا ، فإذا اطمأنت قلوبهم لحكم الله علمت أن تلك المغانم لم تحل لهم إلا بأمر الله ، فإذا أحلت فذلك استثناء من الأصل ، فيجب عدم تعديه ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدِ سُودِ الرُّءُوسِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا قَالَ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ فَمَنْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا أَبُو هُرَيْرَةَ الْآنَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ")[37] إلى آخر الآية (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)[38] ، وقال رسول الله r (فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا)[39].
وقوله (..زَادَتْهُمْ إِيمَانًا..) (2) فبحالة الوجل التي تصيب القلب يزيد الإيمان ، فكلما وجل القلب زاد الإيمان ،(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى) .
قال السعدي (ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب اللّه تعالى والتأمل لمعانيه)[40] ، وذلك ينطوي على معنى العلم بحكمة التشريع ، فمن علم الحكمة ازداد إيمانا على إيمانه بالحُكم .
وقد رأى الصحابة أن حكم الله في تقسيم الغنائم يرفع النزاع والخلاف بين الناس ، ومن ثم أيقنوا أنهم على الحق وأن الله لن يتركهم دون هدى ، ولذلك قال تعالى في هذه السورة (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) (الأنفال/29) ، أي تفرقون به بين الحق والباطل ، وبين ما يؤدي إلى الطاعة وما يدفع إلى المعصية .
وقوله (..وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (2) يعني – بحسب مجريات السياق - أنهم في حاجة ملحة إلى تلك الغنيمة بعد أن خسروا أموالهم وديارهم في مكة ، فكان في المغنم تعويض جابر لما أصابهم من أضرار ، لكنهم لما علموا أنها ليست لهم إلا أن يأذن الله لهم توفقوا وتوكلوا على الله حق توكله ، قال رسول الله r (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يزرق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا) [41].
قال الإمام البيهقي : (وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله جل ثناؤه والثقة به ، قال أهل البصائر :(التوكل الصحيح كل أمر بين الله فيه لعباده طريقا ليسلكوه إذا عرض لهم ، فالتوكل إنما يقع منهم في سلوك تلك السبيل والتسبب به إلى المراد، فإن فعلوا ذلك متوكلين على الله عز وجل في أن ينجح سعيهم ويبلغهم مرادهم كانوا آتين الأمر من بابه ، ومن جرد التوكل عن التسبب بما جعله الله سببا فلم يعمل لما أمر به ولم يأت الأمر من بابه)[42]
وقوله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (3) استكمال للمقومات العملية للإيمان ، بعدما اكتملت مقوماته الاعتقادية من خوف ورجاء واستعانة وتوكل ، لما في الصلاة والزكاة شأن عظيم لكونهما أظهر شعائر الإسلام وأهم أعمدته ، قال حومد (وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ تَعَالَى إِيمَانَ المُؤْمِنِينَ وَاعْتِقَادَهُم ، أَشَارَ هُنَا إلَى أعْمَالِهِمْ ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ حَقَّ أَدَائِها ، بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قُلُوبٍ ، وَيُنْفِقُونَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ مِنْ جِهَادٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَصَدَقَاتٍ)[43].
وقوله (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا..) (4) إشارة إلى من تحققت فيهم صفات الإيمان الاعتقادي والعملي جميعا ، فأضحوا كاملي الإيمان [44]، قال ابن عجيبة (حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب ، من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العِيار عليها ، كالصلاة والصدقة)[45] ، أي (الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان)[46]
ولعل هذا هو أول سبر للمسلمين ليبين المؤمن حقا ممن ليس كذلك ، وليراجع كل منا نفسه ، وليعرضها على ذلك الميزان الرباني للإيمان ، فإن كان كذلك فليحمد الله ، وقد بشره بالدرجات العلى ، وإن لم يكن كذلك فليسعى إلي تلك الدرجات بمزيد من الإخلاص والجهد والتجرد ، قال البغوي (وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه)[47] .
وقد أشار الشعراوي إلى هذا التصنيف فقال (كان تصنيف المؤمنين بعد الهجرة مباشرة) ، وأشار إلى قوله تعالى (والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [ الأنفال : 74 ] [48] .
وفي الإشارة إليهم تمييز وإبراز لأهل الصفة من المسلمين ليكونوا قدوة لغيرهم من المسلمين ، فيتأسى بأخلاقهم والتزامهم وطاعتهم الكافة ، وقد رضخوا لحكم الله ورسوله دون مناقشة أو تردد ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ (وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ)[49]، قال الثعالبي (تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار ، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ)[50]، وقال (وهم المؤمنون حقًّا من كل جيل)[51]
قوله : (حَقًّا) يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين ،(والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقاً في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين)[52]، فعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ (كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ r نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ)[53]
فعن تمام بن نجيح قال : سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان فقال : الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قول الله عز وجل : "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " الآيات قرأ إلى " أولئك هم المؤمنون حقا " فو الله ما أدري أنا منهم أو لا )[54]
وقوله (..لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (4) تأكيد على أن المؤمنين حقا لا يرجون من طريق الدعوة مغنما غير مغفرة الله ورزقه الكريم ، قال صاحب الظلال (والرزق يذكر هنا بمناسبة الجهاد والإنفاق والإيواء والنصرة وتكاليف هذا كله . . وفوقه المغفرة وهي من الرزق الكريم . بل هي أكرم الرزق الكريم)[55] .
قال صاحب الإشارة (الأنفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب ، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، لا تزال تتوالى على القلوب حتى تغيب عما سوى المحبوب ، فيستغني غناء لا فقر معه أبداً ، وهذه غنائم خصوص الخصوص ، وغنائم الخصوص : هي القرب من الحبيب ، ومراقبة الرقيب ، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد ، وهذه غنائم العباد والزهاد ، وغنائم عوام أهل اليمين : مغفرة الذنوب ، والستر على العيوب ، والنجاة من النار ، ومرافقة الأبرار) [56].
هذا وبعد هذه المقدمة شرعت السورة في تربية الجيل الأول من المسلمين ومن بعدهم أجيالا وأجيال
[1] ) رواه البخاري ج 14 ص 190
[2] ) رواه أحمد في مسنده ج46 ص 231 رقم 21685
قال الهيثمي : ورجال الطريقين ثقات ، و مداره على عبد الرحمن بن الحارث ، وسليمان بن موسى
تخريج ودراسة الأحاديث والآثار الواردة في أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص من الأعراف حتى التوبة
رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية إعداد / عبد المعين بن صادق آل يحي الشريف – إشراف الأستاذ الدكتور عبد الباسط إبراهيم بلبول – جامعة أم القرى بمكة المكرمة – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ص 139
[3] ) رواه أبو داود ج7 ص 374 رقم 2360 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 237
[4] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج15 ص 42
قوله: [ (فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوها) ]. المشيخة هم الكبار وقد لزموا الرايات فلم يبرحوها. قوله: [ (فلما فتح الله عليهم قال المشيخة: كنا ردءاً لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا ) ]. أي: لو انهزمتم لصرتم إلينا؛ لأنهم وقاية ومرجع لهم يرجعون إليهم.
[5] ) رواه مسلم ج9 ص 188 رقم 3289
[6] ) رواه أبو داود ج7 ص 375 رقم 2361 قال الألباني حسن صحيح : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 6 ص 240
[7] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 2
[8] ) النيسابوري : الكشف والبيان ج4 ص 326
[9] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 57 رقم 17765 انظر تصحيحه
[10] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 51 رقم 4370 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 59 رقم 985 قوى به حديثا آخر
[11] ) الطحاوي : معاني الآثار ج6 ص 489
[12] ) الطحاوي : معاني الآثار ج6 ص 489
[13] ) رواه الحاكم ج2ص 241 رقم 2876
[14] ) رواه البخاري ج10 ص 394 رقم 2909
[15] ) صحيح ابن حبان ج8 ص 103
[16] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج5 ص 239 رقم 9483
[17] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج15 ص 43
[18] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 391 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 164 رقم 391/303
[19] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 271
[20] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 271
[21] ) وَهُمْ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُقَدَّمُونَ عَلَى الْخُمُسِ وهو القول المرجوح
[22] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 275
[23] ) تفسير القرطبي ج7 ص 365
[24] ) تخريج السيوطي الدر المنثور ج4 ص 411 ، تفسير ابن أبي حاتم ج7ص12
[25] ) تفسير مجاهد ج1 ص 257
[26] ) البحر المحيط لأبي حيان النحوي الأندلسي ج6 ص 38
[27] ) د فاضل السامرائي : لمسات بيانية ج1 ص 1092
[28] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج2 ص 50 رقم 1138
[29] ) العباب الزاخر ج1 ص 433 ، مختار الصحاح للرازي ج1 ص 326 ، لسان العرب ج3 ص 115
[30] ) البيهقي : شعب الإيمان ج2 ص 51 رقم 1139
[31] ) اللباب في علوم الكتاب لأبي سراج الدمشقي ج2 ص 199
[32] ) مدارج السالكين ج1 ص 512
[33] ) مدارج السالكين ج1 ص 512
[34] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 11
[35] ) البحر المحيط ج6 ص 41
[36] ) شعب الإيمان للبيهقي ج1 ص 469 رقم 737
[37] ) رواه الترمذي ج10 ص 350 رقم 3010 وصححه الالباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 85
[38] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج6 ص 352 رقم 11209
[39] ) رواه مسلم ج9 ص 185 رقم 3287
[40] ) تفسير السعدي ج1 ص 315
[41] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 354 رقم 7894 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 309 رقم 310
[42] ) شعب الإيمان للبيهقي ج2 ص 57
[43] ) أسعد حومد ج1 ص 1164
[44] ) البيضاوي ج2 ص 414 وغيره
[45] البحر المديد ج2 ص 332
[46] ) الشنقيطي : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج8 ص 42
[47] ) تفسير البغوي ج3 ص 326
[48] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3423
[49] ) رواه البخاري ج12 ص 387 رقم 3692
[50] ) تفسيير الثعالبي ج2 ص 124
[51] ) تفسير الثعالبي ج4 ص 9
[52] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2171
[53] ) رواه البخاري ج12 ص 354 رقم 3663
[54] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 86 رقم 76
[55] ) في ظلال القرآن ج3 ص 452
[56] ) البحر المديد ج2 ص 332
-
الاحد AM 10:54
2026-04-19 - 2



