ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حديث الإنذار
حديث الإنذار
الشيخ عاطف السيد
الحمد لله رب العالمين على آلائه، وهو أهل الحمد والنعم، ذي الملك والملكوت، الواحد الصمد، المهيمن، مبدئ الخلق من عدم، من علَّم الناس ما لا يعلمون، وبالبيان أنطقهم، والخط بالقلم.
ثم الصلاة على المختار، أفضل مبعوث بخير هدي، في أفضل الأمم، والآل والصحب والأتباع قاطبة، ومن سار بخير على نهجهم ما لاح نجم، وما شمس الضحى طلعت، وعدد أنفاسي ما في هذا الكون من نسمة.
وبعد، من يرد الله العظيم به خيرًا يفقهه في دينه القيِّم.
حياكم الله وبياكم، مشاهدي الأكارم، في هذا اللقاء المتجدد من برنامجكم "الشيعة في الميزان".
تحدثت في حلقات مطولة، في سلسلة طويلة، تناولت فيها بالنقد والتفنيد والشرح كتاب ابن المطهر الحلي المسمى "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة"، وقلت بأن هذا الكتاب ذو أهمية عظيمة عند القوم، ويصفون مؤلفه بالعلامة. فإذا قال الشيعة: "العلامة" وسكتوا، إنما يقصدون العلامة الحلي، هكذا، علامتهم الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، من علماء الشيعة في القرن السابع الهجري أو القرن الثامن الهجري.
فتناولت براهينه، وهي تبلغ أربعين برهانًا، والبرهان هو الدليل. يزعم أن هذه الأدلة من القرآن الكريم تدل دلالة واضحة من وجهة نظره على إمامة علي بن أبي طالب، وقد فندنا الكلام فيها ونقضناها بالخيط والإبرة، وبينا كذب وبطلان كلام هذا الرجل؛ لأن الشيعة تعتمد عليه وتجعله أصلًا في استدلالها، تجعله أصلًا في جل استدلالها.
فقمنا عليه، وأردت أن يكون ذلك بمثابة المرجع لإخواني الباحثين في الشأن الشيعي، يعودوا إلى هذه الحلقات حتى يستفيدوا منها.
ردودي كلها لم أجعلها ردودًا بنحو مناقشة الشبهات أبدًا، إنما جعلتها، وقعدت لها تقعيدًا علميًا، من باب مناقشتها بشكل علمي رصين، وأقعد لمسألة الرد، فأجعل مقدمات، وأتناول فيها منهجية الرجل، لأخلص بذلك إلى بطلان استدلاله وبطلان منهجيته في الاستدلال.
وتكلمت عن مناط الاستدلال عنده، وعن مسألة عدم ربطه بين الآية والحديث الذي يورده، فتناولتها اختصارًا بشكل علمي دقيق، لا كرد على شبهة موجودة ومتاحة بين أيدي الناس اليوم.
إن شاء الله تعالى، في هذه الحلقة، أستكمل الكلام على الأصل الثاني الذي ذكره هو في كتاب "منهاج الكرامة"، وهو بعنوان: الأدلة المستندة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الإمامة، في الدلالة على إمامة علي بن أبي طالب من السنة.
يبقى تناولنا في حلقات طويلة الكلام على براهينه من القرآن، التي تدل طبعًا، وفي طيات هذه البراهين أيضًا تناولنا هذه الأحاديث وعلقنا عليها. يعني إذا تكلمنا عن مسألة تحريف القرآن، ونحن لم نتناولها بشكل منفصل، أو بعض العقائد الموجودة عند الشيعة المتعلقة بالأئمة، تجد في ثنايا هذه البراهين تكلمت عن هذه الأشياء أيضًا، لكن رتبتها ونظمتها على حسب إيراده هو في كتابه "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة"، وناقشتها مناقشة علمية أصولية مهمة، ليست شبهة عارضة أرد عليها كما يفعل بعض إخواننا من المحاورين وتنتهي المسألة، أبدًا، إنما نأتي على الشبهة، وأعتمد في ذلك على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فأنقض الشبهة من أصلها من كلام شيخ الإسلام، ننظر في سندها أولًا، ثم في متنها، ثم نستدرك ونعلق على ذلك، وأضيف على ذلك إضافات وزيادات مفيدة في باب ردي على هذا الكلام.
هنا أقف معكم في هذا المنهج الثالث. قلنا إنه قسم كتابه هذا إلى مناهج: المنهج الأول في الأدلة المستنبطة من القرآن على إمامة علي، والمنهج الثاني في الأدلة من السنة، والمنهج الثالث في مسألة حياته، وما يثبت أنه إمام. نحن في هذا المنهج اليوم نناقش الأدلة المستندة إلى السنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامة علي، وهي اثنا عشر كما يقول الحلي.
الأول: المعروف بحديث الإنذار. وأنا سأقرأه لكم بنصه من كتاب الحلي، حيث ألتزم النص في مناقشة هذه الأدلة.
قال: الأول ما نقله الناس كافة، أنه لما نزل قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلًا، وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مدٍّ، ويعد لهم صاعًا من اللبن، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة في مقعد واحد، ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقام، فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا، ولم يتبين ما أكلوه، فبهرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتبين لهم آية نبوته.
فقال: يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني بالحق إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يجبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي.
فلم يجبه أحد منهم، فقال أمير المؤمنين: أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس. ثم عاد القول على القوم ثانية، فصمتوا. فقال علي: فقمت فقلت مثل ما قلت الأولى. فقال: اجلس. ثم أعاد القول ثالثة، فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت فقلت: أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر. فقال: اجلس، فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي.
هنا محل الشاهد.
هنا محل الشاهد، وكثيرًا ما يأتي الشيعة بروايات باطلة يؤلفونها في ضرب من الخيال في عقولهم حتى ينصروا بها قضيتهم، قضية لا تجد نصره إلا بالكذب والدجل والتدليس والكذب على علماء المسلمين، وعلى الصحابة، وعلى رواة أحاديث النبي الأمين عليه الصلاة والسلام.
محل الشاهد: فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: ليهنك اليوم إذ دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرًا عليك.
يقولون لأبي طالب هذا الكلام لتولية علي على أبيه وعلى المسلمين خليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون طبعًا.
أنا أنبه أن حديث الإنذار جاء عند الإمام البخاري في صحيحه، وبوب له بابًا، حتى لا يحدث خلط. بوب له بابًا بعنوان: باب وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك، أي: ألن جانبك. لكن ليس بهذا اللفظ، ولا حتى قريبًا منه، حتى لا يحدث خلط عند المستمع الكريم، أو حتى لا يدلس الشيعة ويقولون بأن حديث الإنذار المتعلق بالآية وأنذر عشيرتك الأقربين موجود عند مسلم أو موجود عند البخاري، وهذا الكلام. نقول: هذا الكلام كذب. الذي جاء عند الإمام البخاري ليس هذا اللفظ، ولا قريبًا منه كما قلت.
جاء عند البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، جبل الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني كذا، كذا، ينادي على بطون قريش حتى اجتمعوا له، فجعل ينادي عليهم، فجعل الرجل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قط. وفي لفظ: ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال عمه أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تبت يدا أبي لهب وتب.
هذا الذي جاء في البخاري، وهو سبب في نزول هذه الآية من ضمن مجموعة من الأسباب نقلها أصحاب التفسير.
سيأتي معنا الكلام عليها.
إنما الذي نناقشه ليس هذه الرواية التي جاءت عند البخاري أبدًا، إنما نناقش كلام الحلي بلفظه ونصه، وننقده ونبين كذبه.
ولذلك يقول شيخ الإسلام حينما أجاب على هذا الكلام، يقول أولًا: الإجابة على هذا من وجوه.
أولها: المطالبة بصحة النقل.
في كلام الحلي الفائت هذا: أنت أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي. هذا كلام كله كذب، لم يثبت عند أهل الحديث من علماء المسلمين.
شيخ الإسلام يقول: المطالبة أولًا، كعادته في رده على هذا الكلام، على كلام الحلي، يطالب أولًا بصحة النقل.
قال: وما ادعاه من نقل الناس كافة من أظهر الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من كتب المسلمين. وعامة براهين هذا الرجل كلها ليست في شيء من كتب المسلمين، أو موجودة في بعض الكتب التي ما اهتمت بالصحيح ولا تمييز الصحيح من الضعيف، إنما نقلتها مجرد نقل من جملة ذكر الأسباب، أو نقلوها من دون أن يسندوها، أو نقل الحلي دون أن يعزوها إلى أصحابها، أو نقل من كتب لم تكن كتبًا معروفة عند أهل العلم بالحديث والتمييز، لم تكن كتب محدثين، إنما بعض الكتب مثل كتاب الديلمي، وكتاب المغازلي الشافعي الواسطي، وكتب أبي نعيم الأصبهاني، كتاب "الحلية"، وتكلمنا عليه قبل ذلك بشيء من التفصيل، وقلنا إنه أراد أن يجمع الغرائب، لكن ما فهم الشيعة ذلك.
تمام.
فهذه عادتهم.
قال شيخ الإسلام: هذا الحديث لا يوجد في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل، لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتج به.
هل معنى ذلك أنه لا يوجد عند بعض المسانيد أو بعض الكتب أو السنن أو بعض... هكذا؟ لا يوجد؟ ليس كلام شيخ الإسلام بهذا الشكل.
هل لا يوجد عند بعض المفسرين؟ يوجد عند بعض المفسرين. لكن كلام شيخ الإسلام: لا يوجد عند أصحاب التفاسير التي تسند الحديث أو تحكم على الحديث أو تستطيع التمييز بين الصحيح والضعيف. يعني ممكن تجده عند الثعلبي. عادي، الثعلبي ينقل الغث والسمين والضعيف والموضوع. ممكن تجد في "تفسير الدر المنثور" للسيوطي مثلًا، عادي، تجد. هذه الكتب كلها ما التزمت الصحيح.
قلنا قبل ذلك إن السيوطي اختصر هذا التفسير اختصارًا، يعني يعاب عليه أنه حذف الأسانيد من باب الاختصار، وترك لك مجالًا. نقل إليك الحديث وقال: ابحث أنت، إن وجدته صحيحًا، وإن وجدته ضعيفًا، ضعفه، لا إشكال. فتجده في بعض هذه الأحاديث، لكن شيخ الإسلام يخصص، فيقول: التي لا تهتم بالإسناد. يقول: التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتج به.
وإن كان في بعض التفاسير مثل التفاسير التي تنقل الصحيح والضعيف، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي، بل حتى ابن جرير، وابن أبي حاتم، لم تكن مجرد روايته أو نقله، نقل هذه التفاسير أو نقل الحديث في هذه التفاسير لأصحاب هذه التفاسير معتمدًا، إلا أن يذكر إسنادًا يحيل عليه فينظر فيه. إنما مجرد روايته هكذا من دون النظر في إسناده، أو إيراده في قسم الصحيح دون الضعيف، لا يعتبر حجة في بابه.
قال: وهذا الحديث غايته أن يوجد في بعض كتب التفسير التي فيها الغث والسمين، وفيها أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة.
مع أن كتب التفسير التي يوجد فيها مثل هذا التفسير، أو مثل تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي وهكذا والواحدي، ينقلون فيها بالأسانيد الصحيحة ما يناقض هذا، مثل بعض المفسرين الذين ذكروا هذا في سبب نزول الآية، فإنهم ذكروا مع ذلك بالأسانيد الصحيحة الثابتة، التي اتفق أهل العلم على صحتها، ما يناقض ذلك من وجهين.
فهل آخذ بهذا الضعيف وأحتج به، أم الصحيح الثابت عنهم الذي تواتر نقله عنهم في أكثر من تفسير من تفاسير أهل العلم المهتمين بهذا الشأن، التي تسند كتفسير ابن أبي حاتم وابن جرير والبغوي؟
إذا كان عندي حديث جاء، فأسنده صاحبه إلى قسم الضعيف، وأورد في مقابله صحيحًا يرد عليه، فمن أي شيء آخذ؟ بالضعيف واحتج به، أم بالصحيح الثابت؟
قال شيخ الإسلام كلامًا مهمًا جدًا في هذه المسألة أيضًا، قال: والثعلبي وأمثاله لا يتعمدون الكذب.
حتى لا يقول أحد بأنكم الآن الثعلبي كذا وكذا، وتطعنون فيه، أو في أبي نعيم أو كذا. لا.
قال: وينقل، لأن شيخ الإسلام يقول ماذا؟ يقول: والثعلبي كان كحاطب ليل، يجمع كل ما وقع له. لكن يصدر الكلام قبل هذا، فيقول في "منهاج سنته": والثعلبي في نفسه ذو خير ودين. وهذا كلام ابن كثير أيضًا، وكلام أبي محمد الفتني الهندي وغيرهم، كلهم قالوا هذا الكلام. قالوا: والثعلبي كان في نفسه ذا خير ودين، صاحب دين وخلق ودين، لكنه كان كحاطب ليل بالنسبة للنقل، فينقل كل ما وقع له، لا أكثر ولا أقل.
فهم يبترون الكلام، ويأتون بما يوافق الهوى، ويقولون: هذه موجودة في كتب المسلمين من أهل السنة.
ثم ينقلون عن أبي نعيم، وقد فصلنا القول في يوتيوب، موجودة حلقات بعنوان "منهجية أبي نعيم الأصبهاني" جزآن، ونحن نتكلم عن أبي نعيم، هذا الإمام العلم الكبير جدًا، إمام علل يضاهي الدارقطني في فهمه للعلل وسردها، ويسير في مضمار الدارقطني، والدارقطني كان شيخه، وهو نفسه كان شيخ الخطيب البغدادي، فهؤلاء أئمة في هذا الشأن.
فهو أراد من كتابه "الحلية" جمع الغرائب التي لا توجد عند غيره، ولذلك اتهموه بالتشيع من بعض الحمقى الذين لا يفهمون كلامه. لماذا اتهمتموه بالتشيع؟ قالوا: لأنه نقل في ترجمة علي ما لم ينقله غيره. وهذا الذي أراده الرجل. أراد أن ينقل لك الأحاديث المعللة في ترجمة علي والتي لن تجدها عند غيره. لكن أنت إذا كنت لا تفهم العلل، لا تتطرق لهذا الكلام؛ لأنك ستؤذي نفسك.
طيب، لماذا هذا لم ينبه عن ذلك، هذا الإمام الكبير؟ لم ينبه عن ذلك لأنه يريد من يفهم في مسائل العلل، فيأخذ هذه المنهجية ويشتغل عليها. لا يريد إنسانًا عاديًا يقرأ في كتاب "الحلية" وينقل منه مثل هذا الجاهل. ولذلك هذا الجاهل ابن المطهر الحلي ومن تبعه في ذلك، ماذا قالوا؟ قالوا بحماقة: هذا الرجل كان سنيًا ظاهريًا، لكنه كان من خلص الشيعة باطنيًا. انظروا إلى هذه الحماقة. لماذا قالوا؟ لأنه ذكر في ترجمة علي ما لم يذكره غيره، ذكر أشياء تفرد بها. هو أراد ذلك أيها الغبي، أراد أن يذكر أشياء يتفرد بها، لكنها موضوعة، وهو يعلم ذلك.
الرجل كان إمامًا كبيرًا جدًا، يسير في مضمار وقوة الدارقطني في فهمه وإيراده للعلل، ولا يفهم ذلك إلا من عاش في "الحلية"، من الذين يفهمون في علم الحديث وفي العلل، عاش فيها، وجلس فيها، وقام فيها، وقعد فيها، ونام فيها، ومشى مع ترجمتها وأسانيدها بالدراسة والنقد.
قلنا إنه أورد إسنادًا شككنا فيه في أحاديث الشفاعة، الإسناد الثامن، فوجدناه عند مسلم وقد أعله مسلم أصلًا. فما وجدنا في تحقيق كتاب "الحلية" إسنادًا نظيفًا. لماذا لم ينبه على هذه المنهجية؟ لأنه كان يحب الإمام البخاري، والبخاري أيضًا لم ينبه عن منهجيته في كتاب الصحيح. كان يتبع البخاري في كلامه، فيحب تصنيف البخاري ويحب الإمام البخاري جدًا، وعليك أنت إن كنت متخصصًا في العلل أن تجاريه وتفهم منهجية الرجل من خلال كتابه.
والدارقطني نبه على هذا. الإمام الدارقطني شيخه نبه على هذه المسألة حينما وفد إليه من بلاد فارس إلى العراق، إلى بغداد تحديدًا، وطاف به على المشايخ ليأخذ الغريب من هؤلاء، وكان يرى أنه لا فائدة من تكرار الصحيح إلا تعداد الطرق فقط، لا غير. فأراد أبو نعيم، الإمام الكبير، أن يتفرد بأشياء خاصة لم ينقلها غيره، وهي كلها أسانيد غريبة نقلها عن الطبراني وعن غيره من مشايخه الذين عاصرهم.
قال شيخ الإسلام: بل فيه من الصلاح، كلام شيخ الإسلام في الثعلبي وأمثاله، والدين ما يمنعهم وأصحابهم من ذلك، لكنهم ينقلون ما وجدوه في الكتب، ويروون ما سمعوه، وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث، كشعبة، شعبة بن الحجاج ابن الورد العتكي مولاهم، من الطبقة الثامنة من طبقات المحدثين، علم من الأعلام، أبو بسطام. قال: كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، وأبي عبد الله بن منده، والدارقطني، وأمثال هؤلاء من أئمة الحديث ونقاده وحكامه، الذين لهم خبرة ومعرفة تامة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأحوال من نقل العلم والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم من نقله من أهل العلم، وقد صنفوا الكتب الكثيرة في معرفة الرجال الذين نقلوا الآثار وأسمائهم، وذكروا أخبارهم، وأخبار من أخذوا عنهم، ومن أخذ عنهم، مثل كتاب "العلل" و"أسماء الرجال" عن يحيى القطان، وابن المديني، وأحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وابن أبي زرعة، وابن أبي حاتم، والنسائي، والترمذي، وأحمد بن عدي، وابن حبان، أو ابن حِبَّان واللفظان صحيحان، وأبي الفتح الأزدي، والدارقطني وغيرهم.
وتفسير الثعلبي فيه أحاديث موضوعة، وأحاديث صحيحة، ومن الموضوع فيه الأحاديث التي في فضائل السور سورة سورة، تكون في أوائل السور. وقد ذكر هذا الحديث الزمخشري والواحدي، وهو كذب موضوع باتفاق أهل الحديث، وكذلك غير هذا.
تقعيد مهم في الكلام على مسألة نقل الحديث عند أهل التفسير، وبيان أن هذا الحديث من القسم الضعيف المكذوب، حتى وإن رواه بعض أهل التفسير مثل الزمخشري والواحدي.
قال ثانيًا: أنا نرضى بهذا النقل منه العام، النقل العام، بأحد شيئين. قال: إما بإسناد يذكره مما يحتج به أهل العلم في مسائل النزاع، وإما قول رجل من أهل الحديث الذي يعتمد الناس على تصحيحهم. هذا هو الضابط.
تنزلًا من كلام شيخ الإسلام يقول: نحن حينئذ نرضى بهذا الحديث الذي نقله الحلي، وقال فيه بأن النبي قال لعلي عليه الصلاة والسلام، قال لعلي رضي الله عنه: أنت أخي ووصيي ووزيري وخليفتي من بعدي، وهذا الكلام. قال: نحن نرضى منه بهذا بشرطين: إذا نقل هذا الإسناد أحد من أهل العلم الذين يحتج بهم في مثل هذا، في مثل هذا في مسألة الأسانيد، أو قول رجل من أهل الحديث الذي ذكر هذا الكلام، والناس تعتمد على تصحيحه للحديث طبعًا. هذا غير متوفر، وهذا غير موجود.
قال: فانه لو تناظر فقيهان في فرع من الفروع، ثم لم تقم الحجة على المناظرة إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادًا تقوم به الحجة، لا ينفع أن نتناظر أنا وأنت كشيعي، ثم آتي بحديث ليس له إسناد، أو حديث باطل أو موضوع، أو في إسناده كذاب أو متهم أو كذا، أي حجة تقوم مني عليك بهذا الكلام؟ لا يجوز.
الثالث: أن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف الحديث إلا ويعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات، ومن له أدنى معرفة بعلم الحديث يعلم أنه كذب.
رابعًا: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلًا حين نزلت هذه الآية، فإنها نزلت بمكة في أول الأمر، ولا بلغوا أربعين رجلًا أصلًا في مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
الخامس: قوله إن الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن، كذب على القوم. ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذا، الكثرة في الأكل، ولا عرف فيهم من كان يأكل الجذعة، ولا يشرب هذا الكلام، ولا يشرب فرقًا كما سماه.
السادس: أن قوله للجماعة: من يجبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي، وخليفتي من بعدي، كلام مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم، ما لا يجوز نسبته إليه، فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله. هذا يكفي أصلًا، يكفي أن تستجيب له وأن تكون مسلمًا، تشهد الشهادتين. فجميع المؤمنين الذين شهدوا الشهادتين أجابوه إلى ما أراد، إلى الإسلام، إلى دعوة التوحيد، وأعانوه على ذلك في إقامة الطاعة، وفارقوا أوطانهم، وعادوا إخوانهم، وصبروا على الشدة بعد الألفة، كما يقول شيخ الإسلام رضي الله عنه. فهذا يكفي في أنهم أجابوا النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الكلام فيه كذب حينما يقول بأنه لم يجبه أحد منهم إلا علي.
السابع: أن حمزة وجعفرًا وعبيدة بن الحارث أجابوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما أراد، أجابوه إلى الشهادتين لما دعاهم، وعاونوه على هذا الأمر، فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا بالله ورسوله في أول الأمر، بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
الثامن: أن الذي في الصحاح في سبب نزول هذه الآية غير الذي ذكره الحلي. ولعلني أختم جهده، وهذا محل الشاهد: أنت جئت لتذكر سببًا لنزول هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين، ولم تسنده وذكرته موضوعًا، لا يغفل عن ذلك من له أدنى معرفة بعلم الحديث، ومداره على بعض الرواة، لا يتسع الوقت للكلام عليهم، فيهم أباطيل، ومتهمون بالكذب والتشيع، متهمون بالكذب والتشيع والوضع.
طيب، في المقابل، لم تذكر سببًا لنزول هذه الآية صحيحًا، وجاء ذلك في الصحيحين في سبب نزول الآية من حديث أبي هريرة، واللفظ له، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا، فخص وعم، فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها.
في الصحيحين أيضًا لما نزلت هذه الآية، قال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا، سليني ما شئت من مالي.
فلا مستند لهم حينئذ من هذا الحديث الباطل على إمامة علي من السنة. حتى لما تأتي تقارب بين المعنى وأنذر عشيرتك الأقربين، ليس المقصود بها أنه دعا الصحابة فقال: آزِروني، فلم يجبه أحد فأجابه علي، فقال كذا وكذا وكذا. أنذر عشيرتك المقصود بها من العشيرة: الأهل. واللفظ مجموعة: يا صفية، يا عباس، يدعوهم إلى الله. والحديث جاء في الصحاح عند البخاري ومسلم، وأهل العلم ذكروا هذا، حديثان، وهذا مما يدل على أنه كان إنذارًا لأهله: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية عمة رسول الله، يا عباس، اعملوا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا.
فيأتي الشيعي بسبب نزول مغاير تمامًا، ليس له علاقة بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد، لا بالآية ولا بسبب نزولها، حتى يستدل على إمامة مزعومة باطلة بهذا الحديث البائس الباطل الموضوع.
ألتقيكم إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة لاستكمل معكم هذه السلسلة في الحديث عن السنة التي يستدل بها ابن المطهر الحلي، والتي يزعم أنها أدلة من السنة على إمامة علي بن أبي طالب.
هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
-
السبت PM 04:26
2026-04-11 - 41



