ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
التقية عند الشيعة
تعريف التقية
التقية لغة :
اسم مصدر من الاتقاء؛ بمعنى استقبل الشيء وتوقاه، يقال : اتقى الرجل الشيء يتقيه، إذ اتخذ ساترًا يحفظه من ضرره[1]، ومنه الحديث : « اتقوا النار ولو بشق تمرة »[2]، وأصله من :
وقى الشيء يقيه، إذا صانه، قال تعالى : ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر : 45]، أي حماه منهم فلم يضره مكرهم.
ويقال من الفعل أيضًا : تقاه يتقيه، والتّقاه والتقيّة والتقوى والتُقى والاتقاء كلها بمعنى واحد في استعمال أهل اللغة.
التقية اصطلاحًا :
التقوى واتقى باتقاء العبد لله تعالى، بامتثال أمره واجتناب نهيه والخوف من ارتكاب ما لا يرضاه، لأن ذلك هو الذي يقي من غضبه وعذابه وأما التّقاه والتقية وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء[3].
ولهذا قال (ابن حجر) : « (التقية) الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير »[4]، وهذا يعني الكتمان، وقد يضطر لإظهار خلاف ما في النفس بلسانه.
وعرفها ( ابن قيم الجوزية ) بقوله : « (التقية) أن يقول العبد خلاف ما يعتقده اتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم بالتقية[5].
وعرف الشيخ المفيد التقيّة بقوله : هي عبارة عن كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين والدنيا[6].
وذهب الخميني إلى أن التقية معناها : أن يقول الإنسان قولاً مغايرًا للواقع، وذلك حفاظًا لدمه أو عرضه أو ماله[7].
ثم يضرب مثلاً يوضح به ما يقول، على سبيل المثال : « إن الوضوء طبقًا لأحكام الإله ينبغي أن يتم بسكب الماء ابتداء من المرفق ومسح القدم باليد، فيما يرى بعض أهل السُّنَّة أن الماء ينبغي أن يسكب ابتداء من رؤوس الأصابع حتى المرفق، وغسل القدم بدلاً من مسحها؛ في هذه الحالة إذا أراد أحد أن يتوضأ على طريقة الشيعة، فإن عليه أن يجاريهم في الوضوء ليبعد عن نفسه ذلك الخطر ».
يمكننا أن نستخلص مماسبق :
أن التعريف الاصطلاحي للتقيّة بتشديد الياء يتفق عليه أهل السُّنَّة والشيعة معًا؛ ومعناه « أن يقول الإنسان شيئًا بلسانه ويضمر في قلبه شيئًا آخر »[8].
مكانة التقية عند الشيعة
تعتبر التقية سمة عرفت بها الشيعة : وقد اتخذت منها سلوكًا سياسيًا ومنهجًا علميًا لنشر المذهب.
ولذلك ذهب الشيخ المفيد إلى التعريف السابق، بقوله : « هي كتمان الحق وستر الاعتقاد به، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدنيا والدين»، وهو من أشهر العبارات التي تعتمدها الإمامية في تعريفهم للتقية.
والمتتبع لنشوء المذهب الشيعي الاثني عشري؛ يدرك أن التقية كانت ضرورة من ضرورات منهجهم مـن وجهة نظـرهم ؛ لحفـظ مذهبهم من جهـة، وللمحافـظة علـى حياة أتباعهم من جهة أخرى[9].
روى (الكليني) بسنده عن (أبي جعفر الباقر) قال : « التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له »[10].
ونقل الكليني أيضًا :قال أبو جعفر عليه السلام : « اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له »[11].
ونقل أيضًا : عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت : 34]، قال الحسنة : هي التقية، والسيئة : هي : الإذاعة، وقوله عز وجل : ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون : 96]؛ قال : التي هي أحسن : التقية[12].
ونقل الكليني أيضًا بسنده : عن سليمان بن خالد قال : قال لي أبو عبد الله : « يا سليمان إنكم على دينٍ من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله »[13].
وبسنده عن علي بن الحسين : « يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين : ترك التقية وترك حقوق الإخوان »[14].
ولم يقف الأمر إلى هذا الحد؛ بل وصل بهم الأمر إلى أنهم بالتقية كانت الأئمة تحرم ما أحل الله، وتحل ما حرم الله.
رُوي الكليني بسنده : عن إبان بن تغلب قال : سمعت أبا عبد الله يقول : « كان أبي يعني الباقر يفتـي فـي زمن بني أمـية أن ما قتل البازي والصـقر فهو حلال، وكان يتقيهم وأنا لا اتقيهم وهو حرام ما قتل »[15].
ولم يقتصر الأمر على (الكليني) فقط؛ بل شاركه غيره من أئمتهم : فقد جاء في رجال الكشي، عن حسين بن معاذ بن مسلم، عن أبي عبد الله قال لي : « بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس»، فقلت : نعم، إني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف يعني مخالف للشيعة أخبرته بما يقولون، فقال لي أبو عبد الله : « اصنع كذا فإني أصنع كذا »[16].
الأدلة التي استدل بها الشيعة على عقيدة التقية
أولاَ : من القرآن الكريم :
يستدل الشيعة الإمامية على هذه العقيدة بآيات كثيرة، أهمها :
1ـ قوله : ﴿ لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران :28] :يقول شُبّر : « وهي التقية التي تدين بها الإمامية ودلت عليها الأخبار المتواترة »[17]، أما مغنية : فيجعلها رخصة عند القوم فقط حيث يقول : « هذه رخصة بالمداراة عند الخوف فقط ».
2ـ قوله تعالى : ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النحل : 106].
يذكر مغنية : سبب النزول المشهور قائلاً : « قال المفسرون من السُّنَّة والشيعة : إن المشركين عذبوا عمار بن ياسر حتى يعطيهم من لسانه كلمة الكفر، فتفوّه بها مكرها، فقال بعضهم : يا رسول الله إن عمارًا مُليء إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، جاء عمار إلى النبيﷺباكيًا، فمسح عينيه وقال : « مالك؟ إن عادوا فعد»، فنزلت : ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﮈ ﴾[18].
ومع أن حالة عمار هذه محدودة؛ محصورة بالخوف على النفس من الكفار بشرط أن يكون لهم شوكه وفي المسلمين ضعف وقلّة إلا أن الشيعة توسعوا في معنى التقية مع المخالفين لهم ولو لم يكن خوف ولا ضرر.
قال المقداد الحلي في الآية : « دلت الآية على جواز التقية في الجملة، وكذا قوله : ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران : 28]، ولأنها دافعة للضرر لأنه الغرض، ودفع الضرر إن لم يكن واجبًا فلا أقل من جوازه؛ ولأن الرسول ﷺ محا اسمه يوم الحديبية؛ فأعطاهم أمورًا هو محارب عليها في الباطن وهو قريب من التقية »[19].
ثانياَ : من السُّنَّة النبوية :
أما عن الأقوال المنسوبة إلى رسول الله ﷺواعتبروها أدلةً؛فمنها ما ذكره الكليني بسنده إلى عبد الله الصادق، قال : « لمّا مات عبد الله بن أبيّ بن سلول؛ حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟فسكت، فكرر عمر السؤال فقال له : ويلك وما يدريك ما قلت؟ إني قلت : اللهم احش جوفه نارًا، واملأ قبره نارًا، وأصله نارًا، فقال أبو عبد الله : فانبرى يعني عمر من رسول الله ما كان يكره »[20].
هذه هي أهم الأدلة التي استدل بها الشيعة على عقيدة التقية، وقد ذكرت هذين الدليلين نظرًا لأهميتهما، والتقية فيهما ظاهرة وواضحة، فأردت أن أبين المعنى الصحيح لهما عند أهل السُّنَّة من خلال علماء الأزهر، وأورد ردودهم على فهم الشيعة لهذين الدليلين.
[1] لسان العرب، مادة وقى(ج25/ ص402).
[2] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب : اتقوا النار ولو بشق تمرة (ج1/ ص647)، ومسلم في الزكاة، باب : الحث على الصدقة، من حديث عدي من حاتم (ج2/ ص86).
[3] الآلوسي : روح المعاني(ج3/ ص121، ط1، دار إحياء التراث العربي).
[4] ابن حجر : فتح الباري(ص314، دار ابن حبان، القاهرة، 1996م).
[5] ابن قيم الجوزية : أحكام أهل الذمة(ص1038، ط بيروت، 1988م).
[6] محمد بن محمد بن محمد النعمان المعروف عندهم بالشيخ المفيد : تصحيح الاعتقاد(ص66).
[7] الخميني : كشف الأسرار(ص147، ط1، دار عمان للنشر والتوزيع).
[8] سيأتي الخلاف بين أهل السُّنَّة والشيعة في مفهوم التقية في ردود علماء الأزهر - إن شاء الله تعالى.
[9] علي أحمد السالوس : مع الشيعة الاثني عشرية الأصول والفروع، ص320، دار التقوى القاهرة.
[10] الكافي للكليني : كتاب الإيمان والكفر باب التقية(ج2/ ص219، طهران، 1378هـ).
[11] الكافي : الأصول للكليني(ج2/ ص483، ط4، دار التعارف، بيروت).
[12] السابق(ص482).
[13] الكافي : في الأصول كتاب الإيمان والكفر باب التقية(ج2/ ص222).
[14] الكليني : الكافي في الأصول(ج2/ ص220).
[15] انظر : الكليني، فروع الكافي كتاب الصيد باب صيد البزّاة والصقور(ج6/ ص108).
[16] محمد بن عمر الكشي : أسماء الرجال الناقلين عن الأئمة العاملين (رجال الكشي)(ص218، مؤسسة الأعلمي بكربلاء العراق).
[17] تفسير شبر(ص88).
[18] محمد جواد مغنية : التفسير المبين(ص59).
[19] المقداد الحلي الأسدي : كنز العرفان في فقه القرآن (ص208، بدار الكتب : 555 طهران).
[20] الكليني : الفروع من الكافي، كتاب الجنائز (ص)221، وهذه الرواية نصفها الأول صحيح، وهو قول عمر للرسول : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره. إلى هنا الكلام صحيح، أما باقي الرواية فهو كلام مكذوب، وسأقوم إن شاء الله تعالى بتخريج الرواية عند نقد هذه الأدلة من قِبل علماء الأزهر.
-
الاثنين AM 10:53
2025-04-07 - 866



