المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1900003
يتصفح الموقع حاليا : 318

البحث

البحث

عرض المادة

جهود علماء الأزهر في الرد على مسألة العصمة عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية

لا شك أن العصمة بالمعنى المفهوم عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية من الخطأ والنسيان أمر شاق على النفوس باستثناء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فهم بشر مصطفون : ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج : 75].

قال تعالى : ﴿  لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة : 286].

وهذا ما صرَّح به الدكتور محمود أحمد خفاجي : « أن العصمة بهذا المعنى ما هي إلا استمرار للنبوة؛ لأن الإمام يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، والعصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمدًا وسهوًا ونسيانًا، من المولد إلى الممات؛ أمر يتنافي مع الطبيعة البشرية فلا يقبله العقل، وقيام الإمام بحفظ الشرع وتنفيذ الأحكام ودرء المفاسد إلى غير ذلك لا يحتاج إلى عصمة من يقوم به »[1].

إبطال الأدلة التي استدل بها الشيعة على عصمة أئمتهم

أولاً : الدليل العقلي :

إن سبب قولهم بالعصمة لأئمتهم هو حفظ الشرع وتنفيذ الأحكام ودرء المفاسد.

من المعلوم في تاريخ الإسلام أن الذي حمل همّ تبليغ الإسلام على عاتقه إنّما هم العلماء وليس الحكام، وهذا ما يرد به عليهم الدكتور محمود مزروعة بأن : « الإمام ليس حافظاً، وإنّما هو منفذ لها، وأما حفظتها فهم العلماء الذين يقول الله فيهم : ﴿  وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر :28]، ولذلك وضع الإسلام واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الواجب جعله الإسلام من الأفراد للأمة في قمة الواجبات »[2].

ويستدل على ذلك : بقول أبي بكر وعمرـ رضي الله عنهما ـ وهما يخطبان في الناس عقب توليهما الخلافة ليقول كل منها للناس : « أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم»، وهـذا اعـتراف صريحٌ من الأئـمة بأنهــم معرضـون للخـطأ وليـسوا معصومـين[3](1).

ويرد على الشيعة : بأن ما زعموه من أن الإمام حافظ للشرع يحتاج إلى تفصيل، فإن أريد أنه حافظ له في نقله يعقب عليه : « كذلك سائر أصحاب النبي ﷺ حافظون للشريعة ناقلون لها، بل ما نقل عن غير عليّ من الصحابة أعظم وأكثر مما نقله عليّt، وإن أريد أنه حافظ له بمعنى أنه لا ينقل إلا عن طريقه، أجيب بأن هذه الدعوى منتهاها ومبتغاها هدم الدين وإفساده، وذلك لأنها قدمت نقل الواحد على نقل أهل التواتر »[4].

ومما لاشك فيه، أن الأمة كلها مأمورة بحفظ الشرع وتبليغه للناس، وليس الصحابة أو الأئمة فحسب، وهذا ما يشير إليه الدكتور خفاجي : بأن هذه المهمة لا تحتاج إلى عصمة من يقوم بها، ومن المعلوم أن الذي عليه حفظ الشريعة والقيام بها بعد النبي ﷺ هم علماء الأمة عن طريق الدراسة والفهم والاستيعاب، وفقًا لقوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة : 44] [5].

ويوضح أكثر الشيخ إسماعيل صادق العدوي، ويؤكد أن كل المسلمين مطالبون بتلقي هذه الرسالة؛ لماذا كان الحصر في هؤلاء؟ إن الإمام (البخاري)ـ رحمه الله من بُخَـارى، وقد جمع الأحاديث، ووضع علم التعديل والتجريح، الإمام (أبو حنيفة) من العراق وهو إمام من أئمة المسلمين الكبار، و(ابن رشد)، و(القرطبي)، و(ابن ماجه)، و(النسائي) كل هؤلاء، و(الغزالي) رحمهم الله تعالى.

كل هؤلاء قد وضعوا أنفسهم، ووهبوا حياتهم للإسلام، لأنهم أمروا بنصرة الإسلام، بعقلهم وجسمهم ومالهم وحياتهم، فلم يكن هناك تمييز لفئة دون فئة فالكل مطالب بهذا الدين، هذا التوجيه العام : ﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر :7].

فما معنى :أن الرسول يتلقى من الله، والإمام يتلقى من الرسول؟ وبقية المسلمين لا يتلقون الرسالة ولا يجاهدون من أجلها؟ [6].

ثانياً :الرد على دليلهم النقلي :

تقدم أن الاثني عشرية يستدلون على العصمة بآية التطهير في (سورة الأحزاب). ونبدأ الرد عليهم من ناحية سبب نزول الآية، فيبينه الدكتورمصطفي مراد بقوله :

 « أخطأ الشيعة حينما حصروه في الحسن والحسين وعلي وفاطمـة، فإن هؤلاء وإن كانوا فعلاً من أهـل البـيت، إلا أنهـم ليسوا سببًا، وإنّما أزواج النـبي ﷺ هنّ سـبب النزول، إذ اجتمعن يسألنه أن يوسع عليهن في النفقة، بها فهجرهن شهرًا [7].

حتى نزلت آية التخيير : : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا « الآيتان [الأحزاب :28، 29]، وصدر آية التطهير يدل على ذلك؛ إذ يشتمل على أمر ونهي للأزواج يقول : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب : 33].

فالخطاب كله في صدر الآية للنساء، وما يسبق هذا الصدر أيضًا كان خطابًا للنساء : ﴿  يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب : 32]، وقوله : « ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ»، هو بمثابة تكريم لهن لمّا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة على الدنيا وزخارفها.

وبناءً عليه، فإن أزواج النبي ﷺ هن السبب الخاص في نزول الآية لا الحسن ولا الحسين ولا عليّ ولا فاطمة كما يظن الشيعة » [8].

فإن قيل : إذا كانت في أزواج النبي ﷺ فلماذا لم يكن الخطاب بصيغة المؤنث ولم يقل ويطهركن؟

يجاب عن ذلك : « بأن الآية ذكرت إرادة الله التطهير وإذهاب الرجس عن أهل البيت على العموم، وأهل البيت فيهم المذكر والمؤنث فغلب المذكر لما اجتمعوا، ويمكن أن يقال : إن الخطاب جاء بصيغة المذكر، لأنه ذكرهن بلفظ أهل كقوله : ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود : 73]، والمراد سارة زوجة إبراهيم عليه السلام، وعليه : فدخول أزواج رسول الله ﷺ في الآية هو من باب أولى لأنهن سبب نزول الآية »[9].

وإذا كان سبـب النزول نسـاء النبي ﷺ كما تقرر ؛ فالعصمة إذن في الآية تكون قد نسفت عند الشيعة؛ لأنهم لا يقبلون ذلك لأزواجه ﷺ.

وهنا يحق لنا أن نسأل :ـ عـلى فرض أن النـص خـاص بأصـحاب الكساء أيضًا ودال على عصمتهم، وتنازلنا عما يروى عليه القول بعصمة فاطمة، فما هي الدلالة على عصمة باقي الاثني عشر وليسوا من أصحاب الكساء بالإجماع؟ هذا هو السؤال الأول.

أما عن السؤال الثاني : ما فعله الحسن بن علي وهو من أصحاب الكساء من التنازل عن الخلافة لمعاوية ما رأي الشيعة فيه؟

إن كان صوابًا فقد ثبت أنه ليس إماماً بالنص الإلهي كما يزعمون ـ، لأنه لو كان إمامًا بالنص لما جاز له التنازل عن شيء لا يملك التصرف فيه ولا الاستعفاء عنه، وإذا كان ليس إمامًا بالنص فقد ثبت أنه ليس بمعصوم على أصل الشيعة أنفسهم، لأنهم يطلبون العصمة للإمام المعيّن، لئلا يكلفون بطاعة العصاة بزعمهم، وإن كان تنازل الحسن أخطأ فيه، فقد عصى المعصوم، وانهدمت عصمة الأئمة من أساسها، وانهدم دين الشيعة تبعًا لذلك، حيث لا أساس له إلا عصمة الأئمة[10]،.

وإذا ارتضى الشيعة أن لفظة التطهير المراد به العصمة؛فينبغي أيضًا أن يلتبس بأهل بدر، لأن هناك من القرآن ما نزل فيهم بهذه اللفظة.

وهذا ما صرَّح به الأستاذ الحسن ياسر الحسن[11] : « لو كانت مفيدة للعصمة؛ ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين، لقوله تعالى فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة :6]، بل لعل هذا أفيد لما فيه من قوله سبحانه : ﴿ ﮌ ﮍ ﮎ﴾ »[12].

وبعد كل هذه التأويلات البعيدة من الشيعة لاسـتدلالهم بالآية الكريـمة؛

يعقب عليها الأستاذ الحسن بعدم جدواها، ويبين المعنى الصحيح المقصود من الآية : « لو فرض تعين كل ما ذهبوا إليه لا تسلم دلالتها على العصمة، بل لها دلالة على عدمها، إذ لا يقال في حق من هو طاهر : إني أريد أن أطهره، ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، وغاية ما في الباب كون أولئك الأشخاص y محفوظين من الرجس والذنوب، فالإرادة هنا لا بد أن تحمل على الإرادة الشرعية، أي بمعنى المحبة، وهي من جنس قوله : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة : 185]، وقوله : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء : 27]. وهذه الإرادة الشرعية هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح : « هذا يفعل ما لا يريده الله، أي لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به »[13].

وعلى هذا؛ فالآية لا تقوم دليلاً على عصمة آل البيت.

وأختم إبطال الحجة بهذه الآية بتذييل الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله بعد سرده لمحاولة الطبرسي الجدية بإثبات العصمة للأئمة بهذه الآية : « أن الطبرسي يحاول من وراء هذا الجدل العنيف أن يثبت عصمة الأئمة، وهي عقيدة فاسدة يؤمن بها هو ومن على شاكلته من الإمامية الاثني عشرية، ولا شك أن هذا تحكم في كلام الله تعالى؛ دفعه إليه الهوى، وحمله عليه تأثير المذهب »[14].

عقيدة العصمة ليس لها صلة بمصادر التشريع الإسلامي

إن الاتفاق بين الشيعة والسنة على مسألة عصمة الأنبياء وحدهم لم يدم طويلاً، إذ انفرد الشيعة بالقول بوجوب العصمة للأئمة بعد النبي ﷺ، وهو انفراد خطير لم يتقبله علماء الأزهر، وحاربوه في رسائلهم وأبحاثهم العلمية بكل ما أوتوا من قوة.

إن أوائل مصادر التشريع في الأمة على الترتيب :(القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والقياس).

ويبرز الدكتور خفاجي : « أنه لا يوجد في القرآن والسنة نص يثبت هذا للأئمة عمومًا »[15].

أما عن (الإجماع)، فيذكر الدكتور العسَّال : أن الإجماع لم يكن إلا من عند أنفسهم دون سائر الأمة، والإجماع عندهم ليس بحجة إلا أن يدخل الإمام المعصوم في المجمعين، ودخول الإمام في المجمعين للدلالة على عصمته؛ هو كالنص منه على عصمته، وكلاهما باطل باتفاق[16].

أما عن القياس؛ سيفعلونه هنا في الاستدلال على العصمة : أنهم نواب الأنبياء ونائب النبي يكون معصومًا كالنبي.

وهنا يسأل الدكتور عبد المنعم فؤاد عثمان الشيعة لحجيتهم بالقياس على عقيدة العصمة : القياس ليس حجة عندكم فلم تستعملونه الآن دون أي وقت آخر؟

بل ويرد عليهم أيضًا في هذا القياس : بأن الأنبياء الذين تقيسون عصمة أئمتكم على عصمتهم كانت لهم خوارق ومعجزات تثبت نبوتهم وعصمتهم، وأنتم هنا مطالبون بإثبات معجزات لأئمتكم المعصومين لإثبات إمامتهم أولاً، ثم عصمتهم ثانيًا؛ حتى يمتنع الخلط والاختلاط بين هذا وذاك، إذ أن إدعاءكم بدون معجزات سيكون بمثابة باب يدخل منهم فرد بمثل ادعائكم، ولكن أنّى لكم أو لأئمتكم تلك المعجزات.

ولو سلمنا للشيعة بإمامة أهل البيت وأنهم نواب الأنبياء فلا نسلم أبدًا بأن هؤلاء النواب كانوا معصومين إذ لا يلزم أن يكون نائب الإمام معصومًا والقياس باطل إذ أن النبي ﷺ كان له نوابًا في حياته في اليمن والبحرين وغيرهما، ولم يقل أحد بعصمتهم، بل كان لعلي نواب في الولايات وكانوا يتصرفون في ولايتهم حسب ما يرونه ولا يرجعون إليه، وكانوا لا يدرون بما أمر به الإمام أو نهى عنه، ولم يقل أحد أنهم من المعصومين[17].

تناقض عقيدة العصمة مع الواقع

وحان الآن سؤالهم ما الحاجة إلى عصمة الأئمة بعد عدم وجود دليل ولا برهان؟

إن قالوا لحفظ الشرع : فقد فند علماء الأزهر هذه الدعوى تفنيدًا كاملاً في استدلالهم العقلي على مسألة العصمة وأثبتوا بطلانها.

وإن قالوا قطعًا للتشاجر والاختلاف على ولاية الأمر : هنا نقول إن ما حدث من اتفاق وصلاح ذات البين، وألفة ومودة في عصر أبي بكر وعمر وعثمان معلوم ومشهور، بل لم يحدث مثله في تاريخ المسلمين، وإنما كان ابتداء التنازع والتشاجر هو مقتل عثمان t مظلومًا شهيدًا.

وأما عليّ tوالحسن من بعده؛ فقد ابتلوا بأهل العراق، ولم تمنعهم عصمتهم من التنازع والتشاجر وسفك دماء آل البيت الأطهار في كربلاء بسبب خذلان أهل الكوفة لهم وغدرهم بهم [18].

ثم ماذا عن الأفعال التي صدرت عن الأئمة والتي تتناقض تمامًا مع العصمة؟

يقول الدكتور خفاجي للشيعة : « إن الأئمة باشروا كثيرًا من الأعمال والأفعال، فكانت أعمالهم وأفعالهم واضحة للناس بعضها صواب وبعضها خطأ، فلم يكن هناك مجال لادعاء عصمتهم، بل إنهم هم أنفسهم قد شهدوا باحتمال الخطأ منهم »[19].

فقد قال عليّ رضي الله عنه لأصحابه : « لا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست آمن أن أخطئ»[20].

ويزيد باحث أزهري : في بحثه من كتب الشيعة أنفسهم روايات تدل على وقوع بعض المعاصي من بعض أئمتهم :

ففي الكافي وتهذيب الأحكام عن محمد بن إسحاق بن عمار : « قلت للرضا عليه السلام : « الرجل يكون له المال قد حل على صاحبه يبيعه لؤلؤًا تساوي مائة درهم بألف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت، قال : لا بأس به قد أمرني ربي ففعلت ذلك ».

فهذه الروايات تجعل بعض الأئمة موكلين للربا عن طريق التحايل»[21].

وروى الكليني عن أبي كهمس، قال : « سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن العصير فقال : لي كَرْم وأنا أعصره كل سنة واجعله في الدنا[22]، وأبيعه قبل أن يغلي، قال : « لا بأس فإن غلي فلا يحل بيعه»، ثم قال : « هو إذاً نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يعصره خمرًا »[23].

وفي تهذيب الأحكام والاستبصار عن رفاعة بن موسى قال : « سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره قال : حلال، نبيع تمرنا ممن يجعله شرابًا خبيثًا»[24].

بل يذكر الدكتور محمود مزروعة : أنه نقل عن كثير من أئمتهم أنهم كانوا يخطئون بعضهم بعضاَ، كذلك الذي روي عن الحسين في تخطئته أخاه الحسن حين تنازل لمعاوية، وكان الحسين يقول في ذلك : « لو جدع أنفي كان أحبّ إليّ من تنازل أخي»، فاختلاف الرأي هذا بَيْن إمامين من أئمة الشيعة يدل بالضرورة على أن أحدهما مصيب، والآخر مخطئ، وبصرف النظر عن شخص المصيب أو المخطئ فإن ذلك ينفي العصمة قطعاَ عن واحدِ منهما[25].

ثم ينبه بعض الباحثين على هذا الموقف الذي يضرب دين الإمامية بعضه ببعض، حيث نسبوا إلى علي t العار والجبن مع وصفهم له بالشجاعة المطلقة والعصمة؛ ليس من المعاصي فحسب، بل من السهو والنسيان والخطأ، وذلك حينما ادعوا أن جعفرًا قال عن تزويج عمر من أم كلثوم بنت علي رضى الله عنهما : « إن ذلك فرج غصبناه »[26].

ومعلوم ما في هذا من تجويز الخطأ والجبن على معصومهم، وذلك لأنه زوّج ابنته من كافـر حسب اعتقادهم، وهـذا مُحَرَّم، وأيضًا عدم غيرته على عرضه وهو الأسد شجاعةعلى زعمهم [27]، فلماذا لم يصد عمر عن هذا، ولو كان فيه إزهاق نفسه [28].

وهنا لمحة ألمح إليها فضيلة الشيخ إسماعيل صادق العدوي، وهي حصرهم العصمة في الاثني عشر فردًا فقط، ينتقد فضيلته حصر هذه العصمة في الاثني عشر فردًا فقط في آل البيت، فإذا كانت العصمة للتسلسل؛ يجب العصمة لبقية النسل الشريف إلى يوم القيامة، إنما حصر العصمة في هؤلاء فقط؛هذا أمر يجب النظر فيه، فقد قسمنا آل البيت إلى قسم معصوم من الخطأ، وقسم يجوز عليه الخطأ، فهم حصروها في اثني عشر إمامًا، ظهر أحد عشر واحدًا، وبقي واحدٌ وهو المنتظر في آخر الزمن[29].

وبسبب هذا التهافت، وخطأ هذا القصور للعصمة، يوضح الدكتور خفاجي : أن بعض الشيعة المعاصرين فهموا خطأ هذا التصور للعصمة، فأكدوا على بشرية الأئمة في غرائزهم وطبائعهم وصفاتهم، وذهبوا إلى أن ما لدى الأئمة من سمو ومكانة إنما استحقوه ونالوه بالتزامهم بشرع الله عز وجل في الأوامر والنواهي[30] [31].

هل العصمة ولدت شيعية أم أن لها منابع سابقة؟

يذكر الدكتور خفاجي : بأن هذه الفكرة لم تكن من مقولات الشيعة الأوائل، بل ظهرت لدى الغلاة، ثم كانت موضعًا لإنكار زيد بن علي بن الحسين، ثم زاد القول فيها في أواخر الدولة الأموية، وكانت مسلكًا من مسالك الدعوة إلى آل البيت [32].

بينما يؤكد الدكتور عبد المنعم فؤاد محمود عثمان : أن العصمة الشيعية وإن ظهرت في الأوساط الشيعية منسوبة للإسلام، فلا يمكن أن يقال : إن منبعها إسلاميًا بحتاً، أو شيعيًا صِرفًا، بل هي دخيلة على الفكر الإسلامي من الأبواب الشيعية، ومصدرها أو منبعها أفكار فلسفية قديمة، أو ديانة يهودية مزيفة، أو مسيحية باطلة، أو بتعبير أدق هي مزيج من تلك الفلسفات والديانات ارتدت الثوب الإسلامي بلا وجه حق، وأعطت صفة العصمة لبشر أئمة بعد الأنبياء عليهم السلام [33].

وفي الديانة اليهودية : لا نجد عصمة للأنبياء في التوراة المحرفة، بل نجد لهم ذنوبًا تصل إلى حد الكبائر، كشرب نوح عليه السلام للخمر، وزنا لوط ببنتيه، ومصارعة يعقوب لله عز وجل، وتجارة إبراهيم بزوجته سـارة عليهما السلام، والأنـبياء لا شـك معصـومـون مـن كـل ذلـك، ولـكـن اليـهـود لا يعـتمـدون أساسًا على التوراة، ولكن لهـم اعتمادات أخـرى بجوار التوراة، ومن أهـم الكتب المعتمدة لديهم كتاب (التلمود)؛ الذي هو عبارة عن (المشنا)، و(الجمارا)، المشنا ألفاظ موسى الشفوية، والجمارا شرح علماء الديانة لهذه الألفاظ، وقد قدس اليهود هذا التلمود أيضا َوتأثروا برواياته ونسبوا العصمة لأصحابها وتزعمت طائفة الفريسين هذا المسلك.

يقول الدكتور أحمد شلبي : « لضمان تقديس اليهود للتلمود، أعلن الفريسيون أن للحاخامات سلطة عليا، وأنهم معصومون، وأن أقوالهم صادرة عن الله، وأن مخالفتهم هي مخالفة الله، ومن أقوالهم في ذلك : « ويلزم المؤمن أن يعتبر أقوال الحاخامات كالشريعة؛ لأن أقوالهم هي قول الله الحي»، وتبعًا لذلك فليس هناك اجتهاد عند الفريسين، وما الحاجة للاجتهاد إذا كان الحاخام مقدسًا ومعصومًا »[34].

ويقول ابن كثيرـ عن غلو النصارى، وادعائهم العصمة لغير الأنبياء، من أمثال بولس وغيره : « إن النصارى تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله، فنقلوه من خبر النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه»، بل قد غلو في أتباعه وأشياعه، فمن زعم أنه على دينه ادعوا فيه العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلاً أو ضلالاً أو إرشادًا أو صحيحًا أو كذبًا [35].

وهناك وجود للعصمة في المذهب الكاثوليكي، وهي عصمة منسوبة للبابوات فقط، تمامًا كما نسبها الشيعة إلى الأئمة فقط، « إن المذهب الكاثوليكي يخطأ عندما يقول بثبات عقائده، إذ قد نشأت فيه عقائد جديدة، كالعقيدة القائلة بعصمة البابوات »[36].

وبهذا يبطل اعتقاد الشيعة في العصمة إذ لا مجال لقبولها بمنطق الدين، ولا معصوم بعد رسول الله ﷺ، وهو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.

 

[1] محمود أحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص177، 178).

[2] محمود محمد مزروعة : دراسات في الفرق المنتسبة إلى الإسلام(ج1/ ص 232، ابن سينا بالقاهرة، 2009م).

[3] الموضع نفسه.

[4] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي وموقفه من أهل السُّنَّة (ص134).

[5] خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص178).

[6] العدوي : نظرة في فكر الشيعة(ص66، 67).

[7] صحيح البخاري : قضية التخييرفي تفسير سجدة الأحزاب (جـ2/ ص145، مطابع الشعب).

[8] مصطفي مراد : الفرق الإسلامية المعاصرة (ص180).

[9]طه السواح : التيارالشيعي الإمامي(ص113)، وانظر : تفسير القرطبي (ج14/ ص182)، وتفسير ابن كثير (ج6/ص250).

[10] محمد العسال : الشيعة الإمامية ومنهجهم في تفسير القرآن الكريم(ص516).

[11] له رسالة ماجستير بعنوان (النبي ﷺ وآل بيته بين أهل السُّنَّة والشيعة)، رسالة بقسم الأديان والمذاهب بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة تحت إشراف : أ. جمال فاروق جبريل أ. محمد إبراهيم الجيوشي.

[12] الحسن ياسر الحسن : النبي ﷺ وآل بيته بين السُّنَّة والشيعة الإمامية(ص185).

 

[13] المرجع السابق : (ص185، 186).

[14] محمدحسين الذهبي : التفسير والمفسرون(ج2/ ص 82).

[15] محمود أحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق : ص178.

[16] محمد العسال : الشيعة ومنهجهم في التفسير : ص517، 518.

[17] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل(ص269).

[18] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي (ص102).

[19] محمودأحمد خفاجي : دراسات في نشأة الفرق الإسلامية(ص178).

[20] السابق : (ص178)، وانظر : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة(جـ11/ ص102، ط القاهرة، 1967م).

[21] المرجع السابق، وانظر : الكافي (جـ5/ ص205، كتاب المعيشة، باب العينة)، وتهذيب الأحكام للطوسي(جـ7/ ص53، كتاب التجارات، باب البيع بالنقد والنسيئة).

[22] وعاء ضخم يخمر فيه الخمر : انظر : المعجم الوسيط(جـ1/ ص299، دار الدعوة، تحقيق مجمع اللغة العربية).

[23] الحسن ياسر الحسن : النبي ﷺ وآل بيته : ص186، وانظر : تهذيب الأحكام للطوسي،جـ7 ص53.

[24] السابق : (ص186)، وانظر : الكافي، (جـ6/ ص429، أبواب الأنبذة باب النوادر).

[25] محمود مزروعة : دراسات في الفرق المنتسبة إلى الإسلام (ص 332).

[26] الكليني : الكافي(5ج/ ص346).

[27]وهو كذلك عندنا أهل السُّنَّة، فهو المشهور له بالشجاعة والمبارزة المباشرة مع رؤوس الكفر ومواقفه في بدر والخندق تشهد على ذلك.

[28] طه السواح : التيار الشيعي الإمامي(ص126).

[29] إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة(ص36).

 

[30] ولكن وُجد العكس عند المعاصرين من الشيعة، أخذوا برأي المتأخرين منهم في دعوى العصمة المطلقة للأئمة، والذي يمثل نهاية الغلو والشطط، حيث إن هؤلاء يزعمون أن الأئمة لا يسهون ولا ينسون، وهذا المذهب كان في نظر الشيعة في القرن الرابع بمثل الاتجاه الغالي المتصرف. انظر: القفاري: أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية(ص113).

[31] خفاجي : دراسات في نشأة الفرق(ص178).

[32] المرجع السابق (ص179).

[33] عبد المنعم فؤاد : قضية التأويل بين الشيعة وأهل السُّنَّة(ص227) وما بعدها.

[34] راجع : أحمد شلبي : اليهودية، من سلسلة مقارنة الأديان، (ص227).

[35] المرجع السابق (ص227).

[36] انظر : مبادئ علم الاجتماع الديني (ترجمة د. محمود قاسم، مكتبة الانجلو المصرية، 1951م).

 

  • الاثنين AM 10:42
    2025-04-07
  • 854
Powered by: GateGold