المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 412121
يتصفح الموقع حاليا : 348

البحث

البحث

عرض المادة

هيـــكل ســـليمان

هيـــكل ســـليمان
Solomon's Temple
اشترى داود أرضاً من أرونا اليبوسي ليبني فيها هيكلاً مركزياً، ولكنه لم يشرع هو نفسه في عملية البناء (وتبرر التوراة ذلك بأن الرب منعه من ذلك لوقوعه في خطأ قتل أوريا الحيثي)، فوقعت المهمة على عاتق ابنه سليمان الذي أنجزها في الفترة 960 - 953 ق.م. ولذا، فإن هذا الهيكل يُسمَّى «هيكل سليمان» أو «الهيكل الأول». وحسب التصور اليهودي، قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل موريا، وهو جبل بيت المقدس أو هضبة الحرم التي يُوجَد فوقها المسجد الأقصى وقبة الصخرة. ويُشار إلى هذا الجبل في الكتابات الإنجليزية باسم «جبل الهيكل» أو «تمبل ماونت Temple Mount»، وهو بالعبرية «هر هبايت»، أي «جبل البيت» (بيت الإله).


ومن الصعب الوصول إلى وصف دقيق لهيكل سليمان، فالمصدران الأساسيان لمثل هذا الوصف هما كتاب الملوك الأول (6/8)، والأخبار الثاني (2/4) في العهد القديم، وهما مختلفان في عديد من التفاصيل المهمة. كما أن المصادر الأخرى تعطي تفاصيل تناقض أحياناً تلك التي وردت في هذين المصدرين الأساسيين.

وهيكل سليمان جزء من مُركَّب معماري ملكي يضم قصر الملك ومباني أخرى، مثل: بناء للصناع، وقاعة للاجتماعات، وبهو للعرش، وبـهو للمحكمـة العليا، وبناء كبير للحريم، وبيت لابنة فرعون زوجة سليمان. وكان هذا المركب المعماري ملحقاً به المذبح الصغير الذي يضم تابوت العهد. وكان يحيط بكل هذه المباني فناء واسع. وكان مثل هذه المركبات المعمارية أمراً شائعاً في الشرق الأدنى القديم. وقد أُقيم هيكل سليمان مكان المذبح الصغير، يحيط به فناء مقصور عليه، أعلى من الفناء الخارجي، ومن ثم فهو يفصله عن المركب المعماري الأكبر. وكان أفراد الشعب، أو (العبرانيون أو جماعة يسرائيل) يجتمعون في هذا الفناء في مواسم الحج والمناسبات الأخرى. وكانت هناك عدة بوّابات يمكن دخول فناء المعبد من خلالها. وثمة إشارة إلى البوابة العليا، وبوابة الملك، والبوابة الجديدة، وبوابة المجلس، وبوابة السجن، ولكننا لا نعرف مواقعها الحالية على وجه الدقة. وتبلغ أبعاد هيكل سليمان 90 قدماً طولاً و30 قدماً عرضاً و45 قدماً ارتفاعاً. وهو لا يختلف كثيراً في تقسيمه الثلاثي (المدخل، والهيكل أو البهو المقدَّس، وقدس الأقداس) عن الهياكل الكنعانية. كما تم العثور على هيكل في سوريا، بجوار قصر ملكي يعود تاريخه إلى القرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد، يكاد يكون نسخة من هيكل سليمان.

ولوصف محتويات الفناء (كما يراها المتقدم من الخارج إلى الداخل)، نقول: على يمين الداخل إلى المعبد، ساحة تسميها بعض المراجع ساحة الكهنة. وعلى مقربة من المعبد نفسه، هناك حوض مصبوب من البرونز لحرق الذبائح، وعلى اليسار يوجد حوض يُسمَّى «بحر النحاس» أو «البحر المسبوك»، وهو إناء ضخم قاعدته مكونة من اثنى عشر ثوراً تمثل القبائل العبرانية، وتتجه كل ثلاثة منها إلى إحدى الجهات الأصلية. وكان الكهنة يغتسلون في هذا الحوض، ولكن بعض الباحثين يذهبون إلى أنه ذو دلالة رمزية فقط وليست له أية وظيفة عملية. ويبدو أنه كان هناك أيضاً عشرة أحواض من النحاس تُغسَل فيها الذبائح.


ثم يصعد الداخل عشر درجات (1) (الأرقام تقابل تلك الموجودة في مخطط هيكل سليمان) في مرقاة تفضي إلى رواق معمَّد، وهناك سيجد عمودي ياقين (2) وبوعز (3) يقفان بلا سقف يحملانهما، ويُقال إنهما قد يكونان رمزين لآلهة دينية بدائية قديمة. ويذهب أحد علماء العهد القديم إلى أنهما كانا يُستخدمان كمذبحي نار تُحرَق فيهما شحوم الحيوانات، أو ربما كانا رمزين لشجرة الحياة أو مبخرتين. ويذهب أحد العلماء إلى أن كلمتي «ياقين» و«بوعز» هما أول كلمتين في شعارين ملكيين، أولهما يقول: "ليؤسس (ياقين) الرب عرش داود ومملكته لورثته إلى الأبد"، ويقول الثاني: "بمقدرة (بوعز) الرب سيفرح الملك". كما أن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن العمودين هما رمز الشمس والقمر، أو رمز عمود الدخان وعمود النار اللذين كانا يتقدمان العبرانيين في الصحراء. وبعد العمودين، توجد قاعة المدخل (4) بعداها 25, 16 و32 قدماً، ويُطلَق عليها لفظ «أولام» (والكلمة من الأكادية وتعني الواجهة)، ووظيفتها فصل الهيكل (المقدَّس) عن العالم الخارجي (المدنَّس). ويُوجَد في الواجهة باب المعبد الخارجي الذي يفتح على البهو المقدَّس(5)، والذي يُشار إليه باسم «بيت هامقداش» أي «البيت المقدَّس» أو «بيت أدوناي»، أي «بيت الإله». وهو أيضاً «الهيكل» و«الحرم» و«المقدَّس»، وبعداه 65 و32.5 قدم، وهو الجزء الذي كانت تتم فيه معظم شعائر العبادة القربانية، فكأنها هي الهيكل وما عداها ملحقات.

وكانت حوائط البهو المقدَّس وأرضه مغطاة بخشب السرو، وكانت الحوائط مطعمة بالذهب ومنقوشة عليها صور نخيل وأزهار وملائكة. أما سقفه وأبوابه فكانت من خشب الأرز، يقف على جانبيه عشرة شمعدانات ذهبية (مينوراه)، خمسة عل كل جانب، ويُقال إنها كانت موضوعة على عشر موائد. كما أن الهيكل كان يضم مذبحاً للبخور مطعماً بالذهب (ويُلاحَظ أن الأواني القربانية الموجودة خارج الهيكل مصنوعة من البرونز أو النحاس، أما داخله فمن الذهب، وهو ما يرمز إلى تَزايُد درجات القداسة). وكان الهيكل يضم أيضاً مائدة «خبز التقدمة» أو «خبز الوجه» الذي يُقدَّم لوجه الإله. وهذه عادة وثنية حيث كان الكهان يقومون بإطعام الإله (كما كان الحال عند المصريين القدماء). وكان هـذا الجزء الداخلي من الهـيكل مزوداً بنوافذ، ولا يدخله سوى الكهنة، وإن كان يُسمَح عند الضرورة بدخول عبيد الهيكل للقيام بالأعمال التي لا قداسة لها. ويلي ذلك بابان من خشب الأرز مطعمان بالذهب ويفتحان على غرفة مربعة (32.5× 32.5 قدم) لا نوافذ لها، أرضها أكثر ارتفاعاً من أرض الهيكل، ولذا فإن ارتفاع الحجرة كان 32.5 قدم أيضاً وهو ما يجعلها مكعباً تماماً. هذه الغرفة هي قدس الأقداس (6) التي لا يدخلها سوى كبير الكهنة في يوم الغفران، فينطق باسم يهوه الذي كان محرَّماً على اليهود النطق به. وفي داخل محراب قدس الأقداس نفسه، يوضع تابوت العهد أو تابوت الشهادة، وعلى يمينه ويـساره كان هنـاك تمثالا مـلاكين (كروبين) مذهبان من خشـب الزيتون بارتفـاع 10 أذرع وطـول جنـاح الملاك 5 أذرع، وهما رمز الحماية الإلهية. وتابوت العهد أهم الأشياء الشعائرية لأنه إذا كان الهيكل بيت الإله، فالتابوت هو المكان الذي يرمز إلى وجوده في الهيكل، وإلى حلوله بين الشعب. والهيكل يتجه من الغرب إلى الشرق، وتحيط به مبانٍ من ثلاثة طوابق من جميع الجوانب ما عدا البوابة، وقد كانت هذه المباني مقسمة إلى حجرات وصوامع لتخزين الأواني والكنوز والهدايا بل أحياناً الأسلحة (7). وقد بُني الهيكل على هيئة قلعة الأمر الذي كان يدعم دوره في السياسة المحلية والدولية كمصدر للشرعية.

وكان العبرانيون القدامى يجهلون أصول فنون الهندسة والعمارة وألوان الفنون الأخرى، نظراً لحياتهم البدوية كرعاة، ونظراً لعدم وجود تقاليد حضارية ثابتة لديهم، على خلاف الحال في مصر وبعض البلاد المجاورة. ولكل هذا، فحينما بدأ سليمان في تشييد الهيكل، استجلب المهندسين والبنائين من صيدا وصور، إذ ساعده ملكها وحليفه حيرام فصنع له أواني الهيكل التي قام بتنفيذها رجل نصف يهودي من صور. أما الأعمال التي لا تحتاج إلى كثير من المهارة، فقد حُشد لها 180 ألف عامل (30 ألف عبراني و150 ألف كنعاني، وكان هناك ثلاثة آلاف يعملون رؤساء للعمال). وكان العمال مسخرين على ما جرت به العادة في تلك الأيام. وقد تم استيراد القسم الأعظم من مواد البناء من فينيقيا. وثمة إشارة في العهد القديم، وفي الأساطير الدينية اليهودية، إلى عدم استخدام أية أدوات حديدية في قطع أحجار البناء. وقد كرس سليمان جزءاً كبيراً من ثروة الدولة والأيدي العاملة فيها لبناء الهيكل. ولذا، فبعد الانتهاء منه، قامت عدة ثورات انتهت بانقسام الدولة العبرانية المتحدة وتساقط العبادة القربانية المركزية.

وكما أسلفنا، لا يختلف هيكل سليمان في معماره عن الهياكل الكنعانية التي يبدو أنها تأثرت بالطراز الفرعوني الذي أخذه الفينيقيون من مصر وأضافوا إليه ما أخذوه من الآشوريين والبابليين من ضروب التزيين. ولذلك، فإن الطراز الذي بُني عليه الهيكل يُسمَّى «الطراز الفرعوني الآشوري»، وذلك على عكس هيكل هيرود الذي اتبع أساليب المعمار اليوناني الروماني. وقد كان العبرانيون يعتقدون أن هيكل سليمان إحدى عجائب العالم، لكن هذا كان راجعاً إلى جهلهم بأن هناك معابد مصرية وآشورية عجيبة في ضخامتها.

وقد فقد الهيكل كثيراً من أهميته عند انقسام مملكة سليمان إلى مملكتين صغيرتين (928 ق.م)، إذ شيَّد ملوك المملكة الشمالية مراكز مستقلة للعبادة. فبنى يربعام معبدين أو هيكلين أحدهما في دان بالشمال والآخر في بيت إيل، وجعل فيهما عجولاً ذهبية، واتخذهما مزاراً ملكياً مقدَّساً له. وقد أحاط المعبدين بهالة من القدسية حتى يضرب العبادة المركزية ويحول دون ذهاب مواطني مملكته إلى هيكل القدس. ورغم التحالفات التي كانت تُعقَد أحياناً بين ملوك الشمال والجنوب، فإن الهيكل لم يستعد قَطّ مركزيته القديمة. ومن المعروف كذلك أن أونياس الثالث (أو الرابع)، الكاهن اليهودي الأعظم الذي خُلع من منصبه في فلسطين، فرّ إلى مصر وشيَّد معبداً آخر (في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد) في لينتوبوليس على موقع أحد المعابد المصرية القديمة، وذلك بهدف تقديم الخدمات الدينية للجماعة اليهودية في مصر. وقد تم ذلك بإيعاز من البطالمة لخلق مركز جذب يهودي في مصر يهيمن عليه البطالمة. وكثيراً ما كان ملوك اليهود يضطرون إلى إدخال العبادات غير اليهودية تعبيراً عن تحالفاتهم السياسية. فأنشأ سليمان مذابح لآلهة زوجاته الأجنبيات، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ التوحيد. كما أن العبادات المختلفة كانت تعبيراً عن التبعية السياسية، فقد أدخل منَسَّى العبادة الآشورية تعبيراً عن خضوعه للآشوريين. وهجم فرعون مصر شيشنق على مملكة يهودا ونهب نفائس الهيكل، كما هاجمه يوآش ملك المملكة الشمالية ونهبه هو الآخر. وقد هدم نبوختنصر البابلي هيكل سليمان عام 586 ق.م، وحمل كل أوانيه المقدَّسة إلى بابل.

  • الاحد AM 12:22
    2021-04-18
  • 1504
Powered by: GateGold