المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 426282
يتصفح الموقع حاليا : 271

البحث

البحث

عرض المادة

إنكار أحاديث جواز البصق عن اليسار عند الضرورة في الصلاة

إنكار أحاديث جواز البصق عن اليسار عند الضرورة في الصلاة (*)

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المغرضين الأحاديث النبوية بشأن جواز البصق في الصلاة - عن يسار المصلي أو تحت قدمه - سواء كان ذلك في المسجد أو غيره، والتي منها: ما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه». وغيره من الأحاديث الواردة في هذا الشأن.

ويستدلون على ذلك بأن الإنسان الذي يقف بين يدي ملك أو رئيس، أو حتى مسئول يسأله حاجة، فإن حاله يكون حال الأدب، وعدم حد البصر، فكيف إذا كان يقف بين يدي الله عز وجل؟! فالأمر أعظم وأعظم. ثم إن البصق - ولو في الشارع - فعل قبيح ذميم، ينكر على فاعله ويستقبح فعله؛ لما يثيره هذا الفعل من الاشمئزاز والتقزز، فما بالنا إذا كان البصق أثناء الصلاة، وفي المسجد الذي هو بيت الله؟!!

وقد ساقوا كل ذلك متسائلين: كيف يقبل العقل أن يقر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البصق في الصلاة وداخل المسجد، سواء كان هذا البصق عن شمال المصلي أو تحت قدميه؟!! رامين من وراء ذلك إلى التشكيك في السنة النبوية الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وجه إبطال الشبهة:

  • لقدأثبتتالأحاديثالنبويةالعديدةفيكتبالصحاحوالسننوالمسانيدكراهيةالبصقفيالمساجدمطلقا،وإناستثنىمنذلك - ضرورة - جوازهجهةاليسارأوتحتالقدمين،فإنالاستثناءلاينفيالقاعدة،وهيالمنعللكراهة.

التفصيل:

لقد أكدت السنة النبوية على كراهية البصق في الصلاة والمساجد مطلقا، بل جعلته خطيئة داخل المسجد يجب كفارتها، وإنما أبيح في الصلاة لـمن به عذر وللضرورة، ومن باب رفع الحرج عن المسلمين، ولكن بشروط وقيود محددة.

فلقد جاء التصريح بكراهية البصق في المساجد والصلاة في كثير من كتب السنة المختلفة بطرق صحيحة متصلة مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- منها ما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»[1].

ومنها ما ورد في صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عرضت علي أعمال أمتي؛ حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن»[2].

ويتضح من تلك الأحاديث مدى كراهية البصق في المسجد، فقد عده النبي صلى الله عليه وسلم"خطيئة"، وجعل كفارتها دفنها؛ لتندفع تلك الخطيئة.

ولقد وردت أحاديث أخرى في هذا الباب ظاهرها جواز البصق في الصلاة، ولكنه ليس مطلقا؛ وإنما جاز ذلك لضرورة أو لعذر، وبقيود معينة، فإن لم يكن هناك ضرورة أو عذر فالقول بالمنع مطلقا.

فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى»[3].

وورد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه»[4].

فالأصل في كل الأحاديث هو المنع، ولكن إذا كان هناك عذر فيباح مع شروط وقيود سنوضحها.

فإذا كان المصلي داخل المسجد وغلبه البصاق وبادره، فعليه أن يبصق في ثوبه أو منديله، ويكره أن يبصق على أرض المسجد.

قال الإمام النووي: "وقوله: «وليبزق تحت قدمه وعن يساره» هذا في غير المسجد، أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: البزاق في المسجد خطيئة، فكيف يأذن فيه صلى الله عليه وسلم؟! وإنما نهى عن البصاق عن اليمين تشريفا لها... واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا، سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب: أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم"[5].

وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح: "أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة"[6].

يتضح لنا مما سبق مدى حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- وحثه المسلمين على اجتناب التفل في المسجد؛ فهذا الذي دفع الصحابي أبا عبيدة إلى الرجوع إلى المسجد في الليل المظلم ليدفن تلك النخامة. أما إذا كانت الصلاة خارج المسجد فيجوز البصق عن يسار المصلي أو تحت قدمه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه«أن رسول -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا ووصف القاسم، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض»[7].

قال ابن قدامة في "المغني": وإذا بدره البصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد، فإن أحب فعل ذلك، وإن أحب بصق عن يساره، أو تحت قدمه"[8].

ومما يدل على كراهة البصاق في المسجد «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في القبلة فحكها بيده، ورؤي منه كراهية...» الحديث[9].

فهذا الحديث يدل أولا على تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه يزيل تلك النخامة بنفسه، ثم إن ذلك يدل دلالة قاطعة على كراهية البصق في المسجد إلا للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.

ومن ثم، فالأصل في الحكم هو المنع من البصق داخل المسجد، فلو حصل ذلك اضطرارا، فلابد من كفارة، وهي إبعاد تلك النخامة عن المسجد، إما بالدفن أو الإخراج خارج المسجد، فإن قيل: إن المساجد الآن ليست مفروشة لا بالحصى ولا بالتراب ولا بالرمل، فإذا بصق المرء وقعت نخامته على السجاد؛ فيحصل تلويث وتقذير للمسجد، قلنا: الحل في ذلك بسيط، وهو أن يخرج منديلا فيبصق فيه، أو في طرف الثوب إذا احتاج لذلك، فقد يكون به علة؛ حيث يجتمع البلغم ونحو ذلك، ويسد مجرى التنفس فلا يستطيع القراءة، ولابد من إخراجه، فإذا احتاج إلى البصاق؛ فإنه يبصق عن يساره (في ثوبه)، أو في المنديل، أما البصاق على الأرض تحت القدم اليسرى فهذا محله إذا كان في مكان فيه رمل أو تراب أو نحوه بصق تحت القدم اليسرى، ودلك ذلك حتى يذهب أثره، كما إذا كان يصلي في أرض مكشوفة في الرمل.

وإذا كان عن شماله شخص فعند ذلك يبصق تحت قدمه اليسرى؛ حتى لا يؤذي من بجانبه، وقال ابن حجر: "ولو كان تحت رجله مثلا شيء مبسوط أو نحوه تعين الثوب، ولو فقد الثوب مثلا، فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي عنه"[10].

ومما يقوي القول بمنع البصاق وكراهيته داخل المسجد مطلقا إلا لعذر وبقيود معينة، ما ورد في "فتح الباري": " ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا "[11].

ولقد جاءت الأحاديث في هذا الباب مكملة بعضها بعضا، فلابد من الجمع بين الأحاديث.

فالبصق دون سبب ليس له مسوغ في الإسلام، ويعتبر مكروها شرعا، أما إذا كان البصق لعذر معين؛ كالمرض ونحوه، ولم يكن في الصلاة، فيجوز عن اليسار وتحت القدم فقط؛ تشريفا لجهة اليمين، وتحاشيا للبصق تجاه القبلة، ذلك إذا كانت الأرض رملا أو حصى أو ما شابه ذلك، أما إن كانت من مادة الأحجار وما شاكلها، وفرشت بسجاد مثلا، فيتعين البصق في الثوب أو المنديل مثلا؛ حفاظا على نظافة المكان.

أما إذا استدعى المرء البصق أثناء الصلاة، ففرق هناك بين الصلاة في المسجد، وبين الصلاة خارجه، فإذا كانت الصلاة داخل المسجد، وغلب البصاق المصلي، فإن كان على طرف المسجد جاز له البصق يسارا، بحيث يقع البصق خارج المسجد، وإن لم يكن فعليه أن يبصق في ثوبه أو منديله قولا واحدا.

وإذا كانت الصلاة خارج المسجد، فهو بالخيار، إما أن يتفل في ثوبه أو منديله - مثلا، أو أن يتفل عن يساره إذا كانت الأرض رملا أو حصى أو نحوه، ثم يدلكه حتى يغيب أثره.

هذا ما جاءت به الأحاديث مجتمعة، فهل يعقل بعد كل هذا أن يقال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أجاز البصق في المسجد مطلقا، وأرخى لنا الحبل على الغارب؟!

وبهذا يتبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جعل لمن تفل في المسجد كفارة لابد أن يؤديها، ووصف هذا الفعل بأنه " خطيئة "، علاوة على حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على حك ومسح ما وجده من بصاق في المسجد، ألا يوحي كل هذا بما يريد أن يرسخه النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوسنا من الطهارة والنظافة، ناهيك عن طهارة المساجد التي هي بيوت الله في الأرض.

فالعجب كل العجب لمن خلع عن نفسه رداء التقوى والحق، واتخذ رداء الكذب والافتراء والدس، وإنكار الحقائق، أما كان أولى لهؤلاء أن يعملوا عقولهم في الأحاديث برهة، بدلا من إنكارها والطعن فيها تحت شعارات باطلة خبيثة، فكلمتهم كلمة حق أريد بها باطل.

ثم إنهم قد ضربوا صفحا عن تلك الأحاديث التي جاءت صريحة في كراهة البصاق داخل المسجد، وأخذوا يثبتون آراءهم وأبحاثهم على تلك الأحاديث التي جاءت في إجازته لعذر أو ضرورة؛ فهذه خيانة للبحث العلمي والمنهجي، ناهيك عن خيانة المصطفي -صلى الله عليه وسلم- بإنكار ما صح عنه في أصح كتب الحديث، فما هو إلا حق أريد به باطل، وما أراني إلا أن أتوجه إلى صاحب تلك الافتراءات المزعومة بقول الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليوهنها

 

 

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

 

فإن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على بث وترسيخ الطهارة والنظافة في نفس كل مسلم، ولا غرابة في ذلك «فالطهور شطر الإيمان...» الحديث[12]، كما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- وبذلك يتضح ضعف الدعوى وبطلانها.

الخلاصة:

  • إنالجمعبينالأحاديثالتيجاءتتجيزالبصاق في الصلاة في المسجد، وتلك التي تمنعه وتجعله خطيئة - أمر لا غنى عنه؛ فالأحاديث يكمل بعضها بعضا، وبالجمع تحصل الفائدة، ويتضح المراد والغاية.
  • إنحكمالبصاقفيالمسجدهوالمنعوالكراهة،كماجاءفيالأحاديثالصحيحة،حتىأنه -صلىاللهعليهوسلم- قدوصفهذا الفعل بالخطيئة التي يجب كفارتها بدفنها، أو إزالتها إذا تعذر الدفن.
  • يجوزللمصليداخلالمسجدأنيبصق - عندالضرورةوالعذر - عنيسارهإنكانفارغا،أوتحتقدمه،ذلكإذاكانفرشالمسجدمنرملأوحصىأوماشابهذلك،بحيثيدفنهافيالرملويزيلأثرها.
  • يتحتمعلىمنيصليداخلالمسجدالذيأرضيتهمنرخامأوبلاطأوماشابهذلك؛كالسجادونحوه - أنيبصقفيطرفثوبهأوفيمنديل؛حتىلايلوثالمكان،وهذايصدقعلىمنيصليخارجالمسجد.

تلك هي أحكام البصاق عند الحاجة أو لعذر ما، فإذا انتفى العذر، فالقول بالمنع والكراهة مطلقا.

  • إنإرشاداتالنبي -صلىاللهعليهوسلم- بشأنالبصاقعموما،لهيمنأقوىالأدلةوآكدهاعلىأهميةالطهارةوالنظافةفيالإسلام.

 

 

 

(*) دفاعا عن رسول الله، محمد يوسف، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2008م.

[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: البزاق في المسجد، (1/ 609)، رقم (415). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، (3/ 1120)، رقم (1210).

[2]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، (3/ 1120)، رقم (1211).

[3]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: حك البزاق باليد من المسجد، (1/ 606)، رقم (406). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، (3/ 1119)، رقم (1201).

[4]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب: الصلاة، باب: ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، (1/ 609)، رقم (413). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، (3/ 1119)، رقم (1208).

[5]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (3/ 1121).

[6]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (1/ 610).

[7]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، (3/ 1119)، رقم (1206).

[8]. المغني، ابن قدامة المقدسي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، القاهرة، 1412هـ/ 1992م، (2/ 400).

[9]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه، (1/ 611)، رقم (417).

[10]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (1/ 608).

[11]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (1/ 608).

[12]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء، (2/ 720)، رقم (523).

  • الاحد PM 03:50
    2020-10-18
  • 1564
Powered by: GateGold