المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418785
يتصفح الموقع حاليا : 288

البحث

البحث

عرض المادة

الحكومة الدينية

ليس في الإسلام «رجال الدين» بالمعنى الطبقي الاجتماعي أي: طبقة معينة لها مميزات خاصة وامتيازات معينة، ولها الحق وحدها في معرفة الحقيقة المطلقة، وأنها تحكم بتفويض إلهي (1).

والحكومة الدينية المسيحية أو الحكومة الإلهية أو الحكومة التيوقراطية التي نشأت في الغرب تتميز بعدة خصائص، منها (2):

- أفرادها من الكهنة ورجال الدين.

- رجال الدين هم وحدهم لهم الحق في التحدث باسم الله.

- هم يحكمون بتفويض من الله، وبالحق الإلهي الذي يخول لهم التصرف في أرزاق الناس وتشريعاتهم ومصائرهم.

- لا يجوز لأحد مهما بلغ من العلم أن يخالف آراء رجال الدين لأنهم يمتلكون وحدهم الحق المطلق، ولو في العلوم التجريبية والفلكية والطبية.

وأما في الإسلام فالحاكم مدني.

ولا يدعي أنه يحكم بتفويض إلهي، أو أنه يحكم باسم الله بمعنى النيابة عنه (3).


(1) وانظر تهافت العلمانية (12 - 240) والدولة الإسلامية (14).
(2) انظر تهافت العلمانية (230 - 240).
(3) انظر في عدم قداسة الخلفاء: سقوط الغلو العلماني (93) وفي عدم مشابهة الخلافة الإسلامية للبابوية: الإسلام بين التنوير والتزوير (145).

والفرق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية أن الدولة الإسلامية تكون ذات مرجعية إسلامية أي منضبطة بضوابط الشريعة، والحاكم فيها يخطئ ويصيب، ولا يتحدث أحد باسم الله ونيابة عنه إلا الأنبياء.

والقول بحاكمية الشريعة لا يعني الحكومة الدينية كما توهم بعض الكتاب، لأن الحاكمية لا تعني أن يباشر حكام بأعيانهم سلطانا من الله على الناس كما كان في أوروبا، بل تعني أن تكون شريعة الإسلام هي مصدر التشريع، وأن الحكم للخليفة الذي بايعته الأمة وفق مبدأ الشورى (1).

إذن فالدولة الدينية نمط من أنماط الحكم التي تميزت بها أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، والتي لم تعرف لها في بلاد الإسلام مثيلا.

والدولة الإسلامية لها خصائص ومميزات تفارق فيها الدولة الدينية والدولة العلمانية.

من هنا يتضح أننا إزاء ثلاثة أنواع من الحكم:

- الدولة الدينية، دولة الكهنة ورجال الدين، الذي يحكمون بتفويض إلهي ونيابة عن الله.

- الدولة العلمانية.

- والدولة الإسلامية التي تتميز بإسلامية المرجعية ومدنية النظم (2).

وعليه فليس الأمر كما يزعم العلمانيون أننا أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما العلمانية، وفصل الدين عن الدولة.

وإما السلطة الدينية، التي تجعل للحكام فيها ولقوانينها قداسة الدين.


(1) انظر تهافت العلمانية (275).
(2) الشريعة الإسلامية (39).

بل لإسلامنا نهج خاص وطريق وسط (1).

كثير من العلمانيين يحاولون تصوير علاقة الدين بالسياسة في المجتمعات الإسلامية كأنها تتلخص في سيطرة رجال الدين والمعممين على شؤون الحكم وعالم السياسة، بينما واقع الحال يشهد على تسلط الدولة على الدين ومؤسسات المجتمع والاستيلاء على مقدراته الرمزية والمادية (2).

وقد ذكر إدوارد مورتيمر البريطاني في كتابه «الإسلام والدولة» أن الإسلام دين ودولة، وأنه لا يعد مسلما من ادعى أن من حقه أن يختار شريعة أخرى أو قانونا آخر غير الإسلام، وأكد أنه لا يوجد في الإسلام نظام الحكومة الدينية في أوروبا، فلا صلة أبدا بين التشريع الإسلامي وحكومة الكنهوت في أوروبا. وقد شهد بهذا علماء من النصارى منهم الدكتور نظمي لوقا في كتابه محمد الرسول والرسالة (3).

وقد شهد بهذا كذلك من العلمانيين عادل الجندي، أي بعدم وجود كنهوت في الإسلام (4).

وأكد نصر حامد أبو زيد أن الدولة الدينية لم تقم أبدا في تاريخ المجتمعات الإسلامية إلا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران (5).


(1) الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية (7).
(2) في العلمانية والدين والديمقراطية (133).
(3) تهافت العلمانية (57).
(4) العلمانية مفاهيم ملتبسة (320).
(5) العلمانية مفاهيم ملتبسة (239).

وخالف أحمد عصيد إخوانه أصحاب المفاهيم الملتبسة، فزعم أن في الإسلام كذلك كان يحكم بالحق الإلهي أي الدولة الدينية (1).

وعصيد في هذا محكوم بموقف إيديولوجي أكثر منه ببحث علمي.

ونشير هنا إلى خالد محمد خالد الذي حاول تشبيه الحكم الإسلامي بالنظام التيوقراطي في كتابه «من هنا نبدأ» ورد عليه محمد الغزالي بكتاب «من هنا نعلم». لكن عاد خالد محمد خالد فتراجع عن أفكاره في كتاب الدولة في الإسلام، وبين بطلان الحكم بالحق الإلهي في الإسلام.

تصرف الحاكم المسلم في ظل الحكم الإسلامي ليس مقدسا. وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على هذا، وهي من الوضوح في تاريخنا بحيث لا تحتاج إلى بحث ولا تنقيب لمعرفتها.

ومع هذا طالما لهج العلمانيون برفعها فزاعة في وجه الإسلاميين، كما فعل العلماني السوداني عبد الله أحمد النعيم في الإسلام وعلمانية الدولة (30).

ولبلوغ هذا الهدف أصل النعيم أصلا باطلا، ثم بنى عليه بناء صحيحا، موهما أن الأصل الذي بنى عليه صحيح مثله.

فأصَّل أولا أن السياسي إذا طبق الإسلام يعني أنه أصبح مقدسا.

والنتيجة أنه إذا أصبح مقدسا أو عمله مقدسا فتنتفي المعارضة والتقويم.


(1) نفس المرجع (340).

وكل هذه التأصيلات غربية قرأها النعيم في تاريخ أوروبا، ولكثرة وجوده في أوروبا وأمريكا ظن أن كل بلاد الدنيا هكذا، أو على الأقل يحاول أن يغالطنا. .

فمن أين له أن الدولة إذا طبقت الإسلام تتحول إلى دولة مقدسة؟ هل في الإسلام ما يثبت ذلك؟ أم في تاريخ الدول الإسلامية ما يثبت ذلك؟ أم في الإسلاميين من يقول ذلك؟ أم أن الفكر الغربي طغى عليه حتى فَقَد ضوابط التمييز بين ما هو إسلامي وما هو غربي.

وإذا كان الخطاب العلماني يتهم الخطاب الإسلامي برفع شعار «لا حكم إلا لله» وأنه شعار يخفي وراءه دولة دينية قامعة للحريات تحكم بالحديد والنار ومحاكم التفتيش. فإن الخطاب العلماني يرفع شعارا متشابها: لا حكم إلا للعلمانية، الذي يتمترس خلف الإقصاء وتجفيف المنابع بل واستئصال الدين من الحياة وإقامة المحاكم العسكرية لمحاربة المتدينين. فقد أكدنا في غير ما موضع أن العلمانية ليست حركة محايدة ونواياها ليست شريفة تجاه الدين كما توهم الخطابات العلمانية، والدليل هو الواقع المعاش منذ الثورة الفرنسية وإلى الآن (1).


(1) الحركات الإسلامية.

 

  • الخميس PM 03:45
    2022-08-04
  • 1018
Powered by: GateGold