المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418783
يتصفح الموقع حاليا : 271

البحث

البحث

عرض المادة

تحريف العقيدة

[مقدمة]

عرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يأل أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، ولكن أسباباً تاريخية -لا مجال لبحثها الآن- أدت إلى اعتناق الامبراطور "قسطنطين" للدين الجديد، ودعوته لعقد أول مجمع مسكوني مسيحي هو مجمع نيقية سنة (325)، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للامبراطورية الرومانية.

وقد حظي الدين الجديد بإقبال فائق وجاذبية شديدة من قبل شعوب الامبراطورية، مما حدا بالمؤرخين (1) إلى تعليل ذلك بأسباب شتى نختار منها ما ذهب إليه باحث أميركي معاصر:

1 - العنصر التوفيقي: فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية، وفي قصة إيزيس، وقصة مترا، وفي اليهودية وفي العقائد


(1) انظر: مثلاً: معالم تأريخ الإنسانية، ويلز، (ج: (3)، وحياة الحقائق، لوبون (ص:68)، بالإضافة إلى أفكار ورجال (المثبت أعلاه).

الأخرى آنذاك: نماذج لكل ما اعتقد فيه المسيحيون كطقوس الطهارة، والإله الذي يموت ثم يبعث، والعذراء التي تحمل (1) ويوم الحساب وحفلات الربيع وحفلات الانقلاب الشتوي والشياطين والقديسين والملائكة.

2 - إن المسيحية بما وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم وآلام، أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للعامة في الامبراطورية المتداعية، إذ يرون فيها طريقاً خلاَّباً للهروب من عالم لا يحبونه، وإذن فقولنا: إن المسيحية ديانة الضعفاء والبسطاء والمظلومين قول صادق والأناجيل مصرحة بذلك.

3 - إن القواعد الدينية للمسيحية بلغت درجة من التعقيد، تكفي لأن تجتذب رجالاً من ذوي الميول الفلسفية، وإذن فإن عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية القرن الثاني اتحاداً قوياً بالتقاليد الفكرية الإغريقية.

4 - رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، والاضطهاد عندما يبلغ درجة معينة يقوي الفئة المضطهدة، ويدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكاً وأكثر نظاماً (2).

5 - يضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم وهو حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة.

وعلى أية حال، فقد دانت أوروبا بالمسيحية منذ سنة (325) وما زال العالم الغربي إلى اليوم يعتقد أنه عالم مسيحي، أو على الأقل كان كذلك يوماً من الأيام، لكن السؤال المهم هنا هو: هل هذه


(1) ورود حمل العذراء في الأساطير لا يدل على أنها خرافة محضة، بل إن الخيال البشري تخيل ذلك على أنه أعجوبة خارقة، ثم حققها الله تعالى في مريم عليها السلام لتكون معجزة إلهية.
(2) انظر: أفكار ورجال: جرين برنتن، (ص:202 - 208).

الديانة المعتنقة هي الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟

وبتعبير آخر: هل دانت أوروبا بالدين الحق لله تعالى، وعبدته حق عبادته، وعرفته معرفة صحيحة في أي مرحلة من مراحل تاريخها؟

إن أي مؤرخ أو باحث يلقي نظرة سريعة فاحصة على الحقبة التي شهدت ميلاد الدين النصراني، سيرى أن منطقة حوض البحر الأبيض كانت تموج بعقائد وأفكار متباينة نذكر منها:

1 - الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها فلسطين، حيث ولد المسيح وأرسل.

2 - العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان (1).

3 - الأفلاطونية الحديثة:، وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:

- المنشئ الأزلي الأول.

- العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.

- الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل (2)، وكان موطنها الإسكندرية.


(1) انظر: معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 706).
(2) انظر: محاضرات في النصرانية: (38 - 39).

4 - الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:

- حورس، الذي كان ابناً لسيراييس.

- سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.

- إيزيس، والدة حورس (1).

5 - الوثنية الرومانية: ديانة الامبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:

- التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس).

- عبادة الامبراطور، إذ كان الأباطرة يدعون الربوبية، و"كان تأليه الحاكم تقليداً هلنستياً" (2).

- تقديس الصور والتماثيل وعبادتها (3).

6 - أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني (4).

ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:

1 - الإيمان بالتوراة اليهودية.

2 - اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.

3 - التثليث.


(1) انظر: معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 708) وحرية الفكر: سلامة موسى (38).
(2) المصدر السابق: (717) وتاريخ العالم: هاملتون: (3/ 588)، والهلنستية بإيجاز "الإغريقية الحديثة".
(3) انظر: قصة الحضارة: ديورانت (10) الفصل السابع.
(4) تاريخ العالم: (3/ 589).

4 - الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).

5 - تقديس الصور والتماثيل.

6 - الهروب من الحياة (الرهبانية).

ومن أول نظرة نلقيها على هذه الدعائم الست نرى أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الكنسي ولب تعاليمه التي سيطرت على الفكر الأوروبي ردحاً طويلاً من الزمن، وقد يدهش المرء لهذه النتيجة- رغم تسليمه بصحتها- ويتساءل: أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مركب من خرافات ووثنيات متضاربة؟ وإذ أمكن ذلك فمن الذي قام بعملية التحول هذه؟ وأعجب منه: كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها وهي على هذه الحال؟

إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات، بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح:

1 - المسيحية الأصلية، أو "مسيحية يسوع".

2 - المسيحية الرسمية، أو "مسيحية بولس".

ويعنون بهذه العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325) وهي المزيج المشار إلى مركباته آنفاً.

يقول برنتن: "إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية -العقيدة الرسمية- في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً" (1).


(1) أفكار ورجال (207).

أما المؤرخ الإنجليزي ويلز، فيقول: "من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقية التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري، فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلباً كسيراً خاشعاً، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة، بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل -كنواة لها- كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقربه قديس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نحل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية، فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديدة بأعيانها" "ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق" (1).

وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين، فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل" أسقف كنيسة كنتربري وحبر أحبار إنجلترا، حيث يقول:


(1) معالم تاريخ الإنسانية: (720، 693). وبعض الكتاب أنكر وجود المسيح كلية. انظر: محاضرات في النصرانية: (42)، ولكن هذا مما لا يلتفت إليه.

"إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها" (1).

وليس هذا الكلام فلتة من الحبر الكبير، أو سهواً غير مقصود، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها.

وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوروبا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله، أو اعتنقت المركب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين، واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك.

إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة قد ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح -عليه السلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له، ولقد كان "ليكونت دي نوي" صادقاً عندما قال: "إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية، والتفسيرات التي قدمها، والتي ابتدأت منذ القرن الثالث بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية، كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين" (2).

هذا، وليس من أهدافنا في هذا البحث التهجم على الكنيسة وفضح تصرفاتها، ولا كذلك تبرير التمرد الذي أعلنته أوروبا على خالقها في أثناء ثورتها على طغيان الكنيسة، لكن هدفنا هو الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، لا سيما وأن القضية قضية إنسانية عامة، تعدت نطاق أوروبا إلى العالم كله، وصَلَيْنَا -نحن المسلمين خاصة- نيران آثارها السيئة منذ الحروب الصليبية، بل منذ ظهور الإسلام إلى اليوم.

وعلى هذا الأساس سنستعرض موضوع تحريف المسيحية عقيدةً وشريعةً معتمدين أساساً على الباحثين النصارى أنفسهم وعلى المصادر الكنسية.

أولاً: تحريف العقيدة:

أ- قضية الألوهية:

إن قضية الألوهية لتأتي في طليعة المعضلات الفلسفية العريضة التي شغلت أذهان الفلاسفة والمفكرين قروناً طويلة، لا سيما ما يتعلق بتصور الإله وصفاته، حيث تفاوتت التصورات المنحرفة، فأوغل بعضها في التجريد حتى وصل إلى درجة المعميات والألغاز المبهمة، وسفل بعضها في التجسيم حتى هبط إلى مستوى الجمادات والمخلوقات التافهة، وقد كانت البشرية في غنى عن هذا التخبط والضلال، لولا أنها ضيقت على نفسها، وحاولت بلوغ الحقيقة من غير طريقها، ولم تكن بحاجة إلى الخوض في هذه القضية بتاتاً لو أنها استلهمت الفطرة الكامنة في أعماقها، واستقت معرفتها بالله من طريق الوحي الإلهي نفسه، واستبدلت بتخرصات الفلاسفة وتحريفات الكهان تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ولو جاز أن نتلمس عذراً لأحد من التائهين في هذه القضية، لالتمسناه للأمم التي انقطع عنها الوحي فترات طويلة، أو للذين لم تقع أعينهم على شيء من آثار الأنبياء، أما إذا كان المتخبطون ممن يستطيعون أن ينعموا بنور الحقيقة، لكنهم آثروا عليه الإدلاج في الظلمات، فما عذرهم حينئذٍ؟!

 

 


(1) الجفوة المفتعلة بين العلم والدين: (11).
(2) المصدر السابق: (15 - 16).

لكم تكون الخسارة فادحة لو أن عالماً من جهابذة الطب كتب أروع بحث علمي في فنه، وأوصى خادمه بحفظه، لكن الخادم عبث به، فقدم وأخر، وشطب وأضاف، حتى حوله إلى خزعبلات سخيفة .. فكيف إذا كان موضوع العبث هو الوحي الإلهي الذي لا تستقيم بغيره حياة ولا تصلح بسواه دنيا ولا آخره؟!

إن المسيح-عليه السلام- قد بعث في بيئة تعج بركام هائل من الخرافات والوثنيات - ذكرنا بعضها قريباً - وجاء كأي نبي مرسل لينقذ قومه من هذا الركام، ويهديهم إلى التوحيد الذي دعا إليه سلفه من الأنبياء، ولا شك أنه قام بمهمته خير قيام، وكان عليهم شهيداً ما دام فيهم، فلما توفاه الله حدث من أتباعه ما لم يكن في الحسبان من تحريف ونكوص.

وعملية التحريف التي استغرقت زهاء عشرة قرون -بل نستطيع أن نقول: إنها لم تتوقف حتى الآن- بدأت مبكرة حين كان الحواريون لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها ابتدأت بموضوع ليس بالهين، وهو القول بأن للمسيح طبيعة إلهية، مع أن سيدنا عيسى عليه السلام- كما تعترف دائرة المعارف البريطانية- "لم تصدر عنه أي دعوى تفيد أنه من عنصر إلهي أو من عنصر أعلى من العنصر الإنساني المشترك" (1).

وتتفق المصادر التاريخية -فيما نعلم- على أن اليد الطولى في التحريف كانت لمبشر من أتباع الحواريين، تسميه المسيحية المحرفة " بولس الرسول "، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة، مدعياً أنه"ابن الله" (2) تعالى الله عن ذلك، وكانت هذه الدعوى البذرة الأولى للتثليث.


(1) عن الجفوة المفتعلة بين العلم والدين: (15).
(2) انظر: رسالة بولس إلى أهل رومه صح (1/ 4 - 5).

بولس:

الاسم الأصلي لبولس هو " شاؤل" وهو كما يبدو من سيرته شخصية تآمرية ذات عبقرية عقائدية، ويظهر أنه كان ينفذ تعاليم المحكمة اليهودية العليا "سانهدرين "، حيث كان أستاذه عمانوئيل أحد أعضائها (1).

وقد اشتهر أول حياته باضطهاد المسيحيين (2)، ثم تحول فجأة ليصبح الشخصية المسيحية الأولى والقطب الكنسي الأعظم، ومنذ ظهوره إلى الآن لم يحظ أحد في تاريخ الكنيسة بمثل ما حظي به من التقديس والإجلال، إلا أن "أحرار المفكرين" الأوروبيين لم يخفوا عداوتهم له، حتى أن الكاتب الإنجليزى " بنتام" ألف كتاباً أسماه " يسوع لا بولس"، ومثله " غوستاف لوبون" في " حياة الحقائق". أما المؤرخ " ويلز " وهو من المعتدلين - فقد عقد فصلاً بعنوان "مبادئ أضيفت إلى تعاليم يسوع "، قال فيه: "وظهر للوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من النقاد العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو شاؤل الطرسوسي، أو بولس، والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك! ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهلينية، وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهيلنستية، وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل ..


(1) انظر: محاضرات في النصرانية: (84)، والسنهدرين محكمة يهودية خفية تخطط منذ القدم لمستقبل اليهود، وتعمل للقضاء على عقائد وأخلاق الأميين ونهب أموالهم، ومقرها الحالي أميركا، وجهازها التنظيمي الأعلى يسمى "كيهيلا" أما منهجها العملي فيسير وفق تعاليم التلمود.
(2) انظر: أعمال الرسل صح (8، 9).

ومن الراجح جداً أنه تأثر بالمثرائية، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية، ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تبدو قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قرباناً لله كفاره عن الخطيئة، فما بشر به يسوع كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء طلباً لاسترضاء الإله". ". ولم ير بولس يسوع قط، ولا بد أنه استقى معرفته بيسوع وتعاليمه سماعاً من التلاميذ الأصليين، ومن الجلي أنه أدرك الشيء الكثير من روح يسوع ومبدأه الخاص بالميلاد الجديد، بيد أنه أدخل هذه الفكرة في صرح نظام لاهوتي، ذلك بأنه وجد الناصريين ولهم روح ورجاء، وتركهم مسيحيين لديهم بداية عقيدة" (1).

ولندع الآن كل التأثيرات والثقافات التي عرفها بولس، باستثناء واحدة منها هي "لاهوتيات الإسكندرية" التي كان متبحراً فيها، ومعلوم أن هذه اللاهوتيات هي المدرسة الفلسفية المسماة " الأفلاطونية الحديثة " التي أشرنا سابقاً إلى عقيدتها الثالوثية، وعنها نقل بولس فكرة التثليث " ((يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)) [التوبة:30] " والتعديل الذي أدخله على الأفلاطونية شكلي فقط، فالمنشئ الأزلي الأول فيها يقابله عنده الله "الأب" والعقل المتولد عن المنشئ الأول يقابله عنده يسوع "الابن "، والروح الكلي يقابله "روح القدس"، ثم إنه سار شوطاً أبعد من ذلك، فاستعار من المثرائية فكرة الخلاص، وجعل القربان الضحية هو الأقنوم الثاني "الابن". ثم إن الكنيسة أكملت المسيرة فأضافت إلى فكرة الخلاص فكرة تقديس الخشبة التي صلب عليها


(1) معالم تاريخ الإنسانية: (3/ 705 - 706).

المخلص، وهكذا تتابعت البدع واحدة في إثر الأخرى، وكان نتيجة ذلك أن دفنت التعاليم الأصلية بطريقة تكاد تكون غير محسوسة تحت تلك الإضافات المألوفة (1).

بهذه الطريقة، وبغض النظر عن الأهداف والدوافع الخفية، هدم بولس عقيدة التوحيد، وأوقع أتباع المسيح فيما كان قد حذرهم منه أبلغ تحذير، واكتسبت تعاليم بولس الصفة الشرعية المطلقة بقيام أحد أتباعه بكتابة الإنجيل الرابع المنسوب إلى يوحنا الحواري، والذي قال عنه جيبون: "أنه فسر نظرية الكون الأفلاطونية تفسيراً مسيحياً، وأظهر أن يسوع المسيح هو الكيان الذي تجسد فيه الكلمة أو العقل ( Logos) الذي تحدث عنه أفلاطون والذي كان مع الله منذ البدء" (2).

على أنه من الإنصاف أن نذكر أن الثلاثة القرون الأولى التي تسميها الكنيسة عصر الهرطقة شهدت صراعاً محتدماً بين أتباع بولس وأثانسيوس، وبين منكرة التثليث وعلى رأسهم " آريوس"، ولم يكتب النصر النهائي للثالوثيين إلا في مجمع نيقية، مع أنهم كانوا أقلية فيه.

يقول برنتن: "وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد، ونستطيع أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة بين يسوع والإله الواحد -الإله الأب- مثلاً لعصر الهرطقة كله، وأخيراً قبلت المسيحية الرسمية في عام (325) في مجلس نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث أو ما نادى به أثانسيوس، والثالوث "الله


(1) المصدر السابق: (3/ 709).
(2) اضمحلال الإمبراطورية الرومانية (1/ 611).

الأب، ويسوع الابن، والروح القدس"، طبقاً لهذه العقيدة: أشخاص حقيقيين، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو على الرياضيات (1).

وهنا، عند هذه النقطة خاصة تصطدم آراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطداماً مباشراً، فمهما حاول أي عقل بشري أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، فإنه لا يستطيع إطلاقاً، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد ...

لقد ظل العقل البشري يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلي قاتل وهو: كيف أصدق أن 1 + 1 + 1 = 1؟

فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك سر لا يستطيع العقل إدراكه.

هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه، لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري (2) وكذلك القديس توما الأكويني (1274)، فهو "يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله ( Essence) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم، ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان" (3).


(1) أفكار ورجال.
(2) قصة النزاع بين الدين والفلسفة، توفيق الطويل: 83، وانظر سلسلة تراث الإنسانية (648، 662).
(3) المصدر السابق: (87).

وهكذا كان رأي الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادي الذي أدان رأي أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار (1) ولا يزال هذا هو رأي الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك؟

حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي، فالقس باسيلوس يقول: "إن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا، ولكن عدم إدراكه لا يبطله".

وزميله توفيق جيد يقول: "إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكاراً من عندياتنا" (2).

من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا سر ويا ليت أنه كان السر الوحيد، ولقائل أن يقول: إن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها، ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقاً بين ما يحكُم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه، والإسلام وإن كان فيه الأخير، فإنه يخلو تماماً من الأول، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً (3).

إن الكنيسة بتبنيها لعقيدة التثليث قد فتحت على نفسها ثغرة


(1) المصدر السابق: (89).
(2) الله واحد أم ثالوث: مجدى مرجان: (11).
(3) مستفادة من محاضرة شفوية للشيخ الغزالى للسنه المنهجية (96 - 1393هـ) ثم وجدت مثلها في شرح الطحاوية: (247).

واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة، وكانت هذه العقيدة وأضرابها، المقومات الأساسية للفكر اللاديني الذي تستر بستار "النقد التاريخى للكتب المقدسة" ابتداء من القرن السابع عشر، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف الفرنسي " رينان" الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه: "إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي، كما كان يفهمه هو، أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهد القديم، وبولس، كما لا يخفى، كان رسولاً للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده، ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي والمستمسكة بها جميع الكنائس، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار: موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله" (1).

وإذا كان التثليث يتصف بهذه الصور العقيمة المستغلقة، وإذا كانت الكنيسة تعلم أنها لم تستطع -ولن تستطيع- حلّ هذه المعضلة


(1) عن محاضرات في النصرانية: (215).

-بل إنها غير مقتنعة في نفسها بما تقدم من حلول- فلم هذا الإصرار على تلك العقيدة؟ أهو التقليد الأعمى أم شهوة التسلط على العقول والقلوب؟

إن أحد هذين أو كليهما، لا مرية فيه، لكن الكنيسة تماري زاعمة أنها تتبع روايات العهد الجديد وشروحها.

وهنا نجد مرة ثانية، أن الكنيسة تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها، فإن منكري التثليث إنما ينكرونه لاعتقادهم أن الكنيسة هي التي أضافته إلى نصوص الأناجيل أو فهمته خطأً من ثناياها، وحينئذٍ تحتاج الكنيسة إلى إثبات صحة الأناجيل وصحة استدلالها منها، وأنَّى لها ذلك؟!

أما احتجاج منكري التثليث على الكنيسة بأنها أقحمت العبارات الدالة على التثليث في صلب الأناجيل، فإن له ما يسوغه، وهذا أحد الأمثلة عليه:

في الفصل الخامس من رسالة يوحنا الأولى نجد هذه العبارات: "إن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الأب، والكلمة، والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم، والثلاثة هم في الواحد" فالمحققون من علماء النصارى أمثال كريسباخ وشولز وآدم كلارك، وحتى المتعصبين مثل: هورن، يرجحون أن أصل العبارة هكذا: "وأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم: الروح، والماء، والدم" غير أن معتقدي التثليث أضافوا إليها عبارة " هم في السماء ثلاثة ... إلخ " حتى أصبحت العبارة بهذه الإضافة دليلاً من أدلة الكنيسة على التثليث، ومما يؤيد قول هؤلاء أن المصلح الكنسي " مارتن لوثر " لم يترجم هذه العبارة إلى الألمانية عندما ترجم العهد الجديد إليها (1).


(1) انظر: إظهار الحق الشيخ رحمة الله (257، 260).

وأما اعتقادهم أن الكنيسة فهمت التثليث خطأ من نصوص الكتب المقدسة، واستنبطته من تأويل بعض عبارات الأناجيل القائلة " أبي": "ابن الله" وأشباهها، فليس بأقل قوة من سابقه، وقد نبه إلى ذلك جرين برنتن، فقال: "يستطيع المرء إذا أخذ بالتفسير الطبيعي لمصادر العهد الجديد أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية قط، وأن مثل هذه العبارات (أي: أبي وابن الله) إنما رويت محرفة، أو استعملت مجازاً أو كانت هذا أو ذاك" (1).

ومن اليسير علينا تأييد هذا الرأي بما ورد في الأناجيل والرسائل من إشراك سائر الناس مع المسيح في إطلاق هذه العبارات عليهم وعدم اختصاصه بهذه الصفات جاء ذلك في مواضع كثيرة، منها:

1 - "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا، بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله" (2).

2 - في إنجيل متى يقول المسيح: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (3).

وفيه أيضاً يقول المسيح للتلاميذ: "صلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك" (4).

4 - يقول في إنجيل لوقا: "ومن اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله" (5).

وفي متى عنه: "إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته".

هكذا نجد في العهد الجديد نصوصاً كثيرة تصف الناس جميعاً -المسيح وغيره- بأنهم أبناء الله، وهو معنى مجازي قطعاً، وتصف المسيح بأنه " ابن الإنسان " ويمكن درء التعارض بينها بشأن المسيح برد نصوص المجاز إلى الحقيقة لأنها هي الأصل، وبذلك لا يكون للمسيح عليه السلام أية ميزة، عدا كونه رسولاً، إلا أن القدرة الإلهية خلقته من أم (بلا أب).


(1) أفكار ورجال: (177).
(2) رسالة يوحنا الأولى صح (5/ 1 - 3).
(3) صح (5/ 10).
(4) صح (6/ 10 - 11).
(5) صح (12: 9).

ولكن الكنيسة تماري في هذه الحقيقة الساطعة مستدلة بالأناجيل، لاسيما إنجيل يوحنا، مما يجعل الباحث ينقب عن حقيقة الأناجيل ذاتها ومدى حجيتها على هذه القضية وغيرها (1).

ب. تحريف الأناجيل:

ليس ثمة شك في أن الله -تبارك وتعالى- إنما أنزل على المسيح -عليه السلام- إنجيلاً واحداً مكملاً للتوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وما من شك أيضاً في أن المسيح حين هتف ببني إسرائيل: " قد كمل


(1) بمناسبة الحديث عن التثليث نورد قصة طريفة ذكرها الشيخ رحمة الله في إظهار الحق مفادها: أن ثلاثة أشخاص تنصروا على يد قسيس، فزار صديق للقسيس القسيس وتلامذته وسأله، هل علمتهم العقائد الضرورية؟ قال نعم، واستدعى أحدهم وسأله أما صديقه الزائر عن عقيدته فقال: إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة: أحدهم في السماء، والثاني: الذي تولد من بطن مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسيس وطرده، ثم استدعى الثاني منهم، وسأله فأجاب: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب كذلك فطرده، ثم استدعى الثالث، وكان أذكى الثلاثة، وسأله فقال: يا مولاي! حفظت ما علمتني حفظاً جيداً، وفهمت بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، والآلهة ثلاثة صلب واحد منهم فمات الكل لأنهم واحد، ولا إله الآن! هذا ومعلوم أن موقف معظم المثقفين الغربييين هو موقف التلميذ الثالث بعينه.

الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (1)، إنما كان يعني ذلك الإنجيل المنزل، لا شيئاً آخر سواه.

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] أما الكتب السابقة فقد وكل حفظها إلى علماء دينها.

((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44] إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصه السماوي وصبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث، ولا تجترئ عليه يد محرف، لكن الكنيسة -كعادتها- فرطت في واجبها، بل إنها هي التي فتحت للمغرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم.

إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوي الكفاءات العالية في معظم التخصصات - ومنها اللاهوت - لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة" (2)، بل إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق.

ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئاً من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخي موثوق إلى المسيح، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحي الإلهي المحفوظ "القرآن والسنة" لوجدنا الصلة بينهما واضحة، أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث


(1) مرقص: (1 - 16).
(2) عن الجفوة المفتعلة: (13).

المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها ويقول مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه.

ولندع رأي المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح، فماذا نجد؟

يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل: "محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة (كذا) هَيَّجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان " فابري سيوس" جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات" (1).

هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين، والمسيحية لا تزال في مهدها، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مسلِّمين بأن الله لم ينزل إليه إلا إنجيلاً واحداً؟

إن لوقا نفسه ليفتح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها - ومنها إنجيله - وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها.

يقول لوقا في المقدمة: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" (2).


(1) إظهار الحق: (292)، وانظر: محمد رسولاً نبياً - عبد الرازق نوفل: (188).
(2) انظر: أعمال الرسل من العهد الجديد صح: (1).

وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل:

" هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها (1).

إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها، هي كتب السيرة ... فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحفوظة بأصلها العربي، لم تتناولها الترجمات، كما هو الحال في الأناجيل، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء؛ لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى تقول: "إنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب "رسول " أو "قديس"، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً (2) يؤخذ كلامهم -على علاته- قضايا مسلمةٌ وتقدس رسائلهم، كما تقدس الأناجيل.

تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى: سبعون إنجيلاً يكذب بعضها بعضاً، ومائة وعشرون رسولاً، منهم من ألَّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، ومنهم من كان يكرز (يعظ) من حفظه ومعلوماته ... وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية، وكان عام (325) يمثل معلما من معالم التاريخ البارزة، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلاً.

 


(1) حياة الحقائق: (62).
(2) انظر: أعمال الرسل من العهد الجديد صح: (1).

إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة -لاسيما إذا كان دينيا- ومن أوجب هذه الشروط:-

1 - حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعاً أو قراراً بعينه مهما كانت.

2 - نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفاً مشتركاً بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار.

3 - اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري.

وهذه الشروط -مع الأسف- مفقودة كلياً في هذا المجمع " المقدس":

فأولاً: لم يكن سبب انعقاده ذاتياً نابعاً من الأساقفة أنفسهم، بل إن الامبراطور الرومانى " قسطنطين" هو الذي دعا إلى انعقاده وهو رجل وثني ظل وثنياً إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت (1).

ثانياً: حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة


(1) انظر: اضمحلال الإمبراطورية الرومانية: جيبون (1/ 564).

والأساقفة يمثلون مذاهب وشيعاً متناحرة، أبرزها فرقتان:

1 - الموحدون، كما يدعون، أتباع آريوس، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو.

2 - الثالوثيون، أتباع بولس، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضواً.

3 - ومعلوم أن وثنية قسطنطين ثالوثية، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً في مجلس خاص وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وسلمه إليهم، وقال: " قد سلطتكم اليوم على مملكتي .. ".

ثالثاً:- لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لقسطنطين ودعاة التثليث، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية (1)

وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ (متى، لوقا، مرقص، يوحنا) وأما ما عداها فمزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته. وهذا بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ، ويستطيع المرء أن يحمل المجمع، أو هذا القرار خاصة، مسؤولية ضياع النسخة الأصلية من الإنجيل المنزل، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعي ما يؤكد أنها ليست وحياً، بل ليست سيرة صادقة للمسيح عليه السلام.


(1) انظر: ما نقله الشيخ أبو زهرة عن ابن البطريق: محاضرات في النصرانية: (44)، وقد أكد جيبون تدخل قسطنطين المباشر في المؤتمر وفرضه لقراراته بالقوة: (1/ 126 - 127).

إن اختيار أربعة مؤلفات من بين سبعين مؤلفاً مع عدم إبداء أسباب تبرر ذلك، لهو إجراء قسرى، يعبر عن روح الرعونة والصلف اللذين لم ينفكا عن الكنيسة في أية حقبة من تاريخها، ولذلك فليس عجيباً أن يعاملها العاقون من أبنائها بمثل ذلك التطرف والغلو، وليت الأمر اقتصر على هذا، لكن الكنيسة لم تحفظ الأناجيل الأربعة نفسها من التحريف بعد أن فرضتها على أتباعها، وكان للأباطرة دخل في هذا التحريف، ولا لوم عليهم فإنما قلدوا الكنيسة في ذلك.

يقول "لاندر" أحد مفسري الأناجيل: "حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان اناسطيوس في الأيام التي كان فيها "مسالة" حاكماً في القسطنطينية فصححت مرة أخرى" (1). وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية:

1 - أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي.

2 - أن لأهواء الحكام وميولهم يداً فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح.

3 - أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج، مما يدل على أنه عادي مألوف، قد أورد الشيخ "رحمة الله الهندى" خمسة وأربعين شاهداً على التحريف بالزيادة في الأناجيل، مدعمة بالوثائق والاعترافات، نختار واحداً منها للتمثيل فقط.


(1) إظهار الحق: (296).

الآية الثالثة والخمسون من الباب السابع وإحدى عشرة آية من الباب الثامن من إنجيل يوحنا إلحاقية (مضافة) قال هورن في إلحاقية هذه الآيات: إرازمس وكالوين وبيزا وكروتيس و ... والآخرون من المصنفين الذين ذكرهم ونفينس وكوجز لا يسلمون صدق هذه الآيات " ثم قال: " كرايز ستم وتهيو فلكت ونونسي كتبوا شروحاً على هذا الإنجيل، فما شرحوا هذه الآيات، بل ما نقلوها في شروحهم، وكتب ترتولين وساي برن في باب الزنا والعفة، وما تمسكا بهذه الآيات، ولو كانت هذه الآيات في نسخهما لذكرا أو تمسكا بها يقينا".

وقال وارد كاتلك: "بعض القدماء اعترض على أول الباب الثامن من إنجيل يوحنا وحكم نورتن بأن هذه الآيات إلحاقية يقيناً" (1).

فهذه اثنتا عشرة فقرة، يكاد يكون هناك إجماع على إضافتها وغيرها كثير، ولا غرابة في ذلك، فليس لدينا حد فاصل بين كلام الله وكلام البشر، بل ليس هناك ضابط يعرف به كلام المسيح من كلام غيره، فالشك وارد على كل فقرة في الأناجيل إلى درجة أن أعظم المتعصبين لها لا يستطيع إقناع الباحث العلمي بسوى ذلك.


(1) إظهار الحق: (264).

  • الثلاثاء AM 06:29
    2022-07-12
  • 1340
Powered by: GateGold