المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422415
يتصفح الموقع حاليا : 123

البحث

البحث

عرض المادة

سـؤال وجـواب

أيها القارئ الكريم! بين يديك مجموعة من التساؤلات والاستفسارات نسمعها بين وقت وآخر من أهل الشبه والافتراءات، ممن يريد أن يقذف بأحقاده، وينفث عن كراهيته من خلال طعنات واهية كأمثال السراب، يريد من ورائها أن يوهن العلاقة الحميمة بين المسلمين وبين الصحابة، ومن ضمنهم آل بيت النبي عليهم السلام، أو يقصد اللمز والغمز على الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال إظهار المساوئ وإلصاق التهم بهم، ويجهل هذا المأفون أن غمزه وسبه يلحقه ولا يضر جبال الخير شيئاً.

كناطح صخرة يوماً ليوهنها                   فما ضرها وأوهى قرنه الوعل

وما ستقع عليه عيناك أيها القارئ الكريم هي مجموعة من الشّـبه التي يتعلق بها بعض الجهلة أو الحاقدين تجاه من سبقنا في اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جعلت هذه الشّبهات على شكل أسئلة، يلحق كل سؤال الجواب عليه ليستبين الحق بإذن الله تعالى، ويوفقنا الله للسير على صراط الحق المبين.

 

 

 

السؤال الأول:

كيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعـاً، والله تبارك وتعالى قد صرح بردتهم جميعاً بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم ([1])، مثلما جاء في قوله تبارك وتعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].

الجواب:

أولاً: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أو يأوّل كلام الله تعالى من غير علم.

ثانياً: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة، وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نزل في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلاً على ردة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضاً إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمداً، قتلت محمداً([2]).

وقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد([3]).

ثالثاً: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله عز وجل للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل , فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمداً بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقُتل بعضهم، وأنه كما ماتت الرسل قبله سيموت صلى الله عليه وسلم، فليس الموت بمستحيل عليه ولربما القتل، ثم أكد ذلك، فقال سبحانه: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] معناه: أفإن أماته الله، أو قتله الكفار، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم فسمي الارتداد انقلابـاً على العقب: وهو الرجوع القهقرى؛ لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي.

والألف في قوله (أفإن مات): ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ)) [الأنبياء:34].

رابعاً: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:

((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)) [آل عمران:155]؟!

خامساً: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وشجاعته وقوة تعلقه بالله تبارك وتعالى، واستحضاره لآياته عند المواقف الصعبة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144].

حينما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت وهو في حيرة، وارتد كذلك كثير من الأعراب عن الإسلام بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم، وترك بعضهم الزكاة وغيرها كما أسلفنا.

سادساً: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقال عنه صحابي؛ لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هو من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم إلا إذا رجع إلى الإسلام من جديد .

 

 

السؤال الثاني:

كيف يمكن لنا أيضـاً أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟

الجواب:

يمكن توجيه هذا الاستدلال إلى الفهم الصحيح من خلال الآتي:

أولاً: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تبارك وتعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) [المنافقون:1].

والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].

فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة، والذين كان يظن صلى الله عليه وسلم أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته صلى الله عليه وسلم للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.

ثانياً: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.

روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي صلى الله عليه وسلم في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.

ثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة([4]).

ثالثاً: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعرفهم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء.

وهذا كما قال الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)) [الفرقان:30] فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في زمنه، بل يقصد ما سيحدثه أتباعه من أمته من بعده بهجرانهم للقرآن.

فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.

 

 

السؤال الثالث:

كيف نقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:

مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)) [التوبة:38].

وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [المائدة:54], وأيضاً ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [الحديد:16].

أو عند تركهم للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)) [الجمعة:11].

 

الجواب:

أولاً: يجب على المسلم أن يكون باحثاً عن الحق تاركـاً للتعصب الفكري، طالبـاً للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة:6]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادراً من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف:23].

ثانياً: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.

فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختياراً منهم، فعلمهم الله ووجههم إلى الخير والصلاح، ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بـقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).

فالصحابة رضي الله عنهم قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من آل البيت كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير آل البيت.

وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثالثاً: الله تبارك وتعالى فرّق في ندائه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فحينما ينادي أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).

وحين يوجه كلامه للكفار أو لعموم الناس، مؤمنهم وكافرهم كان يقول في خطابه لهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)).

رابعاً: لنفترض جدلاً أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)) [الأحزاب:1].

بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في القرآن: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التحريم:1], أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)) [التوبة:84].

فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى:

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)) [الأحزاب:45].

كما أن الله تبارك وتعالى قد بين في كثير من المواضع في كتابه العزيز، كقوله تعالى:

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)) [التحريم:9].

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ)) [الأحزاب:59].

خامساً: ما جوابنا يا ترى حينما يقول لنا أحد النواصب قاصداً الطعن بالإمام علي عليه السلام، ومستدلاً في طعنه عليه بظاهر القرآن والروايات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقـول لنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله عز وجل آية وفيها قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا وعلي عليه السلام رأسها وأميرها)([5]).

ودليل هذا ما ثبت في صحيفة الإمام الرضا عليه السلام قـوله: (ليس في هذا القرآن ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) إلا في حقنا)([6]).

فالجواب على هذا الناصبي لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يكون كالجواب على ذلك الناصبي الذي ناصب العداء عموماً لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم !!

 

 

السؤال الرابع:

كيف نقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي صلى الله عليه وسلم في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذاً)؟

الجواب:

أولاً: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافاً من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث، وينبغي عليه أن يكون منصفاً إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحاً في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره صلى الله عليه وسلم من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق صلى الله عليه وسلم بصاقاً ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة صلى الله عليه وسلم إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه، مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود([7]).

ثانياً: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي صلى الله عليه وسلم من حكمه، أو ينزل الله تبارك وتعالى شيئاً من الوحي يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئاً من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلاً في تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عليهم حالقاً وناحراً هديه، علم الصحابة يقيناً حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم:

((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].

ثالثـاً: عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعارض قرار النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بأمر من الله عز وجل، لما جاء في قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159].

قال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)): في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهاراً برأيهم، وتطييبـاً لنفوسهم، وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق عليه السلام: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله).اهـ([8]).

وفي تلك الحادثة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في إرسال عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.

وقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان قصة فتح الحديبية مختصرة وقال: قال ابن عباس: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة، ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشاً لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت)([9]).

رابعاً: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسبب مشاورته للنبي صلى الله عليه وسلم ونتهمه بمعارضة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ونبني عليها طعوناً كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقاً للنهي والزجر؟!

هل نحن أعلم وأفقه من نبينا صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!

أو أننا علمنا أمراً قد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم؟! أو أن هناك سبباً آخر لغيظنا وحنقنا على ما فعله عمر؟

إن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي عليه السلام وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي عليه السلام جيشه عن لعن وسب معاوية رضي الله عنه وجيشه، وناقشه في هذه القضية حجر وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي عليه السلام أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي عليه السلام.

فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي عليه السلام: أن كفّـا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون)([10]).

خامساً: لو سلمنا جدلاً بأن ما فعله عمر رضي الله عنه كان مجانبـاً للصـواب بسبب معارضته لأمـر النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن عليـاً عليه السلام كان من رؤوس المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟

بل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب صلى الله عليه وسلم منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟

ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: (إن أمير المؤمنين عليه السلام كتب كتاب الصلح: باسمك([11]) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك، اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده...) الخبر([12]).

فبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في عـدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار، كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي صلى الله عليه وسلم لكنه خرج ولحق بالنبي محاولاً أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.

فعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن علياً عليه السلام خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟)([13]).

فلماذا ينزعـج علي بن أبي طالب من أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي صلى الله عليه وسلم في أمره؟هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.

والرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين عليه السلام، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.

 

 

السؤال الخامس:

ماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره صلى الله عليه وسلم في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟

الجواب:

أولاً: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولاً: كيف كانت حالة النبي صلى الله عليه وسلم الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟

إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكاً شديداً من شدة الألم، بل كان صلى الله عليه وسلم من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى، وقال للصحابة حينها: (ائتوني اكتب لكم كتابـاً لن تضلوا بعدي أبداً) فاختلف الصحابة فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.

ثانياً: ليس بمقدور أي كائن بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلاً واضحاً، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت، خاصة وأنهم لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل بالنبي صلى الله عليه وسلم فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.

ثالثـاً: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزاً ومطعناً في الصحابة رضي الله عنهم شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا أنها لم تتضمن أي شبهة في اتهام الصحابة بعضهم لبعض بالنفاق أو الكفر أو عدم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

رابعاً: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:

أ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

ب) اختلافهم عند النبي صلى الله عليه وسلم وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.

ت) رفضهم لطلب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يتضمن التوصية لعلي عليه السلام بالخلافة من بعده.

ج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بالهجر.

د) عمر بن الخطاب رفض الانصياع لطلب النبي صلى الله عليه وسلم.

ويمكن بيان الرد موجزاً على هذه الشبه بالآتي من القول:

* (رد أمر النبي صلى الله عليه وسلم) الصحابة رضي الله عنهم لم يخالفوا طلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي صلى الله عليه وسلم مثل حال بقية الناس؛ لأن هذه أول مرة يرون النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

* (اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، خاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم.

والصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة لهم خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يعرف الكتابة ([14])، فلما طال نقاشهم فيما بينهم، نهرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الخلاف فقط , ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.

* (الوصية إلى علي عليه السلام) وهذا من أعجب الأقوال تجاه أمير المؤمنين عليه السلام، ومما يدل على التعجب والجنوح في الخيال فيه أن صاحب الشأن وهو علي عليه السلام لم يرد على باله هذا الأمر، فكيف علمه من جاء متأخراً عنه وعن الواقعة التي جرى فيها الأمر؟! ومن يدعي هذا لعلي، يمكن بيسر لمخالفه أن يدعي لغيره من الصحابة ويقول: بل كانت الوصية لأسامة بن زيد أو لأبي ذر أو لأبي عبيدة، وغيرهم كثير.

* (مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولاً أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر عن صحة النبي صلى الله عليه وسلم بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحدة.

أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره!

لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا صلى الله عليه وسلم كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته صلى الله عليه وسلم.

وغيرها كثير من السبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة، خاصة من بعد نظرنا في اللغة العربية، وليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نعلم على وجه العلم لا الحصر غير عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم يعنفوا على القائل بل رب العزة سبحانه وتعالى الذي لا يخفى عليه شيء لم يوجه شيئا تجاه خليله وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

* (رفض عمر الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم) كيف يظن بعمر رضي الله عنه أنه يرفض طلبـاً يسيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي طوال مرافقته للنبي صلى الله عليه وسلم لم يبخل بشيء؟

* وأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي: أن عمر أراد من الصحابة رضي الله عنهم أن لا يجهدوا النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله تعالى أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام:38] وكما في قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ)) [المائدة:3].

والذي يظهر من الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي صلى الله عليه وسلم أنه من باب الإرشاد والإصلاح، وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه، وليس أيضاً بالأمر الذي لابد من تبليغه ولا يستغنى عنه في الإسلام، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه.

ولو كان في ما يريد النبي صلى الله عليه وسلم إبلاغه شيء واجب ونافع للأمة فهل سيتركه الله من غير بيان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

فإذا عرفنا ما سبق، فسيتبين لنا أنه لو كان صلى الله عليه وسلم مأموراً بتبليغ شيء حال مرضه أو صحته فإنه سيبلغه لا محالة، فلو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركه بسبب اختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى: ((بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)) [المائدة:67] كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، فدل تركه له أن كتابته صلى الله عليه وسلم تحمل على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع الجديد، وقد عاش صلى الله عليه وسلم أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.

خامساً: لابد للمسلم أن يطهر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة عليهم السلام، ونقول: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير.. الحديث). وقولهم عليهم السلام: (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك). وما رواه في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة -خرجت من أخيك- سوءاً؛ وأنت تجد لها في الخير محلاً)... عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلاً..)([15]) انتهى.

فمن الأولى علينا أن نسير على هدي الأئمة عليهم السلام، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح وهو ينازع سكرات الموت.

وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم وقال عنهم: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.

ولماذا نطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحادثة وغيرها؟! وما أهدافنا من ذلك؟

أنحن أعلم وأحرص على النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه؟!

أنحن نحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أصحابه؟!

أم أننا أصحاب هوى ؟!

سادساً: إن وصف ابن عباس رضي الله عنه لما جرى (بالرزية) عندما كان يروي الحديث، لم يكن عندما حدثت الحادثة، ولكنه كان يقولها بعد ذلك بسنين عندما يتذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحزنه، والروايات كلها تدل على ذلك.

سابعاً: لو جرينا على درب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في كثير من الأوقات يعارض النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمتثل أمره، مثلما حدث منه في صلح الحديبية في عدم مسح اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.

بل شارك في رفض أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت عندما طلب منه ومن غيره أن يحضروا له الكتف والدواة حتى لا يضل المسلمون، فلم يستجب لذلك حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم، بل غيّر أحكام الشريعة الإسلامية في الحكم على الغلاة فعاقبهم بالإحراق بدلاً من القصاص الشرعي([16]).

فبهذا السؤال يتضح لنا منهجية أعداء الإسلام ومن ناصب العداء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً من ناصب العداء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.


 

السؤال السادس:

لو قال لنا قائل: ماذا ستقول أيها المسلم في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين لم يعط فاطمة حقها من ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، وماتت وهي لا تكلمه؟ مع أن الله تبارك وتعالى قرر الميراث في كتابه العزيز فقال: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) [النساء:11] وقرره كذلك بين الأنبياء، فقال عن زكريا عليه السلام: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) [مريم:5-6] وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16].

وبسبب هذا التصرف تجاه سيدة نساء العالمين عليها السلام، فإنه يكون قد أغضب النبي صلى الله عليه وسلم لقوله في حقها: (إن فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني).

الجواب:

أولاً: ينبغي أن لا ننسى أن لفاطمة وزوجها رضي الله عنه مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.

ومن دلالة تلك المكانة أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي أشار على علي بن أبي طالب عليه السلام بالزواج من الزهراء ([17])، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإشراف على تجهيزها للزواج من الإمام علي رضي الله عنه ([18]) وشاركته زوجته أسماء بنت عميس أيضاً في هذا التجهيز لفاطمة في يوم زفافها ([19]) ولما ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام قامت زوجة أبي بكر رضي الله عنها نفسها بعد ذلك في تجهيز كفن الزهراء وتغسيلها([20]).

ثانياً: لعل الكثير من المسلمين في الزمن المعاصر يجهل أن أرض فدك كانت فيئاً من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من خيبر، والفيء ما يكون من غنيمة من غير حرب والقصة مذكورة بتمامها في سورة الحشر قال تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [الحشر:7].

وما أفاءه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو له صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها لحاجته وأهل بيته وصدقته، وكان يشرف على هذه الأرض ويرعاها، ولم يورثها أحدا من أهله، وهذا مسطور في كتب التاريخ , فلما توفي كان خليفته أبوبكر يقوم مقامه في ذلك وبعده عمر, وفي عهده طلب الإمام علي بن أبي طالب والعباس أن يقوما بالإشراف عليها فوافق عمر فكانت عندهما , ثم صارت إلى الإمام علي واستمرت في يده في عهد عمر وعهد عثمان وعهده , وبعد وفاته صار الإمام الحسن بن علي يشرف عليها، ثم الإمام الحسين، ثم الحسن بن الحسن (الحسن المثنى)، ومعه علي بن الحسين، ثم زيد بن الحسن, ولم يتملكها أحد.

ثالثاً: أما عن قضية الميراث، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون الأموال والدنانير بعد مماتهم كسائر الناس، فما تبقى عندهم من الأموال بعد مماتهم فهو صدقة، وهذا ما علِمه وبينه الأئمة عليهم السلام من بعده صلى الله عليه وسلم.

فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض؛ حتى الحوت في البحر وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)([21]).

وقال أبو عبد الله عليه السلام أيضاً: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً)([22]).

وعن جعفر عن أبيه عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث ديناراً ولا درهمـاً، ولا عبداً ولا وليدةً، ولا شاةً ولا بعيراً، ولقد قُبِـض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير، استسلفها نفقة لأهله)([23]).

فمن يملك فدك وسهم خيبر يستسلف عشرين صاعا ويرهن درعه !

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (العلم أفضل من المال بسبعة:

الأول: أنه ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.

الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة، والمال ينقص بها.

الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ، والعلم يحفظ صاحبه.

الرابع: العلم يدخل في الكفن، ويبقى المال.

الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر، والعلم لا يحصل إلا للمؤمن خاصة.

السادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم، ولا يحتاجون إلى صاحب المال.

السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط، والمال يمنعه)([24]). انتهى.

رابعاً: وأما القول بأحقية فاطمة عليها السلام في ميراث والدها استدلالا بقوله تعالى: ((وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)) [مريم:5-6] وقوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16]، فاستدلال باطل من العوام، يدل على قلة علمهم لأن الوراثة في هاتين الآيتين وراثة نبوة وعلم وحكمة، وليست وراثة مال، وذلك للأدلة النقلية والعقلية.

 أما النقلية فقد مرَّ ذكرها , وأما العقلية فتستفاد مما يأتي:

الآية الأولى وهي قوله تبارك وتعالى: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6].

1- قال السيد محمد حسين فضل الله: ليكون امتدادا للخط الرسالي الذين يدعو إلى الله، ويعمل له، ويجاهد في سبيله، ولتستمر به الرسالة في روحه وفكره وعمله([25]).

2- هل يعقل لنبي كريم يحرص على الجنة الباقية والنعيم الدائم أن يسأل الكريم سبحانه أن يهب الدنيا الفانية لأحد من أولاده ويورثها له ؟! فهذا لا يليق تأدبـاً من رجل صالح فكيف لنبي كريم أن يسأل الله أن يرزقه ولدا لا لشيء إلا ليرث دنياه الزائلة ؟!

3- أنبياء الله تبارك وتعالى هم الأسوة المباركة في أنهم يأمرون الناس بالبر ويعملونه، فإن أوصوا الناس بالإنفاق كيف يليق بهم أن يبقوا لديهم هذا العرض الفاني من متاع الدنيا؟ ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [البقرة:44]، بل نجدهم يتصدقون به في أوجه الخير.

ومما يبين القول ويزيده جلاء وأن الإرث في كلام زكريا عليه السلام لم يكن مالاً ما تبينه النقطة الآتية.

4- لو أكملنا قوله تعالى: ((وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] لتبين لنا بوضوح ومن غير تردد أن الإرث المقصود هو العلم والنبوة وليس شيئاً آخر.

وبالله عليكم لو كان السؤال من النبي زكريا متعلقـاً بالمال فهل بمقدور أي باحث في التاريخ أن يخبرنا كم شخصاً كان في بيت آل يعقوب؟ بل أين موقع يحيى عليه السلام في آل يعقوب؟

والقارئ -المنصف- في كتب التاريخ بعد أن يقرأ كتاب الله تبارك وتعالى يعلم يقيناً أن كل أنبياء بني إسرائيل من آل يعقوب ؛ لأن إسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام، فكيف ببقية بني إسرائيل من غير الأنبياء؟ ومع هذا العدد الكبير كم سيكون نصيب يحيى عليه السلام ؟

فلا شك أن فهم قوله تعالى: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6] من خلال فهم العلماء، وأيضاً التمعن في التفاسير المباركة والنظر التاريخي يردّ قول من يقول: إن الآية تتكلم عن وراثة المـال.

ومن بداهة النظر والمعقول أنه لما ذكر يعقوب وهو نبي، وزكريا كذلك وهو من الأنبياء، لزم بمقتضى الفهم السليم أن نعلم أنه إنما أراد أن يرث النبوة والعلم والحكمة، ولم يكن يريد وراثة المال.

ثم إن زكريا لم يكن غنيا بل كان نجارا يأكل من عمل يده. فأين ذاك المال الذي سيرثه يحيى؟!

 أما الاستدلال بالآية الثانية وهي قوله تعالى: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16] فكذلك لم يرث منه المال، وإنما قصد ميراث النبوة والحكمة والعلم.

قال الشيخ محمد السبزواري النجفي: أي ورث الملك والنبوة بأن قام مقامه دون سائر بنيه وهم تسعة عشر([26]).

ومن المعلوم في روايات التاريخ أن نبي الله داود عليه السلام له الكثير من الزوجات وله العديد من الجواري، ورزقه الله العدد الكثير من الأولاد، فهل نقول إنه لم يرثه إلا سليمان؟

ومن المعلوم أيضا أن الإخوة يرثون من والدهم، فتخصيص سليمان بالإرث ليس بسديد ولا رشيد إن كان معه ورثة آخرون.

ولو سلمنا جدلاً أن الأمر يتعلق بإرث دنيوي، فما الفائدة من ذكره في كتاب ربنا تبارك وتعالى، ذلك أنه من الطبيعي أن الولد سيرث والده؟ فأين البلاغة أو العبرة والفائدة في كتاب ربنا من ذكر شيء معلوم حدوثه ووقوعه عند الناس؟

 

خامسا: وهنا قد يقف المحب للحق وقفة ويتساءل:

هل فاطمة الزهراء عليها السلام طلبت فدك من أبي بكر رضي الله عنه على أنه من باب الإرث، أم أنه كان هبة وهدية من أبيها صلى الله عليه وسلم وهبها وأهداها إياها بعد فتح خيبر؟

ذلك أن المقصود من هذا التساؤل ستظهر ثمرته تحديداً في نهاية القصة، ذلك أنه من المتفق عليه أن فاطمة عليها السلام بعد سؤالها لفدك من أبي بكر وذكر أبو بكر حجته في المنع ذهبت ولم تكلمه، فهل كانت تريد هذا الشيء على أنه كان إرثـاً أو هبة من أبيها صلى الله عليه وسلم. فإن كان إرثاً فالأنبياء لا يورثون لا ديناراً ولا متاعاً كما بينا في القول , وإن كان هبة وهدية أهداها النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة، فلنا وقفة وتساؤل أيضاً في هذا.. فنقول:

1- لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم فدك لفاطمة عليها السلام في أي وقت من الأوقات، وقد علمت ذلك الزهراء عليها السلام حين طلبت فدك من أبي بكر رضي الله عنه، فطلبته منه على أنه من باب الإرث، لا من باب الهبة، ومن المعلوم تاريخيا أن فتح خيبر تم في أول السنة السابعة من الهجرة، وزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم توفيت في السنة الثامنة، وأختها أم كلثوم توفيت في السنة التاسعة، فكيف يخص صلى الله عليه وسلم بالعطية فاطمة لوحدها ويدع أختها أم كلثوم وزينب عليهن السلام ؟!

فهذا اتهام صريح مباشر للنبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان يفرق بين أولاده، وحاشاه عن ذلك صلى الله عليه وسلم.

2- وعلى سبيل الفرض، لو قلنا: إن أرض فدك كانت هبة لفاطمة عليها السلام، فهي عليها السلام إما أن تكون قد قبضتها أو لم تقبضها!

فإن كانت تسلمتها، فلماذا تأتي لأبي بكر رضي الله عنه وتطالبه بها؟ وإن لم تكن تسلمتها فإن الهبة من الناحية الشرعية إن لم تُقبض فكأنها لم تعط للموهوب له، وتكون حينئذ للورثة بعد موت الواهب.

سادساً: من المعلوم في الفقه الجعفري أنه ليس للنساء ميراث في عقار الأراضي بل يؤخذ لهن من قيمته، وهذا ما يروى عن الأئمة عليهم السلام:

فعن يزيد الصائغ قال: (سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن النساء هل يرثن الأرض؟ فقال: لا ولكن يرثن قيمة البناء، قال: قلت فإن الناس لا يرضون بذا، فقال: إذا وُلينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف)([27]).

وعن أبان الأحمر قال: (لا أعلمه إلا عن ميسر بياع الزطي، قال: سألته -يعني أبا عبدالله- عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، وأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيها، قال: قلت: فالثياب؟ قال: الثياب لهن نصيبهن، قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟

قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، وإنما صار هذا كذا كي لا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً في عقارهم)([28]).

سابعاً: التعليل الصحيح والبيان الشافي لما جرى بين الزهـراء وأبي بـكر رضي الله عنهم هو الآتي إن شاء الله:

سيدة نساء أهل الجنة عليها السلام لم تدّع ما ليس لها، ولكنها عليها السلام طالبت بما ظنته حقـاً لها، ولما بيّن لها أبو بكر رضي الله عنه سبب منعها من الميراث، ذهبت عليها السلام ولم تكلمه في هذا الأمر مرة أخرى.

والذي يشهد لصحة هذا التعليل والبيان؛ ما سار عليه الإمام علي عليه السلام من أنه لم يعط أولاده فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وعندما سُئل في رد فدك قال: (إني لأستحي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر)([29])، فإذا كان الحكم على أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ظالماً لمنعه حق الزهراء عليها السلام، فهل يكون الحكم نازلاً كذلك على الإمام علي عليه السلام -والعياذ بالله-، لأنه لم يُرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟

والمحب لآل البيت وللمسلمين ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن بأبي بكر رضي الله عنه وغيره، وهذا ما تبينه النقطتان الآتيتان:

ثامنا: لم يدّع أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا المال لابنته عائشة أو لغيرها من أمهات المؤمنين، بل تضمن تحريم الميراث جميع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ([30]) وما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الفعل إلا عملاً بوصية النبي، فهل تمسك أبي بكر بوصية النبي صلى الله عليه وسلم خطأ؟!

تاسعا: لا يستلزم من عدم إعطاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه الميراث لفاطمة أن يكون مبنياً على الكراهية والعداوة كما يروّج له أصحاب الفتن.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك لم يعط ابنته فاطمة خادمة تساعدها على شؤون المنزل حينما طلبت منه، وهذا من المباح في الشرع، وفق المتيسر أو ما يراه صاحب الأمر، فهل نطعن كذلك في عدالة نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم ؟!

قال الإمام علي عليه السلام في حديث طويل: (...ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لينصرف فقالت له فاطمة: يا أبتِ لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادماً تخدمني وتعينني على أمر البيت، فقال لها: يا فاطمة! أولا تريدين خيراً من الخادم؟ فقال علي: قولي: بلى، قالت: يا أبت! خيراً من الخادم؟ فقال: تسبحين الله عز وجل، في كل يوم ثلاثاً وثلاثين مرة، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرة، وتكبرينه أربعاً وثلاثين مرة، فذلك مئة باللسان وألف حسنة في الميزان)([31]).

عاشرا: القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب لغضب فاطمة عليها السلام، فهذا صحيح ولا يختلف عليه اثنان.

لنعلم أن منع أبي بكر لم يكن بقصد إغضابها ؛ لأن المنع كان استجابة منه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعيب أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ولا غيره إن فعله.

ولا يلزم أيضا أن يكون كل غضب تغضبه الزهراء عليها السلام يغضب لأجله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حدثت خلافات أسرية كثيرة بين الإمام علي والزهراء مثل ما يقع بين الأزواج، فهل سنطعن في عدالة الإمام علي وفق ما فهمه بعضهم مطلقا من حديث إغضاب الزهراء أيضا، ونقول: إن النبي قد غضب على علي عليه السلام لإغضابه الزهراء؟!

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بين ابن عمه وابنته سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنه موقف العدل والإنصاف، لا موقف العاطفة والانحياز الأبوي!

فعن أبى ذر رضي الله عنه قال: (كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فأهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدِمنا المدينة أهداها لعلي عليه السلام تخدمه، فجعلها علي عليه السلام في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة عليها السلام يوما فنظرت إلى رأس علي عليه السلام في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: لا، والله! يا بنت محمد! ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟فقال لها: قد أذنت لك. فتجلببت بجلبابها، وتبرقعت ببرقعها، وأرادت النبي صلى الله عليه وسلم، فهبط جبرائيل عليه السلام، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إن هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشكو علياً، فلا تقبل منها في علي شيئاً!! , فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت تشكين علياً؟ قالت: إي؛ ورب الكعبة! فقال لها: ارجعي إليه، فقولي له: رغِم أنفي لرضاكَ)([32]).

وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: (شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فقالت: يا رسول الله! لا يدع شيئاً من رزقه إلا وزعه على المساكين! فقال لها: يا فاطمة! أتسخّطيني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي، وإن سخطي سخط الله عز وجل)([33]).

الحادي عشر: لنتذكر ابتداء أن من أهم أهداف أعداء الإسلام تفكيك وحدة المسلمين من خلال ترويج مقولات باطلة، ونشرأخبار مفتراة تدل على وجود البغضاء والشحناء في الجيل الأول المبارك، ولوسألنا أنفسنا وأعملنا عقولنا، ماذا سنستفيد من قصة يجدد العهد بذكرها في بعض مجالس المسلمين سنويا لتثير القلوب وتعصف بالعواطف للوصول إلى حالة نفسية نهايتها إثارة شائعات تروج لوجود عداوة مترسخة اتجاه آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

 ذلك أن المنصف العاقل لو فتش في ما فعله أبو بكر رضي الله عنه تجاه فاطمة عليها السلام عند مطالبتها بأرض فدك، لوجد أن ما حكم به أبو بكر الصديق تجاه فدك ما كان إلا بموجب نص شرعي مستقى من قول المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي طاعته أمر مفروض، فما ذنبه تجاه ما أمر به فانقاد إليه ؟!

ولذا ماذا سنقول للطاعن من النواصب بسيدة نساء أهل الجنة حين يقول عنها:

غريب أمر فاطمة ! تغضب وتخالف عموم المسلمين، حتى يصل خصامها وغضبها للهجر الأبدي الذي ينهى عنه الإسلام، وما كان ذلك إلا عن هوى وعناد في نفسها، وشدة حب منها للأموال وأوساخ الدنيا الفانية، مثل ما حدث بينها وبين خليفة رسول الله أبي الصديق في طلبها للميراث، وعدم الامتثال لوصية أبيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أيضا قبل ذلك كثيرة الإزعاج للنبي صلى الله عليه وسلم في احتجاجها المتواصل على زواجها من علي بن أبي طالب بسبب فقره وقلة ماله، في بداية زواجهما، وبعد ذلك، وهذا ما ذكرته الروايات الثابتة، مثل:

عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: (إن فاطمة شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأحلمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟ أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما جعل الله لمريم بنت عمران، وأن ابنيك سيدا شباب أهل الجنة)([34]).

وعن أبي صالح عن ابن عباس: (أن فاطمة عليها السلام بكت للجوع والعري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقنعي -يا فاطمة- بزوجك، فوالله: إنه سيد في الدنيا سيد في الآخرة، وأصلح بينهما...)([35]).

فيا أيها المحب للآل الطاهرين: أترضى أن تكون في زمرة المبغضين الحاقدين للآل الطاهرين كالنواصب وغيرهم ؟ أو أنك تدافع عن حمى الآل من خلال تمسكك بالهدي الصحيح المبارك، مع سلامة قلبك تجاه من كانوا مع سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأي الفريقين تختار ؟

 

 

السؤال السابع:

لو قال لنا قائل: ماذا تقول عما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند مهاجمتهم بيت الإمام علي عليه السلام، وقاموا بربطه، وضرب زوجته حتى كسر ضلعها وأسقط جنينها، ثم أحرقوا منزلهم، على ما ذكرت الروايات التاريخية.

فهل مثل هذه الأفعال المشينة تدل على الحب والوئام، أم على السخط والكراهية والشقاق لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب:

أولاً: لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية وغيرها تتكلم عن أحبابه، ولا يعرف مصدرها، فضلاً عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدث بها وينشرها بين العامة، ونجد من بعد هذا التسرع العاطفي من يتأثر بهذه الروايات فيمتلىء قلبه حقداً وبغضاً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن الواجب على المحب لآل البيت الطاهرين عليهم السلام وللخير والعلم أن يجتهد ويتحرى، وأن يكون دقيقاً في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح والتي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث الصحيح، ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة في حادثة معينة ولو اشتهرت.

ثانياً: إن هذه القصة من الأكذوبات التي يستخدمها أهل الفتن في تمزيق وتفريق صفوف المسلمين، لذلك فإننا نطالب كل باحث للحق أن يجتهد ويبحث عن رواية واحدة صحيحة، تثبت وتسند تلك القصة المختلقة، وتنطبق عليها قواعد وشروط الحديث الصحيح، من اتصال في السند، ومن رواية العدل الإمامي الضابط في حفظه.

ومن الغريب أننا نجد كثيراً من المتمسكين بهذه القصة يؤمنون يقيناً بتلك الرواية، تبعاً للعاطفة وحبا في كسب بعض المصالح الدنيوية الرخيصة، ولا ينظرون نظرة العاقل العالم في دينه مثل الفحص في صحة الإسناد وضعفه!

قال السيد هاشم معروف الحسني بعد ما أورد الروايات التي تتحدث عما جرى للزهراء عليها السلام.. إلى كثير من الروايات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي([36]).

وقال أيضاً: ومهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها ومواقفها من ذلك ومن الخلافة طويل وكثير، وبلا شك فإن الأصحاب والأعداء قد وضعوا القسم الأكبر مما هو بين أيدي الرواة ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق في تلك المرويات إلا قليل القليل([37]).

وقال كاشف الغطاء: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري, لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية -التي ركزتها الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييداً وتأكيداً- تمنع بشدة أن تضرب المرأة ([38]).

وقد سئل السيد الخوئي عن صحة رواية كسر ضلع الزهراء فأجابهم: على المشهور، ولم يحكم بصحتها([39]).

ثالثاً: قد يقول قائل: إن عليا أُمِر بعدم مقاتلة الصحابة حين اعتدوا على زوجه سيدة نساء العالمين عليها السلام، لحفظ راية الإسلام من سقوطها وافتراق أهل الملة بعد وفاة النبي، وأمره بالصبر على أذاهم.

لكننا نقول ونتساءل:

ابتداء نقول بُعد هذه المقولة عن الصحة، وعلى فرض التسليم على ما قد قيل، فَلِمَ كانت منه المقاتلة يوم الجمل لجيش طلحة وأم المؤمنين عائشة حين خرجوا إلى أهل الكوفة -وكان هو في مكة- ثم قاتل من بعد ذلك جيش معاوية في صفين، وكذلك في النهروان حين قاتل الخوارج، فلم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء، أليس في تلك الفعال دلالة منه على نبذ وصية النبي بعدم تفريق جماعة المسلمين ؟

لكن الصحيح الذي يتسق مع مجريات الواقع سابقاً أن علياً لم يأمره أحد بعدم المقاتلة إن وقع عليه ظلمٌ أو انتهكت حرمات الله، ومن ذلك ما يُدعى من وقوع ظلم على زوجه الكريمة وأنه لم ينتصر لها، وهذه الرواية قبل أن يتلفظ بها لسان مسلم ليتذكر حال أمير المؤمنين وغيرتَه على دين الله، ثم على أهله من آل بيت المصطفى صلوات ربي عليهم جميعاً.

 وقد ثبت عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد).([40])

فهل هذا المعتقد خاف عن أمير المؤمنين وفارس الشجعان؟!

وحذار أن يتلفظ مسلم عاقل بكلام يكون عليه لا له، وليس فيه نصرة لآل البيت الكرام، ذلك أن من يدعي أن علياً كان فارساً، وقاتل جيش طلحة، ومن بعده أهل صفين؛ نصرة لقضية الإمامة، فلِمَ كان بعيدا عن نصرة آل بيته حين ضربوا حتى كادوا أن يموتوا ؟!

رابعا: يستطيع كل صاحب فتنة -لا يتقيد بالروايات الصحيحة- أن يروي روايات بلا أسانيد صحيحة، لمجرد وجودها وانتشارها في بعض الكتب التاريخية أو الأدبية، ويؤمن بها من بعد ذلك، وتصبح عنده من المسلمات اليقينية التي لا تقبل التشكيك في صحتها.

بل يستطيع كذلك كل مبغض وكاذب على العترة عليهم السلام أن يدعي أن قضية ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإحراق بيتها مؤامرة مدبرة، قام بها أبو بكر وعمر بالاشتراك مع زوجها الإمام علي، في سبيل القضاء على الزهراء عليها السلام.

ويكون هذا الهذيان والاتهام الباطل مبنيـاً وفق زعم ذلك المبغض على دلائل ومؤشرات يستنبطها من القصة المختلقة نفسها، وتكون وفق زعم المبغض كالآتي:

1- قام الإمام علي بتمثيلية متقنة حين وافق على تقييده عن طريق الصحابة عند دخولهم المنزل وعلى ضربه، ليوهم آل بيته بأنه ضحية هذا التجمع والتآمر، من قبل شخص عمره تجاوز الستين، والآخر جاوز الثالثة والخمسين، مع العلم بأن قوة الإمام علي لا يقاومها أحد من الإنس والجن، مثل ما نقل عنه أنه اقتلع باب خيبر العظيم لوحده بينما لا يستطيع حمله أربعون رجلاً.

2- اعتذار وتحجج الإمام علي عن عدم مقاومته للصحابة بسبب حرصه على المحافظة على حقن دماء المسلمين حجة واهية؛ لأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي إلا ثلاثة وفق ما تقرره الروايات عن آل البيت عليهم السلام ! فهل كان مقصود الإمام علي عليه السلام بدماء المسلمين هؤلاء الثلاثة فقط؟!! وهل دماء الصحابة أغلى وأزكى عنده من دم الزهراء عليها السلام، فلا يحافظ عليها ويدافع عنها؟!!

3- تزوج الإمام علي بعد وفاة الزهراء بتسع ليال بامرأة من بني حنيفة، ولقب ولدها بابن الحنفية, ووافق بعد ذلك على تزويج أم كلثوم ابنة الزهراء عليها السلام لعمر بن الخطاب أحد أعضاء المؤامرة، مما يدل على حرصه على توثيق الصلة مع أعداء زوجته، وعلى عدم حبه ووفائه للزهراء عليها السلام.

4- عندما أصبح الإمام علي قاضياً ووزيراً في زمن الخليفة الأول والثاني، كان هذا مثل المكافأة جزاء لما قام به من إتقانه للدور.

5- حرصه على تسمية أولاده بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان، وتزوجه بأرملة أبي بكر، فيه الدلالة على حرصه على افتخاره بما صنعوا في الماضي وسعيه إلى تخليد ما قاموا به من أعمال، ولو كان ضد الزهراء.

6- لم يعط الإمام علي أولاد فاطمة الزهراء ميراثهم من والدتهم من فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وسار على طريقة أصحابه الخلفاء من قبله، بل ولم يمنع التراويح ولا أعاد المتعة.

فهل يقبل المحب لآل البيت عليهم السلام أن ينسب صاحب الفتن الناصبي المبغض مثل هذه التهم إلى أصحاب النبي بضربهم للزهراء وإحراق بيتها، وتخاذل أمير المؤمنين عن نصرة الزهراء عليها السلام، بسبب تعلقه بمرويات مكذوبة تكون عليه، وليست له عند الاستدلال، أم ينافح ويبين الصواب والحق الذي يجمع ولا يفرق؟


 

السؤال الثامن:

ماذا تقول عن موقف أبي بكر الصديق، وما وقع في أول خلافته من إرساله الصحابة بقيادة خالد بن الوليد وإستباحتهم دماء المسلمين لمجرد جهلهم المتمثل في عدم دفع الزكاة، مثل ما فعلوا بقوم مالك بن نويرة، وقتل خالد له، ودخوله على زوجة مالك في نفس الليلة؟

الجواب:

أولاً: الزكاة أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق للفقراء والمساكين وغيرهم من مال الأغنياء، ولهذا كثيراً ما يقرن الله تبارك وتعالى ما بين الصلاة والزكاة في كتابه العزيز، مثل قوله تعالى:

* ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)) [البقرة:43].

* ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [البقرة:110].

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الله عز وجل قرن الزكاة بالصلاة فقال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ))، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة)([41]).

وعن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله عنه قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة)([42]).

لذلك فإن الحكم في تارك الزكاة كالحكم في تارك الصلاة ألا وهو القتل، وهذا ما أثبته الثقلان: (كتاب الله والأئمة عليهم السلام) قال تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:5].

وعن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله عز وجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله، لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه)([43]).

وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون)([44]).

ثانياً: من المعلوم وفق الروايات التاريخية التي رواها كبار العلماء أنه قد ارتد الكثير من الأعراب عن الإسلام بعد موت النبي، وترك بعضهم الزكاة وغيرها.

وقد ذكر الطوسي في الأمالي عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: ارتد الأشعث بن قيس وأناس من العرب لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحُلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أنقصكم شيئاً مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) [آل عمران:144]([45]).

ولهذا الموقف العظيم أرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيوش المسلمين بقيادة خالد ابن الوليد رضي الله عنه لمحاربة هؤلاء المرتدين، وكان من الذين جاءهم خالد بن الوليد رضي الله عنه قوم مالك بن نويرة([46])، وكانوا قد منعوا زكاة أموالهم ولم يدفعوها لأبي بكر، ولا لغير أبي بكر.

ثالثاً: شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إرساله خالد بن الوليد رضي الله عنه في الغزوات والحروب، لقتل الناس، واستباحة أموالهم كما يقال زورا وبهتاناً.

والصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه لم ينفرد بإرسال خالد بن الوليد رضي الله عنه لقيادة الجيوش، بل كان ممن سبقه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً رضي الله عنه وبعثه في عدة معارك لنشر الإسلام، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، والعزى، والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير.

ومع تلك البعثات العظيمة التي يُرسل إليها خالد رضي الله عنه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلفاء، فإننا نجد من يطعن في ذلك الصحابي الجليل بإظهار زلاته والكذب عليه، وإخفاء حسناته، بقصد تشويه تاريخه ومكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: قال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)) [النور:55].

إن هذه الشروط الثلاثة حصلت للصحابة رضي الله عنهم، الاستخلاف وتمكين الدين، وإبدال الخوف، وهذا حينما ارتد الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم الصحابة فحصل بذلك الأمن والاستقرار.

خامساً: قصة قتل خالد رضي الله عنه لمالك بن نويرة، جاء فيها ثلاث روايات:

الأولى: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ ما لكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟

فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه.

وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.

وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما كلم قوم مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم؟ وكانت ليلة شاتية، وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظن الحارس أن خالداً رضي الله عنه يريد القتل، فقتلهم وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ولو تمسكنا بأي رواية مما سبق، فإن كان الخطأ قد وقع من خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، فإن العذر يلحقه من باب قتله لمانع للزكاة، أو لمتابعة لسجاح الكذابة، أو أنه كان متأولاً، وهذا التأويل ليس بمسوغ لإقامة الحد والقصاص على خالد رضي الله عنه. ومثل ما وقع فيه خالد رضي الله عنه من خطأ، فإنه قد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه دية أو كفارة.

قال القمي في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) [النساء:94]: إنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أهله وماله، وصار في ناحية الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحداً شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)([47]).

سادساً: أما القول بأن خالدا رضي الله عنه قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة، فهو قول تافه وباطل لا يستند على رواية صحيحة، ولا يستحق أن يضيع عليـه شيء من مداد الحـق، ويكفي في بيان تفاهة القول أننا نسأل كل إنسان يريد الإنصاف والعدل، فنقول له:

من أين عرفت أن خالد بن الوليد دخل على امرأة مالك بن نويرة في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها؟ هل تستطيع أن تأتي بإسناد واحد صحيح يدل على زعمك؟

إن أهل الأهواء والفتن لم يكن لهم قدوة حسنة في حبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الإنصاف فيهم فيما حصل منهم، بل إنهم يهرفون بالروايات الضعيفة المتناثرة في الكتب، مع تحريفهم لمعانيها، وتأويلهم لها تأويلاً باطلاً، كما هو الحال في قصة زواج خالد بن الوليد رضي الله عنه من امرأة مالك بن نويرة، إذ جعلوا خالداً رضي الله عنه يحرص على قتل مالك لأجل الظفر بزوجته، وهذا من البهتان.

وهذا القول ليس بعسير على من يريد أن ينشر المطاعن والفتن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يستطيع كل صاحب فتنة أن يتأول ويحرف القصص والروايات والتاريخ على وفق ما يهواه من الكذب وغيره، من دون الرجوع إلى الأسانيد الصحيحة الموافقة للصواب.

لهذا السبب نفسه استطاع المستشرقون أن يطعنوا في النبي صلى الله عليه وسلم كما طُعن في خالد بن الوليد.

فماذا سنقول ونرد لو قال لنا أحد المستشرقين الحاقدين: إن النبي قد نظر إلى امرأة زيد بن حارثة وهي تغتسل وأعجب بها، وطلقها من زوجها حتى تحل له.

قال الرضا عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وانما أراد بذلك تنزيه الباري عز وجل عن قول من زعم إن الملائكة بنات الله، فقال الله عز وجل: ((أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً)) [الإسراء:40] فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ له ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله لها: سبحان الذي خلقك! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله! إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله. وقد كان الله عز وجل عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا: إن محمداً يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله عز وجل: ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) [الأحزاب:37] يعنى بالإسـلام، ((وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)) يعني بالعتق، ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37] ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل بذلك قرآنا، فقال عز وجل: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)) [الأحزاب:37]) ([48]).

فالمبغض الكافر يطير فرحاً بمثل هذه الأقاويل الواهية، لكن المحب للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم يلتمس لهم العذر بعد العذر إن وقع منهم ما يظن أنه زلة أو هفوة، ويعتقد أنه ليس للنبي صلى الله عليه وسلم زلة أو هفوة لعصمته، وإن ثبت هذا الزلل تجاه الصحابة رضي الله عنهم برواية معتمدة مقبولة، فإن الواجب عليه أن لا يظهر المساوئ، بل يقذفها في بحار حسناتهم، ويدير ظهره لها ويغض النظر ويصم الآذان عنها؛ لأن دلالة الحب العفو والصفح والغفران.

وأما الروايات الباطلة، فهي كما قال تعالى: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً)) [الرعد:17].

 

([1]) انظر: رجال الكشي: (ص:11)، بحار الأنوار: (28/259) (71/220)، الاختصاص: (ص: 6).

([2]) تفسير الأمثل: (2/169).

([3]) تفسير الكاشف: (2/554).

([4]) بحار الأنوار (28/11).

([5]) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص:174، 177)، بحار الأنوار: (40/21).

([6]) المناقب: (3/53)، البرهان (سورة البقرة آية:153).

([7]) انظر: (ص:20) من هذا الكتاب.

([8]) تفسير الصافي، وانظر: تفسير مجمع البيان، الجوهر الثمين، تفسير معين، تفسير شبر: في تفسير (سورة آل عمران آية:159).

([9]) تفسير مجمع البيان: (9/194)، بحار الأنوار: (20/329).

([10]) مستدرك الوسائل: (12/306)، بحار الأنوار: (32/399)، وقعة صفين: (ص:102).

([11]) وفي المصدر: بسمك.

([12]) مستدرك الوسائل: (8/437).

([13]) بحار الأنوار: (37/262)، العمدة: (ص:127).

([14]) انظر: علل الشرائع: (1/126)، بحار الأنوار: (16/132).

([15]) انظر: الحدائق الناضرة: (15/353).

([16]) انظر: بحار الأنوار (34/414).

([17]) بحار الأنوار: (43/93) (19/112).

([18]) بحار الأنوار: (43/94)، الأمالي للطوسي: (ص:40).

([19]) بحار الأنوار: (43/138).

([20]) بحار الأنوار: (43/185).

([21]) الكافي: (1/34)، بحار الأنوار: (1/164)، أمالي الصدوق: (ص:60)، بصائر الدرجات:

(ص: 3)، ثواب الأعمال: (ص:131)، عوالي اللآلي: (1/358).

([22]) الكافي: (1/32)، وسائل الشيعة: (27/78)، مستدرك الوسائل: (17/299)، الاختصاص: (ص:4) بصائر الدرجات: (ص:10).

([23]) قرب الإسناد: (ص:44)، بحار الأنوار: (16/219).

([24]) بحار الأنوار: (1/185).

([25]) تفسير من وحي القرآن (سورة مريم: 6).

([26]) تفسير الجديد، وانظر: تفسير معين (سورة النمل: 16).

([27]) الكافي: (7/129)، وانظر: وسائل الشيعة: (26/70) , تهذيب الأحكام: (9/299).

([28]) الكافي: (7/130).

([29]) شرح نهج البلاغة: (16/252).

([30]) بحار الأنوار: (29/70).

([31]) كشف الغمة: (1/362) , بحار الأنوار: (43/134).

([32]) علل الشرائع: (1/163)، المناقب: (3/342)، بحار الأنوار: (39/208).

([33]) بحار الأنوار: (43/153)، وانظر كشف الغمة: (1/473).

([34]) أمالي الطوسي: (248).

([35])المناقب: (3/319) , بحار الانوار: (24/99).

([36]) انظر: سيرة الأئمة الاثني عشر: (1/133).

([37]) المصدر السابق: (1/140).

([38]) انظر: جنة المأوى: (ص:135).

([39]) انظر: صراط النجاة: (3/314).

([40]) انظر الكافي: (5 / 52) , تهذيب الأحكام: (6 / 167) , وسائل الشيعة: (15 / 121).

([41]) الكافي: (3/506)، من لا يحضره الفقيه: (2/10)، وسائل الشيعة: (9/22).

([42]) الكافي: (3/497)، وسائل الشيعة: (9/13).

([43]) الكافي: (3/503)، من لا يحضره الفقيه: (2/12)، وسائل الشيعة: (9/33)، مستدرك الوسائل:

(7 /25) , بحار الأنوار: (52/325).

([44]) الكافي: (3/503)، من لا يحضره الفقيه: (2/12)، وسائل الشيعة: (9/24)، تهذيب الأحكام: (4/111).

([45]) الأمالي للطوسي: (ص:262)، بحار الأنوار: (28/11).

([46]) انظر: (ص:74) من هذا الكتاب.

([47]) تفسير القمي: (1/148)، بحار الأنوار: (21/11)، مستدرك الوسائل: (16/79).

([48]) عيون أخبار الرضا: (1/203) , الاحتجاج:(2/431) , بحار الأنوار: (22/216).

  • الاثنين PM 11:10
    2022-04-11
  • 993
Powered by: GateGold