ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  73
تفاصيل المتواجدون

جهاد الكلمة

المادة

جهاد الكلمة

77 | 29-03-2021

جهاد الكلمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد :

فلا حجْر على سعة رحمة الله فكم من بلد فُتحت بالقرآن وكم من بلد فُتحت بالسيف والسنان وما فُتحت المدينة المنورة ودول جنوب شرق آسيا وكثير من دول إفريقيا.. إلاَّ بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة وقد أسلم معظم أهل المدينة على يد مصعب بن عمير المقرئ ثم كانت بيعة العقبة المباركة وتبعها هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام للمدينة التي فتحت قلبها قبل أبوابها لدين الله. ومن المعلوم أنّ الأنبياء والمرسلين هم الأسوة والقدوة ( أٍوًلّئٌكّ الذٌينّ هّدّى اللَّهٍ فّبٌهٍدّاهٍمٍ اقًتّدٌهً ) [الأنعام:90]

فلابد من متابعة منهجهم ودعوتهم في حلهم وترحالهم ووصلهم وهجرهم ونقضهم وإبرامِهِم وأقوالهم وأفعالهم فحياتهم هي أعلى صور الجهاد في سبيل الله ومن ذلك تعبيدهم الخلائق بدين الله فما من نبيّ إلاَّ وقال لقومه: ( اعًبدٍوا اللَّهّ مّا لّكٍم مٌَنً إلّهُ غّيًرٍهٍ ) [المؤمنون: 23]

( ولّقّدً بّعّثنّا فٌي كٍلٌَ أٍمَّةُ رَّسٍولاْ أّنٌ اعًبدٍوا اللَّهّ واجًتّنٌبوا الطَّاغٍوتّ ) [النحل: 36]

وقال تعالى: ( ومّا أّرًسّلًنّا مٌن قّبًلٌكّ مٌن رَّسٍولُ إلاَّ نٍوحٌي إلّيًهٌ أّنَّهٍ لا إلّهّ إلاَّ أّنّا فّاعًبدٍونٌ <25> )

[الأنبياء: 25].

وهذه هي أيضًا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمر بتوحيد الله جلّ وعلا ونهى عن الشرك فقال لقومه: «قولوا لا إله إلاَّ الله تفلحوا قولوا لا إله إلاَّ الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم» ونزل عليه قوله تعالى: ( ولّقّدً أٍوحٌيّ إلّيًكّ وإلّى الذٌينّ مٌن قّبًلٌكّ لّئٌنً أّشًرّكًتّ لّيّحًبّطّنَّ عّمّلٍكّ ولّتّكٍونّنَّ مٌنّ الخّاسٌرٌينّ <65> ) [الزمر: 65]

وقوله:

( ومّن يشًرٌكً بٌاللَّهٌ فّكّأّنَّمّا خّرَّ مٌنّ السَّمّاءٌ فّتّخًطّفٍهٍ الطَّيًرٍ أّوً تّهًوٌي بٌهٌ الرٌَيحٍ فٌي مّكّانُ سّحٌيقُ <31> ) [الحج: 31]

وقوله: ( إنَّ اللَّهّ لا يّغًفٌرٍ أّن يشًرّكّ بٌهٌ ويّغًفٌرٍ مّا دٍونّ ذّلٌكّ لٌمّن يّشّاءٍ ) [النساء: 48].

وفي الحديث المتفق عليه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قال معاذ : الله ورسوله أعلم. قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا». وصحَّ عنه أيضًا أنه قال لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يعبدوا الله فإذا هم عرفوا الله فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة..» الحديث متفق عليه. وقد تعجب المشركون من هذه الدعوة وقالوا: ( أّجّعّلّ الآلٌهّةّ إلّهْا واحٌدْا إنَّ هّذّا لّشّيًءِ عٍجّابِ (5) ) [ص:5] وآذوه صلى الله عليه وسلم وناصبوه العداء حتَّى اضطروه إلى الهجرة من أحب بلاد الله إلى الله ومن أحب بلاد الله إلى نفسه الشريفة - صلوات الله وسلامه عليه - عم وخص وقال لهم: «أنقذوا أنفسكم من النار» وصعد على الصفا وقال: «يا صباحاه أرأيتم لو أني أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: ماجربنا عليك من كذب قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». وفي نفس الوقت كان يربي الرجال الذين أسلموا تربية خاصة في دار الأرقم بن أبي الأرقم فكانت حياته صلى الله عليه وسلم في نشر دعوة التوحيد وتربية الناس على معاني الإيمان في مكة من أعلى صور الجهاد في سبيل الله ونزل بشأنها: ( والَّذٌٌينّ جّاهّدٍوا فٌينّا لّنّهًدٌيّنَّهٍمً سٍبلّنّا وإنَّ اللَّهّ لّمّعّ المٍحًسٌنٌينّ <69> ) [العنكبوت: 69]

ولم يكن يومئذ جهاد بالسيف وقد قام الأفاضل بهذا الجهاد خير قيام وصدعوا بكلمة الحق غير هيابين لما أصابهم في سبيل الله فبعد ما أسلم أبو ذر قام يُعلن إسلامه وينطق بالشهادتين فانهال المشركون عليه ضربًا وكذلك قام ابن مسعود يتلو على المشركين آيات من كتاب الله فكادوا يقتلونه ولما تخوف عليه أصحابه قال: لو شئتم لعاجلتهم بها من الغد. وكان بلال يردد: «أحد أحد» وهم يخرجون به في رمضاء مكة ويضعون عليه كتل الصخر في حر الظهيرة وقُتلت سُميّة وزوجها ياسر وابنها عمار لنطقهم بهذه الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء وكان خباب بن الأرت من أوائل من أسلم وكانت سيدته أم تميم تسخن كتل الحديد حتى تحمر ثم تضعها على رأسه حتّى يتلوى من الألم رجاء أن يكفر ولما ذهب يومًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ والنبي متوسد بردة في ظل الكعبة فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: «كان من منكم من قبل كان يؤتى بالرجل ويُحفر له في الأرض ويُؤتى بالمنشار فيوضع فوق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه أبدًا وكان يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دينه أبدًا والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلاّ الله والذئب على غنمه». وما لاقاه مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص من أمه وهي أقرب الناس إليه وكذلك موقف حذافة السهمي من ملك الروم.. يدل دلالة قاطعة على أنّ جهاد الكلمة قد يكلف الكثير من التضحيات. حدث ذلك مع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ومع سائر الأنبياء والمرسلين فمنهم من قُتل كزكريا ويحيى ومنهم من حُبس كنبيّ الله يوسف ومنهم من أوذي كنبي الله نوح وصالح وشعيب عليهم السلام . وقد حاول المشركون قتل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ( وإذ يّمًكٍرٍ بٌكّ الذٌينّ كّفّرٍوا لٌيثبٌتٍوكّ أّوً يّقًتٍلٍوكّ أّوً يخًرٌجٍوكّ ويّمًكٍرٍونّ ويّمًكٍرٍ اللَّهٍ واللَّهٍ خّيًرٍ المّاكٌرٌينّ <30> ) [الأنفال: 30]

وقد خنقه عقبة بن أبي معيط بطرف ردائه وهو ساجد - صلوات الله وسلامه عليه - أمام الكعبة تارة وألقى على ظهره الشريف سلا الجزور تارة أخرى كل ذلك وهو يدعوهم إلى الله لم يزاحمهم في مال ولا سلطان ولم يطلب منهم جاهًا أو ملكًا ( قٍلً مّا سّأّلًتٍكٍم مٌَنً أّجًرُ فّهٍوّ لّكٍمً إنً أّجًرٌيّ إلاَّ عّلّى اللَّهٌ ) [سبأ: 47]

وما حدث للأنبياء عليهم السلام يحدث لأتباعهم وهم يمارسون جهاد الكلمة سواء كانوا كبارًا أم صغارًا رجالاً أو نساءً قديمًا أو حديثا. ومن ذلك قصة عبد الله الغلام مع الطاغية واستدراجه لأن يقول: بسم الله رب الغلام ووقوع السهم في صدغ الغلام ونطق الناس جميعًا: «آمنّا بالله رب الغلام» ( ومّا نّقّمٍوا مٌنًهٍمً إلاَّ أّن يؤًمٌنٍوا بٌاللَّهٌ العّزٌيزٌ الحّمٌيدٌ (8) ) [البروج: 8]

وكذلك قصة أصحاب الكهف الذين خرجوا فارين بدينهم وقولهم: ( إنَّهٍمً إن يّظًهّرٍوا عّلّيًكٍمً يّرًجٍمٍوكٍمً أّوً يعٌيدٍوكٍمً فٌي مٌلَّتٌهٌمً ولّن تٍفلٌحٍوا إذْا أّبّدْا <20> ) [الكهف: 70].

ومن ذلك موقف آسيا بنت مزاحم مع زوجها فرعون مصر وقول مؤمن آل فرعون : ( ويّا قّوًمٌ مّا لٌي أّدًعٍوكٍمً إلّى النَّجّاةٌ وتّدًعٍونّنٌي إلّى النَّارٌ <41> تّدًعٍونّنٌي لأّكًفٍرّ بٌاللَّهٌ وأٍشًرٌكّ بٌهٌ مّا لّيًسّ لٌي بٌهٌ عٌلًمِ وأّنّا أّدًعٍوكٍمً إلّى العّزٌيزٌ الغّفَّارٌ <42> ) [غافر:41]

ومحاولتهم قتله ( فّوّقّاهٍ اللَّهٍ سّيٌَئّاتٌ مّا مّكّرٍوا وحّاقّ بٌآلٌ فٌرًعّوًنّ سٍوءٍ العّذّابٌ <45> ) [غافر: 45]. وأيضًا قصة ماشطة ابنة فرعون وصاحب يس ودعوته لقومه وهي من أروع صور جهاد الكلمة عندما قال لقومه: ( يّا قّوًمٌ اتَّبٌعٍوا المٍرًسّلٌينّ <20> اتَّبٌعٍوا مّن لاَّ يّسًأّلٍكٍمً أّجًرْا وهٍم مٍَهًتّدٍونّ <21> ومّا لٌيّ لا أّعًبدٍ الذٌي فّطّرّنٌي وإلّيًهٌ تٍرًجّعٍونّ <22> أّأّتَّخٌذٍ مٌـن دٍونٌهٌ آلٌهّةْ إن يرٌدًنٌ الرَّحًمّنٍ بٌضٍرَُ لا تٍغًنٌ عّنٌَي شّفّاعّتٍهٍمً شّيًئْا ولا ينقٌذٍونٌ <23> إنٌَي إذْا لَّفٌي ضّلالُ مٍَبٌينُ <24> إنٌَي آمّنًتٍ بٌرّبٌَكٍمً فّاسًمّعٍونٌ<25> )

[يس: 21-25]

أخذوه فقتلوه فنصحهم ميتًا كما نصحهم حيًا وقال: ( يّا لّيًتّ قّوًمٌي يّعًلّمٍونّ <26> بٌمّا غّفّرّ لٌي رّبٌَي وجّعّلّنٌي مٌنّ المٍكًرّمٌينّ <27> ) [يس: 26 27].

ومازال العلماء والدعاة إلى الله يُقتَلون ويُعَذَّبون ويُسجنون ويُشردون لنفس التهمة وهي تهمة تعبيد الدنيا بدين الله فهم لم يزاحموا الخلق في البرلمان ولم يقتلوا النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق ولم يُكفروا أحدا من المسلمين بذنب ما لم يستحله إنها نفس تهمة الأنبياء والمرسلين حين قالوا لقومهم: ( اعًبدٍوا اللَّهّ مّا لّكٍم مٌَنً إلّهُ غّيًرٍهٍ ) [المؤمنون: 23]

فقامت الدنيا ولم تقعد واستمر دعاة الحق في ممارسة جهاد الكملة غير وجلين ولا مبالين بما يصيبهم من أذى في سبيل هذه المهمة العظيمة ولسان حالهم ينطق تهمة لا ننفيها وشرف لا ندّعيه فالمهم أن يرضى عنهم ربهم وأن يدخلهم سبحانه برحمته في عباده الصالحين قال تعالى: ( وقّالّ الذٌينّ كّفّرٍوا لٌرٍسٍلٌهٌمً لّنٍخًرٌجّنَّكٍم مٌَنً أّرًضٌنّا أّوً لّتّعٍودٍنَّ فٌي مٌلَّتٌنّا فّأّوًحّى إلّيًهٌمً رّبهٍمً لّنٍهًلٌكّنَّ الظَّالٌمٌينّ <13> ولّنٍسًكٌنّنَّكٍمٍ الأّرًضّ مٌنً بّعًدٌهٌمً ذّلٌكّ لٌمّنً خّافّ مّقّامٌي وخّافّ وعٌيدٌ <14> واسًتّفتّحٍوا وخّابّ كٍلٍَ جّبَّارُ عّنٌيدُ <15> ) [إبراهيم: 13].

والكلمة في موطنها ومكانها قد تكون أوقع وأمضى من ضربات السيوف ففي الحديث «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاهُ في ذات الله فقتله». وقد أسلم النجاشي علي يد جعفر بن أبي طالب بعد سماعه آيات من سورة مريم وأسلمت قبيلة دوس - ومنهم أبو هريرة راوية الإسلام - على يد الطفيل بن عمرو الدوسي. فجهاد الكلمة قد يكون أشد تأثيرًا من الحسام المهند ومجالاته وميادينه من أوسع وأشمل الميادين فالنصيحة والدعوة إلى الله تشمل الكبير والصغير والرجل والمرأة والحاكم والمحكوم والعالم والجاهل والبر والفاجر و هي مطلوبة قبل جهاد السيف وبعده وأثنائه والقرآن المكي والمدني والسنن والسير تدل على ذلك ومن طالع خطب النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لقادة السرايا والجيوش وتعاهدهم للداخلين في الإسلام لعلم قيمة هذا الجهاد وعلى نفس الدرب سار ابن تيمية وغيره في وعظ الأمراء والحكام وتذكير الرعية أثناء قتال التتار مما كان له أبلغ الأثر في جهاد السيف وتصويبه وثباته في أيدي المجاهدين. والكلمة قد تكون من رضوان الله فيكتب الله للعبد بها رضوانه إلى يوم القيامة ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفا ويحدث بها التمايز بين الصفوف وإن لم يترتب عليها إقامة المجتمع المسلم وإيجاد المسلم بمفهومه الحقيقي فلا أقل من إعذار النفس بالبلاغ وإقامة الحجة و على الخلائق ( رٍسٍلاْ مٍَبّشٌَرٌينّ ومٍنذٌرٌينّ لٌئّلاَّ يّكٍونّ لٌلنَّاسٌ عّلّى اللَّهٌ حٍجَّةِ بّعًدّ الرٍَسٍلٌ ) [النساء:165]

ولقول العلماء والناصحين: ( قّالٍوا مّعًذٌرّةْ إلّى رّبٌَكٍمً ولّعّلَّهٍمً يّتَّقٍونّ <164> ) [الأعراف: 164]

وذلك لما قيل لهم : ( لٌمّ تّعٌظٍونّ قّوًمْا اللَّهٍ مٍهًلٌكٍهٍمً أّوً مٍعّذٌَبهٍمً عّذّابْا شّدٌيدْا ) [الأعراف: 164].

وليس منّا من يحقر من المعروف شيئًا فالكلمة الطيبة صدقة وليس للصائم القائم المجاهد بسيفه أن ينتقص الدعاة والعلماء ففي الحديث: «جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم». ولابد من شمولية النظر في التزام الطاعات والقربات الواجبات منها والمستحبات فهذا هو طريق النصر ولابد من سد جميع الثغرات وكلنا على ثغر من ثغور الإسلام فليحذر أن يُؤتى الإسلام من قِبله قال تعالى: ( فّلّوًلا نّفّرّ مٌن كٍلٌَ فٌرًقّةُ مٌَنًهٍمً طّائٌفّةِ لٌَيّتّفّقَّهٍوا فٌي الدٌَينٌ ولٌينذٌرٍوا قّوًمّهٍمً إذّا رّجّعٍوا إلّيًهٌمً لّعّلَّهٍمً يّحًذّرٍونّ <122> ) [التوبة: 122].

لابد من تعظيم لحرمات الله ولشعائر الله إذ يُخشى على السيف أن ينكسر وينهزم بسبب احتقار الطاعات

( ذّلٌكّ ومّن يعّظٌَمً شّعّائٌرّ اللَّهٌ فّإنَّهّا مٌن تّقًوّى القٍلٍوبٌ <32> ) [الحج:32].

«والدال على خير كفاعله» و«لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمر النعم» وإعمال السيوف في غير مواضعها هلكة عظيمة ففي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلاَّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول الحق أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم». فجهاد السيف له سبيله وصراطه ولا يجوز في فتنة عمياء لم يتضح فيها الحق من الباطل ولا في القتال على الملك ويبقى جهاد الكلمة سالم عن المعارضة لتحقيق المصلحة ودفع المضرة والمفسدة ولذلك لما قيل لسعد بن أبي وقاص : ألا تُقاتل حتى لا تكون فتنة؟ فقال: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنتم تريدونها فتنة. ولما همّ البعض بالخروج على الحجاج بن يوسف الثقفي قال الحسن: «الحجاج عقوبة من الله والعقوبة لا يُغيرها السيف وإنما تغيرها التوبة. وقال: أخشى إن قُتل الحجاج أن يتولى عليكم أمثال القردة والخنازير». وقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم: «ما من نبيّ بعثه الله إلاَّ كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بهديه ثم إنه يتخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يُؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان» فسمى النّبيُّ صلى الله عليه وسلم الدعوة وبيان الحق جهادًا. ولا يخفى أنه إذا تعيّن الجهاد أو داهم العدو الديار تعين على الكل بما فيهم العلماء والدعاة النهوض لملاقاته ودفعه ويأثم القاعد عن ذلك وتكون مشاركة العلماء والدعاة حينئذ أعظم من غيرهم فاليد تُمسك بالسيف والقلب واللسان يجأر بالذكر والدعاء وحثّ الخلق على بذل النفس والمال في سبيل الله وهذا هو الذي يُعبَّرُ عنه بالمصداقية فالكلمة تقع جثة هامدة إذا افتقدت الإخلاص والصدق وشأن الدعوة إلى الله كشأن غيرها من الطاعات والقربات لابد فيها من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة ( فّمّن كّانّ يّرًجٍو لٌقّاءّ رّبٌَهٌ فّلًيّعًمّلً عّمّلاْ صّالٌحْا ولا يشًرٌكً بٌعٌبّادّةٌ رّبٌَهٌ أّحّدْا <110> ) [الكهف: 110]

والدعوة بالسلوك أبلغ من الدعوة بالقول وكان البعض يقول : «تظل كلماتنا أشبه بعرائس الشمع لا تتحرك فإذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح». عباد الله لقد عزّت وندرت الكلمات الطيبة التي تبنى وكثرت الكلمات القبيحة والخبيثة التي تهدم كلمات من سخط الله تراها في الإعلام والتعليم في الثقافة والفن.. هي أشبه بالطوفان الذي يدمر البلاد والعباد فلا أقل من غِيرَةٍ إذا انتهكت محارم الله وشفقة ورحمة من قبل أن يأتي يوم لا مردَّ له من الله لابد من جهاد كبير في إبلاغ الحق للخلق لِيَهْلَكَ من هَلَكَ عن بينة ويَحْيَى من حيَّي عن بيّنة لا تبخل بكلمة تبصر بها بتوحيد الله جل وعلا ومتابعة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كلمة تزكو بها النفوس عساها يُنادى بها على أبواب الجنة وتقول الملائكة لأصحابها ( سّلامِ عّلّيًكٍمً طٌبًتٍمً فّادًخٍلٍوهّا خّالٌدٌينّ <73> ) [الزمر: 73].

وآخر دعوانا أن الحمد و رب العالمين.