ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  97
تفاصيل المتواجدون

انهيار الشيوعية

المادة

انهيار الشيوعية

106 | 10-02-2021

في سؤال طرحتْه عليَّ إحدى الزميلات عن موضوعِ بحثي، فأخبرتُها: "الشيوعية"، قالت: لقد عفَا عليها الزمن واندسَّت، فوافقتُها الرأي فورًا؛ لأن هذا الكلام ظاهريًّا صحيح، لكنَّها لم تختفِ بشكل كامل، وأتساءل: إنْ كان لهذا الاختفاء مِن خطورة قادمة، ربما هو احتمالٌ وارد، لكن ليس بثَوْبها البالي القديم، ولا بفِكْرها الذي تعرى لأفرادها قَبلَ غيرهم! أما بحثي عن انهيارها، فكان:

بالفِعْل تراجعتِ الشيوعية بوصفها نظامًا للحُكم في جميع أرْجاء العالم، بل إنها فقدَت مناصريها في الدول الشيوعية.

بحلول عام 1992م، لم تعُدِ الشيوعية تحوز سلطةً إلا في الصين وكوبا، ولاوس وكوريا الشمالية وفيتنام، وبادرتْ حكومتَا الصين وفيتنام بإجراء إصلاحات اقتصادية.

ورغم وجود أحزاب شيوعيَّة صغيرة في فرنسا واليونان، والبرتغال والمملكة المتحدة، إلا أنَّ ممثليها في الهيئات التشريعية قليلونَ جدًّا، أو منعدِمون تمامًا، وفي إيطاليا، انشقَّ الحزب الشيوعي على نفسِه، وأَسْقَط الحزبان الوليدان السياساتِ الماركسيةَ من أدبياتهما، أما الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق، فقد صنَّفت نفسَها بوصفها أحزابًا اشتراكيَّة، وتخلَّت عن المبادئ الشيوعيَّة.

فقدِ انهارت الشيوعية في معاقلها بعدَ قرابة سبعين عامًا، من قيام الحُكم الشيوعي وبعدَ أربعين عامًا من تطبيق أفكارها في أوربا الشرقية، وأعلن كبار المسؤولين في الاتحاد السوفيتي قبل تفكُّكِه أنَّ الكثير من المبادئ الماركسية لم تعُدْ صالحةً للبقاء، وليس بمقدورها أن تواجِهَ مشاكل ومتطلبات العصر، الأمر الذي تسبَّب في تخلُّفِ البلدان التي تُطبِّق هذا النظام عن مثيلاتها الرأسمالية، حتى الذين حوَّروا في النظام بعضَ الشيء؛ ليتَماشى مع الحضارة المادية العالمية لم يُفلحوا، وانقسموا على أنفسهم.

ومِن تلك الدول المنقسِمة: الصِّين وتبعتْها اليابان، ويرَى هذان الطرفان انحرافَ الروس عن الفِكرة الشيوعية، كما جاء بها سَدَنتُها ماركس ولينين، وكان على رأس الجانب الآخر روسيا، وبجانبها دول أوربا الشرقية، التي رأتْ عدم مرونة الصِّين في معرفة حقيقةِ الشيوعية التي لا تحصل عليها إلا أثناء التطبيق، والجمود على حَرْفية النصوص، ومفهوم النظريات أمرٌ عقيم، لا يأتي بخير، وقد أدَّى هذا الخلافُ إلى صدام على الحدود، هذا إضافةً إلى يوغسلافيا، ذات النِّظام الشيوعي الخاص، فهي تمسك بيدها الواحدة الشيوعيَّة باسم النظام، وتقبض بيدها الثانية على الاتِّجاه الغربي باسم السياسة.

وإن كانتِ الاتِّفاقات بدأتْ تظهر في الآونة الأخيرة بيْن قادة النظامَين المتباينَين ظاهرًا بمختلف أجنحةِ النظام الشيوعي وأطرافه.

  • اقتنع الجميعُ بأنها نظريةٌ فاسِدة، يستحيل تطبيقها؛ حيث تحمل في ذاتها بذورَ فنائها، وقد ظَهَر لمَن مارسوها عدمُ واقعيتها، وعدم إمكانية تطبيقها، ومِن أكبر ناقدي الماركسية من الماركسيِّين أنفسهم، الفيلسوف الأمريكي أريخ مزوم، في كتابه "المجتمع المسلم"، ومن غيرِ الماركسيِّين كارل بوبر، صاحب كتاب "المجتمع المفتوح"، وغيرهما، ويجيء جورباتشوف بكتابه "البيروسريكا"، أو إعادة البِناء؛ ليفضحَ عيوب تطبيق الشيوعية في الاتحاد السوفيتي.

وتبيَّن بعد انهيارها أنَّها لم تفلحْ في القضاء على القوميَّات المتنافِرة، بل زادتها اشتعالاً، ولم تسمح بقدْرٍ ولو ضئيل من الحرية، بل عمدَتْ دائمًا إلى سياسة الظلم والقمع، والنفي والقتْل، وحوَّلت أتباعَها إلى قطيع من البشر، وهكذا باءتْ جميع نبوءات كارل ماركس بالفشَل، وأصْبح مصيرُ النظرية الفناء.

كما أنَّ الواقِع الحي المعاصِر يؤكِّد أنَّ بضعة ملايين مِن الأشخاص، قد فرُّوا من شرق ألمانيا الاشتراكي إلى غرْبها الرأس مالي، وأنَّه لم يهربْ واحد فقط مِن غرب ألمانيا إلى شرقها، وإذا كانتِ الشيوعية صادقةً فيما تقول: لماذا نسمع باستمرارٍ عن هروب أفراد مِن بلادهم ذات النعيم المقيم على حدِّ تعبيرهم، إلى البلاد غير الاشتراكية ذات الجحيم الذي لا يُطاق؟!

وإذا كانتْ بلادهم كما وصفوها، لماذا يضربون الأسوار حولَ شعوبهم؟! ولماذا يمنعونهم من السَّفر للخارج؟! ولماذا لا يدعونهم يذهبون في رحلات سياحيَّة للبلدان التي وُصِفت بالجحيم؛ كي يروا الجحيم بأمِّ أعينهم؟! وماذا عن حرْمان مواطنيهم الذي يجعلهم يتتبَّعون السيَّاح الأجانب؛ من أجْل بقية الطعام أو لفافة دخان يعطونهم إيَّاها؟! ولماذا يذهب وفدٌ رياضي؛ لتمثيل بلادهم في منافسات خارجيَّة فيهرب واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة لبلدان الجحيم!!

وقد تأكَّد بوضوح الآن بعْدَ التطبيق للشيوعية لهذه الفترة الطويلة: أنَّ من عيوب الماركسية أنَّها تمنع المِلْكية الفردية وتحاربها، وتُلغي الإرثَ الشرعي، وهذا مخالِف للفِطرة وطبائع الأشياء، ولا تُعطي الحريَّة للفرْد في العمل وناتج العمل، ولا تُقيم العدالةَ الاجتماعية بيْن أفراد المجتمع، وأنَّ الشيوعي يعمل لتحقيقِ مصلحته ولو هدَم مصالِح الآخرين، وينحصر خوفُه في حدود رقابة السُّلطة وسوْط القانون، وأنَّ الماركسية تهدِم أساس المجتمع، وهو الأسرة، فتقضي بذلك على العلاقات الاجتماعيَّة.

  • اقتنع الجميعُ بأنها نظرية فاسِدة يستحيلُ تطبيقُها؛ حيث تحمِل في ذاتها بذور فنائِها، انتهى الأمر بتفكُّك الاتحاد السوفيتي ذاته، وأصبح اسمُه مجرَّد أثرٍ في تاريخ المذاهب الهدَّامة.

فالحمد لله الذي مَنَّ علينا بنظام إسلامي متكامِل، يُدرَّس لكلِّ جيل، ويُصلِح كلَّ بقعة، غير قابل للتجزئة، وما أخذتْ به الدول إلا وتُحقِّق لها النفع العظيم؛ لأنَّه دِين محكَم، أنزله الخبير العليم بخَلْقه، الذين لن تدركَ عقولُهم القاصرة أسرارَ هذا النظام المتقَن، وستتيه عقولُهم في لُجَج الأهواء والمذاهب، التي لن يتفقوا عليها بطبيعة الحال، ولو افترضْنا صحَّتها في وقت، فسرعان ما سينكشف بُطلانُها مع الزمن، وصدَق الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 104 - 105].