ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  68
تفاصيل المتواجدون

من أصول أهل السنة في الإيمان

المادة

من أصول أهل السنة في الإيمان

150 | 07-12-2020

الأصل الأول؛ الإيمان إعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان:

قال تعالى: {وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: 7]،

وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5].

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها؛ قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .

قال الشافعي: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزي واحد من الثلاث إلا بالآخر) .

قال شيخ الإسلام: (ومن أصول أهل السنة والجماعة؛ أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح) .

وقال ابن القيم: (وها هنا أصل آخر؛ وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق؛ فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة.

فأهل السنة؛ مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب؛ فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم - كما تقدم تقريره - فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد؛ أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد) .

الأصل الثاني؛ ولما كان الإيمان أصلا له شعب متعددة:

"وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان.وهذه الشعب؛ منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب.

وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.

وشعب الإيمان: قسمان؛ قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر: نوعان، قولية وفعلية، ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختياراً وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف" .

والأصل في ذلك؛ حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها؛ قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .

الأصل الثالث؛ أنه "قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر الأصغر

قال ابن القيم: (وهاهنا أصل آخر، وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، هذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها؛ مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة) .

والأصل في ذلك ما رواه الشيخان عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالربذة - وعليه حلة وعلى غلامه حلة - فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر أعيرته بأمه؟! إنك امرؤُ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) .

الأصل الرابع؛ الإيمان يزيد وينقص والناس يتفاضلون فيه:

قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} [الأنفال:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا؛ أحسنهم خلقا) .

قال يعقوب بن سفيان: (الإيمان عند أهل السنة؛ الإخلاص لله تعالى بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل، يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة) .

الأصل الخامس؛ "مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى إسم الإيمان المطلق - أي الإيمان الكامل - ولا يُسلب مطلق الاسم - أي أصل الإيمان -" :

والأصل فيه ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) .

قال أبو عبيد: (والذي عندنا في هذا الباب كله - أي صيغ الوعيد - أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه) .

الأصل السادس؛ مرتكب الكبيرة إن مات من غير توبة، فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ولا يخلد في النار:قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116].

وعن يزيد بن صهيب الفقير، قال: كنا عند جابر فذكر الخوارج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون لهم؛ ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم! لما يريد الله أن يري أهل الشرك من الحسرة، فما يبقى موحد إلا أخرجه الله، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2]) .

الأصل السابع؛ الإستثناء في الإيمان يقع على وجهين:

الأول: أن يراد به أصل الإيمان، فالواجب الجزم به، ولا يجوز الإستثناء فيه لما يتضمنه الإستثناء من تردد، إلا أن يكون من باب التبرك بذكر المشيئة فلا حرج فيه

قال الأوزاعي: (من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله حل وعلا: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27]، وقد علم أنهم داخلون) .

الثاني: أن يراد به كمال الإيمان، فالإستثناء فيه واجب، تجنباً لتزكية النفس، ولأن المؤمن لا يعلم إن كان عمله مقبولاً عند الله أم لا، ولا يجزم باستكمال أعمال الإيمان، قال تعالى: {ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى} [النجم: 32].

وقال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: (أرجو إن شاء الله) .

وقال يحيى بن سعيد: (ما أدركت أحداً من أصحابنا إلا على الإستثناء) .

الأصل الثامن؛ الإيمان له طعم وحلاوة وحقيقة وآيات:

عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا) .

عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) .

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)

الأصل التاسع؛ التلازم بين الظاهر والباطن:

عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)

ونلفت النظر إلى ضلالتين تفرعتا عن مذاهب المرجئة يجب الحذر منهما

الضلالة الأولى: زعم بعض الناس: أن الكفر محصور في الجحود والاستحلال:وأصل هذه الضلالة من جهة المرجئة، حيث أنهم لما قرروا أن الإيمان هو التصديق فحسب، إضطرهم ذلك إلى حصر الكفر في نقيضه، لتوفية المقابلة بين الإيمان والكفر حقها.

ولما وُوجُهوا بما أجمع المسلمون على اعتباره كفراً من الأعمال - كالسجود للصنم - تخلصوا من لازم قولهم - وهو ألا يكون السجود للصنم كفراً -؛ بجعل هذا العمل علامة على الكفر، الذي هو عندهم إنتفاض الإعتقاد الباطن وليس كفرا بالوضع الشرعي .

قال ابن تيمية: (ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن إتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادى الله ورسوله ويعادى أولياء الله ويوالى أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر، ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما اقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع؛ على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل والإيمان، شيء واحد وهو العلم أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو؛ هو.

وهذا القول - مع أنه أفسد - قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة.

وقد كفر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبى عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول.

وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن وإنما كفره بإستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبرا.

وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}، وقال موسى عليه السلام لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر}، بعد قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا * قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا}، فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر}، فدل على أن فرعون كان عالما بأن الله أنزل الآيات، وهو من أكبر خلق الله عنادا وبغيا، لفساد إرادته وقصده، لا لعدم علمه، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}،

وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}.

وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.

وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}.

فهؤلاء غلطوا في أصلين:

أحدهما؛ ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقا، فإن أعمال القلوب - التى يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك - كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه؛ فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني؛ كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته، كما قال تعالى: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب}،

ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله.

والثاني؛ ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذاك، لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بنى آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك، لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدى عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض - كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك - فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس - كإبليس وفرعون - مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق) .

وهذا القول - أي حصر الكفر في انتقاض إعتقاد القلب - مع تولده عن مذهب المرجئة في تعريف الإيمان، هو مصادم للإجماع الصريح على خلافه عند السلف.

قال الإمام اسحاق بن راهويه - أحد الأئمة الأعلام -: (أجمع المسلمون؛ على أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل أنه كافر بذلك، وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله) .

وقال ابن القيم: (وها هنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان، كفر عمل وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود؛ أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل؛ فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده) .

الضلالة الثانية:

"زعمهم أن الإعراض الكلي عن الأعمال الظاهرة - أو ما يعبر عنه بترك جنس العمل - ليس كفراً مخرجاً من الملة، وربما عبروا عنه بأن الأعمال - أي بمجموعها لا بالنظر لكل فرد منها على حدة - شرط كمال في الإيمان.

وهذا من تأثير الخلل في تعريف الإيمان، فإن المرجئة لما عَرفوا الإيمان بالتصديق ولم يدخلوا الأعمال في مسماه، كان من لازم قولهم؛ أن لا يكفر المؤمن بترك جميع الأعمال الظاهرة ما دام التصديق والاعتقاد ثابتاً في قلبه، وقد إلتزموه" .

قال ابن تيمية: (وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان، يراد به أنها لوازم له فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة، ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا وقد يكون الإيمان الباطن تاما كاملاً، وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم.

وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه:

أحدها؛ ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب، تصديق بلا عمل للقلب - كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه والشوق إلى لقائه -

والثاني؛ ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.

والثالث؛ قولهم كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأى الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) .

هذه الضلالة تناقض أصلين من أصول أهل السنة:

الأول؛ شمول مفهوم الإيمان للعمل:

قال الإمام أحمد: (الإيمان لا يكون إلا بعمل) .

وقال ابن أبي زمنين: (الإيمان بالله؛ هو باللسان والقلب، وتصديق ذلك العمل، فالقول والعمل قرينان لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه) .

قال اللالكائي: أخبرنا محمد بن أحمد البصير قال: أنا عثمان بن أحمد قال: نا حنبل بن إسحاق قال: نا الحميدي: (وأخبرت أن أناسا يقولون من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وفعل المسلمين، قال الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة }).

أنا محمد أنا عثمان نا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: (من قال هذا؛ فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به) .

الثاني؛ التلازم بين الظاهر والباطن:

قال ابن تيمية: (وقد تقدم؛ أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع) .

وكان قد قال : (ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والصيام والزكاة والحج، ويعيش دهره لا يسجد له سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع ولا يصدر إلا مع نفاق القلب وزندقته) وسياتى مزيد بيان وتفصيل لحقيقة الإرجاء عند الحديث عن المرجئة إن شاء الله تعالى.

فندعو إخواننا من أهل السنة أتباع السلف الصالح ؛ إلى التعاون على محاربة التيار الإرجائي، وعدم التهاون فيه، ونُذكر بضرورة إعمال قاعدتي النقد والهجر الوقائي، لصيانة المعتقد السلفي من التغيير والإنحراف.

كما نذكر بضرورة التفريق بين من كان إماما في السنة، معروفا بتحري الحق، وله سابقة حسنة في الدين ولكنه وقع في شيء من فروع الإرجاء، على وجه الزلل، ولم ينتصب للدعوة لذلك.

وبين من تصدى للدعوة لتيار الإرجاء وذب عنه، ووالى وعادى عليه، وألف فيه الرسائل، وعقد لأجله المحاضرات.

فالأول؛ يُعتذر له، ولا يتابع على زلته.

والثاني؛ يعامل بأشد من ذلك، مما تقتضيه صيانة الدين والنصح للمسلمين.

وقد أشار لهذا التفريق جمع من العلماء، وفصل فيه الشاطبي في "الإعتصام". والله أعلم

وفى هذه الرسالة الموجزة سنتكلم بحول الله وقوته وتوفيقه وإعانته عن مسألة من المسائل المهمة التى شغلت عموم الأمة ألا وهى مسألة الكفر بالطاغوت بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة ,مع بيان عقيدة أهل السنة فيها .

وقد قسمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام بعد المقدمة والتمهيد

القسم الأول فى بيان الطاغوت وصفته وأنواعه وحقيقة الكفر به وفيه :

تعريف الكفر لغة وشرعاً

أقسام الكفر وأنواعه

أقسام الشرك وأنواعه

الفرق بين الكفر والشرك

تعريف الطاغوت لغة وشرعاً

معنى الكفر بالطاغوت

صفة الكفر بالطاغوت

حقيقة الكفر بالطاغوت

أنواع الطواغيت وبيان خطأ وغلو من حصر الطاغوت فى الحاكم مع أنه عام

غلو الخوارج فى مسألة الكفر بالطاغوت

القسم الثانى عن الخوارج

معنى الغلو وتعريفة

من هم الخوارج

نشأة الخوارج

أسماء الخوارج

صفات الخوارج

أسباب ظهور الخوارج

أراء الخوارج الاعتقادية

فرق الخوارج

موقف الصحابة من الخوارج

فرق الخوارج المعاصرة

الرد عليهم وبيان فساد مذهبهم

الحكم على الخوارج

نصيحة لأهل السُنة أهل الدعوة والتوحيد والجهاد

القسم الثالث عن تفريط المرجئة وفيه :

معنى التفريط وتعريفه

من هم المرجئة

ماهى أصول عقيدتهم

الرد عليهم وبيان فساد مذهبهم

الخلاصة فى المسألة

الخاتمة نسأل الله حسنها

وفيها ذكر أهم مراجع المسألة

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا لطاعته ويجعل عملنا فى رضاه وأن يرزقنا الإخلاص والصدق فى القول والعمل وأن يجعلنا من أنصار دينه وسنة نبيه وعباده الموحدين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

أبو سلمان

عبد الله بن محمد الغليفى

رحمه الله وغفر له