ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  144
تفاصيل المتواجدون

أدلة حجية السنة

المادة

أدلة حجية السنة

858 | 29-11-2020

إن السنة المطهرة حجة شرعية تعبدنا الله تعالى باعتقاد مضمونها والعمل بمقتضاها، وهي شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية والاعتبار، وهما جميعا من عند الله تعالى.

وقد دل على حجية السنة أدلة كثيرة أهمها: القرآن، والسنة، والإجماع، والعصمة، وتعذر العمل بالقرآن وحده:

الدليل الأول: القرآن الكريم:

إن المتأمل في كتاب الله يجد آيات عديدة ومتنوعة المضامين تؤكد وتقرر وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم طاعة مستقلة وأن ما يصدر عنه من الحديث في مجال تبليغ الشريعة ملزم لكافة المسلمين. لا يسع أحداً منهم أن يخالف أمره أو أن يتجاوز نهيه. وبعد تدبر هذه الآيات نجد أنه يمكن تقسيمها إلى الأنواع التالية:

1- الآيات الدالة على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته مع التحذير من مخالفته:

- {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين}([1]).

- {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}([2]).

قال الإمام ابن القيم في تفسير هذه الآية: "فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاماً بأن طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه أوتي الكتاب ومثله معه"([3]).

- {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}([4]).

- {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم... }([5]).

- {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}([6]).

2- الآيات الدالة على وجوب الإيمان به، والإيمان معناه الإذعان والتصديق والتسليم، ومن لوازمه الاتباع للسنة، والتمسك بها، وقبول شريعته صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند حكمه وقضائه، ومن هذه الآيات ما يلي:

- {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}([7]).

قال ابن القيم: "أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحَكِّموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً وينقادوا انقياداً"([8]).

- {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه}([9]).

قال ابن القيم: "فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه"([10]).

3- الآيات الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبين للكتاب وشارح له شرحاً معتبراً عند الله تعالى ومطابقاً لما شرعه للعباد، وأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أمته أمرين: الكتاب والحكمة (وهي السنة):

- {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً}([11]).

ومعلوم أن الواو في لغة العرب تقتضي المغايرة، فالمنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمران: الكتاب والحكمة (وهي السنة).

- {لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}([12]).

قال الإمام الشافعي: "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة: سنة رسول الله، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز والله أعلم أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنةُ رسول الله. وذلك أنها مقرونة مع الكتاب،
وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره. فلا يجوز أن يقال لقول: فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله، لما وصفنا، من أن الله جعل الإيمان برسوله، مقروناً بالإيمان به"([13]).

4- الآيات الدالة على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما يصدر عنه، والاقتداء به والتأسي بسنته، وأن اتباعه من لوازم ونتائج وثمرات محبة العبد لربه:

- {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}([14]).

- {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}([15]).

قال محمد بن علي الترمذي: "الأسوة في الرسول الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل"([16]).

5- الآيات الدالة على أن الله أمره بتبليغ رسالته قرآنا وسنة وأنه عصمه من التبديل والتحريف، مما يفيد وجوب التمسك بالسنة، لأن الله أمره بتبليغها كالقرآن وحماها كما حمى القرآن من التبديل:

- {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون}([17]).

- {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}([18]).

- {اتبع ما يوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين}([19]).

الدليل الثاني: السنة المطهرة:

لقد تعددت وتنوعت الأحاديث الدالة على وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأنها شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية، ويمكن تقسيم هذه الأحاديث تقسيماً موضوعياً إلى أنواع منها:

1- الأحاديث الدالة على أن السنة أخت القرآن تماثله في الحجية والاعتبار، وأنه لا يمكن معرفة الشرع من القرآن وحده، بل لا بد معه من العمل بالسنة:

- عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ؛ ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن ؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ؛ وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"([20]).

- عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

"أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته، يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها مثل القرآن أو أكثر. وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ؛ ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم([21]).

- عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال:

صعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر يوم غزوة تبوك فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم قال: "يا أيها الناس إني ما آمركم إلا ما أمركم به الله، ولا أنهاكم إلا عما نهاكم الله عنه ؛ فأجملوا في الطلب فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن أحدكم ليطلبه رزقُه كما يطلبه أجلُه ؛ فإن تعسر عليكم منه شيء فاطلبوه بطاعة الله عز وجل"([22]).

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى"([23]).

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله"([24]).

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس من بعدي من سنتي"([25])، وفي رواية "الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها الناس"([26]).

- عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة"([27]).

- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ؛ وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي"([28]).

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي"([29])، وفي رواية البيهقي:"... إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبداً كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض".

- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"([30]).

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتدى بي فهو مني ؛ ومن رغب عن سنتي فليس مني"([31]).

2- الأحاديث التي يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بسنته ويحذر من اتباع الهوى والاستقلال بالرأي:

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"([32]).

- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ترخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه فواللـه إنـي لأعلمـهم بالـله وأشـدهم له خشـية"([33]).

- عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول الله،كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً ؛ فإنه من يعش منكم سيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين: تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"([34]).

3- الأحاديث التي فيها الأمر بسماع السنة وحفظها وتبليغها ونشرها بين الناس، مما يدل على حجيتها:

- قال الإمام الشافعي: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه، إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه، لأنه إنما يؤدّى عنه حلال يُؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا"([35])، ومن الأحاديث في هذا الخصوص:

- قال رسـول الـله صلـى الـله علـيه وسـلم فـي حـجة الـوداع: "ألا فليبلغ الشاهدُ الغـائب"([36])، قال البيهقي: "لولا ثبوت الحجة بالسنة، لما قال صلى الله عليه وسلم في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم: ألا فليبلغ ؛ الخ".

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"([37]).

- عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"اللهم ارحم خلفائي. قلنا: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس"([38]).

- عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:، "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عني ولا تكذبوا، فمن كذب عليّ متعمداً ؛ فليتبوأ مقعده من النار"([39]).

الدليل الثالث: الإجماع:

إن حجية السنة أحد أصول الإسلام العظمى ودعائمه الكبرى، وهي من أسس العقيدة وليست من الفروع، وهذا من البدهيات الأولى في دين الإسلام، ومن المسلمات الأساسية التي تظاهرت بها الأدلة.

ولهذا فقد أجمع المسلمون سلفا وخلفا، منذ عهد الصحابة الكرام على أن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة شرعية موجبة لاعتقاد مضمونها والعمل بمقتضاها، ولم ينازع في ذلك أحد من أهل الإسلام، بل لا نجد منهم إلا متمسكا بها، محذّرا من مخالفتها، ذابا عنها، عاملا لإحياء ما أمات الناس منها، ناشرا لعلمها، مذكرا بمكانتها، راجعا عن رأيه إليها، وقد تواتر عن الأئمة الأربعة وغيرهم نحو هذه العبارة:

"إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط"([40]).

فهذا الأصل أعظم من أن يناقش وأبين من أن يختلف عليه، وقد نقل الإجماع عليه كثير من العلماء منهم: الشافعي وابن عبد البر وابن حزم وابن تيمية وابن القيم.

- قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه، بأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بحال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد"([41]).

- وقال أيضا: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس"([42]).

- وقال الإمام ابن حزم: "ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافرا بإجماع الأمة"([43]).

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله"([44]).

- وقال الإمام الشوكاني: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بالتشريع ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام"([45]).

الدليل الرابع: عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من جميع ما يخل بتبليغ الرسالة:

لقد دل الشرع وانعقد الإجماع على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء معصومون من أي شيء يخل بتبليغ ما أرسلهم الله به إلى أممهم، بحيث يؤدون الأمانة على وجهها ويبلغون رسالات ربهم كما أوحيت إليهم دون أدنى خلل.

فقد عصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم وحماه من أي شيء يمكن أن يخل بتبليغ رسالته،فهو معصوم من كتمان الرسالة أو شيء منها،ومعصوم من الكذب في دعواها، ومعصوم من الشك في أي جزئية منها، ومعصوم من التقصير في تبليغها، ومعصوم من تصور الشيطان له، ومعصوم من تلبيس الشيطان عليه ومن تسلطه على خواطره. كما أنه صلى الله عليه وسلم معصوم من السهو والخطأ في أقواله وأفعاله البلاغية أي التي يقصد من خلالها إلى تبليغ الشرع للأمة.

ومن الأدلة على مبحث العصمة ما يلي:

1- دلالة المعجزة: فإن الله أعطاه معجزة القرآن التي تحدى به فصحاء العرب وبلغاءهم فعجزوا عن المعارضة، وخضعت رقابهم للمعجزة، فثبتت بذلك رسالته وأنه مبلغ عن ربه، وحينئذ تقوم المعجزة مقام قول من أرسله بها: "صدق رسولي في جميع ما يبلغ عني من أمور الشرع"، فهو بالتالي معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى، ولو جاز عليه شيء من السهو أو الخطأ في البلاغ لأدى ذلك إلى إبطال دلالة المعجزة وهو محال.

2- إن الله قد شهد له بالبلاغ والصدق وأنه مستمسك بالذي أوحى إليه وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
صراط الله}([46])، وقال: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}([47])، وقال: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}([48]).

3- أخبرت المعجزة نفسها أنه يستحيل عليه يزيد أو ينقص أي شيء في الشرع، قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا
منه الوتين..}([49])، فكل ما يصدر عنه في مجال التشريع هو من عند الله قرآناً كان
أو سنة.

4- قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس}([50])، واضح هنا أن العصمة تتعلق بكل ما يمكن أن يخل بتبليغ الرسالة صَغُر أو كَبُر، فهو محمي من جميع ذلك.

5- إن الله قد حمى رسوله من إضلال أعداء الإسلام وقد زكى الله استمساكه بالشرع، قال تعالى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء}([51])، فلا يستطيعون التأثير على دينه
أو تغيير حرف مما أوحى إليه.

6- إنه صلى الله عليه وسلم معصوم من كيد الشيطان ووسوسته وإغوائه، قال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل منكم قريناً. فقالت عائشة: حتى أنت يا رسول الله. قال: حتى أنا ولكن الله أعانني عليه فأسلمَ " وفي رواية "فأسلمُ"([52]).

تدل الرواية الأولى على أن قرين النبي صلى الله عليه وسلم قد دخل الإسلام، فلا يأمره إلا بخير، وتدل الرواية الثانية على أن الله قد نجاه وسلمه من كيد قرينه وإغوائه فلا يؤثر عليه في شيء.

7- شهد الله له في آخر زمنه بإكمال الرسالة وإتمام الدين دون تقصير ولا قصور: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}([53]).

الدليل الخامس: تعذر العمل بالقرآن وحده:

إن ما يدعيه بعض الناس من أنه يمكن الاقتصار على القرآن الكريم في عبادة الله تعالى فلا يحتاج حينئذ إلى السنة هو عين الضلال ومحض الزندقة، وهو واحد من طرق الأعداء لنسف الدين من أساسه لأنهم يعرفون أن القرآن لا يكفي وحده لعبادة الله كما أمر وشرع، وأنه لا غنى عن السنة في الفهم عن الله تعالى، ومعرفة صفة العبادة الشرعية.

وقد ثبت عن السلف أن القرآن محتاج للسنة لبيان أحكامه، كما دل عليه القرآن نفسه، قال مكحول: "إن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن"([54]) وقال يحيى بن كثير: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيا على السنة".

قال السيوطي: "معنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته ؛ لأن فيه لوجازته كنوزاً تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه صلى الله عليه وسلم، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبيناً للسنة ولا قاضيا عليها؛ لأنها بينة بنفسها؛ إذ لم تصل إلى حد الإعجاز والإيجاز؛ لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح"([55]).

فالقرآن والسنة شقيقان لا يفترقان، ولا يغني واحد منهما عن الآخر، ويستحيل أن نطبق أوامر الله ونتبع شرعه دون العودة إلى السنة، وقد تقدم نقل الإجماع عن
ابن حزم وغيره أن من قال نأخذ بالقرآن وحده وندع السنة أنه كافر بإجماع المسلمين.

وتتبين الحاجة الماسة للسنة في فهم مراد الله في القرآن وبيان العقيدة الصحيحة وصفة العبادة الشرعية بتوضيح أن القرآن الكريم قد اشتمل على آيات محكمات وأخر متشابهات، وتضمن أحكاما وعبادات مجملة وأخرى عامة وأخرى مطلقة، وأخرى مشكلة ومبهمة، وهذه كلها لا يمكن فهمها إلا بالسنة المطهرة، ولا يمكن تطبيقها وترجمتها إلى عمل إلا بالرجوع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فيها.

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

- قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}([56]). هذا دليل على وجوب كل من الصلاة والزكاة. لكننا لا نجد في القرآن البيان التفصيلي عن صفة الصلاة الواجبة وكيفيتها ووقتها وعدد ركعاتها وصفتها وعلى من تجب، وكذلك الزكاة: ما هي وعلى من تجب وفي أي مال تجب وما مقدارها وما شروطها ووجوبها؟

كل ذلك بينته السنة، ولولاها ما عرفناه، حيث بين النبي ذلك بقوله وفعله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"([57])، وبين أنصبة الزكاة وجميع متعلقاتها.

  • قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت.... }([58]) وقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله}([59]).

فما المراد بالحج والعمرة؟ أهما مثل ما كان يفعله أهل الجاهلية أم شيء آخر جديد؟ وما صفة كل منهما وما شروطه؟

الجواب في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وعمرته، التي وردت بها السنة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "خـذوا عني منـاسككم"([60]).

- قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً
من الله...}([61]). فما هي السرقة الموجبة للقطع وما شروطها وما نصاب المال الذي يجب القطع وما هو موضع القطع من اليد؟ كل ذلك جاء بيانه في السنة المطهرة.

هذه الآيات ومثلها كثير لا يمكن إدراك مقصد الشارع منها، ومعرفة أحكامها على التفصيل، وفهم مراد الله منها إلا بالعودة إلى السنة، فإن الله لم يكلفنا بهذه التكاليف التي أجملها في القرآن إلا وقد نصّب لها شارحاً ومبيناً وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بسنته، وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: "في أي قرآن وجد: أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا ؛ وصفة القراءة فيها والسلام ؛ وبيان ما يتجنب في الصوم ؛ وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة، والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة ؛ وبيان الحج.... ثم قال: وإنما في القرآن جمل لو تُركنا وإياها، لم ندر كيف نعمل بها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم... فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة"([62]).

المراجع المساعدة

1- حجية السنة 278 - 382.

2- دفاع عن السنة 13.

3- السنة للسلفي 30 - 90.

4- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي.

5- الحديث والمحدثون لأبي زهو 20.

6- الحديث النبوي للصباغ 20- 30.

أسئلة التقويم الذاتي

1- ما هي الأدلة العامة على حجية السنة؟

2- ما هو موضوع كل نوع من الآيات الدالة على حجية السنة، مع التمثيل بآيتين لكل منها، وبيان وجه الدلالة على الحجية.

3- وضح دلالة قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون...} على حجية السنة.

4- ما هو موضوع كل نوع من الأحاديث على حجية السنة، مع التمثيل بحديثين لكل منها، وبيان وجه الدلالة على الحجية.

5- بيّن دلالة الإجماع على حجية السنة، مع الاستدلال بالقرآن والسنة.

6- بين أن حجية السنة ضرورة دينية لتعذر العمل بالقرآن وحده، مع الاستدلال والتمثيل.

7- لخص هذا المبحث في أربع صفحات من تعبيرك.

([1]) المائدة : (92) .

([2]) النساء : (59) .

([3]) أعلام الموقعين 1/39 .

([4]) الحشر 7 .

([5]) الأنفال 24.

([6]) النور 62 .

([7]) النساء 65.

([8]) أعلام الموقعين 1/42 .

([9]) النور : (62) .

([10]) أعلام الموقعين 1/ 42 ، 43 .

([11]) النساء : (113) .

([12]) آل عمران : (164) .

([13]) الرسالة 7 .

([14]) آل عمران : (31) .

([15]) الأحزاب : (21) .

([16]) انظر الشفا 2/7 .

([17]) الجاثية : (18) .

([18]) المائدة : (67) .

([19]) الأنعام : (106) .

([20]) سنن أبى داود 5/10-11 ح 4604 .

([21]) سنن أبى داود 3/436 ح 3050 .

([22]) رواه الطبرانى فى الكبير .

([23]) البخاري مع الفتح 15 / 174 ح 7280 .

([24]) البخاري مع الفتح 15/174 ح 7281 .

([25]) سنن الترمذي 5/19 ح 2629 .

([26]) أخرجه المقدسى فى كتاب الحجة على تارك المحجة ، انظر : مفتاح الجنة 73 .

([27]) سنن الترمذي 5/45 ح 2678 .

([28]) سنن الترمذي 5/25 ح 2640 .

([29]) الحاكم فى المستدرك 1/93 .

([30]) أخرجه الخطيب فى تاريخ بغداد 4/369 والبغوى فى شرح السنة 1/212 - 213 .

([31]) البخاري مع الفتح 10/ 130 ح 5063 .

([32]) البخاري مع الفتح 15/176 ح 7288 .

([33]) البخاري مع الفتح 15/ 206 ح 7301 .

([34]) سنن أبى داوود 5/13- 14 ح 4607 .

([35]) الرسالة ص402 .

([36]) البخاري مع الفتح 1/ 213 ح 67 .

([37]) سنن ابن ماجه 1/ 86 ح 2306 .

([38]) الخطيب البغدادى ص30 - 31 ح 58 .

([39]) البخاري مع الفتح 7/ 174 ح 3461 .

([40]) انظر : مجموعة الرسائل المنيرية 3/98 .

([41]) الأم 7/250 .

([42]) انظر : أعلام الموقعين 2/361 .

([43]) الإحكام فى أصول الأحكام 2/ 80 .

([44]) رفع الملام عن الأئمة الأعلام 22 ، 23 .

([45]) إرشاد الفحول 32 .

([46]) الشورى : (52 ، 53) .

([47]) النجم : (1-4) .

([48]) الأعراف : (157) .

([49]) الحاقة : (43- 47) .

([50]) المائدة : (67) .

([51]) النساء : (113) .

([52]) صحيح مسلم 4/2167- 2168 ح 69 .

([53]) المائدة : (3) .

([54]) أخرجه سعيد بن منصور فى سنته .

([55]) سنن الدارمى 1/ 153 ح 587 .

([56]) البقرة : (43) .

([57]) مفتاح الجنة : (47) .

([58]) آل عمران : (97) .

([59]) البقرة : (196) .

([60]) صحيح مسلم 2/943 ح310 .

([61]) المائدة : (38) .

([62]) الإحكام فى أصول الأحكام .