ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  162
تفاصيل المتواجدون

السنة في العهد النبوي

المادة

السنة في العهد النبوي

376 | 29-11-2020

مدخل:

لم يكن للدين عقيدة وشريعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصدر سوى القرآن والسنة، ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة والأحكام الأساسية، وفي السنة ما يؤكد تلك الأصول ويبينها بالإضافة إلى ما استقلت السنة به من التشريع مضافا إلى الكتاب العزيز، ولا عجب في ذلك فهما من مصدر واحد هو الوحي، وقد اقتضت حكمة الله أن يفرق بين الوحي المتعبد بتلاوته واعتقاد ما جاء فيه والعمل به، وبين الوحي غير المتعبد بتلاوته مع وجوب اعتقاد ما جاء فيه والعمل به، والأول هو القرآن، والثاني هو السنة.

وقد قبل الصحابة الكرام جميع ذلك على السواء وتنافسوا في حفظه وفهمه والتزامه والدعوة إليه والصبر على تبعاته.

وإذا تأملنا تلك الحقبة الزمنية الفريدة، وهي حياة النبي صلى الله عليه وسلم حين كان الوحي يوجه حياة المسلمين توجيها مباشرا ويتدرج معهم في التشريع ألفينا أنفسنا أمام مدرسة هائلة، المعلم فيها هو محمد صلى الله عليه وسلم المسدَّدُ بالوحي، ومادتها الوحي من الكتاب والسنة، وطلابها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وسنلقي الضوء على أركان المدرسة: المعلم، والمادة العلمية، والطلاب ثم نختم بالحديث على عوامل انتشار السنة في ذلك العهد الشريف.

أولا- شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم:

  • الأنموذج الأعلى في التربية والتعليم:

إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علمه ربه عز وجل فأحسن تعليمه، وأدبه فأحسن تأديبه، وأعده إعداد كاملاً لحمل الرسالة وتبليغها، وحباه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ونبيل الخصال وطيب المعشر ما هيأه ليكون الأنموذج البشري الأعلى في التربية والتعليم ، وجعله قدوتنا الحسنى حيث قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}([1]) وشهد له بالسمو الخلقي فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}([2])، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم بالرفق واللين ويبتعد عن الشدة والتعنيف، ويقول: "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولانزع عنه إلا شانه"([3]) ويقول: "من يحرم الرفق يحرم الخير"([4])، ويقول: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"([5]).

كما كان يعلم بالتيسير والتبشير ويتجنب التنفير والتعسير ويقول: "بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا"([6]) وعلمه ربه عز وجل أن الشدة والغلظة والفظاظة لا تأتي بخير، وأن الرحمة والعفو ولين الجانب هو المنهج الصحيح في التعليم والتربية، قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}([7]).

وكان صلى الله عليه وسلم يقدم الصفح والعفو مستجيبا لأمر الله تعالى:
{وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل}([8])، {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}([9]).

وكان يؤثر الحسنى فتزداد محبة المحب وتنقلب عداوة العدو إلى ولاء ومودة {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} ([10]).

بهذا المنهج السامي علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ورباهم فازدادت محبتهم له وحرصهم على تلقي سنته والعمل بها وفدوه بأرواحهم وأولادهم وجميع ما يملكون، فكان بحق الرحمة المهداة والمعلم الرحيم والمربي الودود والمرشد الصادق الأمين إلى صراط الله المستقيم، وكان الصحابة جيلا فريدا ومفخرة للبشرية إلى قيام الساعة.

2- تجاوبه الكامل مع دعوته صلى الله عليه وسلم:

كان صلى الله عليه وسلم يعيش لدعوته ومعها لا يشغله شاغل غيرها، ينام ويصحو عليها ويقضي كل وقته في خدمتها، مندفعا بكل قلبه ومسخراً جميع قواه الذهنية والبدنية من أجل تبليغ رسالة ربه، متحملا كل صروف الأذى وأنواع المعاناة بكل صبر وشموخ وعزة من أجل تدعيم أركان الإسلام لا يصده عن ذلك شيء، داعيا لقومه بالهداية، متمنيا دخول جميعهم في دين الله ونجاتهم من النار، ويشتد أمر عدم استجابتهم عليه فيسليه ربه عز وجل ويخفف عنه بقوله تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} ([11])، وقوله: "إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء" ([12]).

ولما جاء نصر الله والفتح وأرسى الله دعائم الإسلام وقامت دولته كان النبي
صلى الله عليه وسلم هو الرئيس الأمين، والقائد الشجاع الرحيم، والفقيه المعلم، والمربي الناصح والمفتي الصادق، والمخطط الواعي، والزاهد الورع، يمارس كل ذلك بروح عالية ونفس صافية وحماسة صادقة.

فكان لهذا التجاوب الكبير مع دعوته والتضحية في سبيلها أبلغ الأثر في نفوس أصحابه وإقبالهم على كل جليل ودقيق من أمره متعلمين مقتدين ومهتدين، وشاركوه في حمل الأمانة، ونقلوا إلينا جميع ما صدر عنه بإخلاص وتحر ودقة.

3- حضه صلى الله عليه وسلم على طلب العلم:

إن التعلم هو الطريق إلى معرفة العقيدة الصحيحة وصفة العبادة الشرعية والتفقه في دين الله، وهو سبب النجاة وسبيل الهداية، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به وحض عليه قولا وعملاً وتصريحا وتلميحا، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"طلب العلم فريضة على كل مسلم" ([13])، وقوله: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ([14]).

وأرشد إلى أن العلم من مجالات التنافس المعتبرة لدى الشارع فقال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"([15]).

ونبه إلى ضرورة الانتفاع بالعلم والاستقامة عليه، فكان كثيراً ما يدعو ويعلم ذلك أصحابه فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" ([16]).

وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم أحد أسباب استمرار أجر ابن آدم بعد موته، فقال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية أو علم ينتفع به بعده أو ولد صالح يدعو له" ([17]).

وقد استجاب الصحابة الكرام لهذه التوجيهات النبوية، وتسابقوا في طلب العلم وحفظ السنة والعمل بها.

4- بيانه صلى الله عليه وسلم لمنزلة المعلمين والمتعلمين:

دل الكتاب والسنة على عظيم فضل العالم والمتعلم وما لهما من الأجر والمكانة العالية، قال تعالى: {إنما يخشى اللّهَ من عباده العلماءُ}([18])، وقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط}([19])، وقال: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب}([20])، وقال صلى الله عليه وسلم: " العلماء ورثة الأنبياء"([21])، وكفاهم بذلك فضلا، وأمر بتقدير أهل العلم ومعرفة حقوقهم ومنزلتهم فقال: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا
حقه"([22]).

وأبلغ النبي صلى الله عليه وسلم في بيان منزلة طالب العلم ، ذلك أن العلم
يحيي الله به القلوب كما يحيي النبات بالماء، والعلم لا يقاس بشيء نفاسة إذ به تحصل الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة، والعلم يحرسك ويحميك بإذن الله، أما ما سواه من أمور فأنت تقوم عليه وتحرسه، وقد اشتملت السنة على ثروة هائلة في هذا الباب نقتبس منها ما يلى:

- قال صلى الله عليه وسلم: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله عز وجل فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ([23]).

- وقال: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله" ([24]).

- وقال: " مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب "([25]).

5- وصية النبي صلى الله عليه وسلم بطالب العلم:

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بطالب العلم خيرا، وأمر بمساعدته على ما هو بصدده من الرغبة في التفقه في الدين، فعن أبي هارون العبدي قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: وما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه سيأتي بعدي قوم يسألونكم الحديث عني فإذا جاءوكم فألطفوا بهم وحدثوهم "، وفي رواية: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نوسع لكم في المجلس وأن نفقهكم فإنكم خلوفنا وأهل الحديث بعدنا"([26]).

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يرحبوا بطلاب العلم فيقول: " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفتوهم "، وفي رواية " وإنهم سيأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيرا "([27]).

بهذا ندرك طرفا من منزلة العلم وأهله وطلابه في دين الله فمن أخذ بذلك أخذ بحظ وافر، وكان مقتديا مهتديا وترك أثراً طيبا حيث حل، وعَبَدَ الله على علم ولم تحيّره الفتن المدلهمة، ونال جزيل المثوبة في الآخرة.

6- منهجه صلى الله عليه وسلم في نشر سنته:

لقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ الطرق وأنجح الوسائل وأنجع الأساليب في تعليم الصحابة بما حباه الله تعالى من الأدب الجم والشمائل العالية والعلم الغزير والأسلوب التربوي المتميز، فكان لمنهجه الفذ أبلغ الأثر في إقبال الصحابة على سنته وحفظها والعمل بها ونشرها وحمايتها، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:

أ- اتخاذ مقر للدعوة والتعليم:

إن الموقع الذي يجتمع فيه المعلم بالطلاب في غاية الأهمية لحسن سير العملية التعليمية، ولهذا فقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم منذ فجر الدعوة مقرا يجتمع فيه بالصحابة الكرام، ويعلمهم أسس العقيدة، ويحفّظهم ما يتنزل عليه من الوحي قرآنا وسنة، ففي عهد سرية الدعوة كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي بالمسلمين الأوائل في دار الأرقم بعيدا عن أعين المشركين وأذاهم، ثم أضحى منزله بمكة ندوة للمسلمين ومعهدهم الذي ينهلون فيه من القرآن والحديث، ولما انتقل إلى المدينة المنورة أصبح المسجد هو المكان المعهود للتربية والتعليم والتوجيه والقضاء والفتوى وتعلم صفة العبادة الشرعية والأخلاق والآداب الإسلامية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك عندما قويت شوكة الإسلام وأضحى للمسلمين دولتهم، فلم يكن التعليم مقصورا على مكان معين أو مناسبة محددة بل كان النبي
صلى الله عليه وسلم يفقه أصحابه ويوجههم في كل حين وآن، في الطريق وفي المنازل وفي الأسواق، وحال إقامته وسفره، وحال السلم والحرب.

وكان الصحابة الكرام يتسابقون لحضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ينهلون بنهم من معينه الصافي، ولا يكادون يفارقونه ، فكانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حوله يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ([28])، فكان حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم متمشيا جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن الكريم ويزيده رسوخا مسارعة الصحابة إلى العمل والتطبيق، فكان حرصهم على الاستقامة على دين الله مثل حرصهم على حفظ ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، حامدين الله تعالى أن أنقذهم به من ظلمات الكفر وضلالات الجهالة.

ب- التدرج في الدعوة وتبليغ الشرع:

لقد تدرج الوحي قرآنا وسنّة في تعليم الصحابة من حيث انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، ليحل محلها بالتدريج العقائد الصحيحة والعبادات المشروعة وأحكام المعاملات وفضائل الأخلاق والآداب، فكان لذلك أبعد الأثر في حسن تربية الصحابة واستقامتهم على الدين الجديد وسهولة حفظه وتطبيقه، وكان منهج " التخلية قبل التحلية " قد استمر ثلاثة وعشرين عاما بُني خلالها هذا الدين واكتمل متمشيا مع أحوال المسلمين، ملامسا قلوبهم ونفوسهم برحمة وحرص على نفعهم ودفع الضرر عنهم، فازدادوا تمسكا به وحرصا عليه، ولو كان الأمر دفعة واحدة لشق عليهم فهمه وحفظه والاستقامة عليه.

جـ- عدم المداومة على التعليم خشية الملل:

راعى النبي صلى الله عليه وسلم ما تحتاج إليه النفس البشرية من الاسترواح بين الحين والآخر، وكان يدرك بما علمه ربه عز وجل أن النفوس تمل والقلوب تكل بالمداومة على التعليم الجاد فتقل الفائدة، ويكد الذهن عن التحصيل، وقد يحصل نوع من الرغبة عن الخير، فكان يجمع في تعليمه بين الجدية والترويح، وبين الموعظة وتعليم الأحكام، كما كان ينقطع بعض الأيام عن تعليمهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة مع الأيام كراهة السآمة
علينا "([29])، وهذا أنجع الأساليب في تثبيت المعلومة والتشجيع على تحصيلها برغبة نفس وانشراح صدر.

د- مخاطبة الناس على قدر عقولهم:

إن الكلام الذي لا يبلغ عقل السامع ولا يستطيع فهمه قد يسبب في فتنته وربما أتى بنقيض المقصود منه، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب سامعيه على قدر عقولهم وبحسب مستويات إدراكهم فيُفهّم البدوي الجافي بما يناسب طبعه، ويُفَهّم الحضري بما يلائم بيئته، ويكتفي بالإشارة إلى الألمعي الذكي، ويوجه بالعبارة من دونه، ويركز على الإقناع بالحوار المناسب للمدارك المتفاوتة، من ذلك ما رواه أبوهريرة قال: " جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال، فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق "([30])، فاستراح الأعرابي لهذا الإقناع المناسب لفهمه، وزال من نفسه ما كان يجده تجاه أهله.

هـ- مخاطبة الناس بلهجاتهم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس بلغاتهم ليتأكد من تبليغ شرع الله إليهم بما لا يدع مجالا للشك، من ذلك قوله لأحد الأشعريين (وهم يقلبون اللام ميما): " ليس من امبر امصيام في امسفر "، أي " ليس من البر الصيام في السفر " ([31]).

و- تكرار الحديث ليتأكد من بلوغه للسامع وفهمه له:

إن بلوغ الشرع للناس وفهمهم له هو مقصد النبي صلى الله عليه وسلم من مخاطبتهم، ولهذا فإنه كان إذا تكلم تكلّم ثلاثا ليعيه السامع ويحفظه، ويفصّل الكلام ليتبينه المخاطب، فعن عائشة رضي الله عنها " أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسرد الكلام كسردكم، ولكن كان إذا تكلّم تكلّم بكلام فصل يحفظه من سمعه" وفي رواية: " إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه "([32])، وعن أنس رضي الله عنه قال: " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا "([33]).

ز- استخدام جواب الحكيم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على النفع والإفادة وبيان حكم الله للناس حتى لا يبقى لسامع استفسار ولا لسائل مشكل يحيره، ولهذا فإنه كثيرا ما يجيب السائل بأكثر من مرمى سؤاله حرصا على تعليمه وتنبيها له على ما قد يجهل السؤال عنه، من ذلك جوابه للذي سأله عن الوضوء من ماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل
ميتته "([34])، فأضاف فائدة يحتاج إليها السائل هي حل الأكل من ميتة البحر وأن حكمها مخالف للميتة من الحيوانات غير البحرية، وقد ترجمه البخاري لذلك بباب: " من أجاب السائل بأكثر مما سأله "([35])، وهذا يسمى جواب الحكيم، لما فيه من الحكمة وبعد النظر.

ح- توخي منهج التيسير والرحمة والبعد عن التعسير والشدة:

كان صلى الله عليه وسلم يميل إلى التيسير في كل أموره، وينأى عن التشديد والتكلف، ويرغّب المسلمين في إتيان الرخص مثل إتيانهم العزائم، وينهى عن التنطع
في العبادة، وكان يقول: " علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم
فليسكت "([36])، وعندما بال الأعرابي في المسجد ونهره الصحابة قال لهم النبي
صلى الله عليه وسلم: " دعوه، إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلواً من ماء "([37])، ثم بين للأعرابي الواجب في حق بيوت الله.

ط- الرحمة والتواضع:

كان صلى الله عليه وسلم للمسلمين معلما حليما وأبا رحيما، فكان يتوخّى ألين أساليب الخطاب لتعليم أصحابه، من ذلك قوله: " إنما أنا لكم مثل الوالد، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها "([38]).

وقد بلغ صلى الله عليه وسلم القمة في التواضع، وكان يمنع أصحابه من مدحه، ويقول: " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله ".

ي- الحض على سماع حديثه:

لقد تقدم الكلام على ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العلم وبيانه لمنزلة المعلمين والمتعلمين، وقد خص حديثه بمزيد من الحض على سماعه وحفظه وتبليغه على الوجه الذي سمع عليه، من ذلك قوله: " نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "([39])، ممّا جعل الصحابة يتنافسون في ذلك رغبة في الأجر وحرصاً على التفقه في الدين.

ك- تخصيص دروس للنساء:

كان الصحابيات يستفدن من التوجيه العام للنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وفي المناسبات المختلفة، وما غبن عنه يبلغهن عن طريق أزواجهن وأبنائهن وإخوانهن أو عن طريق أمهات المؤمنين أو عن طريق السؤال المباشر للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فقد خصهن النبي صلى الله عليه وسلم بدرس يتناسب مع خصوصياتهن، كما كان يخصهن بموعظة بعد صلاة العيد ([40]).

بهذا المنهج التربوي المتميز كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه وسائر المسلمين من بعدهم مما أسهم في حفظ دين الله وحمايته والاستقامة عليه ونشره برغبة وحماسة وإتقان.

ثانيا: مادة السنة المطهرة:

لقد كان الصحابة قبل إسلامهم يعيشون في ظلمة ظلماء وجاهلية جهلاء قاسوا منها المتاعب والويلات على مختلف الأصعدة، ولهذا فعندما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام وما فيه من الحق والعدل والإحسان أدركوا حقيقة هذه النعمة، وقدروها حق قدرها، فتسابقوا في تعلم هذا الدين في جليل الأمور ودقيقها، حتى يصوغوا حياتهم الجديدة عليه. وقد لبّت السنة المطهرة هذا الشغف لدى الصحابة بمادتها الشاملة لكل جوانب الحياة، فشملت تصحيح العقيدة وإحلال التوحيد محل الشرك، فحررت بذلك قلوب الصحابة ونفوسهم وشخصياتهم، وشملت بيان صفة العبادة الشرعية من مناسك وغيرها فأصبحت العبادة موجهة للإله الحق وفق الصفة التي شرعها لعبادة، وشملت أنواع المعاملات المتعددة من بيوع وإيجار وسلف ورهن وإعارة وغيرها، وشملت أنظمة الأسرة من خطبة ونكاح وطلاق وتربية للأولاد وحسن العشرة بين الزوجين، وطاعة الوالدين وتوقير الصغير للكبير، وشملت أنظمة المجتمع من تراحم وتكافل وتواد وتعاون على أوجه البر والتقوى، وشملت أنظمة الدعوة والجهاد وأحكام التعامل مع غير المسلمين في الداخل والخارج، وشملت التوجيه إلى أسمى الفضائل وأرقى الآداب وأنبل الشمائل.

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " إن الله عز وجل بعث إلينا محمدا
صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل"، وفي رواية: "كنا ضُلاَّلاً فهدانا الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فبه نقتدي"([41]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: " توفي رسول الله صلى عليه وسلم وما من شيء إلا ذكر لنا خبره حتى الطائر يطير في السماء".

بهذا الشمول والتنوع والكمال كانت السنة بديلا حقيقيا للصحابة في كل أمور حياتهم، فأقبلوا عليها بكل شغف ينهلون من معينها الصافي ويستقيمون عليها ويدعون إليها ويصبرون على تبعاتها، رجاء ثواب الله فنالوا السعادة في الدارين إن شاء الله.

ثالثا: منهج الصحابة في تلقي السنة:

إن الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول ثقات أمناء بتعديل الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم لهم، وكفي بالله شهيدا {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ([42])، {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود}([43]).

وهم الذين اختارهم الله تعالى لمؤازرة نبيه ونصرته وحمل الأمانة معه ومن بعده، وهم الذين شاهدوا ملابسات نزول الوحي وعلموا تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم وما صدر عنه، وتربوا على يد أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد أقبلوا على هذا الدين بكل صدق وإخلاص، متيقنين أن الله أنقذهم به من الضلالة ونجاهم به من الجهالة، فضحوا في سبيله بأنفسهم وأولادهم فضلا عن أموالهم، فكان حرصهم شديدا على سماع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وفهمه وحفظه ومذاكرته والعمل به وتبليغه للآخرين.ومن أهم ملامح منهجهم في تلقي السنة ما يلي:

1- اعتقادهم أن السنة هي سبيل النجاة:

ما كاد الإيمان يخالط قلوب الصحابة الكرام حتى عرفوا عظمة الإسلام وأن الله أنقذهم بهذا النبي الأمين من الضلال والجهالة، فأحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وفدوه بأرواحهم، وانكبوا على سنته معتقدين أنها سبيل النجاة، يرصدون جميع ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ويبذلون الوسع لحفظه والتزامه ونشره، ويجتهدون للاقتداء به في جميع أموره، فهو الهادي البشير المبلغ عن العزيز الكبير، وقد تقدم معنا قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهم: "كنا ضلالا فهدانا الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فبه نقتدي"، وكان لهذا الاعتقاد أثره الكبير في حسن تلقيهم للسنة والحرص على حفظها والعمل بها وحمايتها.

2- ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه العلمية وسائر أحواله:

كان حرص الصحابة شديدا على حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وفي بيوته وبيوت أصحابه حتى لا يفوتهم شيء من هديه المبارك، وكانوا يلازمونه في كل أحواله في السفر والحضر وسائر المناسبات، متلهفين للسماع منه، ملاحظين لما يقوم به، فكل ذلك عندهم دين يرغبون ألا يفوتهم منه شيء، فقد ذكر الزبير بن العوام أنه لم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم، ونحوه عن عثمان، وكذا غيرها من الصحابة ([44]).

3- التكافل العلمي بين الصحابة:

كان للصحابة مسؤولياتهم المعاشية، وقد يعسر على بعضهم حضور بعض المجالس والمناسبات، فابتكروا منهجا بديعا يحصّل الغائب من خلاله ما فاته، وكان ذلك المنهج ذا شقين هما:

- التناوب على حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحدث الحاضرُ الغائبَ بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وشاهده من أمره، من ذلك قول عمر رضي الله عنه: "كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك"([45]).

- السؤال عما فاتهم من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم:

كان أولئك النجباء لا يرتاح لهم بال حتى يستكملوا ما فاتهم سماعه أو مشاهدته من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك بسؤال من حضر، والتأكد من دقة
النقل، ليس اتهاما لمن يحدثهم فإن الصحابة كلهم عدول ولم يكونوا يعرفون الكذب، وإنما خشية الخطأ والنسيان، قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه"([46])، وقال أنس رضي الله عنه: " ما كنا نكذب (في الحديث) ولا كنا ندري ما الكذب "([47]).

بل كان الحاضر منهم يحرص على تبليغ الغائب ، قال البراء: " ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهدُ الغائبَ"([48]).

4- مذاكرة الحديث لتثبيت حفظه:

كانت المذاكرة أحد آداب الصحابة الكرام لحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسمعون الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتذكرونه فور قيامهم من مجلسه حتى لا يتفلت، قال أنس رضي الله عنه: "كنا نكون عند النبي
صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه"([49]).

5- الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم بغرض التعلم:

لقد كثرت الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم من آفاق جزيرة العرب للإسلام والتفقه في الدين، ثم العودة إلى أقوامهم معلمين، حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود، يحدوهم في ذلك قول الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}([50]).

ومن أمثلة ذلك قول ابن الحويرث: " أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رفيقا رحيما، فقال: " ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم" ([51]).

6- الموازنة بين العلم والعمل:

كان الصحابة يتلقون سنة النبي صلى الله عليه وسلم لتطبيقها، فكانوا يحملون همّ العمل أكثر من حملهم همّ العلم، ولهذا كانوا متجاوبين مع تدرج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمهم وتربيتهم، فيحفظون شيئا من القرآن والسنة، ثم يفهمونه ويعلمون فقهه ثم يطبقونه، ثم يحفظون غيره، قال أبو عبد الرحمن السلمي: " حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا " ([52]).

7- حفظ السنة عن طريق كتابتها:

قام عدد من الصحابة بكتابة ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم بغرض
حفظه أو تعليمه أو إرساله إلى من يستفيد منه، من ذلك: الصحيفة الصادقة لعبد الله ابن عمرو،وكتاب سعد بن عبادة،وكتاب معاذ بن جبل، وكتاب عبد الله بن مسعود، وكتاب أبي رافع، وصحيفة على بن أبي طالب رضي الله عنهم، وسيأتي مزيد بيان لهذا في مبحث كتابة السنة.

تلك كانت أساسيات منهج الصحابة في تلقي السنة عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهي واضحة الدلالة على أنه لم يغب عن مجموعهم شيء من هدي النبي
صلى الله عليه وسلم، فقد لازموه في كل أحواله وترصدوا جليل أموره ودقيقها بإيمان صادق ورغبة جامحة في الاهتداء والاستقامة، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله وأحواله في نومه ويقظته وحركته وسكونه وقيامه وقعوده، واجتهاده وعبادته، وسيرته وسراياه ومغازيه، ومزاحه وأمره ونهيه، وأكله وشربه، وخطبه وعهوده ومواثيقه، وكتبه إلى المسلمين والمشركين، وفتاواه وقضائه، وعهوده ومواثيقه، ومعاملته أهله وأصحابه، وتصرفاته مع أعدائه ونصائحه ومواعظه وتوجيهاته ([53])... ولله الحمد والمنة.

رابعا: عوامل انتشار السنة في العهد النبوي:

لقد تقدم الكلام على جوانب من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه في التعليم وطبيعة مادة السنة ومنهج الصحابة في تلقيها ما يجعلنا نقول بكل ثقة: إن السنة كانت محفوظة إلى جانب القرآن الكريم منذ أيام الدعوة الأولى، وإن العناية الإلهية قد تكفلت بحفظ السنة كما تكفلت بحفظ القرآن، وإنه سبحانه قد هيأ الصحابة لهذا الدور في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنهم قد حفظوا جميع السنة وأحاطوا بها في مجموعهم وإن كان نصيب كل منهم يختلف عن نصيب الآخر في ذلك بين مكثر ومقل.

وهناك عوامل متعددة أسهمت في توسيع دائرة انتشار السنة في العهد النبوي، يمكن اختصارها فيما يلي:

1- التوفيق الإلهي والإرادة الربانية:

فإن الله تعالى إذا أراد أمراً هيأ أسبابه، وقد شاء سبحانه أن يكون الإسلام هو خاتمة الأديان، وشاء أن يكون وحيه به قرآنا وسنة، وتكفل بحفظ الأمرين ونشرهما حتى يعبد وحده ويعبد بما شرع وأمر، وقد قال سبحانه: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ([54])، والذكر هنا يشمل القرآن والسنة، كما تقدم النقل في ذلك عن ابن المبارك وغيره.

2- نشاط النبي صلى الله عليه وسلم في نشر سنته:

لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة لنشر دينه إلا استفاد منها، ولا سبيلا إلا سلكها فعرض دينه على القبائل والأفراد، وتكلم في المجامع العامة والخاصّة، واتصل بوفود المواسم، واتخذ مقرّاً للتعليم، وأفاد من كل مناسبة للتبليغ عن ربه عز وجل، وصبر على صنوف الأذى حتى نصره الله تعالى، فكان كل ما يصدر عنه قولا وفعلا وتقريرا وصفة محل عناية ممن آمن به، يأخذ مكانه في نفوسهم وقلوبهم وجوارحهم، فبلغت السنة بسبب ذلك مبلغا واسعا من الانتشار.

3- طبيعة الإسلام من حيث هو نظام جديد، وبديل كامل لما كان عليه الناس في الجاهلية:

فكان الناس يتساءلون عن هذا الدين وعن رسوله وأحكامه وأهدافه فيسمع بعضهم من بعض، ويسمع بعضهم من النبي صلى الله عليه وسلم، مما جعل دائرة انتشار السنة تتسع.

4- نشاط الصحابة في نشر السنة:

فقد كانوا يدركون دورهم الحقيقي في وجوب تلقي السنة والعمل بها ونشرها، فكان الواحد منهم يعلم أهله وجيرانه ومن يلتقي به، وكان الوافد إذا أسلم عاد إلى قبيلته معلما وقد تُسْلِم القبيلة جميعها على يديه، كما كانوا ينشرونها في الأسواق والمحافل وفي أثناء المواسم.

5- دور أمهات المؤمنين في نشر السنة:

كان لأمهات المؤمنين فضل عظيم في بيان السنة للصحابيات ولا سيما في بعض التفاصيل المتعلقة بخصوصيات يخجل النساء من السؤال فيها، فيجدن إجابتها عند أمهات المؤمنين، أو يسألن لهن الرسول صلى الله عليه وسلم في حينها، وقد عرف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بغزارة العلم، وبخاصة عائشة رضي الله عنها، التي أدت دورا كبيرا في نشر السنة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.

6- رسل النبي صلى الله عليه وسلم وبعوثه وولاته في الآفاق:

أضحت المدينة مقر الدولة الإسلامية الجديدة، وقاعدة الدعوة إلى التوحيد وسائر تعاليم الرسالة الخاتمة، وعني النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإرساء دعائم المجتمع المسلم، ولم يغفل عن نشر دعوة ربه في المواضع النائية والبلاد البعيدة فضلا عن القبائل المجاورة، فأرسل بعوث الهداية إلى الآفاق يحملهم كتبه إلى رؤساء القبائل والملوك، وإذا ما أسلم قوم أبقى فيهم من يفقههم في دين الله، وإذا ما أسلم أهل بلد عين لهم واليا وقاضيا يحكم فيهم بشرع الله، ويقضي فيما يعرض لهم من الخصومات ويفتيهم فيما يستجد لهم من الحوادث ويعلمهم القرآن والسنة.

وقد ازداد عدد البعوث بعد صلح الحديبية، ففي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يتكلم كل منهم بلسان القوم الذين بعث إليهم، وركز النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه المرحلة على مراسلة ملوك عصره، فقد وجه رسله بكتبه إلى قيصر الروم، والنجاشي ملك الحبشة، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس أمير مصر، وأمير بصرى، وأمير دمشق، وأمير اليمامة، وغيرهم.

وكان لهذه البعوث والكتب المرسلة معها أبلغ الأثر في نشر علوم الكتاب والسنة وهداية الناس بإذن الله"([55]).

7- فتح مكة:

لما نقض كفار قريش عهدهم في صلح الحديبية في السنة الثامنة للهجرة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم القبائل المسلمة أن تصوم شهر رمضان معه في المدينة المنورة، ثم خرج بهم إلى مكة في عشرة آلاف مجاهد، ففتحها الله له وطهرها من الأصنام، وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أعدائه الذين طالما آذوه واضطهدوا أصحابه، فتسابقوا إلى دين الله أفواجا، وأقبلوا على التفقه في الدين، فاتسعت مساحة نشر السنة، ونقلت مع خبر الفتح إلى الآفاق، وازداد إقبال الناس على الدين بعد أن هوت رموز الكفر والطغيان وتحطم صرحه، فانشرحت صدورهم للإيمان وأدركوا ضرورة الالتحاق بركبه.

8- حجة الوداع:

أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة للهجرة أنه حاج فتناقل الناس ذلك وأسرعوا في الوفود على المدينة ومكة للحج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من معه في رحلته يرصدون كل أقواله وأحواله ويحفظونها ويسألونه عن أمور دينهم، وفي يوم عرفة خطب فيهم خطبته الجامعة الشهيرة، وكانوا يومئذ حوالي مائة ألف، وأمرهم في نهايتها بالتبليغ عنه فقال: "ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ([56]). وانطلقت الجموع الغفيرة إلى الآفاق بتلك الخطبة وبما سمعوه من أحاديثه الأخرى وما شاهدوه من أحواله وتصرفاته، فازدادت السنة شيوعا.

9- الوفود آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

ما إن تسامع الناس بخبر الفتح ثم بحجة الوداع حتى تسابقت العرب من سائر أنحاء الجزيرة إلى الوفود على النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعته على الإسلام والطاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحب بهم ويبالغ في إكرامهم ويعطي لكل حظه من التعليم والتوجيه والإرشاد والعناية، وبعد إقامة كافية لتعلم ما يحتاجونه، تعود الوفود إلى قبائلها لتبليغ الدين ونشر سنة الرسول الأمين، وقد يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معهم توجيها مكتوبا أو أحد أصحابه معلما. ومن أشهر هذه الوفود وفد عبد القيس، ووفود بني حنيفة وطيء وكندة وهمذان وثعلبة وبني سعد وملوك حمير، وغيرها.وقد نقل الوفود إلى أقوامهم ما تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بالمدينة، وما شاهدوه من صفة عبادته وأخلاقه وسائر أحواله.

بهذه العوامل وغيرها انتشرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الآفاق، وعمل بها المسلمون وحفظوها ودافعوا عنها وعلموها غيرهم، وانتشر الإسلام في الجزيرة العربية جميعها ودان له أهلها قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل الناس الوحي من الكتاب والسنة والتزموهما، فلم يكن لهم مصدر في الحياة سواهما، واكتمل الدين وحفظه الله بحفظه، ولله الحمد والمنة.

المراجع المساعدة

1- الحديث والمحدثون لأبي زهو:46- 62.

2- السنة قبل التدوين للخطيب: 29- 74.

3- السنة ومكانتها في التشريع للسباعي:49 - 61.

4- السنة للسلفي: 165.

5- دراسات في السنة النبوية لصديق عبد العظيم: 61- 98.

أسئلة التقويم الذاتي

1- ماهي عناصر مدرسة الإسلام في العهد النبوي؟

2- ماهو مصدر الدين في ذلك العهد؟

3- تحدث في ست نقاط عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم المعلم المربي

4- ماهي معالم منهج النبي صلى الله عليه وسلم في نشر سنته؟

5- ما أثر مادة السنة في إقبال الصحابة عليها؟

6- تحدث في سبع نقاط عن أهم ملامح منهج الصحابة في تلقي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم

7- ماهي عوامل انتشار السنة في العهد النبوي؟

8- اطلع على ما تيسر لديك من المراجع المساعدة، وأضف نقطة اجتهادية إلى ما سئلت عنه تحت الأرقام:3 ، 4 ، 6 ، 7.

9- ما منزلة المعلم وطالب العلم في السنة؟

10- اكتب ثلاث صفحات بتعبيرك تضمنها عصارة ما خرجت به من هذا المبحث.

([1]) الأحزاب : (21) .

([2]) القلم : (4) .

([3]) صحيح مسلم 4/2004 ح78 .

([4]) صحيح مسلم 4/2003 ح77 .

([5]) البخاري مع الفتح 12/464 ح6024 .

([6]) البخاري مع الفتح 1/220 ح69 .

([7]) آل عمران : (159) .

([8]) الحجر : (85) .

([9]) البقرة : (109) .

([10]) فصلت : (34) .

([11]) الكهف : (6) .

([12]) القصص : (56) .

([13]) أخرجه ابن ماجه 1/80 ح 244 .

([14]) البخاري مع الفتح 1/221 ح 71 .

([15]) البخاري مع الفتح 1/223 ح 73 .

([16]) سنن ابن ماجه 1/92 ح 250 .

([17]) أخرجه أحمد فى المسند 2/372 .

([18]) فاطر : (28) .

([19]) آل عمران : (18) .

([20]) الزمر : (9) .

([21]) سنن أبى داود 4/57 - 58 ح 3641 .

([22]) رواه الطبرانى فى الكبير 8/196 ح7703 .

([23]) رواه مسلم 4/2074 ح38 .

([24]) رواه الحاكم 1/91 كتاب العلم وقال الذهبى على شرطهما .

([25]) رواه الطبرانى 8/64 ح 7347 ورجاله رجال الصحيح .

([26]) رواه الخطيب فى شرف أصحاب الحديث ص 22 ح 35 ، ص20 ح 33 .

([27]) سنن ابن ماجه 1/55 ، 56 .

([28]) انظر : مجمع الزوائد 1/132 .

([29]) مسند أحمد 5/202 .

([30]) صحيح مسلم 2/1137 .

([31]) البخاري مع الفتح 4/693 ح 1946 .

([32]) انظر : البخاري مع فتح الباري 7/389 .

([33]) انظر : فتح الباري 1/198 ، والمقصود بتكرار السلام هنا عند الاستئذان للدخول .

([34]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 2/272 ح 1241 .

([35]) البخاري مع الفتح 1/241 .

([36]) مسند أحمد 5/150 .

([37]) مسند أحمد 12/244 ، وأصل الحديث فى صحيح البخاري .

([38]) مسند أحمد 13/100 .

([39]) سنن الترمذي 5/33 ح 2656 .

([40]) انظر : صحيح البخاري مع فتح الباري 1/206 ، 239 ، مسند أحمد 13/85 .

([41]) مسند الإمام أحمد 7/209 ، 8/68 ، 77 .

([42]) الفتح : (18) .

([43]) الفتح : (29) .

([44]) انظر سنن ابن ماجه 1/10 ، مسند أحمد 1/363 ، قبول الأخبار 29 .

([45]) انظر البخاري مع الفتح 1/195 .

([46]) معرفة علوم الحديث (14) .

([47]) انظر الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع .

([48]) المحدث الفاصل بين الراوى والواعى 32 .

([49]) الخطيب البغدادى فى الجامع لأخلاق الرواى وآداب السامع 1/236 .

([50]) التوبة 122 .

([51]) البخاري مع الفتح 2/321 ح 631 .

([52]) انظر المدخل لدراسة القرآن الكريم 24 .

([53]) انظر المدخل إلى كتاب الإكليل للحاكم 7 .

([54]) الحجر : (9) .

([55]) للتوسع فى أخبار رسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء راجع : المصباح المضىء للأنصارى 60-114 .

([56]) انظر : صحيح مسلم 3/1306 ، سيرة ابن هشام 4/276 .