ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  141
تفاصيل المتواجدون

تعريف السنة وبيان أقسامها

المادة

تعريف السنة وبيان أقسامها

528 | 29-11-2020

أولا: تعريف السنة

1- السنة في اللغة([1]):

السنة في لغة العرب اسم مشتق من فعل (سَنّ) يَسِنُّ ويَسُنُّ، والمصدر: السَّنُّ، والجمع: السُنَنُ، بضم السين، ويجوز فتحها وكسرها. وهي تطلق على معان أشهرها ما يلي:

أ- السيرة المتبعة والطريقة المسلوكة والمنهج والمذهب حسنًا كان ذلك أم قبيحا غير أن استعمالها في الممدوح أكثر، وإذا استعملت في المذموم قيدت غالباً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))([2])، ومنه قول خالد بن عتبة الهندلي([3]):

فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها
سرتها

وأول راض سنة من يسيرها

ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم

قد بينوا سننا للناس تتبع

وقد ورد إطلاق السنة في القرآن الكريم على معاني متعددة، منها هذا المعنى، وهو: الطريقة والسيرة والنهج الذي كان عليه الأسلاف، ومنه قوله تعالى: {يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم}([4])

ب- الأنموذج الذي يُحتذى والمثال الذي يقتدى به والصورة التي يتمثل بحسنها والإمام الذي يُؤتم به،

ومنه قول ذي الرمة:([5])

تريك سنة وجه غير مقرفة

ملساء ليس بها خالٌ ولا ندب

أي صورة وجه حسنة يتمثل بجمالها. ومن هذا المعنى قول لبيد:

من معشر سنت لهم آباؤهم

ولكل قوم سنة وإمامها([6])

ج- البيان: يقال سن الأمر بينه، وسن الله سنة بين طريقا قويما.

د- ابتداء الأمر:كل من ابتدأ أمرا عمل به قوم من بعده فهو الذي سنه، قال نصيب: ([7])

كأني سننت الحب أول عاشق

من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي


هذه أشهر الإطلاقات للسنة في لغة العرب، ولجميعها صلة بمعنى السنة في الاصطلاح فهي الطريقة القويمة المحمودة، والأنموذج الذي يحتذى به، وهي البيان الشافي الكافي للرسالة الخاتمة، وقد ابتدأها النبي صلى الله عليه وسلم - بوحي من ربه عز وجل - وعمل بها الصحابة الكرام وسائر المسلمين من بعده تطبيقا لأمر الله عز وجل بوجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

2- السنة في الاصطلاح:

للسنة اصطلاح عام أجمع عليه علماء الإسلام، ولها اصطلاحات خاصة بحسب أغراض العلوم الشرعية وذلك على النحو التالي:

  • الاصطلاح العام للسنة([8]):

إن علماء الشريعة جميعهم متفقون على أنّ السنة مصدر للدين عقيدة وشريعة وأخلاقا وآدابا وفضائل وعلوما ومعارف، وأنها يستمد منها الأحكام التكليفية
الخمسة، فهي تأمر بالواجب، وتحضّ على المندوب، وترشد إلى المباح، وتحذّر من المكروه، وتنهى عن الحرام، وهذا واضح في مصنفاتهم وتقريرهم لعلومهم المتنوعة التي استنبطوها من السنة وأسسوا أحكامهم عليها، وبنوا فقههم استنادا إليها.

قال مكحول([9]): "السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج ".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية([10]): "إن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل ".

ويستند هذا الاصطلاح العام إلى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة الدالة على أن السنة وحي يجب اتباعه، وأنها شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية والاعتبار، وأنها مصدر للدين مع القرآن الكريم تبعا له واستقلالا، وسيأتي حشد هذه الأدلة في مواضع متعددة بحسب الحاجة، ولا سيما في مبحث أقسام السنة من حيث الوحي بها([11])، ومبحث حجية السنة.

وبعد هذا المعنى العام الذي أجمع عليه أهل العلم بخصوص السنة، نجد لها جملة من الاصطلاحات بحسب تنوع أغراض علوم الشريعة وتعدد مقاصدها التي تتكامل وتصب في إطار واحد هو خدمة هذا الدين خدمة شاملة، ولهذا فإن الاختلاف في اصطلاحاتهم حول السنة هو اختلاف تنوع وتكامل وليس اختلاف تضاد وتعارض، وهذا واضح من اتفاقهم على القاعدة والأساس واللباب، ثم انطلاق كل منهم للبناء على ذلك الأصل وخدمة دينه من خلال تخصصه والوقوف على تلك الثغرة حرصا على ألا يؤتى الإسلام من قبله ولئلا يكون قصور أو تقصير من جهته، وبفضل الله ثم بجهود هؤلاء الجهابذة نمت علوم الشريعة وازدهرت بما لا يعرف لغير أمة الإسلام، ولله الحمد والمنة.

وفيما يلي ذكر تعريف السنة لدى كل من المحدثين والأصوليين والفقهاء وعلماء العقيدة، وبيان صلة تلك التعريفات بأغراض هذه العلوم:

ب- الاصطلاحات الخاصة للسنة

1- السنة عند المحدثين:

يُعْنَى المحدثون بجميع جوانب شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وينقلون كامل سنته قولا وفعلا وتقريرا وصفة، سواء كان ذلك قبل الرسالة أو بعدها وسواء أثبت حكما شرعيا أم لم يثبت، فقد عنوا به رسولا أمينا ونبيا كريما وإماما هاديا وقدوة وبشيرا ونذيرا ومبلغا عن ربه عز وجل، كما نقلوا كل ما يتصل بنسبه وطفولته وشبابه وكهولته ودوّنوا جميع تفاصيل حياته بعد البعثة خاصّها وعامّها، ورووا شمائله الكريمة وصفاته النبيلة، كل ذلك بدقة وشمول لم يحصل لنبي سواه، ولهذا يعتبر تعريف المحدثين للسنة هو أشمل التعريفات على الإطلاق لما فيه من الوفاء بجوانب شخصية النبي صلى الله عليه وسلم جميعها، حتى إنه لا يشذ عنه شيء مما يتصل بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه، فالسنة في اصطلاح المحدثين هي: "كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو سيرة أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها"، وسيأتي التمثيل لذلك في مبحث أقسام السنة([12]).

2- السنة عند الأصوليين:

عني علماء أصول الفقه بالجانب التشريعي في ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المشرع الذي يقرر القواعد للمجتهدين من علماء الأمة، ويبين لهم أصول الاستدلال وكيفية استنباطها من الأدلة الكلية، فهم يبحثون في السنة من حيث هي مصدر للتشريع تستمد منها الأحكام الكلية التي تبنى عليها الفروع الفقهية، فالأصولي يهتم بالكليات والأحكام العامة وليس بالجزئيات مثل "الأمر يدل الوجوب"، "والنهي يقتضي الفساد أو التحريم"، وهذه الأحكام العامة هي التي يستعملها الفقيه في استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية.

ولهذا قصروا عنايتهم على القول والفعل والتقرير، وعرفوا السنة بأنها: "ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير".

3- السنة عند الفقهاء:

يعنى الفقيه بأمرين أساسيين: أولهما: بيان الحكم الشرعي الذي خاطب الله به المكلفين، ومن هنا بحثوا في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا تخرج أقواله وأفعاله وتقريراته في مجال تبليغ الشريعة عن الدلالة على حكم شرعي من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم. وهم بهذا المعنى يوافقون سائر العلماء في الاصطلاح العام للسنة من حيث هي مصدر للدين، وهذا بيّن في كتب الفقه، حيث نجدهم يقولون مثلا: هذه مسألة واجبة بالكتاب والسنة، أو يقولون: دلت السنة على ندب هذا الأمر أو إباحته أو كراهته أو تحريمه.

وبالإضافة إلى دلالة صنيعهم في مصادر الفقه عند الاستدلال للأحكام فإننا نجد لهم تنصيصات بذلك في مواضع متعددة([13]). والسنة المرادة هنا هي شطر الوحي ومصدر الاستدلال على العقائد والأحكام.

ومن هنا ينبغي التنبيه إلى أن ما يرد في كثير من المصادر من نسبة تعريف الفقهاء للسنة بأنها النافلة أو ما يقابل الفريضة هو قول غير محرر وتعميم يحتاج إلى تفصيل وتحديد، اعتُمد فيه نقل اللاحق عن السابق بلا بحث أو إعمال نظر، والمفترض التنصيص على أن من عرف السنة من الفقهاء بأنها "ما دل عليه الشرع من غير افتراض ولا وجوب" إنما قصدوا اصطلاحا خاصا يميز بين الفرض والنفل، ولم يقصدوا إلى تعريف السنة التي هي مصدر للدين، فيجب التنبه إلى الموضع الذي تبحث فيه المسألة للتفريق بين الأمرين([14]).

أما الجانب الثاني الذي يعنى به الفقيه فهو البحث عن حكم الشرع على أفعال العباد، وأعظم ذلك ما كان متعلقاً بطلب الفعل وهو الوجوب والندب، وهنا نجد أكثر الفقهاء قد عبروا بالسنة عما ندب إليه الشرع ورغب فيه، للتمييز بينه وبين ما أوجبه، فالسنة المرادة هنا هي أحد الأحكام التكليفية الخمسة، وليس المراد بها السنة التي هي مصدر تلك الأحكام، ويمكن الاستئناس لاستخدام السنة حكما شرعيا مقابل الفرض بنحو قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله عز وجل فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه" ([15])، ويؤيده فهم التابعي مكحول الشامي الذي قال: "السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها حرج" ([16])، ومن أشهر تعريفات السنة الواردة للفقهاء في هذا الباب أنها:

- " ما دل عليه الشرع من غير افتراض ولا وجوب". وهذا التعريف استخدمه أكثر من مذهب.

- " ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه". أو " ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه"، وهذا من تعريفات الحنابلة والمغاربة من المالكية.

- " الفعل المطلوب طلبا غير جازم"، وهذا من تعريفات الشافعية، والمشارقة من المالكية.

- " ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله مع ترك ما بلا عذر"، وهذا من تعريفات الحنفية.

4- السنة عند علماء العقيدة:

تطلق السنة عند علماء العقيدة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أصول الدين، وما كان عليه من العلم والعمل والهدي، وما شرعه أو أقره مقابل البدع والمحدثات في الدين، وما كان عليه الصدر الأول من المتابعة لذلك الهدي، ومن هنا يقال: "فلان على سنة" إذا كان متبعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أصول الاعتقاد ومنهج الفهم والتلقي والعمل، ويقال: "فلان على بدعة"، إذا اعتقد أو عمل على خلاف ذلك، ولذلك فعندما حدثت البدع وظهرت الأهواء والفرق بعد مقتل عثمان رضي الله عنه احتاط السلف للدين وميزوا بين المتسنن المقتدي وبين صاحب الهوى والبدعة المتردي، قال محمد بن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"([17]).

وهذا المعنى واضح في نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن رغب عن سنتي فليس مني"([18])، وقوله: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ"([19])، وقوله: "وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة"([20]).

كما أن هذا المعنى بيّن في كلام السلف، نحو قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"([21])، وقول محمد بن شهاب الزهري: "كان من مضي من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة"([22])، وقول الفضيل ابن عياض: "أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع([23]).

ولهذا فإن علماء القرن الثالث فما بعده قد ألّفوا كتبا عنونوا لها بمصطلح "السنة" وضمنوها مسائل العقيدة وأصول الدين والرد على المبتدعة، منها:

- السنة للإمام أحمد بن حنبل

- السنة لأبي بكر بن الأثرم

- السنة لابن أبي عاصم

- السنة لمحمد بن نصر المروزي

- السنة لأحمد بن محمد الخلال

- صريح السنة لأبي جعفر الطبري.

ومن إطلاقات السنة التي لها صلة بهذا المعنى أن يراد بها الدين كله، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "إن السنة هي الشريعة، وهي ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الدين"([24])، وقال الحسن البصري وسفيان الثوري في تفسير قوله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها}([25])قالا: "على السنة"([26]).

والمراد بالسنة في هذا المقرر هو اصطلاح المحدثين لشموله جميع ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وسواء أثبت ذلك حكما شرعيا أو لم يثبت، وذلك يمثل كل مادة السنة المطهرة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي عني المحدثون بخدمتها رواية ودراية وتصنيفا.

ثانيا: أقسام السنة

- أقسام السنة من حيث الوحى بها:

* سنة هى وحى غير مقترن بلفظ دال عليه.

* سنة بمنـزلة الوحى

- أقسام السنة من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم:

- القول

- الفعل

- التقرير

- الصفة

* خَلْقية

* خُلُقية

ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم

* بقصد التبليغ عن الله عز وجل

1- وحى باللفظ: وهو القرآن.

2- وحى بالمعنى: وهو السنة.

* بغير قصد التبليغ

1- إما أن يوافقه عليه الوحى فيلحق بالقسم الثانى ويأخذ حكمه ويكون بمنـزلة الوحى

2- وإما أن لا يقره عليه الوحى فنعمل بالبديل الموحى به

ثانيا: أقسام السنة([27]):

تنقسم السنة عند المحدثين باعتبارات متعددة، منها ما كان بالنظر إلى الوحي بها، ومنها ما كان بالنظر إلى صدورها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يتعلق بطريقة دلالتها على الأحكام، ومنها ما كان بالنظر إلى القبول والرد، ومنها ما يتعلق بعدد الطرق التي يرد بها الحديث.

وسيفرد هذا المبحث للكلام على القسمين الأولين، أما القسم الثالث فموضع بحثه عند الكلام على منزلة السنة من القرآن الكريم، وأما القسمان الرابع والخامس فهما من مباحث مادة مصطلح الحديث.

1- أقسام السنة من حيث الوحي بها:

تنقسم السنة بهذا الاعتبار إلى قسمين مؤداهما واحد، وهو أن السنة وحي من الله تعالى، يجب اتباعها كما يجب اتباع القرآن، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام، وهذه مسألة غفل عنها كثير من المسلمين اليوم بينما كانت لدى المتقدمين من المسلَّمات كما سيأتي النقل عنهم بعد الاستدلال للمسألة من القرآن والسنة، حيث قرر أهل العلم أن ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون بقصد تبليغ الأحكام عن الله تعالى أو يكون غير قاصد به التبليغ عن الله تعالى.

أما ما قصد به التبليغ عن الله فهو وحي قطعا معصوم عن الخطأ والسهو فيه، وهو نوعان:

- إما أن يكون قد أوحي إليه مصحوبا بلفظ معجز دال عليه، فذلك هو القرآن الكريم.

- وإما أن يكون قد أوحي إليه غير مصحوب بلفظ دال عليه فتلك هي السنة، وهي القسم الأول من السنة باعتبار الوحي بها، أما القسم الثاني من السنة فهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير قصد التبليغ عن الله تعالى وهو بمنزلة الوحي بعد إقراره من الله تعالى، كما سيأتي بيانه.

أ- القسم الأول من السنة بهذا الاعتبار:

سنة هي وحي من الله تعالى غير مقترن بلفظ دال عليه، لأن الوحي المقترن بلفظ دال عليه هو القرآن الكريم، وهذا القسم هو معظم السنة، وهو الذي صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصد تبليغ الدين عن ربه عز وجل، وقد نزل به الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم كما نزل القرآن، إلا أن القرآن نزل بلفظ معجز متعبد بتلاوته، وأما السنة فهي وحي بالمعنى دون اللفظ. والأدلة على أن السنة وحي كالقرآن الكريم كثيرة، منها:

* الأدلة من القرآن الكريم:

- قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}([28]) وقد نص أهل العلم على أن ذلك يشمل السنة أيضا.([29])

- وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي}([30]) أي قرآنا وسنة.

- وقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}([31])وبيان القرآن هو السنة ، وهو من عند الله تعالى.

وقوله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}([32])، قال الإمام الشافعي: "سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"([33]) وبه قال الحسن وقتادة ومقاتل وغيرهم من التابعين، وهو قول عامة المفسرين مثل الطبري وابن كثير والشوكاني، وعزاه ابن تيمية إلى السلف([34]).

  • وقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ([35])، فقد قرر أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله، وما ذلك إلا لأن سنته وحي من الله.

* الأدلة من السنة:

وردت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى من أن السنة وحي من الله تعالى، من ذلك:

  • قوله صلى الله عليه وسلم: (( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو متكىء على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله))([36])، وفي رواية: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع..."([37])، وفي رواية: " لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر: إما أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكىء على أريكته فيقول: ما ندري ما هذا؟ عندنا كتاب الله وليس هذا فيه.."([38]). فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من ذلك ويتبرأ من فاعله.
  • حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فمه وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق"([39]).
  • قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه))([40])، قال الإمام الخطابي في معالم السنن: وهذا يحتمل وجهين:

أحدهما: أن معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو. والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى وأوتي من البيان مثله".

  • قوله صلى الله عليه وسلم: " فرض الله على أمتى ليلة الإسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه حتى جعلها خمسا "([41]).
  • انتظاره صلى الله عليه وسلم الوحي في كثير مما يسأل عنه فينزل عليه وحي ليس بقرآن وهو السنة، ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم: " أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: بركات الأرض، قالوا: يا رسول الله وهل يأتي الخير بالشر؟ قال الراوي: فصمت حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، وقال: أين السائل؟ قال: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الخير لا يأتي إلا بالخير))([42]).

- ومنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالجعرانة([43]) ومعه نفر من أصحابه فسأله رجل: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي
صلى الله عليه وسلم ساعته، فجاءه الوحي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمرّ الوجه وهو يغط، ثم سُرّي عنه، فقال: أين الذي يسأل عن العمرة؟ فأتي بالرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك"([44]).

  • ورود التصريح بالوحي في أحاديث كثيرة، منها:

* قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد))([45]).

* قوله صلى الله عليه وسلم: ((أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم))([46]).

* قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن روح القدس نفث في روعي أن لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم))([47]).

* نزول جبريل عليه السلام في صورة بشر معلما بالوحي، كما في حديث الإيمان والإسلام والإحسان، وفي آخره: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم))([48]).

* تنصيص السلف على أن السنة وحي من الله تعالى:

لقد تعددت النقول عن السلف بهذا المعنى، ومن ذلك:

  • كتاب أبي بكر إلى أنس رضي الله عنه عندما كان عاملا على البحرين،
    وفيه: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسـول الله صـلى الله عليه وســلم والتـي أمـر الله بهــا رسوله"([49]).
  • وقال عمر رضي الله عنه: " يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا لأن الله تعالى كان يريه"([50]).
  • وقال التابعي حسان بن عطية: "كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن"([51]).
  • واشتكى بعض تلاميذ عبد الله بن المبارك إليه جهود الزنادقة في وضع الحديث فقال له عبد الله: "يعيش لها الجهابذة"، ثم قرأ: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
    لحافظون} ([52])، فالذكر هنا يشمل القرآن والسنة، وقد تكفل الله بحفظهما على السواء، كما هو واضح من إجابة ابن المبارك واستدلاله.
  • وقال الإمام ابن حزم: " القرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله".
  • وقال: " إن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن، والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقال في قوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي}: " فأخبر تعالى -كما قدمنا- أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي". وقال: " فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه وأن لا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه"([53]).
  • وقال أبو البقاء: " والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحيا منزلا من عند الله"([54]).
  • وقال الإمام البيهقي: " ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما وحي يتلى، والآخر وحي لا يتلى"([55]).
  • وقال الشيخ الزرقاني: " إن الكتاب والسنة كلاهما وحي من الله نزل به الروح القدس"([56]).

بهذه الأدلة الكافية الوافية الشافية من الكتاب والسنة وفهم الصحابة وسائر السلف وأقوال أهل العلم يتبين بما لا يدع مجالا للالتباس أن السنة النبوية المطهرة وحي من الله عز وجل، وأنها شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية والاعتبار، وأن الرسول
صلى الله عليه وسلم ليس إلا مبلغا عن ربه عز وجل فيما شرعه لعباده من الدين
القويم، وأن الله تعالى تعبدنا باتباع السنة كما تعبدنا باتباع القرآن، عرف ذلك من شرح الله صدره للحق فآمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وأنكر ذلك أهل الشبهات والشهوات الذين لا حظ لهم في دين الإسلام، إذ أجمع أهل العلم على ردة من أنكر حجية السنة. ومن أعظم مهام طلبة العلم أن يبينوا هذه الحقيقة العظمى للمسلمين خاصة وللناس عامة حتى يسعدوا بنعمة الإسلام العظمى عقيدة وشريعة ومنهج حياة .

ب-القسم الثاني من السنة بهذا الاعتبار:

وهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير قصد التبليغ، ومن ذلك اجتهاده صلى الله عليه وسلم وما صدر عنه ابتداء من غير سابق وحي، وهذا القسم على نوعين:

1- النوع الأول: أن يوافقه عليه الوحي ويقره عليه فيصبح حينئذ بمنزلة الوحي وفي حكمه من حيث الحجية والاعتبار ووجوب العمل به، وتعرف الموافقة والإقرار له بعدم التعقيب عليه بالمخالفة وعدم الإنكار عليه وعدم نزول حكم يناقضه، لأن الوحي لا يتركه بلا تعقيب إذا كان ما صدر عنه خلاف مراد الله، وقد علمنا ذلك بتعقيبه عليه فيما صار فيه إلى خلاف الأولى كما سيأتي في النوع الثاني، كما علمناه بيقيننا أنه لا يقر على ما لم يرضه الله دينا لعباده، قال تعالى: {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}([57]).

فهذا التقرير المصاحب لهذا النوع الأول يدلنا على صحته وحقيقته ومطابقته
لمراد الله، بل لم يقتصر الأمر على هذا التقرير فحسب، فإن الله تعالى قد أمرنا باتباعه في جميع مايصدر عنه وما يهدي إليه وأنه القدوة المطلقة والمثل الأعلى والهادي المسدد بالوحي. قال الإمام الشافعي: "وما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله في الوحي اتباع سنته صلى الله عليه وسلم فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله، قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}([58]). واحتج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالآية نفسها، وقال: "إن من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكتاب الله
قبل، فإن حكمه في وجوب اتباعه حكم ما ورد به الكتاب"([59]). وخلاصة الأمر في هذا النوع أن له منزلة الوحي وحكمه لإقرار الوحي له، فيجب العمل به والتزامه، ولن يتخلى الوحي أبدا عن تسديد الرسول صلى الله عليه سلم.

2- النوع الثاني من هذا القسم: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صار في اجتهاده أو ما صدر عنه ابتداء إلى خلاف الأولى فيرشده المولى وينبهه إلى الأولى ويأمره باتباعه، وحينئذ يجب العمل بالبديل الموحي به وترك خلاف الأولى، فيكون الاحتجاج في هذه الحال بعدم التقرير عليه وبالتنبيه الذي جاء عقبه، والأمثلة على ذلك قليلة منها:

- اجتهاده صلى الله عليه وسلم في قبول الفداء من أسرى بدر بعد استشارته لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأنزل الله تعالى: {وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب
من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}([60]).

- صلاته صلى الله عليه وسلم على المنافق عبد الله بن أبي سلول إكراما لابنه عبد الله بن عبد الله الذي أبلى في الإسلام بلاء حسنا ودرءا للفتنة وتأليفا لأتباعه على الإيمان فأنزل الله تعالى: {ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}([61]).

- إعراضه صلى الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم الصحابي الضرير الذي
جاءه وهو مشغول بعرض الإسلام على زعماء قريش راجيا إيمانهم، فأنزل الله تعالى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما
من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى} ([62]).

بهذا المبحث يتبين لك أن جميع ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة بقصد التبليغ عن ربه عز وجل هو وحي من عند الله تعالى، وأن ما صدر عنه بغير قصد التبليغ عن الله وأقره الوحي عليه كان بمنزلة الوحي وله حكمه، وجميع ذلك حجة
على العباد يلزمهم العمل بمقتضاه، أما ما لم يقره الوحي عليه فإن الاحتجاج يكون بالتنبيه الذي جاء به الوحي عقبه فتوجب العمل بالجميع لأن الوحي لا يتخلى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتركه بلا تسديد.

2- أقسام السنة من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه سلم:

تنقسم السنة بهذا الاعتبار إلى أربعة أنواع: قولية، وفعلية، وتقريرية، ووصفية، وذلك على النحو التالي:

أ- السنة القولية:

وهي كل كلام صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظه، مثل حديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى)) ، وحديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ، وحديث: ((الدين النصيحة)) وحديث: ((بني الإسلام على خمس)) ([63]).

ومن السنة القولية الحديث القدسي، وهو ما أسنده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل، وموضع الكلام عليه وعلى الفروق بينه وبين القرآن الكريم والحديث في مادة مصطلح الحديث ([64])، ومثاله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ([65]).

ب- السنة الفعلية:

وهي تشمل جميع ما نقل إلينا من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في كل
أحواله، ومن أمثلة ذلك ([66]):

- حديث عائشة رضي الله عنها في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام: " كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم".

- حديث حذيفة رضي الله عنه: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك".

- حديث ابن عمر رضي الله عنهما: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير".

وقد أمرنا الله عز وجل بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه في جميع أحواله: في السلم والحرب، والسفر والإقامة، وفي معاملة الأزواج والأولاد والأصحاب وفي الرحمة بالضعيف، وفي العدل في الحكم، وفي الشورى، وفي رد الحقوق لأصحابها، وفي موالاة المؤمنين والبراء من الكافرين، والرغبة في هداية الآخرين وحب الخير لهم، وبذل المعروف وكف الأذى، وكفالة اليتيم وسد حاجة الأرمل، وغير ذلك من خصاله الكريمة وأفعاله السامية النبيلة، قال تعالى:{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ([67])، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} ([68]). وقد أدى النبي صلى الله عليه وسلم الشعائر الإسلامية، وأمرنا أن نلتزم هديه ونحذو حذوه، فقال في شأن الصلاة: " صلوا كما رأيتموني أصلي" ([69])، وقال في شأن الحج: " خذوا عني مناسككم" ([70])، ومن السنن الفعلية التي يغفل عنها كثير من الناس عمل القلب من محبة الله وأوليائه، وخشية الله، ورجاء ثوابه، وترك الكبر والجبن والشح والهلع....

جـ- السنة التقريرية:

وهي أن يحدث أمر أو يقال قول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته ومشاهدته أو في غيبته ثم ينقل إليه فيقره النبي صلى الله عليه وسلم إما بالسكوت وعدم الإنكار أو بالموافقة والاستحسان، ومن ذلك:

- حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه سلم لنا لما رجع من الأحزاب: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: " لا نصلي حتى نأتيها"، وقال بعضهم: " بل نصلي، لم يرد منا ذلك"، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم"([71]).

- حديث أنس رضي الله عنه: "كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه"([72]).

- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمما صعيدا طيبا، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك
له، فقال للذي لم يعد: " أصبت السنة"، وقال للآخر: " لك الأجر مرتين"([73]).

د- السنة الوصفية:

وهي نوعان:

* الصفات الخُلُقيّة: وهي ما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة وما فطره عليه من الشمائل العالية المجيدة وما حباه به من الشيم النبيلة، ومن ذلك:

- حديث ابن عباس رضي الله عنهما: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة"([74]).

  • حديث عائشة في وصف أخلاقه صلى الله عليه سلم حيث قالت: " كان خُلُقه القرآن".
  • حديث أنس رضي الله عنه قال: " خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟"([75]).

* الصفات الخَِلقية: وهي تشمل هيأته التي خلقه الله عليها وأوصافه الجسمية، من ذلك:

- حديث " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير"([76]).

- حديث أم معبد بعد أن مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته المباركة، فوصفته لزوجها قائلة: " رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، قسيم وسيم، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء"([77]).

بهذا تكون قد تعرفت على أقسام السنة من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا وصفة، وهي محفوظة مدونة في أمهات كتب السنة ومصادر السيرة النبوية الشريفة.

المراجع المساعدة

1- أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى 1/71.

2- الشرح والإبانة لابن بطة 120.

3- الموافقات للشاطبى 4/3.

4- البدع لابن وضاح 38.

5- جامع العلوم والحكم لابن رجب 23.

6- إرشاد الفحول للشوكانى 312.

7- الحديث والمحدثون لأبى زهو 9.

8- دراسات في السنة النبوية لصديق عبد العظيم 21

9- الحديث النبوى للصباغ 120.

10- معالم السنة النبوية للعتر 17-27.

11- دلائل التوثيق المبكر للسنة، امتياز أحمد 13

12- حجية السنة 51.

13- مفهوم أهل السنة والجماعة للعقل 13- 47

أسئلة التقويم الذاتي

  • عرف السنة لغة وفي اصطلاحات علماء الحديث والفقه والأصول والعقيدة.
  • اربط بين المعاني اللغوية والمعاني الاصطلاحية للسنة.
  • هل تكون السنة في لغة العرب محمودة دائما؟ بين ذلك مع الاستدلال
  • اذكر معنى لغويا للسنة لا يوجد في كتابك المقرر.
  • وضح المعنى الاصطلاحي العام للسنة
  • اربط بين تعريف الفقهاء للسنة اصطلاحا وبين موافقتهم لسائر أهل العلم في المعنى العام
  • اذكر بعض المصنفات التي تحمل عنوان "السنة" ومحتواها في العقيدة
  • قد يراد بالسنة الدين كله، بين ذلك
  • ماهي الاعتبارات التي قسم المحدثون السنة استنادا إليها؟
  • دلّل على أن السنة وحي، وكيف تجمع بين هذا وبين اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم؟
  • كيف نعرف إقرار الله تعالى لما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء بحيث يدخل في حكم
    الموحى به
  • ورد التصريح بالوحي في أحاديث كثيرة، اذكر ثلاثة منها
  • ماهي أقسام ماصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير قصد التبليغ عن الله ، وماحكم كل قسم؟
  • ماهي أقسام السنة من حيث صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع التمثيل
  • اكتب ثلاث صفحات بتعبيرك تضمنها عصارة ما خرجت به من هذا المبحث.

([1]) راجع مادة "سنن" فى معاجم اللغة ، ولاسيما : لسان العرب 13/220 ، القاموس المحيط
4/238 .

([2]) صحيح مسلم 4/2059 – 2060ح15 .

([3]) ديوان حسان بن ثابت 304 .

([4]) النساء : (26) .

([5]) الصحاح للجوهرى 5/2139 .

([6]) شرح المعلقات العشر 227 .

([7]) الحديث والمحدثون 9 .

([8]) راجع : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/71 ، تفسير ابن كثير 1/411 ،3/49 ، الشرح والإبانة لابن بطة 120 ، الموافقات للشاطبى 4/3 ، البدع لابن وضاح 38 ، جامع العلوم والحكم لابن رجب 230 ، الجرح والتعديل لابن أبى حاتم 1/118 ، إرشاد الفحول للشوكانى 312 ، الحديث والمحدثون لأبى زهو 9 ، دراسات فى السنة النبوية 21 ، الحديث النبوى 120 ، معالم السنة النبوية 18 ، دلائل التوثيق المبكر للسنة 13-74 ، حجية
السنة 51 .

([9]) سنن الدارمى 1/145 .

([10]) مجموع الفتاوى 3/378 .

([11]) انظر ما يأتى ص 24 .

([12]) انظر ما يأتى ص 34 .

([13]) انظر مثلا شرح المنهاج للسبكى 1/36 ، كشاف اصطلاحات الفنون 1/777 ، حاشية الرهاوى 1/587 .

([14]) وانظر حجية السنة 59 ، 60.

([15]) مسند الإمام أحمد 1/191 .

([16]) سنن الدارمى 1/145 .

([17]) مقدمة صحيح مسلم 1/151 .

([18]) صحيح البخاري مع فتح الباري 9/104، رقم 5063 .

([19]) راجع سنن أبى داود 4/200 ، وسنن الترمذي الحديث رقم 2678، ومسند أحمد 4/126 ، وهو صحيح الإسناد .

([20]) صحيح البخاري مع الفتح 3/149 ، صحيح مسلم 2/592 .

([21]) سنن الدارمى 1/72 .

([22]) الزهد لابن المبارك 1/281 .

([23]) الشرح والإبانة لابن بطة 135 .

([24]) مجموع الفتاوى 4/436 .

([25]) الجاثية : (18) .

([26]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/69 .

([27]) راجع : حجية السنة 334 ، قواعد التحديث للقاسمى 33 ، 255 ، نهاية السول
للأسنوى 4/357 ، أصول السرخسى 2/59 ، أصول البزدوى 135 ، السنة المفترى
عليها 21-26 ، السنة مفتاح الجنة 31 ، مفتاح الجنة للسيوطى 8 ، 16 ، معارج الوصول لابن تيمية 22 ، الإحكام فى أصول الأحكام لابن حزم 1/88 ، 97 ، 109 ، 124 ،
الرسالة للإمام الشافعى 52 ، منزلة السنة فى التشريع ، د. محمد الجامى 11 ، دراسات فى
السنة 22 ، 36 ، معالم السنة النبوية 19 ، 23 ، الحديث والمحدثون 11 .

([28]) النجم : (3-4) .

([29]) انظر مثلا : كليات أبى البقاء 288 ، قواعد التحديث للقاسمى 59 .

([30]) يونس : (15) .

([31]) القيامة : (16-19) .

([32]) النساء : (113) .

([33]) الرسالة 78 .

([34]) انظر : تفسير الطبرى 3/86 ، تفسير ابن كثير 1/184 ، فتح القدير 1/124 ، معارج الوصول لابن تيمية 22 .

([35]) النساء : (80) .

([36]) سنن الترمذي ، كتاب العلم ، 5/38 .

([37]) سنن أبى داود ، باب لزوم السنة 5/11 .

([38]) سنن أبى داود ، 5/12، سنن الترمذي 5/38 ،مسند أحمد 6/8 ، مستدرك الحاكم 1/108.

([39]) سنن الدارمى 1/125 .

([40]) سنن أبى داود 5/11 ، سنن الدارمى 1/140 ، مسند أحمد 4/131 .

([41]) البخاري مع الفتح 2/4/ح 349 .

([42]) البخاري مع الفتح 13/21 ح 6427 .

([43]) موضع قريب من مكة .

([44]) البخاري مع الفتح 4/ 171 ح 1536 .

([45]) صحيح مسلم رقم 2865 .

([46]) صحيح البخاري مع الفتح 13/ 251 .

([47]) أخرجه البغوى فى شرح السنة 14/305 ح 4112 .

([48]) البخاري مع الفتح 1/157 ح 50 .

([49]) البخاري مع الفتح 4/74 ح 1454 .

([50]) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى 10/117 .

([51]) انظر مجموعة الفتاوى 3/ 366 ، الشرح والإبانة 128 .

([52]) الحجر : (9) .

([53]) انظر هذه النقول عن ابن حزم فى الإحكام فى أصول الأحكام 1/88 ، 90 ، 96 ، 97 ، 109 ، 124 .

([54]) كليات أبى البقاء 288 .

([55]) انظر مفتاح الجنة 16 ، 17 .

([56]) مناهل العرفان 2/239 .

([57]) الحاقة : (44 - 47) .

([58]) الحشر : (7) .

([59]) مفتاح الجنة للسيوطى 19 .

([60]) الأنفال : (67 ، 68) ، سنن الترمذي 4/185 - 186 ح1714 .

([61]) التوبة : (84) .

([62]) سورة عبس 1-12 ، والحديث أخرجه الترمذي والحاكم وابن حبان .

([63]) البخاري مع الفتح 1/15 ح1 -ب- 5/640 ح 2697 -ج- 1/71 ح8 .

([64]) لمزيد من الفائدة راجع : السنة مفتاح الجنة 39 ، السنة قبل التدوين 22 ، منهج النقد فى علوم الحديث 323 قواعد التحديث 66 .

([65]) صحيح مسلم 4/2289 ح46 .

([66]) البخاري مع الفتح 4/734 ح1972 ، 1/473 ح245 ، 3/291 ح1106 .

([67]) الأحزاب : (21) .

([68]) آل عمران : (31) .

([69]) البخاري مع الفتح 2/321 ح 631 .

([70]) صحيح مسلم 2/943 ح310 .

([71]) البخاري مع الفتح 3/109 ح946 .

([72]) البخاري مع الفتح 3/140 ح970 .

([73]) سنن أبى داود 1/241 .

([74]) البخاري مع الفتح 4/610 ح 1902 .

([75]) البخاري مع الفتح 6/52 ح 2768 .

([76]) البخاري مع الفتح 7/258 ح 3548 .

([77]) انظر الروض الأنف للسهيلى 2/8 .