ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  145
تفاصيل المتواجدون

التدوين في القرن الأول

المادة

التدوين في القرن الأول

393 | 13-11-2020

أولاً: تدوين السنة بدأ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

اشتهر بين عامة الناس من غير ذوي التتبع والاستقصاء أن الحديث أو ما يطلق عليه علماء الحديث لفظ (العلم) ظل أكثر من مائة سنة يتناقله العلماء حفظاً دون أن يكتبوه، واستمر هذا الظن قرابة خمسة قرون متتابعة وهو يزيد توسعاً ويطرد قوة، حتى جاء الخطيب فتتبع مسائل هذا الموضوع وجمع شتاته وألف في ذلك (تقييد العلم).

أما سبب هذا الظن فهو خطأ في تأويل ما ورد عن المحدثين في تدوين الحديث وتصنيفه، فقد ذكر هؤلاء أن أول من دَوَّنَ العلم ابن شهاب الزهري المتوفي سنة 124 أو 125هـ، وذكروا أول من صنف الكتب فإذا هم جميعاً ممن عاش حتى بعد سنة 143هـ تقريباً.

ولم يعط العلماء قبل الخطيب هذه الأقوال حقها من التأويل العميق والفهم الدقيق، بل رووا الأقوال بشكل يوهم بأنه فعلاً أول من كتب الحديث ودونه ابن شهاب الزهري، وأول من صنفه في الكتب أتى بعده.

وغلبت هذه الفكرة على أصحاب الكتب الجامعة: كأبي طالب المكي والإمام الذهبي والحافظ ابن حجر والمقريزي، وصاحب أبجد العلوم وغيرهم فكانوا يؤيدونها رغم أنهم كانوا يجدون لها نقيضاً، وذلك أنهم يذكرون أن من بعد الصحابة والتابعين كانوا يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة كتبت في عصر الصحابة والتابعين.

إذن حصل هناك تدوين قبل عصر الإمام الزهري الذي يعد من طبقة صغار التابعين.

وقد حاول الخطيب أن يثبت أن تقييد العلم كان موجوداً في حياته صلى الله عليه وسلم وفي عصر الصحابة والتابعين كذلك، فقاده ذلك إلى البحث في تاريخ تقييد العلم، فجمع الأحاديث والأخبار التي لها صلة بنشأة تقييد العلم، وهي أكثر مما جمعه سلفه، ووجدها تنتظم في حلقتين مختلفتين متضادتين، فبعضها يشير إلى جواز كتابة الحديث والإقبال عليه، والآخر يظهر خلاف ذلك، وهذا ما قد كان وجده متقدموه، غير أنه ألفى شيئاً جديداً فيها، وهو أن بعضها يتضمن الإشارة إلى سبب كراهة الكتابة، فبدا له أن يفرد هذه النصوص بباب خاص علها تنط من نفسها عما يزيل الخلاف ويرفع التناقض.

وقد خصص – رحمه الله تعالى – الفصل الأول من القسم الأول من كتابه للآحاديث المرفوعة التي تنهي عن كتابة الحديث، وقد حاول استيعابها بكافة طرقها الصحيحة والضعيفة.

ولكن هذه الروايات كلها على اختلاف طرقها لم يصح منها شيء سوى حديث أبي سعيد الخدري: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ..." الحديث الذي أخرجه مسلم مرفوعاً، وقد أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد.

وفي الفصلين الثاني والثالث من هذا القسم أورد ما رُوِي من الآثار والأخبار عن الصحابة والتابعين في كراهة كتابة الحديث والنهي عنها.

وعمد – رحمه الله – في الفصل الأول من القسم الثاني إلى ذكر الروايات عن الصحابة التي تنص على علة كراهتهم لكتابة ما سوى القرآن ويلخص تلك العلة بقوله: (فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه... ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميز بين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلا يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن.

ويضيف في مطلع الفصل الثاني من القسم الثاني أسباباً أخرى للنهي أو الامتناع عن الكتابة فيقول: (وأمر الناس بحفظ السنن، إذ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونهي عن الإتكال على الكتاب لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب، قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان ولهذا قال سفيان الثوري: "بئس مستودع العلم القراطيس".

وكان سفيان يكتب؛ أفلا ترى أن سفيان ذم الاتكال على الكتاب وأمر بالحفظ وكان مع ذلك يكتب احتياطاً واستيثاقاً وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفاً من أن يتكل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ).

وأما القسم الثالث فقد أفرد منه ثلاثة فصول في الأحاديث والآثار الواردة في الإذن بكتابة العلم:-

الأول: فيما ورد مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقد أورد فيه روايات كثيرة منها الصحيح مثل:

1- حديث أبي هريرة: "ما من الصحابة أحد أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه يكتب وأنا لا أكتب..."

2- وعنه أيضاً قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة... إلى أن قال اكتبوا لأبي شاة...".

3- حديث ابن عباس: "...إن رسول الله صلى عليه وسلم قال في مرضه: "أئتوني بكتاب لكم كتاباً لا تضلوا بعده".

4- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (..كنت أكتب كل شيء أسمهعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم... إلى أن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق".

ومنها الضعيف وهي كثيرة وبعضها قد يعتضد.

والفصل الثاني: عنوانه بقوله: (باب ذكر من رُوي عنه من الصحابة – رضي الله عنهم – أنه كتب العلم أو أمر بكتابته).

وقد أورد في هذا الفصل روايات كثيرة عنهم وأكثرها صحيحة، إذ منها ما هو في الصحاح، ومنها ما هو في السنن وغيرها.

ولم يخلها من تعليقاته واستنباطاته – رحمه الله – من ذلك مثلاً:

وما جاء في تعقيبه على ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: (ما كنا نكتب شيئاً غير القرآن والتشهد) حيث قال: وأبو سعيد الخدري هو الذي رُوي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي سَوَىَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ".

ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد، وفي ذلك دليل أن النهي عن كتب ما سوى القرآن، إنما كان على الوجه الذي بيناه: من أن يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أمن ذلك ودعت الحاجة إلى كتب العلم لم يكره كتبه، كما لم تكره الصحابة كتب التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من العلوم في أن الجميع ليس بقرآن، ولن يكون كتب الصحابة ما كتبوه من العلم وأمروا بكتبه إلا احتياطاً كما كان كراهتهم لكتبه احتياطاً والله أعلم).

أما الفصل الثالث من هذا القسم فقد خصصه لذكر الروايات عن التابعين في ذلك: حيث ساق بأسانيده إلى أئمة وكبار التابعين تلك الروايات عنهم في كتابتهم للحديث وإذنهم لتلاميذهم بل وحثهم على كتابة الحديث.

أما عن سبب اتساع الناس في كتب العلم في عصر ما بعد التابعين واتكالهم على الكتاب فيقول الخطيب – رحمه الله: (إنما اتسع الناس في كتب العلم، وعولوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك؛ لأن الروايات انتشرت والمسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت، والعبارات بالألفاظ اختلفت فعجرت القلوب عن حفظ ما ذكرنا وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ مع رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك).

وبعد: فقد اكتفيت في هذه الفقرة بالاقتصار على تحليل ما ورد في الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب (تقييد العلم) للحافظ أبي بكر الخطيب ت 463هـ مستفيداً مما كتبه الأستاذ يوسف العش في تصديره للكتاب وتعليقه على حواشيه، وذلك لأمور منها:

1- أن هذا الكتاب أقدم وأوسع وأشمل كتاب في هذا الباب إذ لم يسبق مؤلفه إلى جمع مثله ولم أقف على كتاب مثله لمن جاء بعده، إلا أن معاصره الحافظ بن عبد البر حاول نفس المحاولة في جامع بيان العلم لكن لم يكن بسعة كتاب الخطيب وشموله فضلاً عن تفوق كتاب الخطيب على كتابه في جودة الترتيب وحسن التنسيق.

2- ومنها: أن النتائج التي توصل إليها الخطيب – رحمه الله – من خلال جمعه ودراسته لما رُوي في هذا الموضوع نتائج هامة، ووجدت فيها بلسماً شافياً وجوباً كافياً على تلك التساؤلات حول تدوين السنة المطهرة، متى بدأ وكيف بدأ كما أنني ألفيت الكتاب ونتائجه التي توصل إليها جواباً دامغاً – لما تضمنه من الحقائق – على تلك الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون وأذنابهم من أبناء جلدتنا المندسون في صفوفنا حول تدوين السنة النبوية، مستغلين ظاهر حديث أبي سعيد في النهي عن كتابة الحديث، وما روي من أن التدوين لم يبدأ إلا في عصر الإمام الزهري.

وهذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الكتاب:

أولاً: أنه لم يصح حديث في النهي عن كتابة الحديث سوى حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم، مع اختلاف بين البخاري ومسلم في رفعة ووقفه.

ثانياً: أن الأمر استقر في حياته صلى الله عليه وسلم على إباحة الكتابة، وقد قدم المؤلف عدة أدلة على ذلك، بل ذكر أدلى من الكتاب والسنة على الحث على الكتابة.

ثالثاً: أن التدوين بمعناه الواسع – وهو الجمع – قد بدأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: أن امتناع من امتنع من الصحابة والتابعين عن كتابة الحديث ليس للنهي الوارد في حديث أبي سعيد الخدري، ولكن هذا الامتناع معلل بأسباب أخرى منها:

خوف انكباب الناس على الكتب وانشغالهم بها عن القرآن، وقد أورد الخطيب عن السلف النصوص الكثيرة المصرحة بذلك.

ومنها الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين إذ الاتكال على الكتاب يضعفها، ولذلك كان بعضهم يكتب ثم يمحو ما كتب، ولو كان النهي عن الكتابة مستقر عندهم لما كتبوا ابتداءً.

وقبل أن ننهي الكلام عن هذه الفقرة أنقل هنا كلام أهل اللغة في التفريق بين معنى التدوين ومعنى التصنيف، إذ بمعرفة ذلك يزول كثير من اللبس:

فالتدوين: هو تقييد المتفرق المشتت وجمعه في ديوان أو كتاب تجمع فيه الصحف، قال في القاموس: (التدوين مجتمع الصحف).

وقال في تاج العروس: "وقد دونه تدويناً جمعه"، فهو بهذا المعنى أوسع من التقييد بمعناه المحدود.

أما التصنيف: فهو أدق من التدوين إذ هو ترتيب ما دون في فصول محدودة وأبواب مميزة.

قال في التاج: "...وصنفه تصنيفاً جعله أصنافاً وميز بعضها عن بعض، قال وقال الزمخشري في الفائق: "... ومنه تصنيف الكتب".